" أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَتِي تُورُونَ " (‏الواقعة‏:71).


 

هذه الآية الكريمة جاءت في الربع الأخير من سورة الواقعة‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ وعدد آياتها ست وتسعون بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم لاستهلالها بذكر القيامة‏،‏ و‏(‏الواقعة‏)‏ اسم من أسمائها‏,‏ ومن دلالاته حتمية وقوعها ووجوبها‏ .‏ ويدور المحور الرئيسي للسورة حول قضية البعث‏، والرد على منكريه،‏‏ والتأكيد على حتميته ‏.‏
وتبدأ سورة الواقعة بقول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ :‏ " إِذَا وَقَعَتِ الوَاقِعَةُ . لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ . خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ " ‏(‏ الواقعة‏:1‏ ـ‏3) .‏
ومن معاني " وَقَعَتِ الوَاقِعَةُ " نزلت صيحة القيامة‏,‏ وذلك حين ينفخ في الصور لقيام الساعة‏ .‏ ومن معاني قوله‏ ـ‏ تعالى ـ :‏ " خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ " أنها تخفض أقواماً كانوا في الدنيا من أصحاب الجاه والسلطان والسلطة إلى أسفل سافلين في جحيم النار لكفرهم أو شركهم‏,‏ أو ظلمهم وتجبرهم على الخلق‏,‏ وتكبرهم على عبادة الخالق ـ‏ سبحانه وتعالى ـ وترفع أقواماً آخرين إلى أعلى عليين في جنات النعيم كانوا في الدنيا من البسطاء المغمورين، ولكن امتلأت قلوبهم بالإيمان بالله‏,‏ وخشيته وتقواه‏,‏ وبرحمة المخلوقين والإحسان إليهم‏,‏ وبحسن القيام بواجبات الاستخلاف في الأرض‏,‏ وإقامة عدل الله فيها‏‏ في تواضع لله‏،‏ وانكسار لجلاله . ثم تتابع سورة الواقعة بوصف عدد من الأحداث الكبرى المصاحبة للقيامة فتقول‏ :‏" إِذَا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجاًّ .‏ وَبُسَّتِ الجِبَالُ بَساًّ .‏ فَكَانَتْ هَبَاءً مُّنْبَثاًّ " ‏‏ (الواقعة‏:4‏ ـ‏6) .‏ ومن معاني " رُجَّتِ الأَرْضُ رَجاًّ " :‏ زلزلت زلزلة شديدة‏,‏ تفوق كل الهزات الأرضية المعروفة بمعدلات غير مسبوقة‏,‏ وتعرف باسم زلزلة الساعة ‏.‏ ومن معاني " وَبُسَّتِ الجِبَالُ بَساًّ‏ " :‏ أي أصبحت هباءاً منبثاً كهرج الغبار الذي ذرته الريح فصار متفرقا‏ًً,‏ أو نسفت نسفاً فأصبحت كالعهن المنفوش‏,‏ أو فتتت تفتيتاً فصارت كالدقيق المبسوس‏,‏ وهو المبلول‏ .
‏وتصنف الآيات الناس في هذا اليوم العصيب إلى مجموعات ثلاث‏ :‏
‏(1)‏" السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ‏ " :‏ وهم " ثُلَّةٌ مِّنَ الأَوَّلِينَ . وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخِرِينَ " ، وثوابهم من الله عظيم.
(2)‏ " وَأَصْحَابُ اليَمِينِ " ‏:‏ وهم الأبرار من المسلمين‏,‏ ومنهم " ثُلَّةٌ مِّنَ الأَوَّلِينَ . وَثُلَّةٌ مِّنَ الآخِرِينَ ‏ " ,‏ وهم عند الله‏ ـ تعالى‏ ـ من المكرمين الناجين من النار‏ .‏
‏(3)‏ " وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ " ‏:‏ وهم أغلب البشر‏,‏ وعامة أهل النار الذين يستذلون في الآخرة‏,‏ ويهانون‏,‏ ويعذبون‏,‏ مهما تكن مراكزهم في الدنيا‏؛ وذلك بسبب كفرهم أو شركهم بالله‏ ـ تعالى‏ ـ وتجاوزهم لحدوده‏,‏ أو إنكارهم لقضية البعث‏,‏ أو تجبرهم على الخلق وظلمهم والتعدي على حقوقهم‏,‏ أو الفساد في الأرض وإشاعة الفاحشة بين الخلق أو غير ذلك من مسببات غضب الله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ وسخطه على العبد من عباده‏ .‏ وتفصل الآيات جزاء كل مجموعة من هذه المجموعات الثلاث‏,‏ ثم تؤكد حقيقة أن الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ هو خالق الإنسان‏,‏ ومدبر الكون بكل صغيرة وكبيرة فيه‏,‏ وتستعرض عدداً من الآيات الكونية الدالة على طلاقة القدرة الإلهية المبدعة في الكون من أجل التأكيد على ذلك‏,‏ منها خلق الإنسان من مني يمنى‏,‏ ثم تقدير الموت عليه‏,‏ ثم إعادة بعثه من جديد‏,‏ وفي ذلك يقول ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :

" نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلاَ تُصَدِّقُونَ ‏. أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ . أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الخَالِقُونَ .‏ نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ .‏ عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ .‏ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ‏ "‏ 
‏(‏ الواقعة‏:57‏ ـ‏62)‏ .
ومن هذه الأدلة الشاهدة بطلاقة القدرة الإلهية المبدعة إنبات الزروع التي يقول فيها ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :‏ " أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ .‏ أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ‏.‏ لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ ‏.‏ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ ‏ .‏ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ "
(‏ الواقعة‏:63‏ ـ‏67) .
ومن ذلك أيضاً إنزال الماء من السحاب عذباً زلالاً من رحمة الله وفضله‏,‏ ولم يجعله ملحاً أجاجاً بذنوب الناس‏,‏ ولو شاء الله لجعله مراً زعافاً لولا شكر بعض الصالحين‏,‏ وفي ذلك يمتنُّ علينا ربنا ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ بقوله‏ :
" أَفَرَأَيْتُمُ المَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ . أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أَمْ نَحْنُ المُنزِلُونَ . لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ " (الواقعة:68‏ ـ‏70)‏ .
ومن آيات الله الدالة على إبداعه في خلقه إعطاؤه‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ للشجر الأخضر القدرة على تخزين قدر من طاقة الشمس على هيئة عدد من الروابط الكيميائية‏ التي تتحول بعد جفاف النبات إلى مصدر من مصادر النار ـ‏ أي الطاقة‏ ـ‏ وفي ذلك يقول ربنا‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ :‏" أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَتِي تُورُونَ . أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ المُنشِئُونَ . نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ . فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ "
‏(‏ الواقعة‏:71‏ ـ‏74)‏ .
ثم يقسم ربنا‏ ـ وهو الغني عن القسم ـ بمواقع النجوم‏,‏ مؤكداً أنه قسم عظيم لو يعلم الناس قدره على أن كتابه الخاتم ـ وهو القرآن الكريم ـ هو كتاب معظم‏,‏ محفوظ بحفظ الله‏,‏ ومن سمات تعظيمه ألا يمسه إلا المطهرون‏,‏ وأنه تنزيل من رب العالمين‏,‏ أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ وحفظه بحفظه الذي لا يزول ولا يحول أبداً‏ .‏ وفي ذلك يقول ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :‏" فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ . وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ . إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ . فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ . لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ المُطَهَّرُونَ . تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ العَالَمِينَ "
 ‏(‏الواقعة‏:75‏ ـ‏80) .‏
ثم توجه الآيات الخطاب إلى الكفار والمشركين الذين كفروا ببعثة النبي الخاتم والرسول الخاتم‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ ولم يؤمنوا بقدسية القرآن العظيم‏,‏ ولا بأنه كلام رب العالمين بدلاً من التوجه بالشكر إلى الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ على هذه النعمة الربانية العظيمة المتمثلة في القرآن الكريم الذي جمع الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ فيه كل قواعد الهداية الربانية التي أوحى بها إلى مائة وعشرين ألف نبي من أنبيائه‏,‏ وأنزلها في عدد من الرسائل المتفرقة التي خص بها ثلاثمائة وبضعة عشر رسولاً اصطفاهم من هذا المجموع الهائل من عدد أنبيائه‏,‏ وتعهد بحفظ هذه الرسالة الخاتمة إلى قيام الساعة‏,‏ وفي ذلك يقول ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ مبكتاً هؤلاء المكذبين‏ :
" أَفَبِهَذَا الحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ . وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ "(‏ الواقعة‏:81‏ ـ‏82) .
‏ وتهدد السورة الكريمة في ختامها هؤلاء المكذبين بالدين (الذي لا يرتضي ربنا‏ ـ تبارك وتعالى ـ من عباده دينا سواه ، والرافضين للقرآن العظيم ، وهو كلام رب العالمين الوحيد الموجود بين أيدي الناس اليوم محفوظاً بحفظ الله‏ ـ تعالى ـ كما أنزل‏ :‏ كلمة كلمة، وحرفاً حرفاً بنفس لغة الوحي التي أنزل بها ـ‏ اللغة العربية‏ ـ) تهدد الآيات في ختام سورة الواقعة هذا الصنف من البشر بلحظة الاحتضار‏,‏ ونزع الروح‏,‏ وحشرجة الصدر‏,‏ والإنسان المحتضر فيها عاجز كل العجز عن دفع قدر الله الغالب‏,‏ وجميع من حوله من الأهل والأبناء‏,‏ والإخوان والأصدقاء‏,‏ بل البشرية كلها تقف مشدوهة مذهولة‏,‏ عاجزة كل العجز عن دفع قضاء الله وقدره الذي لا راد له‏,‏ والنفس المحتضرة في ضيق وكرب وشدة‏,‏ وقد أفصلت عمن حولها‏؛‏ لأن للموت لسكرات‏,‏ وهي لا تملك من أمرها شيئاً إلا ما قدمت وما كسبت .‏ ويخلص الأمر كله لله‏,‏ وتعجز الدنيا كلها‏‏ وبجميع إمكاناتها‏‏ عن رد روح واحدة إلى جسدها بعد نفاذ قضاء الله فيها‏,‏ وفي ذلك يقول ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ :‏
" فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ . وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ . وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لاَّ تُبْصِرُونَ . فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ . تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ " ‏(‏الواقعة‏:83‏ ـ‏87) .‏
وكما بدأت سورة الواقعة بتقسيم الناس في يوم القيامة إلى السابقين‏,‏ وأصحاب اليمين‏,‏ وأصحاب الشمال‏,‏ قسمتهم في ساعات الاحتضار إلى المقربين‏,‏ وأصحاب اليمين‏,‏ وإلى المكذبين الضالين‏,‏ وكما أوضحت السورة المباركة في أولها جزاء كل صنف من الأصناف الثلاثة‏,‏ أوضحت في ختامها أنه يدرك جزاءه في ساعة الاحتضار‏,‏ وفي ذلك يقول ربنا‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ :" فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ . فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ . وَأَمَّا إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ اليَمِينِ . فَسَلامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ اليَمِينِ . وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ . فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ . وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ "
‏(‏الواقعة‏88‏ ـ‏94) .

وتختتم هذه السورة الكريمة بتأكيد أن ما جاء بها من حقيقة البعث‏,‏ ومن مصائر الناس في الآخرة‏,‏ ومن سكرات الموت وأهواله‏,‏ وعجز الدنيا كلها عن رد قضاء الله به‏,‏ وعن معرفة الروح لحظة الاحتضار بمصيرها في الآخرة الباقية‏ وهي تغادر الدنيا الفانية‏,‏ وتفرح لهذا المصير أو تفزع منه‏,‏ هذا كله من حق اليقين الذي أنذر الله‏ ـ تعالى ـ‏ به كل حي في حياته حتى لا يدعي إنسان أنه كان جاهلاً به‏,‏ ولذلك تختتم السورة المباركة بأمر رسول الله‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ ومن بعده كل مسلم مؤمن بالله ورسوله أن يسبح باسم ربه العظيم تسبيحاً يليق بجلاله‏,‏ وتنزيهاً له‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ عن كل وصف من صفات خلقه؛ لأن للخالق من الأسماء الحسنى‏,‏ والصفات العليا ما لا يتوافر لأحد من خلقه حتى يتفرد بالألوهية‏ والربوبية‏ والوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه بغير شريك‏,‏ ولا شبيه‏,‏ ولا منازع‏,‏ ولا صاحبة‏,‏ ولا ولد‏؛‏ لأن ذلك كله من صفات المخلوقين‏,‏ والله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ منزه عن صفاتخلقه‏،‏ ولذلك قال المصطفى ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ :‏ " كلمتان خفيفتان على اللسان‏,‏ ثقيلتان في الميزان‏,‏ حبيبتان إلى الرحمن‏ :‏ سبحان الله وبحمده‏,‏ سبحان الله العظيم " ‏.‏ (رواه الشيخان البخاري ومسلم).


من ركائز العقيدة في سورة الواقعة :
(1)‏ الإيمان بحقيقة الآخرة‏,‏ وبحتميتها‏,‏ وأهوالها‏,‏ وأن الناس فيها يتمايزون إلى السابقين‏,‏ وأهل اليمين‏,‏ وأهل الشمال‏,‏ ولكل منهم جزاؤه المحدد‏ .
‏(2)‏ اليقين بأن الله‏ ـ‏ تعالى ـ هو خالق كل شيء‏,‏ ومدبر كل صغيرة وكبيرة من أمور الكون‏,‏ وأنه‏ ـ سبحانه وتعالى‏ ـ مقدر الآجال‏,‏ ومجري الموت على الخلق‏,‏ وهو الحي الباقي‏,‏ المستحق وحده للعبادة‏,‏ والتسبيح‏,‏ والتمجيد‏,‏ والتقديس‏,‏ ومن معاني ذلك تنزيهه عن كل وصف لا يليق بجلاله‏,‏ والذكر الدائم له بكل اسم‏,‏ ووصف‏,‏ وفعل نسبه لذاته العلية‏,‏ وذلك من قبيل الشكر لله‏ ـ تعالى ـ‏ على عظيم نعمه‏ .‏
‏(3)‏ الإيمان بالبعث الذي يؤكده الخلق الأول‏,‏ وبأن في هذا البعث سوف ينشأ الناس فيما لا يعلمون من هيئة ‏.
‏(4)‏ الإيمان بأن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ وحفظه بحفظه في نفس لغة وحيه منذ أربعة عشر قرناً وإلى قيام الساعة‏,‏ وأن كل ما جاء فيه هو حق اليقين‏ .‏ ‏
(5)‏ اليقين بأن الموت حق على العباد‏,‏ وهو قرار إلهي لا يستطيع أحد من الخلق إيقافه أو تأجيله‏,‏ وأن كل محتضر يرى مكانه عند ربه لحظةَ الاحتضار وهو يغادر الدنيا الفانية إلى الآخرة الباقية‏,‏ وكثير من المخلوقين كان يتشكك فيها أثناء حياته الدنيوية .‏

من الإشارات الكونية في سورة الواقعة :
أشارت سورة الواقعة إلى عدد من حقائق الكون التي منها ما يلي‏ :‏
(1)‏ خلق الإنسان من مني يمنى في مراحل متتابعة من نشأته الجنينية‏ حتى ميلاده‏‏ ونموه‏,‏ ثم احتضاره ووفاته ‏.‏ ‏
(2)‏ حتمية الموت على جميع المخلوقين‏,‏ وتسلسل الخلق من بعدهم إلى يوم الدين‏,‏ وهذا الخلق الأول دليل قاطع على إمكان البعث‏,‏ بل على ضرورته وحتميته‏ .‏
‏(3)‏ إنبات الأرض بمختلف الزروع من الأمور المعجزة‏,‏ وهي صورة من صور خلق الحياة بيد القدرة الإلهية المبدعة‏ التي لولاها ما أنبتت الأرض‏,‏ ولا أثمرت‏,‏ ولو شاء إفناء النبات بعد نبته وإثماره لفعل‏,‏ وما ذلك على الله بعزيز‏ .
‏(4)‏ إنزال الماء من السحاب المشبع ببخار الماء‏ ـ‏ المزن ـ‏ عذبا زلالاً‏‏ طيباً هو من رحمة الله بعباده‏,‏ ومن ضرورات تهيئة الأرض لاستقبال الحياة‏,‏ ولو شاء الله‏ ـ تعالى ـ‏ لأنزله مالحاً‏ مراً‏ أجاجاً‏,‏ لا يستساغ له طعم‏,‏ ولا تصلح به حياة‏ .
‏‏(5)‏ إعطاء الشجر الأخضر إمكانية خزن جزء من طاقة الشمس على هيئة عدد من الروابط الكيميائية التي تشكل كل صور الوقود للإنسان‏,‏ والوقود هو مصدر النار‏,‏ والنار من مصادر الطاقة .
‏(6)‏ الإشارة إلى أن الإنسان لا يمكن له أن يرى النجوم من مكانه على الأرض أبداً‏,‏ لكنه يرى مواقع مرت بها تلك النجوم ثم غادرتها نظراً لقدم تلك النجوم‏,‏ وضخامة أبعادها عنا وعن بعضها البعض‏,‏ ولانحناء الضوء في تحركه بين أجرام السماء‏,‏ ولسرعة جري تلك النجوم في مداراتها‏ .‏
‏(7)‏ التأكيد على عجز البشرية كلها عن إنقاذ محتضر يعاني سكرات الموت من قدر الله وقضائه المحدد‏ .
‏ وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة خاصة، ولذلك سوف أقصر حديثي هنا على النقطة الخامسة في القائمة السابقة التي جاءت الإشارة إليها في الآية الحادية والسبعين من سورة الواقعة‏,‏ وقبل الدخول إلى ذلك لابد من استعراض سريع لأقوال عدد من المفسرين في شرح دلالة هذه الآية الكريمة ‏.‏

من أقوال المفسرين :
في تفسير قوله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ :‏
" أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَتِي تُورُونَ . أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ المُنشِئُونَ . نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ . فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ "  ‏(‏الواقعة‏:71‏ ـ‏74) .‏
‏ ذكر بن كثير‏ ـ يرحمه الله ـ‏ ما مختصره‏ :...‏ ثم قال‏ : " أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَتِي تُورُونَ " أي تقدحون من الزناد وتستخرجونها من أصلها‏ ."‏ أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ المُنشِئُونَ ‏ " أي بل نحن الذين جعلناها مودعة في موضعها .‏ وللعرب شجرتان‏:‏ إحداهما‏(‏ المرخ‏)‏ والأخرى‏(‏ العفار‏)‏، إذا أخذ منهما غصنان أخضران فحك أحدهما بالآخر تناثر من بينهما شرر النار‏ . وقوله ـ‏ تعالى‏ ـ : " نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً "‏ قال مجاهد وقتادة‏ :‏ أي تذكر النار الكبرى ‏...‏ وقوله ـ تعالى ـ ‏:" وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ‏ " قال ابن عباس ومجاهد ‏:‏ يعني بالمقوين المسافرين‏,‏ واختاره بن جرير‏,‏ وقال بن أسلم‏:‏ المقوي ها هنا الجائع‏ .‏ وقال ليث‏,‏ عن مجاهد " وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ‏ " :‏ للحاضر والمسافر‏,‏ لكل طعام لا يصلحه إلا النار‏,‏ وعنه‏ " لِّلْمُقْوِينَ "‏ يعني المستمتعين من الناس أجمعين‏,‏ وهذا التفسير أعم من غيره‏,‏ فإن الحاضر والبادي من غني وفقير‏,‏ الجميع محتاجون إليها للطبخ والاصطلاء والإضاءة‏‏ وغير ذلك من المنافع‏,‏ ثم من لطف الله ـ تعالى‏ ـ أن أودعها في الأحجار وخالص الحديد‏,‏ بحيث يتمكن المسافر من حمل ذلك في متاعه وبين ثيابه‏,‏ فإذا احتاج إلى ذلك في منزله أخرج زنده وأورى وأوقد ناره‏ .‏ وقوله‏ ـ تعالى‏ ـ : "‏ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيم‏ " أي الذي بقدرته خلق هذه الأشياء المختلفة المتضادة‏ .‏ (انتهى قول المفسر)
 وجاء في الظلال‏ ـ رحم الله كاتبها برحمته الواسعة جزاء ما قدم‏ ـ كلام مشابه نقتبس منه قوله‏ : ...‏ والإنسان يوري النار ـ أي يوقدها‏ ـ‏ ولكن من الذي أنشأ وقودها؟ من الذي أنشأ الشجر الذي توقد به النار؟‏ ...‏ أما معجزة النار وسرها عند العلماء الباحثين فهو مجال للبحث والنظر والاهتمام‏,‏ وبمناسبة ذكر النار يلمح السياق إلى نار الآخرة " نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً " تذكر بالنار الأخرى،‏ كما جعلناها‏ "‏ وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ "‏ أي للمسافرين ‏.‏ وكان لهذه الإشارة وقعها العميق في نفوس المخاطبين‏,‏ لما تمثله في واقع حياتهم من مدلول حي حاضر في تجاربهم وواقعهم ‏.‏ وحين يبلغ السياق إلى هذا الحد من عرض هذه الحقائق والأسرار‏,‏ الناطقة بدلائل الإيمان‏,‏ الميسرة للقلوب والأذهان‏,‏ يلتفت إلى الحقيقة التي تنتهي إليها هذه الحقائق‏,‏ حقيقة وجود الله وعظمته وربوبيته‏,‏ وهي حقيقة تواجه الفطرة مواجهة ذات قوة وسلطان‏,‏ فيهيب بالرسول‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ أن يحيي هذه الحقيقة ويؤدي حقها‏,‏ ويلمس القلوب بها في حينها ‏: "‏ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيم " ....‏ (انتهى قول المفسر) وجاء في باقي التفاسير كلام مشابه لا أري حاجة لتكراره هنا‏ .‏



من الدلالات العلمية للآية الكريمة :
من الدلالات العلمية المستفادة من الآيات‏(‏ رقم‏71‏ ـ‏74)‏ من سورة الواقعة أن هناك علاقة وطيدة بين النار التي يوقدها الناس وبين الشجر الأخضر‏,‏ وقد فهمت هذه العلاقة في بادئ الأمر في أطر بدائية بسيطة مثل‏
(‏ الزناد‏)‏ الذي كانت تقدح به العرب في القديم‏,‏ وهو على هيئة عودين من شجر أخضر ـ كالمرخ والعفار والكلح ـ يقدح بهما بحك أحدهما على الآخر فيوري شرراً تستمد منه النار‏,‏ ولذلك يقال‏ (‏ ورى الزند‏)‏ أي خرجت ناره‏,‏ و‏(‏أوراه‏)‏ غيره أي استخرج ناره‏ .‏
ثم تطورت العلاقة بين النار والشجر الأخضر إلى مفهوم الصور المختلفة للوقود من الحطب‏‏ والقش‏‏ والخشب الجاف‏,‏ وكلٌ من الفحم النباتي والحجري‏,‏ ثم إلى غاز الفحم‏,‏ ثم إلى النفط ومشتقاته وما يصاحبه من غازات طبيعية‏,‏ هذا بالإضافة إلى كلٍ من الزيوت والدهون النباتية والحيوانية ‏.‏
ومع تطور المعرفة العلمية اتجهت هذه العلاقة بين النار والشجر الأخضر إلى عملية البناء‏ ـ التمثيل‏ ـ‏ الضوئي في النباتات الخضراء‏,‏ والتي زودها الخالق‏ ـ سبحانه وتعالى‏ ـ بصبغة خضراء تعرف باسم اليخضور‏ ـ‏ الكلوروفيل‏ ـ وجعل لتلك الصبغة القدرة على امتصاص جزء من طاقة الشمس وتحويله إلى طاقة كيميائية توظفها في تركيب العديد من المواد الكربوهيدراتية، مثل السكريات بمختلف أنواعها‏,‏ والنشا‏,‏ والسيليولوز وغيرها‏,‏ وذلك بتحليل الماء الذي تمتصه من التربة إلى الأكسجين الذي ينطلق إلى الجو‏,‏ والإيدروجين الذي يحتفظ به النبات‏,‏ ثم تحليل ثاني أكسيد الكربون الذي يمتصه النبات من الجو وتحليله إلى الأكسجين ‏(‏ الذي ينطلق إلى الجو أو يتحد مع بعض الأيدروجين ليكون الماء‏)،‏ والكربون الذي يتحد مع كلٍ من الأيدروجين والأكسجين المتوافرين داخل ورقة النبات الأخضر ليكون سلاسل من الكربوهيدرات‏,‏ وتعرف هذه العملية باسم عملية التمثيل الضوئي أو الكربوني‏,‏ وبواسطتها يبني النبات خلاياه وزهوره وثماره‏,‏ وتعتبر أساساً لبناء جميع المواد الغذائية على الأرض‏ .‏

المادة الخضراء في النبات هي مصدر الطاقة والغذاء :
خص الله ـ‏ تعالى‏ ـ النباتات الخضراء بصبغ أخضر يعرف باسم اليخضور‏ (‏ أو الكلوروفيل‏)‏ الذي يلون أوراق وأنسجة النباتات ذاتية التغذية باللون الأخضر ‏.‏ وهناك ثمانية أنواع من هذه الأصباغ الخضراء التي تشبه في تركيبها الكيميائي جزيء الهيموجلوبين مع استبدال ذرة الحديد المركزية في الهيموجلوبين بذرة الماغنسيوم، مما يشير إلى وحدة الخلق‏ ووحدة الخالق‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ وهذه الأصباغ الخضراء توجد داخلَ جسيمات دقيقة للغاية تعرف باسم البلاستيدات، ومن هذه البلاستيدات الخضراء‏,‏ والبيضاء‏,‏ وذات الألوان الأخرى ‏.‏
وتوجد البلاستيدات ـ أساساً ـ في عدد من الخلايا الطولية المتعامدة على جدر الأوراق النباتية‏,‏ وقد جعل الله‏ ـ تعالى‏ ـ لها قدراً من حرية التحرك داخل الخلية لتصيد أشعة الشمس من أية زاوية تسقط منها على الخلية ‏.

والبلاستيدات هي جسيمات دقيقة جداً‏,‏ بويضية أو قرصية الشكل عادة‏,‏ توجد في خلايا النباتات الراقية‏,‏ وفي بعض البكتيريا‏ ـ مثل بكتيريا البناء الضوئي‏ ـ‏ ويحاط كلٌ منها بغشاءين رقيقين‏,‏ الخارجي منهما أملس‏,‏ والداخلي متعرج بثنيات تفصلها صفائح رقيقة جدا‏ًً,‏ وتحتوي هذه الثنيات على الأصباغ النباتية التي أهمها الصبغة الخضراء‏(‏ اليخضور‏),‏ بينما تفتقر إليها الصفائح الفاصلة بينها‏,‏ وبالإضافة إلى محتواها من الأصباغ النباتية‏,‏ تحتوي البلاستيدات على العديد من الأحماض الأمينية‏,‏ والمركبات البروتينية كالدهون المفسفرة وبعض العناصر مثل الماغنسيوم‏,‏ وغيرها‏,‏ كما يوجد داخل جينة البلاستيدة جسيمات خاصة بصناعة البروتينات وتحتوي على الإنزيمات التي تساعد على دورة أخرى تتم في الظلام‏,‏ ومراكز لتجميع الطاقة الضوئية‏,‏ ويقوم الصبغ الأخضر داخل البلاستيدات بالتقاط أشعة الشمس واستخدامها في تحليل الماء الموجود داخل ورقة النبات إلى مكوناته الأساسية، وهي الأكسيجين الذي ينطلق إلى الجو عبر ثغور ورقة النبات‏,‏ والإيدروجين الذي يتفاعل مع غاز ثاني أكسيد الكربون الذي يأخذه النبات من الجو‏,‏ وذلك لتكوين الكربوهيدرات والماء في عمليات متتالية ومعقدة لم تعرف تفاصيلها بعد‏,‏ يشترك في بعض خطواتها عدد من الإنزيمات‏,‏ ويمكن تقسيمها إلى مرحلتين،‏ تتم إحداهما في الضوء‏,‏ وتتم الأخرى في الظلام وإن اعتمدت على نتائج التفاعل الضوئي، ومن ثم تعتبر عملية مكملة له‏ .‏
ومع سيادة الصبغة الخضراء في جميع النباتات الراقية إلا أن غيرها من الأصباغ النباتية مثل أشباه الكاروتينات الصفراء يلعب دوراً مهماً في عملية امتصاص الطاقة الضوئية من أشعة الشمس‏,‏ ولكل طيف من أطياف تلك الأشعة الشمسية صبغ نباتي خاص قادر على امتصاصه في عمليات معقدة للغاية لم يمكن تفسيرها بالكامل بعد وإن بذلت محاولات عديدة في سبيل تحقيق ذلك‏ .‏

تكوين الكربوهيدرات بواسطة عمليات التمثيل الكربوني :
الكربوهيدرات مركبات عضوية تتكون جزيئاتها باتحاد ذرات الكربون مع ذرات كل من الإيدروجين والأكسجين بنسبة وجود العنصرين الأخيرين في الماء‏,‏ ولذلك فالصبغة العامة لجزيء الكربوهيدرات هي‏(Cn(H2O)n)،‏ وتشمل السكريات الأحادية‏,‏ والثنائية‏,‏ والثلاثية‏,‏ والعديدة التي قد يصل عدد الوحدات فيها إلى أكثر من مائتي وحدة‏,‏ كما هو الحال في كل من النشا والسيليلوز‏.‏ ومن أمثلة السكريات‏:‏ الجلوكوز‏(‏ سكر العنب‏),‏ الفركتوز‏(‏ سكر الفاكهة‏),‏ المالتوز‏(‏ سكر الشعير‏),‏ والمانوز‏(‏ سكر المن‏),‏ واللاكتوز‏(‏ سكر اللبن‏) .‏
وتتكون الكربوهيدرات داخلَ النباتات بعدد من التفاعلات المتتابعة والمعقدة يسهم فيها عدد من الإنزيمات حتى يصل هذا التفاعل المتسلسل إلى إنتاج الجلوكوز الذي يتحول بدوره إلى النشا،‏ وتتم هذه العمليات المعقدة على مرحلتين، تنجز الأولى منهما في الضوء‏,‏ وتبخر الثانية في الظلام‏,‏ والمرحلة الأولى يتم فيها تأين الماء إلى مكوناته من أيونات كلٍ من الأكسيجين والإيدروجين‏,‏ وأعداد من الإليكترونات التي يتحد بعضها مع أيونات الأكسيجين الذي ينطلق إلى الجو‏,‏ ويستخدم كلٌ من أيونات الإيدروجين والإليكترونات الطليقة مع غاز ثاني أكسيد الكربون في المرحلة الثانية التي تتم في الظلام، والتي من نتائجها تخليق الكربوهيدرات ‏.‏
ويحرق الكربوهيدرات في وجود الأكسيجين تحدث عملية معاكسة تماماً، إذ تتحول هذه المركبات المعقدة من السكريات والنشويات والمواد السيليولوزية إلى ثاني أكسيد الكربون والماء وتنطلق الطاقة‏(‏ النار‏) .‏

تكوين بعض البروتينات النباتية بواسطة عمليات التمثيل الكربوني :
بالإضافة إلى الكربوهيدرات فقد أعطى الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ بعضاً من النباتات القدرة على إنتاج عدد من البروتينات، مثل الزيوت والدهون النباتية‏,‏ والإنزيمات‏,‏ والهرمونات‏,‏ والفيتامينات‏,‏ وبعض الإفرازات النباتية كالمواد الراتنجية والصمغية والمطاطية وغيرها ‏.‏
والبروتينات مركبات عضوية معقدة، تتكون جزيئاتها العملاقة من اتحاد سلاسل طويلة من الأحماض الأمينية‏,‏ ويقدر عدد الأحماض الأمينية التي تشترك في تكوين أكثر من عشرين ألف بروتين معروف في حدود عشرين حمضاً ترتبط مع بعضها البعض بروابط محددة‏ ـ روابط البيبنتيد‏ ـ حتى تتكون منها البروتينات ‏.‏
والأحماض الأمينية مواد صلبة‏,‏ متبلورة‏,‏ سهلة الذوبان في الماء في أغلب الأحوال‏,‏ وتتكون جزيئاتها باتحاد ذرات الكربون مع ذرات كلٍ من غازات الإيدروجين والأكسيجين والنيتروجين،‏ فباستمرار عمليات التمثيل الكربوني داخلَ أوراق النبات الخضراء تركز بلايين البلايين من ذرات الكربون المكونة لثاني أكسيد الكربون الذي يمتصه النبات من الجو،‏ حيث لا تزيد نسبته على‏0.03%، فتتكون مختلف أنواع الكربوهيدرات‏,‏ وبإضافة النيتروجين الصاعد مع العصارة الغذائية أو الممتص من الجو تتكون البروتينات داخلَ مختلف خلايا النبات‏,‏ أو تتحول الكربوهيدرات إلى مختلف أنواع البروتينات في أجساد الحيوانات التي تتغذى على النبات‏,‏ أما الحيوانات المفترسة فهي تتناول البروتينات مباشرة من أجساد ما تفترسه من حيوانات ‏.‏ وباستمرار هذه العمليات المعقدة تزداد نسبة كلٍ من الكربوهيدرات والبروتينات على الأرض، وهي من رزق السماء ‏.‏
ويقدر معدل الإنتاج السنوي من المواد العضوية النباتية بأكثر من أربعة آلاف تريليون طن‏،‏ وتقوم النباتات الخضراء سنوياً بتثبيت أكثر من أربعمائة مليار طن من الكربون في خلاياها‏,‏ وتستخلص هذا الكم الهائل من الكربون من غاز ثاني أكسيد الكربون الجوي الذي لا تزيد نسبته على‏(0.03%)‏ بالغلاف الغازي للأرض‏ .‏ ولما كان كلٌ من الإنسان وبعض أنواع الحيوان يتغذى على المواد النباتية ومنتجاتها‏,‏ كما يتغذى على بعض أنواع الحيوان، فإن جزءاً من طاقة الشمس ينتقل إلى هؤلاء عن طريق ما يتناولونه من طعام‏,‏ وبتمثيله تتحلل الكربوهيدرات والبروتينات إلى مكوناتها الأساسية التي تعود إلى الجو، والذي يبقى من تلك المواد العضوية المعقدة في أجساد كلٍ من النبات والحيوان يتحول إلى مصدر من مصادر الطاقة‏ ـ‏ النار‏ ـ‏ بتجفيفه أو دفنه وتحلله بمعزل عن الهواء ‏.‏

الشجر الأخضر هو أصل المصادر الأساسية للطاقة :
تقوم النباتات الخضراء سنوياً بتثبيت أكثر من أربعمائة مليار طن من الكربون المستخلص من ثاني أكسيد الكربون الجوي في خلاياها‏,‏ وبذلك لعبت البقايا النباتية دوراً مهماً كمصدر من مصادر الطاقة عبر التاريخ‏,‏ ففي المجتمعات البدائية استخدم القش والتبن‏,‏ والحطب‏,‏ والخشب الجاف‏,‏ والفحم النباتي‏,‏ وكلٌ من الزيوت والدهون النباتية والحيوانية كمصدر من مصادر الطاقة‏(‏ النار‏) .‏
وفي المجتمعات الصناعية استخدم الفحم الحجري الذي اكتشفت منه بلايين الأطنان في صخور الأرض‏,‏ والتي تجمعت عبر جزء من تاريخ الأرض الطويل خاصة في صخور العصر الكربوني ‏.‏
كذلك استخدم غاز الفحم على نطاق واسع‏,‏ ثم استخدم كلٌ من النفط والغازات الطبيعية المصاحبة له‏,‏ وكل ذلك لا يمكن إغفال دور النبات فيه‏,‏ فعندما تتغذى الحيوانات البحرية ـ‏ خاصة الحيوانات الدقيقة منها‏ ـ‏ على النباتات الدقيقة‏,‏ أو على فتات النباتات الكبيرة ونواتج تحللها‏,‏ فإن طاقة الشمس المختزنة على هيئة عدد من الروابط الكيميائية في كل ذلك تتحول إلى مواد بروتينية في أجساد تلك الحيوانات ، مثل الزيوت والدهون الحيوانية التي تتحلل بمعزل عن الهواء إلى النفط والغازات الطبيعية المصاحبة له‏,‏ وإذا زادت الحرارة والضغط على النفط المخزون في مكامنه بالقشرة الأرضية تحول بالكامل إلى الغاز الطبيعي وبعض المكثفات البترولية‏، وكل ذلك هو من مصادر الطاقة الطبيعية، أي الوقود الذي يُحرق طلباً للطاقة الحرارية الكامنة فيه‏ ـ‏ النار‏ ـ‏ وبحرق أيٍ من مصادر الطاقة الطبيعية تلك يتحد أكسجين الجو مع الكربون المتجمع فيها محولاً إياه إلى غاز ثاني أكسيد الكربون الذي ينطلق من عقالها عائداً مرة أخرى إلى الغلاف الغازي للأرض مع غيره من الغازات والأبخرة‏،‏ وبذلك تكون طاقة النار التي تنطلق من إحراق أيٍ من مصادر الطاقة الطبيعية في جو من الأكسيجين هي جزء من طاقة الشمس الواصلة إلى الأرض التي احتجزها الشجر الأخضر بما وهبه الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ من قدرة على ذلك‏,‏ وبذلك يكون الشجر الأخضر هو أصل كل المصادر الطبيعية للطاقة باستثناء الحرارة الأرضية‏,‏ وطاقة الرياح‏,‏ وطاقات كلٍ من المد والجزر والمساقط المائية‏,‏ والطاقة الشمسية المباشرة‏ .‏
وعلى ذلك فإن عمليات التمثيل الكربوني هي عمليات تقوم بها أغلب النباتات لاختزان جزء من كربون الغلاف الغازي للأرض على هيئة أعداد من المركبات الكيميائية المعقدة، مثل الكربوهيدرات والبروتينات‏,‏ وعمليات الإحراق للمصادر الطبيعية المختلفة للطاقة هي عمليات أكسدة لذرات الكربون المختزنة في تلك المصادر لتعود مرة أخرى إلى الغلاف الغازي للأرض على هيئة ثاني أكسيد الكربون وما يصاحبه من غازات وأبخرة أغلبها بخار الماء وأكاسيد كلٍ من النيتروجين والكبريت‏ .‏
وعمليات الاحتراق تلك تشبه تماماً عملية التنفس في كلٍ من الإنسان والحيوان، حيث يستخدم الأكسيجين الجوي في أكسدة ذرات كلٍ من الكربون والإيدروجين والنيتروجين والكبريت الموجودة في المواد الغذائية وتحويلها إلى أكاسيدها التي تنطلق إلى الغلاف الغازي للأرض‏,‏ والتي قامت النباتات المختلفة باستخلاصها أصلاً منه ‏.‏
فالمادة العضوية التي تكون أجساد كلٍ من الإنسان والحيوان والنبات مستخلصة أصلاً من عناصر الأرض‏,‏ وعناصر كلٍ من غلافها المائي والهوائي‏,‏ ومن أشعة الشمس‏ .
والنبات‏ ـ‏ بصفة عامة‏ ـ‏ والشجر الأخضر منه‏ ـ بصفة خاصة‏ ـ يستخدم طاقة الشمس بكفاءة وهبه إياها الخالق‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ لتحويل هذه المركبات البسيطة إلى مركبات معقدة يبني منها كل خلاياه‏,‏ وأزهاره وثماره‏,‏ مما يصلح غذاء لأيٍ من الإنسان أو الحيوان‏,‏ وفي أثناء هذه العملية المهمة يطلق النبات الأخضر غاز الأكسجين إلى الجو‏,‏ وهو غاز أساسي لحياة كلٍ من الإنسان والحيوان‏‏ اللذان يطلقان إلى الجو بكميات هائلة من ثاني أكسيد الكربون الذي يحتاجه النبات الذي يمثل الغذاء الرئيسي للإنسان ولبعض الحيوان‏,‏ والإنسان يتغذى كذلك على بعض الحيوان‏,‏ وكذلك بعض الحيوان يتغذى على بعض‏,‏ وفضلات كلٍ من الإنسان والحيوان تصلح سماداً للنبات‏,‏ وبقايا كلٍ من النبات والحيوان تصلح وقوداً للإنسان‏,‏ والوقود مصدر طبيعي للطاقة‏(‏ أو النار‏) .‏
وعلى ذلك فإن الشجر الأخضر هو الوسيلة الوحيدة لتمكين الإنسان من وضع يده على قدر من طاقة الشمس المحرقة بطريقة غير مباشرة‏,‏ ولذلك يمتن علينا ربنا‏ ـ‏ وهو صاحب الفضل والمنة ـ بهذه الحقيقة التي لم تدرك إلا في العقود القليلة الماضية فيقول‏ ـ وهو أحكم القائلين‏ ـ :‏
" أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَتِي تُورُونَ . أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ المُنشِئُونَ . نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ . فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ "
‏(‏الواقعة‏:71‏ ـ‏74) .‏
وبطبيعة كلٍ الآيات الكونية في كتاب الله صاغت هذه الآيات الأربع إحدى حقائق الكون المبهرة بصياغة معجزة‏,‏ يفهم منها أهل كل عصر معنى من المعاني يتناسب مع مستوى المعارف العلمية في زمانهم‏,‏ ويبقى نص الآيات الكريمة يتسع مع كل عصر مع اتساع المعرفة العلمية لأهله‏,‏ في تكامل لا يعرف التضاد‏؛‏ ليبقى القرآن الكريم مهيمناً على المعرفة الإنسانية مهما اتسعت دوائرها، وليس هذا لغير كلام الله الخالق‏,‏ البارئ‏,‏ المصور‏,‏ وهذا عندي من أعظم جوانب الإعجاز في كتاب الله الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ وحفظه بعهده في نفس لغة وحيه‏ ـ اللغة العربية‏ ـ حفظاً كاملا‏ًً :‏ كلمة كلمة‏,‏ وحرفاً حرفاً على مدى أربعة عشر قرناً أو يزيد وإلى أن يرث الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ الأرض ومن عليها‏ .‏
فالحمد لله على نعمة الإسلام‏,‏ والحمد لله على نعمة القرآن‏,‏ والحمد لله الذي تعهد بحفظه على الدوام‏,‏ والصلاة والسلام التامان الأكملان على النبي الخاتم والرسول الخاتم الذي تلقى القرآن الكريم‏,‏ وعلى آله وصحبه‏,‏ ومن تبع هداه، ودعا بدعوته إلى يوم الدين ‏.‏