"‏ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ‏‏ " (الأنبياء‏:30‏).


هذا النص القرآني المعجز جاء في مطلع الربع الثاني من سورة الأنبياء، وهي سورة مكية‏ ,‏ وآياتها ‏112‏ بعد البسملة‏ ,‏ ويدور محورها الرئيسي حول قضية العقيدة الإسلامية، ومن ركائزها الإيمان بالله رباً وبملائكته‏ ,‏ وكتبه‏ ,‏ ورسله‏ ,‏ واليوم الآخر‏ ,‏ والتوحيد الخالص لجلال الله‏ بغير شريك‏ ,‏ ولا شبيه‏ ,‏ ولا زوجة‏ ,‏ ولا ولد‏ ,‏ ولا منازع له في سلطانه .‏
وابتدأت السورة الكريمة بالإشارة إلى غفلة الناس عن الحساب‏ ,‏ وعللت تلك الغفلة بانصراف أغلب الناس عن الهداية الربانية التي أنزلها الله ـ‏ تعالى‏ ـ‏ على فترة من الأنبياء والمرسلين‏ ,‏ وأتمها‏ ,‏ وأكملها‏ ,‏ وحفظها في القرآن الكريم‏ ,‏ وفي سنة خاتم الأنبياء والمرسلين ـ‏ صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏ .‏وضربت سورة الأنبياء مثلاً على ذلك بغفلة كفار قريش‏ ,‏ الذين أنكروا نبوة ورسالة هذا الرسول الخاتم ـ وأمثالهم في هذا الزمان كثير ـ واتهموه‏ ـ‏ شرَّفه الله تعالى ـ بالسحر‏ ,‏ والهلوسة‏ ,‏ والافتراء‏ ,‏ والشعر‏ ـ كما يتهمه كفار ومشركو اليوم ـ‏ وطالبوه بعدد من المعجزات الحسية كالتي جاء بها سلفه من الأنبياء، والمرسلين ناسين أو متناسين كفر الكافرين بتلك السلسلة الطويلة من رسل الله وأنبيائه‏ ,‏ على الرغم من تأييد الله لهم بالمعجزات‏ ,‏ وناسين أو متناسين أن جميع هؤلاء الأنبياء والمرسلين كانوا بشراًً مختارين‏ ,‏ مما يدحض اعتراضهم على بشرية خاتمهم‏ ـ‏ صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏ ـ وناسين أو متناسين أن الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ قد أهلك المتقدمين من الكفار والمشركين‏ ,‏ ومن الطغاة المتجبرين‏ ,‏ فلم يعتبروا بهلاكهم حتى إذا فاجأتهم عقوبة من الله رفعوا أصواتهم بالاستغاثة والضراعة صاغرين‏ ,‏ متذللين‏ .
وأكدت الآيات في سورة الأنبياء أنه لو أعرض أهل الأرض جميعاً عن طاعة خالقهم‏ ,‏ وعبادته بما أمر‏ ,‏ فإن الملائكة لا يستكبرون عن الخضوع الدائم لجلاله‏ ,‏ ولا عن تسبيحه‏ ,‏ وتمجيده‏ ,‏ وحمده‏ ,‏ ولا يملون ذلك أبداً ‏:‏
‏"‏ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ "  (الانبياء:20) ‏.‏
واستشهدت سورة الأنبياء بالعديد من الآيات الكونية على عظمة الخالق‏ ـ سبحانه وتعالى‏ ـ في إتقانه لصنعته‏ ,‏ وعلى وحدانيته المطلقة فوق جميع خلقه‏ ,‏ وعلى تنزيهه ـ‏ سبحانه‏ ـ‏ عن الشريك‏ ,‏ والزوجة‏ ,‏ والولد‏ ,‏ وهو‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ رب كل شيء ومليكه‏ ,‏ ومن ينازعه في سلطانه فجزاؤه جهنم وبئس المصير ‏.‏
وتؤكد السورة الكريمة أن‏ كل نفس ذائقى الموت ,‏ وأن الدنيا دار ابتلاء بالخير والشر‏ ,‏ وأن جميع المخلوقين عائدون حتماً إلى خالقهم‏ .‏
وتواسي الآيات خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ‏ صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين ـ‏ بأن جميع من سبقوه تاريخياً من أنبياء الله ورسله قد لاقوا من كفار أقوامهم‏ ,‏ وشراذم أممهم‏ ,‏ وحثالات مجتمعاتهم مثل ما لاقى‏ ـ‏ ولا يزال يلاقي ـ‏ من التكذيب والسخرية والاستهزاء‏ ,‏ وقد نال السابقين من هؤلاء المكذبين نكال من الله في الدنيا‏ ,‏ ولهم في الآخرة العذاب المقيم‏ ,‏ وهو نفس جزاء المكذبين من بعد ذلك إلى أيامنا هذه، وإلى يوم الدين‏ ,‏ فالله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ يضع الموازين العادلة فلا تُظلم نفس شيئا‏ .
واستعرضت سورة الأنبياء قصص عدد من هؤلاء المصطفين الأخيار منهم موسى، وهارون، وقد آتاهما الله ـ‏ تعالى ـ‏ التوراة نوراً وضياءاً، وجعلها فارقة بين الحق والباطل‏ ,‏ وتذكرة للمتقين
: "‏ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ "  (الانبياء:49) .
وتؤكد الآيات أن القرآن الكريم قد جاء من نفس المشكاة‏ ,‏ وهو كتاب مبارك‏ ,‏ أنزله الذي أنزل التوراة من قبل‏ ,‏ فلا ينكره إلا ضال‏ .‏
وممن ذكرت بهم السورة من أنبياء الله ورسله ‏:‏ إبراهيم الخليل أبو الأنبياء‏ ,‏ ولخصت حواره مع قومه من عبدة الأوثان‏ ,‏ ودعوته إياهم إلى التوحيد الخالص‏ ,‏ وتنجية الله له من كيدهم‏ ,‏ وبعثه وابن أخيه لوطاً إلى أرض فلسطين المباركة‏ ,‏ ووهبه ـ على الكبر ـ ذرية صالحة‏ ,‏ وتنجية لوط من القرية التي كانت تعمل الخبائث، والتي دمرها الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ تدميرا‏ًً .‏
وأضافت السورة الكريمة ذكر نوح ـ‏ عليه السلام‏ ـ‏ وقصته مع قومه الذين كذبوه فأغرقهم الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ ونجَّى نوحاً ومن آمن معه‏ ,‏ وقصة كلٍ من داود وسليمان‏ ,‏ وما أكرمهما الله‏ ـ تعالى‏ ـ به من معجزات وكرامات‏ ,‏ وقصة أيوب وما مسه من ضر وبلاء صبر عليه فكشفه الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ عنه‏ ,‏ وقصص كلٍ من إسماعيل‏ ,‏ وإدريس‏ ,‏ وذي الكفل‏ ,‏ الذين كانوا من أهل الإحسان والصبر‏ ,‏ وقصة يونس‏ ـ على نبينا، وعليه، وعلى أنبياء الله جميعا من الله السلام ـ والحوت الذي التقمه‏ ,‏ وتنجية الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ له منه‏ ,‏ وقصة زكريا‏ ـ‏ عليه السلام‏ ـ وقد رزقه الله ـ تعالى ـ على الكبر ـ ابناً صالحا‏ًً ,‏ وقصة السيدة مريم البتول وولادتها بمعجزة حقيقية لابنها عيسى‏ ـ‏ عليها، وعليه من الله السلام‏ .‏ ومن هنا كانت تسمية هذه السورة المباركة باسم سورة الأنبياء ‏.‏
وبعد هذا السرد التاريخي المعجز يأتي القرار الإلهي الحاسم‏ :‏
" إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ " (الأنبياء‏:92‏)، وفيه من التأكيد على وحدة الرسالة السماوية‏ ,‏ ووحدة هذه السلسلة الطويلة من الأنبياء والمرسلين‏ ,‏ ما يدعم صدورها عن الإله الواحد الذي خلق الخلق‏ ,‏ واصطفى منهم الأنبياء والمرسلين‏ ,‏ وأوحى إليهم جميعا بدينه القويم ـ الإسلام ـ الذي أكمله‏ ,‏ وأتمه وحفظه في الرسالة الخاتمة ـ القرآن الكريم ـ المنزل على خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ‏ صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏ .‏
وعلى الرغم من هذه الحقيقة الواضحة وضوح الشمس في وسط النهار، فقد اختلف الناس في أمر الدين‏ ,‏ وأصبحوا فيه شيعاً متعارضين‏ ,‏ والجميع راجعون إلى الله ـ‏ تعالى ـ ليحاسبهم‏ ,‏ ويجازيهم على ما كانوا يعتقدون‏ ,‏ وما كانوا يعملون‏ .‏ وقد أوضح الله‏ ـ تعالى‏ ـ للجميع أن الذين أُهلكوا في الدنيا لكفرهم، وشركهم، وطغيانهم قد أدركوا ذلك بعد هلاكهم‏ ,‏ وتمنوا العودة مرة أخرى إلى الحياة الدنيا ليتوبوا إلى الله‏ ,‏ ويعودوا إلى طاعته وعبادته وتوحيده، ولكن هيهات لهم أن يعودوا إلا عند قيام الساعة حين يُبعث الخلق أجمعون‏ .‏
وتتحدث الآيات في سورة الأنبياء عن سد يأجوج ومأجوج‏ ,‏ وعن الإشعار بقرب فتحه‏ ,‏ وتدافع هذا الخلق للخروج منه‏ ,‏ وانتشارهم‏‏ في كل فج‏ ,‏ وتزاحمهم على النزول من كل مرتفع متسارعين للإفساد في الأرض‏ . ‏ وخروجهم من العلامات الكبري للساعة، ومن نبوءات القرآن العظيم والرسول الخاتم‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ‏ باقتراب وقتها‏، ويومئذٍ يُرى الكافرون والمشركون وأبصارهم شاخصة من شدة الهول والفزع‏ ,‏ وتصف الآيات جانباً من مشاهد هذا اليوم العصيب‏ ,‏ وتمايز بين موقف كلٍ من المؤمنين والكافرين فيه ‏.‏
وتؤكد السورة في أواخرها أن الرسول الخاتم والنبي الخاتم‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ قد أرسله الله‏ ـ تعالى‏ ـ رحمة للعالمين‏ ,‏ داعياً للناس جميعاً إلى التوحيد الخالص لله الخالق‏ ,‏ فإن تولوا فما عليه إلا أن يقول‏ :‏  قد أعلمتكم جميعا بالحق‏ ,‏ أنذرتكم بما توعدون‏ ,‏ ولا أدري أقريب هو أم بعيد‏ ,‏ وأخبرتكم بأن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ هو علام الغيوب‏ ,‏ الذي لا يخفى عليه شيء‏ ,‏ وأنه‏ ـ‏ تعالى ـ سوف يجازي كلاً بعمله‏ ,‏ ولست أدري إن كان إمهالكم لمزيد من البقاء في الدنيا هو ابتلاء لكم أم فتنة‏ ,‏ وتختتم السورة الكريمة بهذا الدعاء الكريم على لسان خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ :‏
" قَالَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ المُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ‏" (الأنبياء:112)‏ . أي‏:‏ يا رب احكم بيني وبين هؤلاء المكذبين بالحق الذي أرسلتني به‏ ,‏ وأنت المستعان على ما يصفون من الكفر والتكذيب‏ . وبهذا التفويض لله‏ ـ‏ تعالى ـ والاستعانة به والضراعة إليه تختتم سورة الأنبياء‏ .

من الآيات الكونية في سورة الأنبياء :
في مقام الاستدلال على طلاقة القدرة‏ الإلهية المبدعة في الخلق‏ ,‏ وعلى وحدانية الخالق العظيم، أشارت سورة الأنبياء إلى عدد من الآيات الكونية التي يمكن إيجازها فيما يلي ‏:‏
(1‏) خلق السماوات والأرض بالحق‏ ,‏ أي بنظم فائقة الدقة والانتظام‏.‏
(2) وحدة البناء في الخلق تؤكد وحدانية الخالق‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ .‏
(3) حقيقة أن السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقهما الله‏ ـ‏ تعالى‏ .‏
(4)حقيقة أن الله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ قد جعل من الماء كل شيء حي‏ .‏
(5) حقيقة أن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ خلق الجبال‏ ,‏ وجعلها رواسي للأرض‏ ,‏ وجعل فيها فجاجاً سبلاً للناس يسلكونها ويهتدون بها‏ .‏
(6)تأكيد أن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ قد جعل السماء سقفاً محفوظاً ‏.‏
(7)الإشارة إلى دوران الأرض حول محورها أمام الشمس بخلق كلٍ من الليل والنهار وتبادلهما‏ ,‏ وتأكيد جري كلٍ من الأرض والشمس والقمر بالوصف القرآني المعجز‏ :‏ " كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ "
‏ ( الأنبياء:33) .‏
(8) تأكيد حقيقة أن كل نفس ذائقة الموت‏ .‏
(9)الإشارة إلى أن الإنسان خُلق من عجل ‏.‏
(10) الإشارة إلى حقيقة إنقاص الأرض من أطرافها في مجاز معجز‏ .‏
(11) الإشارة إلى طي السماء كطي السجل للكتب‏ ,‏ والعودة بالكون إلى هيئته الأولى ‏(‏رتقاً متصلاً قبل فتقه إلى السماوات والأرض‏) .‏
ومن إعجاز القرآن الكريم أن تأتي الإشارة إلى كيفية خلق الكون‏ ,‏ وإلى كيفية إفنائه في سورة واحدة‏ ,‏ والإشارة إلى خلق كل شيء حي بين هذين الحدين‏ .‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة مستقلة‏ ,‏ ولذلك فسوف أقصر حديثي هنا على النقطة الرابعة فقط في هذه القائمة، والتي يقول فيها ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ :‏
‏".....‏ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ " (الانبياء:30) .وقبل الدخول إلى ذلك لابد من استعراض سريع لأقوال عدد من المفسرين القدامى والمعاصرين في شرح هذه الآية الكريمة‏ .‏

من أقوال المفسرين :
في تفسير قوله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ :‏
‏".....‏ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ " (الانبياء:30) .
ذكر ابن كثير‏ ـ‏ يرحمه الله‏ ـ ما نصه‏ : ...‏ وقوله :
‏" وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ " أصل كل الأحياء‏ ,‏ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي إِذَا رَأَيْتُكَ طَابَتْ نَفْسِي، وَقَرَّتْ عَيْنِي، فَأَنْبِئْنِي عَنْ كُلِّ شَيْءٍ فَقَالَ : " كُلُّ شَيْءٍ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ ". قَالَ قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْبِئْنِي عَنْ أَمْرٍ إِذَا أَخَذْتُ بِهِ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ قَالَ : " أَفْشِ السَّلَامَ وَأَطْعِمْ الطَّعَامَ وَصِلْ الْأَرْحَامَ وَقُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ ثُمَّ ادْخُلْ الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ ". (‏مسند أحمد بن حنبل‏) .‏ (انتهى قول المفسر)
وجاء في تفسير الجلالين‏ ـ رحم الله كاتبيه‏ ـ ‏ ما نصه ‏:"...‏ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ "‏ النازل من السماء، والنابع من الأرض .‏" كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ‏"‏ نبات وغيره‏ ,‏ أي‏ :‏ فالماء سبب لحياته‏ "‏ أَفَلا يُؤْمِنُونَ ‏"‏ بتوحيدي ؟ ‏.‏ (انتهى قول المفسر)
وذكر صاحب الظلال‏ ـ‏ رحمه الله رحمة واسعة ـ‏ ما نصه‏ :...‏ فأما شطر الآية الثاني ‏: " وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ‏ "
‏ فيقرر كذلك حقيقة خطيرة‏ ,‏ يعد العلماء كشفها وتقريرها أمراً عظيماً‏ .‏ إن الماء هو مهد الحياة الأول،‏ وهي حقيقة تثير الانتباه حقاً‏ ,‏ وإن كان ورودها في القرآن الكريم لا يثير العجب في نفوسنا‏ ,‏ ولا يزيدنا يقيناً بصدق هذا القرآن‏ ,‏ فنحن نستمد الاعتقاد بصدقه المطلق في كل ما يقرره من إيماننا بأنه من عند الله‏ ,‏ لا من موافقة النظريات أو الكشوف العلمية له‏، ومنذ أكثر من ثلاثة عشر قرناً كان القرآن الكريم يوجه أنظار الكفار إلى عجائب صنع الله في الكون‏ ,‏ ويستنكر ألا يؤمنوا بها وهم يرونها مبثوثة في الوجود‏ :‏ " أَفَلا يُؤْمِنُونَ " ؟، وكل ما حولهم في الكون يقود إلى الإيمان بالخالق المدبر الحكيم‏ .‏ (انتهى قول المفسر)
‏ وجاء في صفوة البيان لمعاني القرآن‏ ـ‏ رحم الله كاتبه ـ‏ ما نصه:‏ " وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ " خلقنا من الماء كل شيء حي‏ ,‏ أي متصف بالحياة الحقيقية، وهو الحيوان‏ ,‏ أو كل شيء نامٍ فيدخل النبات‏ ,‏ ويراد من الحياة ما يشمل النمو‏، وهذا العام مخصوص بما سوى الملائكة والجن مما هو حي ‏.‏ (انتهى قول المفسر)
‏ وذكر أصحاب المنتخب في تفسير القرآن الكريم‏ ـ‏ جزاهم الله خيرا‏ًًَ ـ‏ ما نصه‏ :‏ أُعمِيَ الذين كفروا‏ ,‏ ولم يبصروا ‏.... ,‏ وجعلنا من الماء الذي لا حياة فيه كل شيء حي؟‏!‏ فهل بعد كل هذا يعرضون‏ ,‏ أفلا يؤمنون بأنه لا إله إلا الله ؟‏!‏
(انتهى قول المفسر)
وجاء بالهامش هذا التعليق: "وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ "  تقرر هذه الآية حقيقة علمية أثبتها أكثر من فرع من فروع العلم‏ ,‏ فقد أثبت علم الخلية أن الماء هو المكون المهم في تركيب مادة الخلية‏ ,‏ وهي وحدة البناء في كل كائن حي نباتاً كان أو حيواناً‏ ,‏ وأثبت علم الكيمياء الحيوية أن الماء لازم لحدوث جميع التفاعلات والتحولات التي تتم داخل أجسام الأحياء‏ ,‏ فهو إما وسط‏ ,‏ أو عامل مساعد‏ ,‏ أو داخل في التفاعل‏ ,‏ أو ناتج عنه‏ .‏ وأثبت علم وظائف الأعضاء أن الماء ضروري لقيام كل عضو بوظائفه التي بدونها لا تتوافر له مظاهر الحياة ومقوماتها ‏.‏ (انتهى قول المعلق)
‏ وجاء في صفوة التفاسير ـ‏ جزى الله كاتبها خيرا‏ًً ـ‏ ما نصه‏ :‏
"جَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ "‏ أي جعلنا الماء أصل كل الأحياء، وسبباً للحياة، فلا يعيش بدونه إنسان ولا حيوان ولا نبات‏ . "‏ أَفَلا يُؤْمِنُونَ‏ "‏ أي‏:‏ أفلا يصدقون بقدرة الله ؟ ‏.‏ (انتهى قول المفسر)

الماء في القرآن الكريم :
الماء سائل شفاف تقوم عليه الحياة‏ ,‏ وهو في نقائه لا لون له‏ ,‏ ولا طعم ولا رائحة‏ ,‏ وقد وهبه الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ من الصفات الطبيعية والكيميائية ما يمكنه من القيام بدوره الأساسي في أجساد كل صور الحياة‏ .‏
والهمزة في اسمه مبدلة من الهاء؛ لأن أصله‏ (‏موه‏)‏ وجمعه‏ (‏أمواه‏)‏ في القلة‏ ,‏ و‏(‏مياه) في الكثرة‏,‏ وتصغيره‏ (‏مويه‏) ,‏ والنسبة إلى ‏(‏ماء‏)‏ هي ‏(‏مائي‏)‏ أو ‏(‏ماوي‏) .‏
ولفظة‏ (‏ماء‏)‏ وردت في القرآن الكريم ‏(63)‏ مرة‏ ,‏ وهي لفظة تدل على الجمع والمفرد معا‏ًً (‏فتقول ماء البحر كما تقول قطرة ماء‏) .‏
ومن هذه المرات الثلاث وستين والتي جاءت ـ في معظمها ـ بمعنى السائل المعروف الذي يشربه كلٌ من الإنسان والحيوان‏ ,‏ ويُروى به النبات‏ ,‏ جاءت لفظة‏ (‏ماء‏)‏ في القرآن الكريم أربع مرات بمعنى النطفة ‏ـ ‏أي‏ :‏ ماء التناسل ,‏ كما جاءت كلمة ‏(‏ماء‏) 59 ‏مرة غير متصلة بضمير‏ ,4‏ مرات متصلة بضمير من الضمائر‏ .‏
وهذه المرات الثلاث وستون التي جاء فيها ذكر لفظة ‏(‏ماء‏)‏ أو‏ (‏الماء‏)‏ في كتاب الله‏ ـ ‏في إحدي وستين آية مباركة، ورد في اثنتين منها ذكر الماء مرتين يمكن تصنيفها في المجموعات العشر التالية‏ :‏
أولا‏ًً :‏ آية واحدة تدل على أن عرش الله ـ‏ تعالى‏ ـ‏ كان على الماء (هود‏:7) .‏
ثانيا‏ًً :‏ آية واحدة تدل على أن أصل ماء الأرض كله من داخل الأرض ‏(‏النازعات‏:3) .‏
ثالثا‏ًً :‏ آيتان كريمتان تثبتان أن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ قد خلق كل شيء من الماء (الأنبياء‏:30 ,‏ النور‏:45) .‏
رابعاً ‏:‏ ثمان وعشرون آية كريمة تصف دورة الماء حول الأرض بإنزاله من السماء‏ ,‏ ودور كلٍ من الرياح والسحاب في تلك الدورة التي جعلها ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ‏ لتطهير ماء الأرض‏ ,‏ ولسُقيا كلٍ من الإنسان والحيوان وإنبات مختلف أنواع النباتات وريها بانتظام، وهم (البقرة‏:164 ,22) ,‏ (الأنعام‏:99) ,‏ (الأعراف‏:57)  ,‏ (الأنفال‏:11) ,‏ (الرعد‏:17 ,4) ,‏ (إبراهيم‏:32)،‏ (الحجر‏:22) ,‏ (النحل‏:65 ,10) ,‏ (طه‏:53) ,‏ (الحج‏:63 ,5) ,‏ (الفرقان‏:48) ,‏ (النمل‏:60) ,‏ (العنكبوت‏:63) ,‏ (الروم‏:24) ,‏ (لقمان‏:10) ,‏ (السجدة‏:27) ,‏ (فاطر‏:27) ,‏ (فصلت‏:39) ,‏ (الزخرف‏:11) ,‏ (ق‏:9) ,‏ (الواقعة‏:68) ,‏ (المرسلات‏:27) ,‏ (النبأ‏:14) ,‏ (عبس‏:25) .‏
خامسا‏ًً :‏ خمس آيات تصف خزن ماء المطر تحت سطح الأرض بتدبير من الله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ وتقدير حكيم منه‏ , (‏منها آية واحدة (الملك‏:30‏) ذكر فيها الماء مرتين (البقرة‏:74) ,‏ (المؤمنون‏:18) ,‏ (الكهف‏:41) ,‏ (الزمر‏:21)‏ .‏
سادسا‏ًً :‏ ثماني آيات مباركات تشير إلى ماء له علاقة بأحداث تاريخية (هود‏:44 ,24 ,23) ,‏ (القصص‏:23) ,‏ (القمر‏:28 ,12 ,11) ,‏ (الحاقة‏:11) .‏
سابعا‏ًً :‏ آيتان كريمتان تشيران إلى التيمم في غيبة وجود الماء (النساء‏:43) ,‏ (المائدة‏:6) .‏
ثامنا‏ًً :‏ خمس آيات مباركات تذكر الماء في الآخرة إما في الجنة أو في النار،‏ أشير في إحداها (محمد‏:15‏) إلى الماء مرتين‏،‏ (الأعراف‏:50) ,‏ (إبراهيم‏:16) ,‏ (الكهف‏:29) ,‏ (الواقعة‏:31) .‏
تاسعاً ‏:‏ خمس آيات كريمات استخدمت للتشبيه أو لضرب المثل (يونس‏:24) ,‏ (الرعد‏:14) ,‏ (الكهف‏:45) ,‏ (النور‏:39) ,‏ (الجن‏:16) .‏
عاشراً ‏:‏ أربع آيات تشير بالماء إلى النطف أي‏ :‏ ماء التناسل ‏(‏الفرقان‏:54) ,‏ (السجدة‏:8) ,‏(المرسلات‏:20) ,‏ (الطارق‏:6) .‏



من الدلالات العلمية للآية الكريمة :
من الدلالات العلمية التي يمكن استخلاصها من قول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ : " وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ " (الانبياء:30) ما يلي‏ :‏
أولا‏ًً :‏ أن الماء سابق في وجوده على جميع الخلائق‏ ,‏ فقد أثبتت دراسات علوم الأرض أن هذا الكوكب يرجع عمره إلى أكثر من ‏4.6‏ بليون سنة مضت‏ ,‏ بينما يرجع عمر أقدم أثر للحياة في صخور الأرض إلى ‏3.8‏ بليون سنة مضت‏ ,‏ وهذا يعني أن عملية إعداد الأرض لاستقبال الحياة استغرقت أكثر من ثمانمائة مليون سنة ، وربنا ـ تبارك وتعالى ـ قادر على أن يقول للشيء كن فيكون‏ ,‏ وإنما جاء الخلق على مراحل متطاولة من الزمن بهدف إعانة الإنسان على تتبع سنن الله في الأرض‏ ,‏ وعلى حسن توظيفها في عمارة الحياة‏؛‏ لأن كلاً من الزمان والمكان إذا كان من أبعاد المادة‏ ,‏ وحدود الإنسان‏ ,‏ فهو من خلق الله‏ ,‏ والمخلوق لا يحد الخالق أبدا‏ًً ،‏ فالله ـ تعالى‏ ـ‏ فوق جميع خلقه بما في ذلك المادة، والطاقة، والزمان، والمكان ‏.‏
وخلال هذه الفترة الطويلة من إعداد الأرض لاستقبال الحياة، فجر الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ الأرض بالثورات البركانية التي أخرجت كلاً من أغلفة الأرض الصخرية‏ ,‏ والمائية‏ ,‏ والهوائية‏ ,‏ كما كونت السلاسل الجبلية التي اندفعت من قاع المحيط الأولي الغامر للأرض حتى أصبح كوكبنا مهيئاً ليكون حاضناً لنوع الحياة الأرضية‏ .‏

ثانيا‏ًً:‏ أن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ خلق كل صور الحياة الأرضية الباكرة في الماء‏؛‏ لأن الأوساط المائية في بدء خلق الأرض كانت أنسب البيئات لاستقبال الحياة‏ ,‏ ودراسات بقايا الحياة في صخور الأرض تشير إلى أن الحياة المائية استمرت على الأرض قرابة ‏3360‏ مليون سنة (‏في الفترة من ‏3800‏ مليون سنة مضت إلى ‏440‏ مليون سنة مضت‏)‏ قبل خلق أول نباتات على اليابسة‏ .‏
ثالثاً ‏:‏ كذلك أثبتت دراسات علوم الأرض أن خلق النبات كان دوماً سابقاًًًً لخلق الحيوان‏ ,‏ وأن عملية الخلق قد توجها الله‏ ـ‏ تعالى ـ بخلق الإنسان‏ ,‏ وعلى ذلك فإن خلق النباتات البحرية كان سابقاً لخلق الحيوانات البحرية‏ ,‏ وكذلك خلق النباتات الأرضية على اليابسة كان سابقاً لخلق الحيوانات على اليابسة‏ ,‏ وكل ذلك كان سابقاً لخلق الإنسان، وهو المخلوق الذي كرمه الله‏ ـ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ فقال‏ ـ عز من قائل ـ‏ :‏ " وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ "‏ (الاسراء:70).

والحكمة من ذلك جلية‏ ,‏ بينة واضحة‏؛ لأن الإنسان يعتمد في غذائه على كلٍ من النبات والحيوان‏؛‏ ولأن كلاً من الإنسان والحيوان يعتمد في غذائه على النبات‏؛ ولأن النباتات لعبت ـ ولا تزال تلعب ـ الدور الرئيسي في إمداد الغلاف الغازي للأرض بالأوكسجين الذي بدونه ما كانت حياة أي من الحيوان أو الإنسان ممكنة‏ .
يضاف إلى ذلك أن النبات الأخضر هو المصنع الرباني الذي تتخلق فيه الجزيئات العضوية اللازمة لبناء أجساد كل صور الحياة النباتية والحيوانية والإنسية، وذلك بواسطة الماء المقبل مع العصارة الغذائية المستمدة من الأرض‏ ,‏ وثاني أوكسيد الكربون المستمد من الغلاف الغازي للأرض‏ ,‏ والطاقة المستمدة من الشمس وعملية التمثيل الضوئي في النباتات الخضراء لا تتم في غيبة الماء‏ ,‏ الذي يتكون كل جزيء فيه من ذرتي إيدروجين‏ ,‏ وذرة أوكسجين واحدة‏ ,‏ والنبات يستمد الماء من العصارة الغذائية التي تمتصها جذوره من تربة وصخور الأرض‏ ,‏ ويستمد الطاقة من ضوء الشمس بواسطة الصبغة الخضراء التي أودعها الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ في خلايا النبات والمعروفة باسم اليخضور‏ ,‏ والتي أعطاها الله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ القدرة على تحليل جزيء الماء إلى أيون من الإيدروجين يحمل شحنة كهربائية موجبة‏ ,‏ وأيون آخر من الإيدروكسيد يحمل شحنة كهربائية سالبة‏ ,‏ وباتحاد كل اثنين من أيونات الإيدروكسيد يتكون جزيء من الماء وذرة من ذرات الأوكسجين الذي ينطلق إلى الغلاف الغازي للأرض لتعويض ما تستهلكه بقية الكائنات الحية من هذا الغاز الضروري للحياة عن طريق التنفس‏ .‏
وتتحد أيونات الإيدروجين الناتجة عن عملية تحلل الماء مع جزيئات ثاني أوكسيد الكربون الذي يستمده النبات من الجو المحيط به ليكون جميع أنواع الجزيئات العضوية اللازمة لبناء الخلايا الحية‏ ,‏ مبتدئاً بأبسطها‏ ,‏ وهو سكر العنب‏ ـ الجلوكوز‏ ـ‏ وغيره من السكاكر والنشويات‏ ـ الكربوهيدرات‏ ـ ‏ منتهياً إلى البروتينات‏ ,‏ والزيوت‏ ,‏ والدهون‏ ,‏ ومركبات ذلك من الأحماض الأمينية‏ ,‏ والأحماض النووية التي تكتب بها الشفرة الوراثية لكل كائن حي ‏.‏
وبهذه العملية يختزن
جزء من طاقة الشمس على هيئة روابط كيميائية تلعب الدور الرئيسي فيها أيونات الإيدروجين الموجودة في الماء‏ ,‏ بينما الأوكسجين المنطلق من الماء إلى الجو عن طريق عملية التمثيل الضوئي، فإنه يستخدم بواسطة بقية الكائنات الحية في عملية التنفس، وهي عملية ينتج عنها أكسدة المواد العضوية في الطعام والمأخوذة أصلاً من النبات مباشرة،‏ ‏أو بطريقة غير مباشرة عن طريق الحيوان إلى ثاني أوكسيد كربون وماء ،‏ وبذلك يسترجع الغلاف الغازي للأرض ثاني أوكسيد الكربون الذي أخذه منه النبات‏ ,‏ كما يسترجع قدراً من طاقة الشمس التي استفاد بها النبات على شكل حرارة ناتجة عن جميع الأنشطة التي تقوم بها الكائنات الحية‏ ,‏ أو تتركها على هيئة بقايا وفضلات تتأكسد وتعود هي الأخري إلى الجو‏ .‏
من هنا يتضح أن الماء ضروري لبناء أجساد كل الكائنات الحية‏ ,‏ كما أنه ضروري لمساعدتها على الاستمرار في القيام بمختلف نشاطاتها ومظاهرها الحيوية‏ .‏

رابعاً ‏:‏ أن الماء أعظم مذيب يعرفه الإنسان، ولذلك يشكل الوسط المذيب للعديد من العناصر والمركبات التي يقوم بنقلها من تربة وصخور الأرض إلى مختلف أجزاء النبات‏ ,‏ ومن الطعام إلى مختلف أجزاء جسم كلٍ من الإنسان والحيوان‏،‏ وذلك بما له من درجة عالية من اللزوجة والتوتر السطحي‏ ,‏ وخاصية شعرية فائقة‏ .
خامسا‏ًً :‏
أن الماء يشكل العنصر الأساسي في بناء أجساد جميع الكائنات الحية‏ ,‏ فقد ثبت بالتحليل أن نسبة الماء في جسم الإنسان تتراوح بين حوالي‏71%‏ في الإنسان البالغ‏ ,‏ و‏93%‏ في الجنين ذي الأشهر المحدودة‏ ,‏ بينما يكون الماء أكثر من‏80%‏ من تركيب دم الإنسان‏ ,‏ وأكثر من‏90‏% من أجساد العديد من النباتات والحيوانات‏ .‏
سادسا‏ًً :‏ أن جميع الأنشطة الحياتية وتفاعلاتها المتعددة من التغذية إلى الإخراج، ومن النمو إلى التكاثر، لا تتم في غيبة الماء بدءاً من التمثيل الغذائي‏ ,‏ وتبادل المحاليل بين الخلايا وبعضها البعض‏ ,‏ وبينها وبين المسافات الفاصلة بينها‏ ,‏ وذلك بواسطة الخاصية الشعرية للمحاليل المائية التي تعمل من خلال جذر الخلايا‏ ,‏ وانتهاءاً ببناء الخلايا والأنسجة الجديدة مما يعين على النمو والتكاثر‏ ,‏ وقبل ذلك وبعده التخلص من سموم الجسم وفضلاته عن طريق مختلف صور الإفرازات والإخراجات‏ .‏
هذا بالإضافة إلى ما يقوم به الماء من أدوار أساسية في عمليات بلع الطعام‏ ,‏ وهضمه‏ ,‏ وتمثيله‏ ,‏ ونقله‏ ,‏ وتوزيعه‏ ,‏ ونقل كلٍ من الفيتامينات‏ ,‏ والهرمونات‏ ,‏ وعناصر المناعة‏ ,‏ ونقل الأوكسجين إلى جميع أجزاء الجسم‏ ,‏ وإخراج السموم والنفايات إلى خارج الجسم‏ ,‏ وحفظ حرارة الجسم ورطوبته وما يقدم لذلك أو يترتب عليه من العمليات الحيوية‏ ,‏ وعلى ذلك فلا يمكن للحياة أن تقوم بغير الماء أبداً‏ ,‏ فمن الكائنات الحية ما يمكنه الاستغناء كلية عن أوكسجين الهواء‏ ,‏ ولكن لا يوجد كائن حي واحد يمكنه الاستغناء عن الماء كلية‏ ,‏ فبالإضافة إلى منافعه العديدة ـ وفي مقدمتها أنه منظم لدرجة حرارة الجسم‏ ـ بما له من سعة حرارية كبيرة‏ ,‏ ومنظم لضغط الدم‏ ,‏ ولدرجات الحموضة‏ ,‏ فإن في نقصه تعطش الخلايا ويضطرب عملها‏ ,‏ وتتيبس الأنسجة‏ ,‏ وتتلاصق المفاصل‏ ,‏ ويتجلط الدم ويتخثر‏ ,‏ ويوشك الكائن الحي على الهلاك، ولذلك فإن أعراض نقص الماء بالجسم الحي خطيرة للغاية‏ ,‏ فإذا فقد الإنسان على سبيل المثال ‏1%‏ من ماء جسده أحس بالظمأ‏ ,‏ وإذا ارتفعت نسبة فقد الماء إلى‏5%‏ جف حلقه ولسانه‏ ,‏ وصعب نطقه‏ ,‏ وتغضن جلده‏ ,‏ وأصيب بانهيار تام‏ ,‏ فإذا زادت النسبة المفقودة على‏10%‏ أشرف الإنسان على الهلاك بالموت‏ .‏
وفي المقابل فإن الزيادة في نسبة الماء بجسم الكائن الحي على القدر المناسب له قد تقتله‏ ,‏ فالزيادة في نسبة الماء بجسم الإنسان قد تسبب الغثيان‏ ,‏ والضعف العام وتنتهي بالغيبوبة التي تفضي إلى الموت‏ .

سابعا‏ًً :‏ يغطي الماء في زماننا الراهن حوالي ‏71‏% من مساحة سطح الأرض المقدرة بنحو ‏(510)‏ ملايين كيلو متر مربع‏ ,‏ بينما تشغل مساحة اليابسة حوالي ‏29‏% من تلك المساحة‏ .‏
والأرض هي أغنى كواكب المجموعة الشمسية بالماء الذي تقدر كميته على السطح بنحو ‏1,4‏ بليون كيلو متر مكعب‏ ,‏ بالإضافة إلى مخزون يقدر بمئات أضعاف هذا الرقم في نطاق الضعف الأرضي‏ ,‏ يخرجه لنا ربنا ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ‏ بقدر معلوم مع ثورات البراكين‏ .‏
ويتوزع أغلب الماء على سطح الأرض ‏(‏حوالي‏97.22 %)‏ في البحار والمحيطات التي تغطي مساحة تزيد على ‏362‏ مليون كيلو متر مربع‏  بمتوسط عمق يقدر بحوالي ‏3800‏ متراً، مما يعطي لبحار ومحيطات الأرض حجماً يزيد قليلا على ‏(1375)‏ مليون كيلو متر مكعب من الماء المالح .
هذا بالإضافة إلى كمٍ من الجليد يغطي قطبي الأرض‏ ,‏ وقمم الجبال بسُمك يصل إلى أربعة كيلو مترات في القطب الجنوبي، وإلى ‏3800‏ متر في القطب الشمالي‏ ,‏ ويقدر كم الماء في هذا الغطاء الجليدي بحوالي
‏(2,15%)‏ من مجموع الماء على سطح الأرض‏ ,‏ والنسبة الباقية وتقدر بحوالي‏ (63.0 %)‏ من مجموع ماء الأرض تمثل أغلبها بالمخزون المائي في صخور قشرة الأرض ونسبته ‏0.613‏% ، ويمثل الباقي‏ ـ‏ وتقدر نسبته بحوالي‏0.017% ـ بمخزون البحيرات الداخلية‏ ,‏ وكم الماء الجاري في الأنهار والجداول‏ ,‏ ورطوبة كلٍ من الجو والتربة‏ التي تعين الأرض على الإنبات‏ ,‏ وتلعب دوراً مهماً في تكوين السحب التي تدفع عن الأرض جزءاً كبيراً من حرارة وأشعة الشمس بالنهار‏ ,‏ كما ترد إلى الأرض معظم الدفء الذي تشعه صخورها إلى الجو بمجرد غياب الشمس ‏.‏
وهذا التوزيع المعجز للماء على سطح الأرض لعب ـ ولا يزال يلعب ـ دوراً أساسياً في تهيئة مناخ الأرض لاستقبال الحياة‏ ,‏ فلولا هذه المساحات المائية والجليدية الشاسعة لاستحالت الحياة التي نعرفها على سطح الأرض‏؛‏ لأن درجة حرارة نطاق المناخ كان من الممكن أن تصل إلى أكثر من مائة درجة مئوية بالنهار‏ ,‏ وأن تنخفض إلى ما دون المائة درجة تحت الصفر المئوي بالليل‏ ,‏ وهو تباين لا تقوى عليه كل صور الحياة المعروفة لنا‏ ,‏ ولكن شاءت إرادة الله ورحمته أن تحمينا من هذه المخاطر بواسطة الغلاف المائي للأرض الذي ينظم درجة حرارتها‏ ,‏ وحرارة الهواء المحيط بها في نطاق المناخ‏ ,‏ وذلك بتكرار عمليات التبخير بكميات كبيرة من الماء‏ ـ‏ تقدر سنويا بحوالي‏380,000‏ كيلو متر مكعب‏ ـ وتكثيف هذا الكم الهائل من بخار الماء على هيئات السحاب والضباب والندى‏ ,‏ وإنزاله إلى الأرض على هيئة المطر‏ ,‏ والثلج والبَرَد‏ ,‏ وما يصاحب ذلك من رعد وبرق‏ ,‏ وما ينزل معهما من مركبات النيتروجين وغيره من العناصر التي تثري تربة الأرض بما يحتاجه النبات من مركبات‏ ,‏ وما يصاحب كل ذلك من إحياء للأرض بعد موتها‏ ,‏ بتقدير من الخالق البارئ المصور : " الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى . وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى " (الأعلى:2ـ3).‏

ثامناً ‏:‏ الماء يساعد على حفظ درجات الحرارة في البحار والمحيطات في الحدود التي تعين الحياة البحرية على النشاط‏ ,‏ وذلك باختلاط التيارات البحرية الدافئة والباردة‏ ,‏ وبامتصاص جزء كبير من أشعة الشمس، ومما تنتجه الأحياء البحرية من حرارة نتيجة لمختلف أنشطتها الحيوية‏ ,‏ والعمل على إعادة توزيعها‏ ,‏ وكذلك توزيع الحرارة الناتجة عن ثورات البراكين فوق قيعان كل محيطات الأرض‏ ,‏ وقيعان أعداد من بحارها‏ ,‏ وقبل ذلك وبعده وقاية الأحياء البحرية من مختلف التقلبات الجوية خاصة عندما تنخفض درجات الحرارة إلى ما دون الصفر المئوي‏ ,‏ وهنا يلحظ كل عاقل دور القدرة المبدعة في الخلق، والتي أعطت الماء عدداً من الخصائص الفيزيائية والكيميائية التي لا تتوافر لغيره من العناصر ومركباتها‏ ,‏ وأبرزها قلة كثافة الماء عند تجمده، مما يضطره إلى الطفو على سطح مياه البحار والمحيطات في المناطق الباردة والمتجمدة بدلاً من الغوص إلى قيعانها والقضاء على مختلف صور الحياة فيها‏ ,‏ ويقوم الجليد الطافي على سطح الماء بدور العازل بين درجات حرارة الهواء الشديد البرودة من فوقه‏ ,‏ والماء الدافئ نسبياً من تحته وما فيه من حياة زاخرة ‏.‏
هذا قليل من كثير مما حبا الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ به الماء من صفات طبيعية وكيميائية فريدة‏ ,‏ التي من أهمها أيضاً قدرته الفائقة على إذابة أعداد كبيرة من المواد الصلبة والسائلة والغازية‏ ,‏ وبناؤه الجزيئي ذو القطبية المزدوجة والمقاوم للتحلل والتأين‏ ,‏ ودرجتا التجمد والغليان المتميزتان‏ ,‏ والحرارة النوعية المرتفعة‏ ,‏ والحرارة الكامنة العالية‏ ,‏ واللزوجة والتوتر السطحي الفائقان‏ ,‏ وقلة كثافته عند التجمد‏ ,‏ وقدرته الكبيرة على الأكسدة والاختزال‏ ,‏ وعلى التفاعل مع العديد من المركبات الكيميائية‏ ,‏ وعلى تصديع التربة وشقها لمساعدتها على الإنبات‏ ,‏ وبذلك هيأها الله ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ للقيام بدوره الرئيسي في أجساد كل أنواع الحياة النباتية والحيوانية والإنسية، مما يعتبر معجزة كبرى من معجزات الخالق‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ الذي أنزل في محكم كتابه من قبل ألف وأربعمائة سنة قوله الحق‏ :‏ ‏" وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ " (الأنبياء:30) , جاء ذلك مباشرة بعد تقرير خلق السماوات والأرض بعملية فتق الرتق، وهي من أعظم معجزات الخالق‏ ـ‏ سبحانه‏ ـ‏ في إبداعه للكون‏ ,‏ والخطاب في مطلع الآية الكريمة موجه للذين كفروا‏ ,‏ ولذلك ختمت بهذا الاستفهام التقرير‏ ,‏ التقريعي‏ ,‏ التوبيخي‏ :‏ " أَفَلا يُؤْمِنُونَ ".‏

وهذه حقائق لم يصل إليها علم الإنسان الكسبي إلا في منتصف القرن العشرين‏ ,‏ وورودها في كتاب الله بهذه الدقة العلمية المبهرة‏ ,‏ والإيجاز المعجز‏ ,‏ مع الشمول والإحاطة لمما يقطع بأن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق‏ ,‏ ويشهد بالنبوة والرسالة للرسول والنبي الخاتم الذي تلقاه‏ ,‏ فصلى الله وسلم وبارك عليه‏ ,‏ وعلى آله وصحبه‏ ,‏ ومن تبع هداه‏ ,‏ ودعا بدعوته إلى يوم الدين‏ ,‏ والحمد لله رب العالمين ‏.