" وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا "(الشمس:4).


هذه هي الآية الرابعة في سورة الشمس‏,‏ وهي السورة التي استهلها ربنا ـ تبارك وتعالى ـ‏ بالقسم بالشمس وبأربع من صفاتها المميزة فقال ـ‏ عز من قائل ـ :‏ " وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ‏ . وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا . وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا ‏ .‏ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا‏ ‏" (‏الشمس‏:1‏ ـ‏4)‏ وسورة الشمس سورة مكية، يدور محورها حول ضرورة تزكية النفس الإنسانية بالتعرف على خالقها ورازقها ومدبر أمرها‏,‏ والخضوع له‏‏ وحده بالعبادة الخالصة‏,(‏ بغير شريك، ولا شبيه، ولا منازع‏),‏ وبالطاعة لأوامره‏,‏ واجتناب نواهيه‏,‏ والاجتهاد في عمارة الأرض‏,‏ وإرساء القواعد الأساسية لإقامة عدل الله فيها‏,‏ وهذا هو مفتاح الفلاح في الدنيا‏,‏ والنجاة في الآخرة‏؛ لأن الإنسان إذا لم يجتهد في تزكية نفسه بهذا المنهج الرباني‏‏ أغواه الشيطان باتباع الهوى‏,‏ والإغراق في إشباع الشهوات‏,‏ والانصراف عن معرفة الله‏,‏ وعن فهم حقيقة رسالة الإنسان في هذه الحياة، فيضل ويشقى كما يشقى غيره‏,‏ ويظل كذلك حتى يدركه الموت ولم يحقق شيئاً من رسالته في هذه الحياة الدنيا‏,‏ فخسر الدنيا والآخرة ، وذلك هو الخسران المبين‏ .‏
فالإنسان مخلوق ذو إرادة حرة، يختار بها طريقه في هذه الحياة إما إلى الخير أو إلى الشر‏,‏ وعلى أساس من هذا الاختيار يكون نجاحه أو فشله في الدنيا‏,‏ ونجاته أو هلاكه في الآخرة‏,‏ ومن طبائع النفس الإنسانية ومن استعداداتها الفطرية قبولها للخير أو للشر بإرادة مطلقة‏,‏ واختيار حر‏,‏ يعقبهما حساب عادل دقيق‏,‏ ولذلك يستمر القسم في سورة الشمس بأربع آيات أخر من آيات الله في الآفاق والأنفس على صدق هذه الحقيقة فيقول ربنا‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ :‏ " وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا‏ .‏ وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا .‏ ونفس وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا . فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا‏ " (‏الشمس‏:8:5)‏ . ثم يأتي جواب هذا القسم المغلَّظ بتسع من آيات الله واضحاً وضوح الشمس في رائعة النهار . يقول فيه الخالق ‏ـ سبحانه وتعالى ـ :‏ " قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا .‏ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا " (‏الشمس‏:10,9)‏ وهاتان الآيتان الكريمتان تلخصان رسالة الإنسان في هذه الحياة ‏:‏ عبداً لله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ يعبده بما أمر‏,‏ ويحسن القيام بواجبات الاستخلاف في الأرض‏,‏ ترجمة دقيقة لما أمر به ربنا ـ تبارك وتعالى‏ ـ من الإيمان الصادق والعمل الصالح‏,‏ ولا يمكن أن يتحقق ذلك للإنسان إلا بالتعرف على دين الله من مصادر ربانية خالصة لم يداخلها أدنى قدر من العبث الإنساني‏,‏ والتقول على الله بالتحريف والتبديل والتغيير في الدين الذي أنزله لعباده‏,‏ ولا يتوفر ذلك لإنسان اليوم إلا في القرآن الكريم وفي سنة خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏  وقد تعهد الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ بحفظهما فحفظا في صفائهما الرباني‏,‏ وإشراقاتهما النورانية في الوقت الذي تعرضت فيه كل صور الوحي السابقة إما للضياع التام أو للتحريف الذي أخرجها عن إطارها الرباني، وجعلها عاجزة عن هداية البشرية‏ .

‏ وبعد تعرف الإنسان على هذا الحق الرباني، عليه أن يلزم نفسه بأوامر الله‏,‏ وأن يجنِّبها نواهيه في عملية مستمرة من التزكية لهذه النفس الإنسانية، ومحاسبتها أولاً بأول‏,‏ حتى يصل صاحبها إلى تحقيق مرضاة الله فيفلح في الدنيا‏,‏ وينجو من أهوال الآخرة‏؛‏ لأنه إذا لم يفعل ذلك فإنه سوف يترك نفسه على هواها " إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي ‏.. " (يوسف:53) فيغرق في بحور من ضلال الكفر، أو الشك، أو الشرك‏،‏ أو الفساد والنفاق وسوء الأخلاق‏,‏ والإنحراف عن منهج الله في الحياة‏,‏ فيخيب ويشقى، ويُشقي غيره في الدنيا، ويخسر ويهلك في الآخرة ، وهذا هو الخسران المبين‏ .‏ وللتحذير من هذا المصير الوخيم تشير سورة الشمس إلى قصة ثمود قوم نبي الله صالح‏ ـ‏ على نبينا الكريم وعليه وعلى انبياء الله أجمعين من الله أفضل الصلاة وأزكي التسليم‏ ـ وقد بغوا وطغوا في الأرض، وعصوا أمر ربهم‏,‏ وكذبوا رسول الله إليهم‏,‏ وعقروا الناقة التي جعلها الخالق‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ لهم آية ومعجزة واختبارا فشلوا فيه‏,‏ فحق عليهم عقاب الله ونكاله‏,‏ وفي ذلك جاءت الآيات في ختام السورة الكريمة بقول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ :‏ " كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا . إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا‏ .‏ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا‏ . فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا . وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا "‏ (‏الشمس‏:11‏ ـ‏15) .‏ فالله ـ تعالى ـ لا يخشى عقبى قرار يتخذه؛ لأنه ـ أولاً وقبل كل شيء ـ هو رب هذا الكون ومليكه‏,‏ لا شريك له في ملكه‏,‏ ولا منازع له في سلطانه‏,‏ وهو ـ تعالى ـ " لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ‏... ",‏ ثم إن قراره ـ ‏سبحانه وتعالى‏ ـ هو العدل المطلق الذي لا يخالطه أدنى قدر من الجور أو الظلم‏,‏ ولذلك ختمت سورة الشمس بالقرار الإلهي ‏:‏ " وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا "‏ (الشمس:15) .
وفي مقالات سابقة عرضنا لجوانب من الإعجاز العلمي في الآيات الثلاث الأولى من سورة الشمس‏,‏ ونعرض هنا لشيء من تلك الجوانب في الآية الرابعة التي نحن بصددها‏,‏ وقبل الدخول إلى ذلك لابد من التعرض للدلالة اللغوية لألفاظ الآية الكريمة، ولأقوال عدد من المفسرين السابقين في شرح معانيها‏ .‏ الدلالة اللغوية لألفاظ الآية الكريمة : ‏(‏الليل‏)‏ واحد‏‏ بمعنى جمع‏,‏ وواحدته‏ (‏ليلة‏)‏ ، وقد جمع على ‏(‏ليال‏)‏ فزادوا فيها الياء لتصبح‏ (‏ليالي‏)‏ على غير قياس كما فعلوا في أهل وأهال فصيروها أهالي‏,‏ كما يجمع‏ (‏ليل‏)‏ على ‏(‏ليائل‏)‏ و ‏(‏ليلة‏)‏ على‏ (‏ليلات‏)‏، ويقال ‏: (‏ليل‏)‏ و‏(‏ليلة ليلاء وأصلها ليلاة‏)‏ للتعبير عن شدة الظلمة‏,‏ كما يقال‏: (‏ليل لائل‏)‏ للتأكيد على شدة ظلمته‏,‏ ويقال ‏:‏ عامله ‏(‏ملايلة‏)‏ أي بالليلة مثل قولهم مياومة أي باليوم‏ .‏ ‏(‏غشي) (‏غشاوة‏)‏ و‏(‏غشاء‏)‏ و‏(‏غُشياناً‏)‏ و‏(‏تغشية‏)‏ بمعنى غطَّى وستر‏؛ لأن‏ (‏الغشاء‏)‏ هو الغطاء الرقيق، وكذلك ‏(‏الغشوة‏)،‏ والجمع‏ (‏غواش‏).‏ يقال ‏: (‏غشيه‏)‏ و‏(‏تغشاه‏)‏ و‏(‏غشيته‏)‏ كذا أي‏:‏ غطَّيته به‏,‏ و‏(‏أغشاه‏)‏ إياه غيره‏,‏ ويقال‏:(‏استغشى‏)‏ بثوبه و‏(‏ تغشَّى‏)‏ به أي تغطي به‏,‏ كما يقال‏ : (‏غشيه‏) (‏غشياناً‏)‏ بمعنى جاءه ، يقال ‏: (‏غشيت‏)‏ موضع كذا أي اتيته‏,‏ و‏(‏غشيه‏)‏ بالسوط بمعنى ضربه به‏,‏ و‏(‏الغاشية‏)‏ هي القيامة؛ لأنها تغشى الخلائق بأفزاعها‏,‏ و‏(‏الغاشية‏)‏ أيضاً هي ‏(‏غاشية‏)‏ السرج أي غطاؤه‏,‏ ويقال‏ : (‏غُشي‏)‏ عليه ‏(‏غشية‏)‏ و‏(‏غشيا‏)‏ و‏(‏غشيانا‏)‏ فهو‏ (‏مغشي‏)‏ عليه أي غائب عنه وعيه‏,‏ أي حجب عنه عقله وإدراكه ‏.‏

الليل في القرآن الكريم :
ورد ذكر ‏(‏الليل‏)‏ في القرآن الكريم في اثنين وتسعين‏(92)‏ موضعاً‏,‏ منها ثلاثة وسبعون‏(73)‏ بلفظ ‏(‏الليل‏),‏ وثمانية‏(8)‏ بلفظ ‏(‏ليلة‏),‏ وخمسة‏(5)‏ بلفظ ‏(‏ليلا‏ًً),‏ وثلاثة‏(3)‏ بلفظ‏ (‏ليالٍ‏),‏ ومرة واحدة بكلٍ من الألفاظ الثلاثة‏ (‏ليل‏),‏ و‏(‏ليلها‏),‏ و‏(‏ليالي‏) .‏ وفي أغلب هذه المواضع يمنُّ علينا ربنا‏ ـ تبارك وتعالى ت بتبادل الليل والنهار‏,‏ لما في ذلك من استقامة للحياة على الأرض‏,‏ وعون للإنسان على تحديد الزمن‏,‏ وتأريخ الأحداث المتتابعة‏؛‏ لأنه بدون ذلك التبادل بين الليل المظلم والنهار المنير، يتلاشى إحساس الإنسان بمرور الزمن‏,‏ وتتوقف قدرته على متابعة الأحداث والتأريخ لها ‏.‏ فالليل والنهار آيتان كونيتان عظيمتان من آيات الله في الخلق، تشهدان على دقة بناء الكون‏,‏ وانتظام حركة الأرض حول محورها أمام الشمس‏,‏ وعلى حكمة ميل هذا المحور من أجل تبادل الفصول المناخية على الأرض في ظل تبادل الليل والنهار بانتظام دقيق‏,‏ وإحكام بالغ‏ .‏

والتبادل المنتظم بين الليل المظلم والنهار المنير على نصفي الكرة الأرضية هو من الضرورات اللازمة لاستقامة الحياة على سطحها‏,‏ فبهذا التبادل يتم التحكم في كلٍ من درجات الحرارة‏,‏ والرطوبة‏,‏ وكميات الضوء اللازمة لمختلف الأنشطة الحياتية ، مثل التنفس والنتح‏,‏ والتمثيل الضوئي‏,‏ والأيض وغيرها‏,‏ وتكفي في ذلك الإشارة إلى نشاط الغدة الصنوبرية في إنتاج أحد الهورمونات الهامة لحياة الإنسان، ألا وهو هورمون‏ (‏الميلاتونين‏)‏ بالليل‏,‏ وتوقفها عن ذلك بالنهار‏,‏ وهذا الهورمون يلعب دوراً هاماً في المحافظة على جسد الإنسان؛ لأنه من مضادات الأكسدة‏(ANTI-OXIDANTS)‏، فيقلل من فرص التعرض لأمراض القلب والشرايين بالتقليل من فرص تجلط الدم‏,‏ ويعمل على المحافظة على الخلايا العصبية وخلايا الدماغ‏,‏ كما يعمل على تقوية جهاز المناعة بالجسم‏,‏ ويؤخر ظهور آثار الشيخوخة عليه‏,‏ ويبدو أن التعرض لطاقة الشمس بالنهار يزيد من قدرة الغدة الصنوبرية على إفراز هورمون ‏(‏السيروتونين‏)‏ بالنهار، وعلى إفراز الميلاتونين بالليل‏,‏ بينما تعرض الإنسان بالليل للأضواء الاصطناعية لا يساعد على إنتاج السيروتونين، ويثبط من قدرة هذه الغدة على إفراز الميلاتونين الذي تتناقص معدلات إنتاجه بزيادة شدة الضوء الذي يتعرض له الإنسان‏,‏ وتزيد تلك المعدلات كلما اشتد الظلام ‏.ومن بديع صنع الله في جسم الإنسان أنه بمجرد أن تلتقط عيناه شعاع النور في النهار ترسل رسالة إلى الساعة الحياتية في جسده عن طريق جهازه العصبي فيتوقف إنتاج الميلاتونين‏,‏ ويبدأ الجسد في إنتاج غيره من الهورمونات ‏(‏مثل هورمون النهار المعروف بأسم السيروتونين‏),‏ وتنعكس هذه العملية مباشرة بمجرد غياب الشمس‏,‏ ومن هنا يتضح جانب من الجوانب الكثيرة لأهمية تعاقب الليل والنهار‏,‏ والتي لا يمكن حصرها في هذا المقال ‏.‏ كذلك فإنه بهذا التعاقب يتم ضبط التركيب الكيميائي للغلاف الغازي المحيط بالأرض‏,‏ وضبط دورة الماء بين الأرض والسماء‏,‏ وتنظيم حركة كلٍ من الرياح‏,‏ والسحب‏,‏ وتوزيع المناخ‏,‏ ونزول الأمطار ـ بإذن الله وحسب مشيئته ‏.‏ وبذلك أيضاً يتم تفتيت الصخور‏,‏ وتكوين كلٍ من التربة الصالحة للإنبات‏,‏ والصخور الرسوبية ومابها من مختلف الثروات الطبيعية‏,‏ وغير ذلك من العمليات والظواهر الأرضية التي بدونها لم يكن ممكناً للأرض أن تكون صالحة لاستقبال الحياة‏ .‏ وفي مقدمة تلك العمليات توزيع مايصيب الأرض من الطاقة الشمسية‏ أثناء النهار على كافة أرجاء هذا الكوكب بالنسبة لعمران كلٍ منها‏,‏ وتوفير القدر الكافي من الظلمة لاستكمال أسباب الراحة والهدوء والسكينة أثناء الليل‏,‏ وهي من ضرورات استمرارية الحياة لكلٍ من الإنسان والحيوان والنبات ‏.‏

من أجل ذلك كله‏,‏ ومن أجل تنبيهنا إلى عظيم أهميته‏,‏ وإلى عميق دلالته على طلاقة القدرة الإلهية المبدعة لهذا الكون، أقسم ربنا ـ‏ وهو الغني عن القسم ـ بالليل والنهار‏,‏ وبتبادلهما‏,‏ وتعاقبهما‏,‏ واختلافهما‏,‏ وإيلاج كلٍ منهما في الآخر‏,‏ وإدبار أحدهما لاستقبال الآخر‏,‏ وجعل كلٍ منهما خلفة للآخر‏,‏ وتقليبه على الآخر‏,‏ وإغشاء أحدهما بالآخر‏,‏ وطلب أحدهما للآخر‏,‏ وكلها إشارات ضمنية رقيقة إلى كروية الأرض ودورانها حول محورها أمام الشمس‏,‏ وسبحها في مدارها حول هذا النجم العظيم‏,‏ وعلى رقة طبقة النهار بالنسبة إلى الظلمة الشاملة للجزء المدرك من الكون، وكلها من الحقائق التي لم يدركها الإنسان إدراكاً كاملاً إلا بإنتهاء القرن العشرين‏,‏ ولايزال نفر كثير من بني الإنسان لا يعرف شيئاً عنها أو ينكرها إذا سمع بها ‏.‏
وهذا السبق القرآني بهذه الحقائق الكونية وبالعديد من غيرها لمما يجزم بأن القرآن الكريم لا يمكن أن يكون صناعة بشرية‏,‏ بل هو كلام الله الخالق‏,‏ الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله ليكون هداية للبشرية منذ نزوله وإلى أن يرث الله ـ تعالى‏ ـ الأرض ومن عليها‏ .‏ ولذلك يمن علينا ربنا تبارك وتعالى‏ ـ‏ وهو صاحب الفضل والمنة ـ بتبادل الليل والنهار في عدد كبير من آيات القرآن الكريم نختار منها قوله‏ ـ عز من قائل‏ ـ :" إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ ‏ " (‏يونس‏:6)‏.
وقوله سبحانه وتعالى‏ : "‏ يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ "‏‏ (‏النور‏:44)‏ . وقوله‏(‏ تبارك اسمه‏) :‏" وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً ‏" (‏الفرقان‏:62)‏ .
وقوله‏(‏ سبحانه‏) :‏" قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ . قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ‏ .‏ وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ "‏ (‏القصص‏:71‏ ـ‏73) .

وآيات القرآن الكريم تفرق في وضوح تام بين ليل الأرض وليل السماء‏,‏ وهي حقيقة لم يدركها الإنسان إلا بعد رحلات الفضاء،‏ فحينما يقول ربنا ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :"...‏ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ ‏..." (‏الزمر‏:5)‏ و يقول‏ ـ‏ عز من قائل‏ ـ: " وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ " (‏الروم‏:23)‏ والآيات الأخرى الكثيرة التي تتعلق بالأرض وحركاتها أو أهلها، فإن المقصود بالليل فيها هو ليل الأرض‏,‏ ولكن في سورة النازعات تأتي الإشارة إلى ليل آخر هو ليل السماء الذي يصفه الحق ـ‏ سبحانه‏ ـ بقوله ‏:‏ " أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا‏ . رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا . وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا " (‏النازعات‏:27‏ـ‏29)‏ وضمير الغائب في كلمة ‏(‏ليلها‏)‏ الواردة في الآية رقم‏(29)‏ من سورة النازعات عائد على السماء حقاً‏,‏ وأغطش ليلها أي أظلمه ‏(‏من الغطش وهو العمش‏,‏ أو التعامي عن الشيء‏,‏ ولذلك يقال‏:‏ فلاة غطشى أي لا يُهتدى فيها‏,‏ واستعير ذلك للظلمة التي لا يهتدي فيها لشيء‏) .‏ ومعنى الآية الكريمة أن الله‏ ـ تعالى ـ قد جعل السماء حالكة السواد من شدة إظلامها‏,‏ فهي في ليل دائم سواء اتصل ليلها بليل الأرض ‏(‏في نصف الكرة الأرضية التي يعمها الليل‏)‏ أو انفصل ليل السماء عن الأرض بطبقة النهار في نصف الأرض المواجه للشمس‏,‏ وهي طبقة لا يتعدى سُمكها مائتي كيلو متر فوق مستوى سطح البحر‏,‏ فإذا قيست بالمسافة المتوسطة بين الأرض والشمس ، والمقدرة بحوالي المائة وخمسين مليون كيلو متر‏,‏ أو بنصف قطر الجزء المدرك من الكون، والمقدر بأكثرة من عشرة بلايين من السنين الضوئية اتضح مدى رقة طبقة نور النهار على نصف الأرض المواجه للشمس إذا قورن بظلمة الكون، أو بما سماه القرآن الكريم باسم ليل السماء‏ .‏ كذلك فإننا نجد في لفظة ‏(‏ضحاها‏)‏ الواردة في نفس الآية الكريمة رقم‏(29)‏ من سورة النازعات، والتي يقول فيها ربنا ‏(تبارك وتعالى‏) :"..‏ وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا " أن ضمير الغائب يعود على السماء‏,‏ ويصبح ضحى الأرض هو ضحى السماء‏,‏ وهو النطاق السفلي من الغلاف الغازي للأرض إلى ارتفاع مائتي كيلو متر من مستوى سطح البحر المحيط بنصف الكرة الأرضية المواجه للشمس، والذي ينعكس فيه ضوء الشمس ويتشتت على ملايين الجسيمات الصلبة والسائلة والغازية في هذا الجزء من الغلاف الغازي للأرض ، مثل هباءات الغبار، وقطيرات الماء وبخاره، وجزيئات النيتروجين والأوكسجين، وثاني أكسيد الكربون، وغيرها، فتتحول موجات الطاقة القادمة من الشمس إلى هذا النور الأبيض المبهج ومايصاحبه من دفء في نهار الأرض‏,‏ فتدركه أحاسيس المشاهدين من أهلها‏ .‏ والضحى في الأصل هو انبساط الشمس في الجزء الشرقي من سماء الأرض وامتداد النهار إلى الظهيرة‏,‏ ثم سمي به الوقت المعروف باسم صدر النهار‏,‏ حين ترتفع الشمس ‏(‏في حركتها الظاهرية الناتجة عن دوران الأرض حول محورها‏),‏ ويظهر نور النهار جلياً للعيان في نصف الأرض المواجه للشمس‏,‏ بينما يبقى معظم الكون غارقاً في ليل السماء الذي يلتقي بليل الأرض في نصف الأرض البعيد عن مواجهة الشمس‏,‏ وكذلك الحال بالنسبة لكواكب السماء التي لها غلاف غازي مقارب إلى الغلاف الغازي للأرض‏ .



من أقوال المفسرين :
في تفسير قوله ـ تعالى ـ :‏ " وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا‏ "‏ ‏.
ذكر ابن كثير‏ـ رحمه الله رحمة واسعة‏ ـ مانصه ‏: ...‏ وقالوا في قوله ـ تعالى ـ ‏: "‏ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا "‏ يعني إذ يغشى الشمس حين تغيب فتظلم الآفاق .‏ (انتهى قول المفسر).
‏ وجاء في تفسير الجلالين‏ ـ‏ رحم الله كاتبيه‏ ـ‏ مانصه ‏:"‏ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا ‏ "‏ يغطيها بظلمته‏,‏ و‏"‏ إِذَا‏ "‏ في الثلاثة لمجرد الظرفية ‏(‏فلا تفيد الشرطية‏),‏ والعامل فيها فعل القسم‏ (‏المقدر‏:‏ أقسم‏) .‏ .‏ (انتهى قول المفسر) ‏.
وجاء في الظلال‏ ـ‏ رحم الله كاتبها برحمته الواسعة جزاء ماقدم ـ‏ مانصه ‏: ...‏ والتغشية هي مقابل التجلية‏.‏ والليل غشاء يضم كل شيء ويخفيه‏,‏ وهو مشهد له في النفس وقع‏,‏ وله في حياة الإنسان أثر كالنهار سواء ‏.‏ .‏ (انتهى قول المفسر) .
‏ وجاء في صفوة البيان لمعاني القرآن‏ ـ‏ على صاحبه من الله الرحمات ـ مانصه ‏:‏ ‏...‏ أي يغشى الشمس فيغطي ضوءها‏,‏ أو يغشى الدنيا بظلمته ‏.‏ .‏ (انتهى قول المفسر) ‏.
وذكر أصحاب المنتخب في تفسير القرآن الكريم‏ ـ‏ جزاهم الله جميعاً خير الجزاء على ماقدموا‏ ـ‏ مانصه ‏:‏ وبالليل إذا يغشى الشمس‏,‏ فيغطي ضوءها ‏.‏ .‏ (انتهى قول المفسر) ‏.
وجاء في صفوة التفاسير ـ‏ جزى الله كاتبها خيراً‏ ـ‏ مانصه ‏:‏ ‏...‏ أي وأقسم بالليل إذا غطَّى الكون بظلامه‏,‏ ولفَّه بشبحه‏,‏ فالنهار يجلي المعمورة ويظهرها‏,‏ والليل يغطيها ويسترها‏ ...‏ .‏ (انتهى قول المفسر) الدلالة العلمية للآية الكريمة : السياق القرآني الكريم في مطلع سورة الشمس واضح الدلالة على أن ضمير الغائب في الآيات الأربع الأولى من هذه السورة المباركة يعود على الشمس‏,‏ وكان هذا واضحاً للمفسرين السابقين من الناحية اللغوية دون أدنى شك‏,‏ ولكن صعوبة فهم كيفية تجلية النهار للشمس‏,‏ وكيفية غشيان الليل لها دفع بعدد من المفسرين إلى نسبة ضمير الغائب في الآيتين الثالثة والرابعة إلى الأرض أو إلى السماء أو إلى الكون‏؛ وذلك لأن الناس منذ الأزل يؤمنون بأن الشمس هي التي تجلي النهار‏,‏ ولم يكن أحد من الخلق يتصور إمكانية أن يكون النهار هو الذي يجلي الشمس‏ ،‏ ولكن بعد ريادة الفضاء اتضح للعلماء ان طبقة النهار التي تحيط بنصف الكرة الأرضية المواجه للشمس هي طبقة رقيقة جداً لا يتعدى سُمكها المائتي كيلو متر فوق مستوى سطح البحر‏,‏ وإذا قورن هذا السمك بطول المسافة الفاصلة بين الأرض والشمس، والمقدرة بحوالي المائة والخمسين مليون كيلو متر في المتوسط، اتضحت لنا الرقة الشديدة لطبقة النهار الأرضي، وتحركها باستمرار مع دوران الأرض حول محورها أمام الشمس‏,‏ وجرياً معها في مدارها حول هذا النجم‏ .‏ كذلك إذا قورن سُمك طبقة النهار الأرضي بنصف قطر الجزء المدرك لنا من الكون‏ ، (‏والمقدر بأكثر من عشرة بلايين من السنين الضوئية‏)‏ زاد إحساسنا بضآلة سُمك طبقة النهار ـ على أهميتها البالغة ـ‏ وثبت لنا أن الأصل في الجزء المدرك لنا في الكون هو الإظلام التام بالنسبة للإنسان‏,‏ ومعنى ذلك أن ضوء الشمس لا يُرى بواسطة الإنسان إلا في طبقة النهار الأرضي الرقيقة، حيث يتم انعكاس وتشتت هذا الضوء على ملايين الهباءات من الغبار‏,‏ وقطيرات الماء وبخاره‏,‏ وجزيئات النيتروجين والأوكسجين وثاني أكسيد الكربون وغيرها من مكونات هذا الجزء السفلي من الغلاف الغازي للأرض ‏.‏

ولما كانت هذه المكونات تتضاءل كماً وكثافة حتى تكاد تتلاشى‏,‏ وذلك بالارتفاع في الغلاف الغازي للأرض لأكثر من مائتي كيلو متر‏,‏ فإن الشمس تُرى بعد هذا الارتفاع على هيئة قرص أزرق في صفحة سوداء، وبذلك ثبت لنا أن الأصل في الكون هو الإظلام‏,‏ وأن نور النهار هو نعمة من الله الخالق منَّ بها على عباده وخلقه من أهل الأرض‏,‏ وأن فترة النهار على الأرض ـ وهي فترة المواجهة مع الشمس ـ هي التي تجلي لنا الشمس بما تحدثه من تردد انعكاس ضوء الشمس وتشتيته على مابها من بلايين الجسيمات الصلبة والسائلة والغازية في الجزء السفلي من الغلاف الغازي للأرض‏,‏ ولولا ذلك ماكان نور النهار‏,‏ وما أمكن للإنسان أن يرى الشمس التي لا يجليها لنا بأمر ربها إلا طبقة النهار من الغلاف الغازي للأرض‏,‏ وهذه حقائق لم يمكن إدراكها إلا بعد رحلات الفضاء التي ابتدأت منذ منتصف الستينيات من القرن العشرين، وورودها في كتاب الله الذي أنزل من قبل ألف وأربعمائة عام على نبي أمي ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ وفي أمة كانت غالبيتها الساحقة من الأميين‏,‏ وفي زمن لم يكن لأحد من الخلق إدراك ـ ولو طفيفا ـ لتلك الحقيقة لمما يشهد للقرآن الكريم بأنه كلام الله الخالق‏,‏ كما يشهد للرسول الخاتم الذي تلقاه بالنبوة وبالرسالة‏ .‏ ولكون الإظلام هو الأمر السائد في السماء‏,‏ فقد وصفه ربنا‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ‏ باسم ليل السماء تمييزاً له عن ليل الأرض فقال‏ ـ‏ عز من قائل ـ :‏ " أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا‏ . رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا‏ .‏ وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا "‏ (‏النازعات‏:27‏ ـ‏29) .‏ وضمير الغائب في كلٍ من اللفظين‏ (‏ليلها‏)‏ و‏(‏ضحاها‏)‏ عائد على السماء كما أسلفنا‏,‏ وعلى ذلك فالسماء في ليل دائم‏,‏ وهو ليل مختلف عن ليل الأرض وإن اتصلا على نصف الأرض البعيد عن مواجهة الشمس‏ ،‏ وينفصل ليل السماء عن نهار الأرض بطبقة نور النهار الرقيقة التي تعتبر في بدء تكونها ضحى للأرض‏,‏ وهي في نفس الوقت ضحى للسماء‏.‏ ولذلك قال ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ‏ في سورة النازعات :" وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا‏ " (النازعات:29)‏ ، وقال في سورة الشمس‏ : ‏" وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا ‏" (الشمس:4) .
والليل في الآيتين هو ليل السماء؛ لأنه هو الذي يغشى الشمس ويظلم السماء‏,‏ أما ليل الأرض فلا علاقة له بإغشاء الشمس؛ لأنه يمثل ظل نصف الأرض المواجه للشمس‏,‏ وإن اتصل بظلمة السماء‏ .‏

فليل الأرض هو الفترة الزمنية من الإظلام التي تعتري نصف الأرض البعيد عن مواجهة الشمس‏,‏ وهو إظلام مؤقت متحرك مع حركة دوران الأرض حول محورها أمام الشمس‏,‏ أما ليل السماء فهو إظلام دائم يبدو فيه موقع الشمس قرصاً باهت الزرقة في صفحة سوداء حالكة السواد‏,‏ وكذلك تبدو مواقع النجوم على هيئة نقاط متباعدة باهتة الزرقة في صفحة سوداء‏,‏ والسبب في ذلك هو التناقص الشديد في كثافة المادة بين الكواكب وفيما بينها، وبين الشمس والمادة بيننا . والشمس عبارة عن خليط من الغازات الخفيفة ، مثل غاز الإيدروجين المتأين‏ (‏على هيئة بروتون موجب وإليكترون سالب منفصلين عن بعضهما‏)‏، وكذلك نوى بعض ذرات الهيليوم وبعض الجسيمات الصلبة من الغبار المتناهي الدقة‏,‏ وتقدر كثافة المادة بين الأرض والشمس بحوالي جزء من مائة ألف مليون مليون جزء من الجرام للسنتيمتر المكعب‏ (10‏ ـ‏23‏ جرام‏/‏ سم‏3)‏ إلى مائة ضعف، ذلك أي جزء من ألف مليون مليون مليون جزء من الجرام للسنتيمتر المكعب ‏(10‏ ـ‏21‏ جرام‏/‏ سم‏3)‏ على الرغم من وجود كمية ضئيلة من الهباءات الترابية المتناهية الدقة ‏.‏ من هنا يغشى ليل السماء الشمس كما يغشى ليل الأرض ويلتحم به‏,‏ ومن هنا كانت هذه الإشارة المعجزة في سورة الشمس ، والتي يقسم فيها ربنا‏ ـ وهو الغني عن القسم ـ بالليل إذ يغشى الشمس‏,‏ وهو هنا ليل السماء؛ لأن ليل الأرض أبعد من أن يطول الشمس وإن التحم مع ليل السماء‏ .
هذه الحقائق لم تتوصل إليها العلوم المكتسبة إلا بعد ريادة الفضاء في منتصف الستينيات من القرن العشرين‏,‏ وورودها في القرآن الكريم الذي أنزل من قبل ألف وأربعمائة سنة بهذه الدقة والإحاطة التي تؤكد ظلمة الكون في عدد غير قليل من الآيات‏,‏ كما تؤكد رقة طبقة النهار‏,‏ ووضوح الشمس فيه‏,‏ وتمايز بين كلٍ من ليل الأرض وليل السماء‏,‏ وتؤكد أن الذي يغشى الشمس هو ليل السماء‏,‏ وأن الذي يجليها هو نهار الأرض‏,‏ وتساوي بين ضحي الأرض وضحى السماء‏,‏ وتجعل منهما شيئاً واحداً‏,‏ وتجمع بين ليل الأرض وليل السماء‏,‏ وتجعل منهما شيئاً متواصلاً، كل ذلك آيات بيِّنات لكل ذي بصيرة على أن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق‏,‏ وأن الرسول الخاتم الذي تلقاه كان موصولاً بالوحي، ومعلَّماً من قبل خالق السماوات والأرض .

فسبحان الذي أنزل القرآن‏‏ أنزله بعلمه‏,‏ على خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ وسبحان الذي حفظه على مدى هذه القرون الأربعة عشر بنفس لغة وحيه‏ ـ اللغة العربية ـ وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها‏,‏ وأبقى لنا فيه من جوانب الإعجاز الذي لا يحصى، ولا يعد مايمكنه من محاجة أهل كل عصر‏,‏ وأن يخاطبهم بما برعوا فيه، ويقيم الحجة عليهم مهما اتسعت دوائر معارفهم‏,‏ وتشعبت تخصصاتهم‏ .‏ فالحمد لله على نعمة الإسلام‏,‏ والحمد لله على نعمة القرآن‏,‏ والصلاة والسلام تامان أكملان على خاتم الأنبياء والمرسلين الذي تلقي هذا الوحي الكريم، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة‏,‏ ونصح البشرية‏,‏ وجاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين‏,‏ فنسأل الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ أن يجزيه خير ما جزى به نبياً عن أمته‏,‏ ورسولاً على حسن تبليغ رسالته . اللهم آمين‏ . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏ .