" الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ " (يس‏:80 ).


هذه الآية الكريمة جاءت في خواتيم سورة يس‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ وعدد آياتها ‏83‏ بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم الذي قيل إنه من أسماء رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ بدليل توجيه الخطاب إليه في جواب القسم بالقرآن الحكيم مباشرة على صدق نبوته ورسالته‏,‏ وذلك بقول الحق‏(‏ تبارك وتعالى‏) :‏ 
" يس . وَالْقُرْآنِ الحَكِيمِ . إِنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ . عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ . تَنزِيلَ العَزِيزِ الرَّحِيمِ . لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ  " (‏ يس‏:1‏ ـ‏6) .‏
وقيل إن يس لقب من ألقاب رسول الله ‏ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ وأن معناها ياسيد البشر‏,‏ والله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ أعلم ‏..‏
ويدور المحور الرئيسي للسورة حول قضية العقيدة الإسلامية التي أوردت منها عدداً من الركائز المهمة التي نوجزها فيما يلي ‏:‏


ركائز العقيدة الإسلامية كما أوردتها سورة يس :
‏(1)‏ الإيمان بأن القرآن الحكيم الكريم هو تنزيل من الله العزيز الرحيم لإنذار الخلق أجمعين‏؛‏ لأنه آخر الكتب السماوية‏,‏ وأتمها وأكملها‏,‏ والكتاب الوحيد الذي تعهد ربنا ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ‏ بحفظه فحُفظ بنفس لغة وحيه‏ ـ‏ اللغة العربية‏ .‏
‏(2)‏ الإيمان بأنبياء الله وبرسله أجمعين‏,‏ وعلى رأسهم إمامهم وخاتمهم‏,‏ سيد الخلق من الأولين والآخرين‏:‏ سيدنا محمد بن عبد الله ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ صاحب النور المبين‏,‏ والصراط المستقيم‏,‏ والذي قد آتاه الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ جوامع الكلم‏,‏ ولم يكن شاعرا‏ًً,‏ ولا الشعر ينبغي له‏,‏ وبأنه ما عليه ـ كما أنه ما على المرسلين من قبله ـ إلا البلاغ المبين‏ .‏
‏(3)‏ الإيمان بأن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ سوف يحيي الموتى،‏ وأنه ـ‏ تعالى‏ ـ‏ يكتب ما قدَّموا وآثارهم‏,‏ وأن كل شيء مُحصَى عنده في إمام مبين ‏.‏
‏(4)‏ التسليم بأن الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ هو خالق كل شيء‏,‏ وأنه‏ ـ‏ سبحانه‏ ـ‏ يعلم ما يسر الخلق وما يعلنون‏,‏ وأن أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون‏,‏ وأن بيده ملكوت كل شيء‏,‏ وأنه‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ هو النافع الضار‏,‏ وأن إليه يرجع الخلق كله‏،‏ وأنه‏ ـ سبحانه وتعالى ـ‏ أحكم الحاكمين‏،‏ وأن تقوى الله من مبررات نزول رحماته على عباده المتقين‏ .‏
‏(5)‏ الإيمان بأن الشرك بالله ظلم عظيم‏,‏ وأنه من وساوس الشيطان‏,‏ وأن الشيطان للإنسان عدو مبين‏ .‏
‏(6)‏ الإيمان بحتمية الموت على جميع الخلق‏,‏ وبحتمية البعث والنشور عليهم كذلك ‏.‏
‏(7)‏ الإيمان بحقيقة الجنة ونعيمها‏,‏ وحقيقة النار وجحيمها‏,‏ إيماناً لا يداخله أدنى شك أو ريبة‏ .‏
هذا‏,‏ وقد أنذرت سورة يس من عواقب التكذيب بوحي السماء‏,‏ ومن أجل ذلك أوردت قصة أهل القرية التي كذبت رسل ربها‏,‏ وجحدت نصح الناصحين من أبنائها الذين شرح الله صدورهم للإيمان‏,‏ وقد بعث الله‏ ـ تعالى ـ‏ إليهم بثلاثة من رسله الكرام فكذبوهم‏,‏ فأوفد إليهم رجلاً منهم ينصحهم بضرورة الإيمان بالله‏,‏ والتوحيد المطلق لجلاله، فكذبوه وقتلوه‏,‏ فأدخله الله ـ‏ تعالى‏ ـ‏ الجنة‏,‏ ولم يمهل المجرمين من قومه، فدمرهم من بعده تدميراً ‏.
ومن العجيب أن الناس ـ في القديم والحديث ـ لايعتبرون بسير الأمم البائدة‏ "‏ إلا من رحم ربك‏ " ,‏ والقصص القرآني خير شاهد على ذلك‏، فقد استعرضت سورة يس عدداً من مواقف المعرضين عن الهداية الربانية‏,‏ والمكذبين بالآخرة‏,‏ ووصفت جوانب من سلوكياتهم الشاذة، ورسمت ملامح لشخصياتهم المهزوزة‏,‏ ونفسياتهم المريضة‏,‏ وطرائق تفكيرهم السقيمة‏,‏ وعرضت لشيء من ضلالاتهم البعيدة‏,‏ وضياعهم وحيرتهم في الدنيا‏,‏ ولمصائرهم السوداء في الآخرة‏,‏ وذلهم ومهانتهم في يوم البعث وما فيه من أهوال‏,‏ منها نفخة الصور الأولى التي تعرف باسم نفخة الفزع الأكبر‏,‏ والتي تصدر إعلاناً عن نهاية الحياة الدنيا‏,‏ ثم تليها نفخة الصعق التي يصعق بها كل حي فيموت في الحال‏,‏ ثم يكون بعد ذلك نفخة البعث والنشور التي يخرج بها الخلق مذهولين من قبورهم‏,‏ ليعلموا أن وعد الله حق‏ .
وتمايز سورة يس بين مصائر أهل الجنة‏‏ ومصائر أهل النار في الآخرة‏,‏ وتؤكد أن طول الأجل في الحياة الدنيا مُنتكِس للإنسان من القوة إلى الضعف‏,‏ ومن الزيادة إلى النقص‏,‏ مما يؤكد عجز الإنسان أمام قدرة خالقه‏,‏ وحتمية الموت عليه‏ .‏
وتدفع الآيات عن رسول الله‏ ـ صلى الله عليه وسلم ـ تهمة الشعر التي ادعاها عليه الكفار كذبا‏ًً‏ في محاولة لنسبة القرآن الكريم إليه‏,‏ ويبرئه الله‏ ـ‏ تعالى ـ من هذه التهمة الباطلة بقوله‏ ـ عز من قائل‏ ـ :" وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ ‏‏. لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَياًّ وَيَحِقَّ القَوْلُ عَلَى الكَافِرِينَ "   (‏ يس‏:69‏ ـ‏70) .  
وتثبِّته الآيات‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ بخطاب من الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ‏ إليه يقول فيه :
" فَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ " 
  (‏ يس‏:76)‏ .
واستعرضت سورة يس في ثناياها عدداً من الآيات الكونية الدالة على طلاقة القدرة الإلهية المبدعة‏,‏ وأكدت تمجيد الله الخلاق العليم الذي " إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُون " ‏(‏ يس‏:82)‏. وختمت بهذه الآية الجامعة التي تهز القلوب والعقول والأبدان‏,‏ ويتحرك لوقعها كل جماد ونبات وحيوان حيث تقول‏:‏ " فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ "‏   (‏ يس‏:83)‏ .

الآيات الكونية التي استشهدت بها سورة يس :
استشهدت سورة يس بعدد كبير من الآيات الكونية على طلاقة القدرة الإلهية المبدعة‏,‏ وعلى صدق ما جاء بها من عقائد وقصص وأحداث‏,‏ وهذه الآيات الكونية يمكن إيجازها فيما يلي ‏:‏
‏(1)‏ إحياء الأرض الميتة بإنزال المطر عليها‏,‏ وإخراج الحب منها، وإثرائها بجنات من نخيل وأعناب‏,‏ وتفجير العيون فيها‏ .‏
‏(2)‏ خلق كل شيء في زوجية واضحة‏,‏ حتى يبقى الله‏ ـ‏ تعالى ـ مُتفرِّداً بالوحدانية فوق جميع خلقه‏ .‏
‏(3)‏ الإشارة بسلخ النهار من الليل إلى رقة طبقة النهار‏,‏ وإلى حقيقة أن الظلمة هي الأصل في الكون‏,‏ وأن النور نعمة عارضة فيه‏,‏ وأن تبادل الليل والنهار على نصفي الأرض تأكيد على دوران الأرض حول محورها أمام الشمس‏ .‏
‏(4)‏ جري الشمس إلى مستقر لها حسب تقدير العزيز العليم ‏.‏
‏(5)‏ دوران القمر حول الأرض في منازل محددة‏,‏ مُتدرِّجاً في مراحل متتالية حتى يعود هلالاً كالعرجون القديم‏ .‏
‏(6)‏ جري كلٍ من الأرض والقمر والشمس في مداره المحدد له‏,‏ وكذلك كل جرم من أجرام السماء‏ .‏
‏(7)‏ حمل الأفراد من ذرية آدم الذين نجوا من الطوفان مع نبي الله نوح‏ ـ على نبينا وعليه من الله السلام‏ ـ‏ في الفلك المشحون‏,‏ (الذي أثبتت الدراسات الأثرية حقيقة وجود بقاياه فوق جبل الجودي في جنوب شرقي تركيا‏)،‏ وخلق وسائل ركوب أخرى للإنسان‏ .‏
‏(8)‏ شهادة الأيدي والأرجل على أصحابها يوم القيامة‏,‏ والعلوم التجريبية تثبت أن لكل خلية حية قدراً من الوعي والإدراك والقدرة على استيعاب المعلومات وتخزينها ‏.‏
‏(9)‏ التأكيد على أن من طال عمره زادت قوى الهدم في جسده على قوى البناء‏,‏ وبدأ الضمور يظهر على أجهزة هذا الجسد حتى يعمه كله فينتهي بالموت‏ .‏
‏(10)‏ خلق الأنعام وتذليلها للإنسان .
‏(11)‏ خلق الإنسان من نطفة‏,‏ فإذا هو لخالقه خصيم مبين‏ .‏
‏(12)‏ التأكيد على أن مُنشِئ العظام أول مرة قادر على أن يحييها وهي رميم‏؛‏ لأنه‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ عليم بكل الخلق‏ .‏
‏(13)‏ جعل الشجر الأخضر المصدر الرئيسي للتزود في كل يوم بقدر من طاقة الشمس تحتاجه كل صور الحياة على الأرض‏,‏ ويبقى المصدر الرئيسي للطاقة المختزنة في أوراق وأنسجة وثمار الشجر الأخضر وزيوته ودهونه‏,‏ والتي قد تتحول عند الجفاف إلى القش‏,‏ أو الحطب‏،‏ أو الخشب الذي قد يتفحم بمعزل عن الهواء إلى أي من الفحم النباتي أو الحجري، أو إلى غاز الفحم‏,‏ وإذا أكلته الحيوانات تحولت فضلاتها إلى مصادر للوقود‏,‏ وإذا تحللت أجسادها بمعزل عن الهواء أعطت كلاً من النفط والغاز الطبيعي‏ .
وهذه حقائق لم يصل إليها علم الإنسان إلا في القرنين التاسع عشر والعشرين ‏.‏
‏(14)‏ أن خالق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم؛ لأنه هو الخلاق العليم‏ .‏
‏(15)‏ أن من صفات الألوهية أن يأمر الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ الشيء بـ" كُن فَيَكُونُ " ‏.‏
‏(16)‏ أن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ بيده ملكوت كل شيء‏,‏ وأن كل شيء في الوجود غيره عائد إليه .‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة مستقلة‏,‏ ولذلك فسوف أقصر حديثي هنا على النقطة الثالثة عشرة في القائمة السابقة‏,‏ والتي تتحدث عن طلاقة القدرة الإلهية في جعل الشجر الأخضر مصدراً للنار التي يوقد منها الناس‏,‏ ولكن قبل الوصول إلى ذلك لابد من استعراض سريع لأقوال عدد من كبار المفسرين القدامى والمعاصرين في شرح دلالة هذه الآية الكريمة‏ .‏

من أقوال المفسرين:
في تفسير قوله‏ ـ تعالى‏ ـ :‏
" الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ " ‏(‏ يس‏:80) .‏
‏ ذكر ابن كثير‏ ـ يرحمه الله‏ ـ‏ ما نصه‏ : ...‏ أي الذي بدأ خلق هذا الشجر من ماء‏,‏ حتى صار خضراً نضراً ذا ثمر وينع‏,‏ ثم أعاده إلى أن صار حطباً يابساً توقد به النار‏,‏ كذلك هو فعَّال لما يشاء‏,‏ قادر على مايريد‏,‏ لا يمنعه شيء‏ .‏ قال قتادة‏ :‏ يقول‏:‏ هذا الذي أخرج هذه النار من هذا الشجر قادر على أن يبعثه، وقيل‏:‏ المراد بذلك شجر المرخ والعفار، ينبت في أرض الحجاز، فيأتي من أراد قدح نار وليس معه زناد‏,‏ فيأخذ منه عودين أخضرين‏,‏ ويقدح أحدهما بالآخر‏,‏ فتتولد النار بينهما كالزناد سواء‏ . (انتهى قول المفسر)
‏‏ وجاء في تفسير الجلالين‏ ـ‏ رحم الله كاتبيه‏ ـ‏ ما نصه‏: "‏ الَّذِي جَعَلَ لَكُم‏ "‏ في جملة الناس‏ " مِّنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ‏ "‏ المرخ والعفار‏,‏ أو هو حطب كل شجر‏... " نَاراً فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ‏ "‏ تقدحون وتشعلون‏,‏ وهذا دال على القدرة على البعث‏,‏ فإنه جمع فيه بين الماء والنار والخشب‏,‏ فلا الماء يطفئ النار‏,‏ ولا النار تحرق الخشب ‏. (انتهى قول المفسر)
‏ وذكر صاحب الظلال ـ‏ رحمه الله رحمة واسعة ـ‏ ما نصه‏: ...‏ عجيبة أن هذا الشجر الأخضر الريان بالماء‏,‏ يحتك بعضه ببعض فيولد نارا‏ًً,‏ ثم يصير هو وقود النار‏,‏ بعد اللدونة والاخضرار ‏.‏ والمعرفة العلمية العميقة لطبيعة الحرارة التي يختزنها الشجر الأخضر من الطاقة الشمسية التي يمتصها‏,‏ ويحتفظ بها وهو ريان بالماء، ناضر بالخضرة‏،‏ والتي تولد النار عند الاحتكاك‏,‏ كما تولد النار عند الاحتراق‏، هذه المعرفة العلمية تزيد العجيبة بروزاً في الحس ووضوحاً‏,‏ والخالق هو الذي أودع الشجر خصائصه هذه‏,‏ والذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى‏ ....‏ (انتهى قول المفسر)‏ ‏(.)‏ وذكر أصحاب المنتخب في تفسير القرآن الكريم‏ ـ‏ جزاهم الله خيرا‏ًً ـ‏ ما نصه‏:‏ الذي خلق لكم من الشجر الأخضر ـ بعد جفافه ويبسه ـ ناراً . (انتهى قول المفسر)

 وجاء تعليق الخبراء بالهامش على النحو التالي‏ :
إن طاقة الشمس تنتقل إلى جسم النبات بعملية التمثيل الضوئي‏,‏ إذ تمتص خلاياه المحتوية على المادة الخضراء في النبات‏ ـ‏ الكلوروفيل ـ‏ ثاني أكسيد الكربون من الجو‏,‏ وبتفاعل هذا الغاز مع الماء الذي يمتصه النبات تنتج المواد ‏(‏الكربوهيدراتية‏)‏ بتأثير الطاقة المُستمَدة من ضوء الشمس، ومن ثم يتكون الخشب الذي يتركب أساساً من مركبات كيميائية محتوية على الكربون والهيدروجين والأكسوجين‏,‏ ومن هذا الخشب يتكون الفحم النباتي المستعمل في الوقود‏,‏ إذ بإحراق هذا الفحم تنطلق الطاقة المدخرة فيه‏،‏ وما الفحم الحجري‏ إلا نباتات‏ دفنت بطريقة ما وتحولت بالتحلل الجزئي بعد مضي ملايين السنين إلى الفحم المذكور‏...‏ ويجب أن يلاحظ أن لفظ الاخضرار في الآية ووصف الشجر بهذا اللون‏، إنما هو إشارة إلى مادة الكلوروفيل الخضراء اللازمة لتمثيل غاز ثاني أكسيد الكربون‏ .‏
‏‏ وجاء في كلٍ من صفوة البيان لمعاني القرآن‏ ـ‏ رحم الله كاتبه برحمته الواسعة‏ ـ‏ وصفوة التفاسير‏ ـ جزى الله كاتبه خيرا‏ًً ـ‏ كلام مشابه لا حاجة إلى إعادته‏ .



الدلالة العلمية للآية الكريمة:
تستدل الآيات السبع من خواتيم سورة يس على قدرة الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ في الخلق بتلك القدرة المذهلة التي وضعها في الشجر الأخضر، ومكنه
من استخدام طاقة الشمس في تثبيت ذرات الكربون الموجودة في غاز ثاني أكسيد الكربون المكون للغلاف الغازي للأرض على هيئة مركبات عضوية تكون أهم مصادر الوقود على الأرض‏,‏ حتى يمكن لكل من الإنسان والحيوان الاستفادة بها‏,‏ واستخدمت الآيات هذا المثل في الاستدلال أيضاً على أن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ الذي خلق هذا الكون قادر على إفنائه وعلى إعادة خلقه من جديد‏ ـ‏ أي بعثه‏ ـ‏ وفي ذلك تقول الآيات في ختام سورة يس ‏:‏
" أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِين . و َضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ . قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ . الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ . أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ . اِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُول لَهُ كُنْ فَيَكُونُ . فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ " (يس: 77-83) .

وهذه الآيات المباركات تشير إلى حقيقة علمية مبهرة‏,‏ وواحدة من أهم العمليات الحيوية الأساسية‏,‏ ألا وهي عملية البناء الحيوي التي يقوم بها النبات الأخضر، والتي عرفت باسم عملية التمثيل الضوئي أو عملية البناء الضوئي ‏. والنباتات الخضراء قد خصها الخالق ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ بصبغ اليخضور‏ ـ الكلوروفيل‏ ـ‏ المُلوِّن لأوراق وأنسجة النباتات ذاتية الاغتذاء باللون الأخضر‏، وأعطى هذا الصبغ وغيره من الأصباغ النباتية القدرة على اصطياد وتخزين جزء من طاقة الشمس التي تصل إلى الأرض‏,‏ وهي طاقة كهرومغناطيسية تتركب من موجات ذات أطوال متعددة تتحرك من أشعة جاما‏‏ إلى الأشعة السينية‏,‏ إلى الأشعة فوق البنفسجية‏,‏ إلى الأطياف المرئية‏(‏ أو أطياف النور الأبيض‏)‏ إلى الأشعة تحت الحمراء‏,‏ إلى الموجات الراديوية بمختلف أطوالها‏ .‏ وهناك ثمانية أنواع من هذه الأصباغ الخضراء التي تشبه في تركيبها الكيميائي جزيء الهيموجلوبين‏ (‏ الذي يعطي لدم الإنسان، ولدماء كثير من الحيوانات لونها الأحمر القاني‏)‏ تماما‏ًً,‏ فيما عدا استبدال ذرة الحديد المركزية في جزيء الهيموجلوبين بذرة مغنيسيوم في جزيء اليخضور،‏ ويشير ذلك إلى وحدة البناء كما يشير إلى وحدة الباني ‏ـ‏ سبحانه وتعالى .‏ وتوجد الأصباغ الخضراء‏ ـ مادة الكلوروفيل‏ ـ داخل جسيمات دقيقة للغاية تعرف باسم البلاستيدات‏,‏ ويوجد منها ثلاثة أنواع مميزة هي : الخضراء‏,‏ والملونة بألوان أخرى‏,‏ والبيضاء‏,‏ ويبدأ تكون كلٍ منها من أجزاء أبسط وأدق كثيراً في الحجم تعرف باسم البلاستيدات الأولية‏ . والبلاستيدات هي جسيمات متناهية الضآلة في الحجم، توجد داخل الخلايا العمادية الطولية العمودية على جدار الأوراق النباتية‏,‏ ولها حرية التحرك داخل الخلية لزيادة قدرتها على اصطياد آشعة الشمس من أية زاوية تسقط بها على ورقة الشجر‏.‏

والبلاستيدات جسيمات بويضية الشكل عادة‏,‏ يحاط كلٌ منها بغشاءين رقيقين‏,‏ الخارجي منهما أملس‏,‏ والداخلي متعرج على هيئة ثنيات داخلية تفصلها صفائح رقيقة جدا‏،‏ وتحتوي الثنيات على الأصباغ الخضراء‏,‏ بينما تفتقر إليها الصفائح الفاصلة بينها‏,‏ وتحتوي البلاستيدات بالإضافة إلى الأصباغ النباتية على العديد من الأحماض الأمينية‏,‏ والمركبات البروتينية الأخرى، كالدهون المفسفرة‏,‏ وغيرها‏ .‏ ويقوم الصبغ الأخضر‏ ـ اليخضور‏ ـ في هذه البلاستيدات بالتقاط الطاقة القادمة من الشمس واستخدامها في تأيين الماء إلى الأوكسيجين الذي ينطلق عبر ثغور ورقة النبات إلى الغلاف الغازي للأرض‏,‏ والإيدروجين الذي يتفاعل مع غاز ثاني أكسيد الكربون الذي يأخذه النبات من الجو لتكوين السكريات والنشويات وغيرهما من الكربوهيدرات‏، وغاز ثاني أكسيد الكربون الموجود في الغلاف الغازي للأرض لا تكاد نسبته تتعدى 0.03% . وتتم عملية البناء الضوئي التي تقوم بها النباتات الخضراء على مرحلتين‏,‏ الأولى منهما تحدث في الضوء‏,‏ والثانية تحدث في الظلام‏,‏ والمرحلة الضوئية يتم فيها تأيين الماء إلى مكوناته من الأوكسيجين‏,‏ ونوى ذرات الإيدروجين‏,‏ وأعداد من الإليكترونات‏,‏ وينطلق غاز الأوكسيجين فيها إلى الجو‏,‏ وتستخدم كلٌ من نوى ذرات الإيدروجين والإليكترونات الطليقة في المرحلة الثانية التي تتم في الظلام، والتي من نتائجها تحويل غاز ثاني أكسيد الكربون إلى السكريات والنشويات وغير ذلك من المواد الكربوهيدراتية‏.‏ وعلى العكس من ذلك، فإذا أحرق السكر أو أية مواد كربوهيدراتية في وجود الأوكسيجين، فإنه يتحول إلى ثاني أكسيد الكربون والماء‏,‏ وتنطلق الطاقة‏,‏ وكأن عملية التمثيل الضوئي هي عملية تكوين السكر بخلط ستة جزيئات من الماء مع ستة جزيئات من ثاني أكسيد الكربون في وجود الطاقة الشمسية ومادة اليخضور‏,‏ فينتج عن ذلك جزيء واحد من السكر، وستة جزيئات من الأوكسجين ‏.‏

وكما يأخذ النبات من طاقة الشمس بالقدر اللازم لنموه‏,‏ فيحوَّل تلك الطاقة الضوئية الحرارية إلى عدد من الروابط الكيميائية بتفاعلها مع كلٍ من الماء وثاني أكسيد الكربون، فيكون مختلف المواد الكربوهيدراتية‏ ـ‏ أي المكونة من الكربون والإيدروجين‏ ـ التي يستخدمها النبات في بناء مختلف خلاياه وأنسجته‏,‏ ويختزن الفائض عن حاجته على هيئة النشويات البسيطة والمركبة‏,‏ والسكريات المتنوعة‏،‏ فإن النبات يأخذ كذلك العديد من عناصر الأرض والماء الصاعدين مع العصارة الغذائية التي يمتصها النبات من التربة بواسطة جذوره‏,‏ وتنتقل هذه العصارة الغذائية إلى كلٍ من الساق والفروع والأوراق عبر أوعية خاصة تعرف باسم الأوعية الخشبية التي تمتد في كل ورقة من أوراق النبات على هيئة عرق وسطي له تفرعاته العديدة التي تنقل تلك العصارة الغذائية إلى كل خلايا الورقة الخضراء‏,‏ حيث يعاد تشكيلها على هيئة العديد من المركبات العضوية التي يحتاجها النبات، وتعود المركبات المُصنَّعة في الأوراق الخضراء عبر أوعية خاصة تعرف باسم أوعية اللحاء لتقوم بتوزيعها على جميع خلايا وأنسجة النبات حسب احتياج كل واحد منها‏ .‏ ومن المركبات العضوية التي تنتجها النباتات الخضراء البروتينات ـ مثل الزيوت والدهون النباتية‏ ـ‏ والأحماض الأمينية‏,‏ والإنزيمات‏,‏ والهرمونات‏,‏ والفيتامينات التي تسهم في بناء مختلف الخلايا، والأنسجة المتخصصة ـ مثل الألياف‏,‏ والأخشاب‏,‏ والزهور‏,‏ والثمار‏,‏ والبذور‏,‏ والإفرازات النباتية المتعددة ، كالمواد الصمغية والراتنجية وغيرها‏ .‏ وباستمرار عملية التمثيل الضوئي تركز بلايين البلايين من ذرات الكربون المُكوِّنة لثاني أكسيد الكربون الجوي داخل خلايا النباتات الخضراء ـ خاصة الأوراق‏ ـ وبذلك فإننا نجد أن وزن المادة الحية النباتية في تزايد مستمر‏ .‏ ولما كان كلٌ من الإنسان وأعداد من الانواع في مملكة الحيوان يتغذى على المواد النباتية ومنتجاتها‏,‏ ويستخدم تلك الطاقة الكيميائية المختزنة فيها في تكوين مركبات كيميائية أخرى تختزن أجزاءاً من تلك الطاقة‏,‏ وتحول أجزاءاً منها إلى طاقة حرارية‏,‏ وحركية‏,‏ وكهربائية‏،‏ ولما كان كلٌ من الإنسان وبعض أنواع الحيوان يأكل كلاً من النبات والحيوان، فإن جزءاً من طاقة الشمس ينتقل إلى هؤلاء الآكلين‏,‏ وبذلك يزداد كم المادة الحية بتكرار تلك العمليات الحياتية، والتي يلعب النبات الأخضر فيها دوراً أساسيا‏ًً,‏ ويصل معدل الإنتاج السنوي من المواد العضوية النباتية إلى أكثر من أربعة آلاف تريليون طن‏ .‏ وتقوم النباتات الخضراء بتثبيت أربعمائة مليار طن من الكربون المُستخلَص من غاز ثاني أكسيد الكربون الجوي في أجساد النباتات سنوياً في المتوسط ‏، وقد لعبت هذه العملية دوراً مهماً في تكوين بلايين الأطنان من الفحم الحجري عبر تاريخ الأرض الطويل، خاصة في صخور العصر الفحمي ـ الكربوني .‏ والمنتجات النباتية هي مصدر الطاقة الحيوية في أجساد بني الإنسان، وفي أجساد الحيوانات من آكلات الأعشاب‏ .‏ ومن فضلات كلٍ من النبات والحيوان والإنسان تتكون جميع أنواع المحروقات‏,‏ وذلك بعد تجفيفها أو دفنها وتحللها بمعزل عن الهواء‏ .‏ فالمادة العضوية في كلٍ من النبات والحيوان والإنسان تتكون ـ أصلاً ـ من عناصر الأرض الأساسية‏,‏ والماء والأوكسجين‏,‏ والنيتروجين‏,‏ وثاني أكسيد الكربون‏ .‏ والنبات الأخضر بعملية التمثيل الضوئي يعطي الأوكسجين لكلٍ من الإنسان والحيوان ببثه في جو الأرض‏,‏ ويأخذ منهما ثاني أكسيد الكربون الذي يبثانه إلى جو الأرض‏,‏ وكل من النبات والحيوان يعطي الإنسان الغذاء والطاقة، ويأخذ منه فضلاته . والأرض تعطي كل صور الحياة مختلف العناصر التي تحتاجها‏,‏ والماء الذي يعين على إتمام كل العمليات الحيوية‏ . والشمس تعطي كل هذه الصور الحياتية من نباتية‏,‏ وحيوانية‏,‏ وبشرية كل صور الطاقة التي تحتاجها‏,‏ والله يهب ذلك كله من فضله‏,‏ وكرمه‏,‏ وجوده‏,‏ ومَنِّه‏,‏ وعطائه‏,‏ وبديع صنعه‏,‏ وعظيم حكمته‏ .‏ فمركبات اليخضور تختزن الطاقة في خلايا الشجر الأخضر‏,‏ ويقابلها في الخلايا الحيوانية جسيمات الميتوكوندريا‏(Mytochondria)التي تستهلك الطاقة المأخوذة من أيٍ من النبات أو الحيوان أو منهما معاً ‏.‏

وعند جفاف الشجر الأخضر وغيره من النباتات الخضراء، فإنها تتحول إلى أغلب مصادر الطاقة الطبيعية تقريباً ما عدا الطاقة النووية‏,‏ وطاقة الرياح‏,‏ وطاقة المد والجزر‏,‏ والحرارة الأرضية‏,‏ والطاقة الشمسية المباشرة ‏.‏ والطاقة في الشجر الأخضر أصلها من طاقة الشمس‏,‏ فعند جفاف النباتات الخضراء تتحول بقاياها إلى الحطب، أو القش‏,‏ أو التبن‏,‏ أو الخشب‏,‏ أو الفحم النباتي إذا أحرق ذلك بواسطة الإنسان في معزل عن الهواء ‏.‏ وإذا دفنت البقايا النباتية في البحيرات الداخلية، أو في دالات الأنهار، أو في الشواطئ الضحلة للبحار دفناً طبيعياً، فإنها تتفحم بمعزل عن الهواء متحولة إلى الفحم الحجري‏ .‏ وإذا زاد الضغط والحرارة على الفحم الحجري في باطن قشرة الأرض، فإنه يتحول إلى غاز الفحم الطبيعي‏0 وعندما تتغذى الحيوانات البحرية‏ ـ خاصة الدقيقة منها‏ ـ على النباتات الدقيقة، أو على فتات النباتات الكبيرة ومنتجاتها الدقيقة، فإن طاقة الشمس المختزنة في تلك النباتات وفتاتها تتحول في أجساد الحيوانات إلى مواد بروتينية من الزيوت والدهون الحيوانية التي تتحلل بمعزل عن الهواء إلى النفط‏,‏ والغاز الطبيعي المصاحب له، وكلما زادت الحرارة والضغط على النفط المخزون في قلب قشرة الأرض تحول بالكامل إلى الغاز الطبيعي‏ . وكل هذه المواد من مصادر الوقود الذي يُحرق طلباً للطاقة الحرارية الكامنة فيه‏,‏ فيتحد أوكسجين الجو مع الكربون المتجمع في تلك المصادر من مصادر الوقود محولاً إياه إلى غاز ثاني أكسيد الكربون الذي ينطلق عائداً مرة أخرى إلى الغلاف الغازي للأرض‏ .‏ وبذلك فإن الطاقة التي استمدها الشجر الأخضر من أشعة الشمس الواصلة إلى كوكب الأرض‏,‏ فانتزع بها ذرة الكربون من جزيئات ثاني أكسيد الكربون الموجود في الغلاف الغازي للأرض‏,‏ هي نفس الطاقة التي تنطلق على هيئة اللهب الحار الناتج عن احتراق أيٍ من مصادر الطاقة تلك في أوكسجين الغلاف الغازي للأرض ‏ـ‏ مثل الخشب‏,‏ أو الحطب‏,‏ أو القش أو التبن أو الفحم النباتي أو الحجري أو الغاز الفحمي أو النفط أو الغاز الطبيعي‏,‏ أو غاز الميثين الناتج عن تحلل الفضلات بصفة عامة‏ ـ وبذلك تتحد ذرات الكربون المختزنة في تلك المصادر المتعددة للطاقة بذرات الأوكسجين الموجودة في الغلاف الغازي للأرض لتعود إليه على هيئة جزيئات ثاني أكسيد الكربون مرة أخرى، وتنطلق الطاقة‏ .‏ وعلى ذلك فإن عمليات الاحتراق على سطح الأرض هي عمليات أكسدة لذرات الكربون المختزنة في المواد العضوية لمختلف أشكال الوقود لتعود مرة أخرى على هيئة ثاني أكسيد الكربون الجوي كما كانت في أول الأمر‏،‏ وهي تشبه عملية التنفس في كلٍ من الإنسان والحيوان‏,‏ حيث يستفاد بالأوكسجين الموجود في الغلاف الغازي للأرض في أكسدة ذرات الكربون الموجودة في المواد الغذائية لتتحول إلى ثاني أكسيد الكربون الذي انتزع ـ أصلاً ـ من الغلاف الغازي للأرض بواسطة النباتات الخضراء ‏. مما سبق يتضح المضمون العلمي للآية الكريمة التي فهمها أهل البادية على عهد رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ بالخشب أو الحطب‏,‏ أو بكلٍ من المرخ والعفار‏,‏ ونفهمها اليوم في إطار كل صور الطاقة ذات الأصل العضوي من النفط والغاز المصاحب له‏ إلى الفحم الحجري والغازات المصاحبة له‏,‏ إلى الفحم النباتي‏,‏ والخشب، والحطب، والقش، والتبن، وغير ذلك من الفضلات النباتية والحيوانية التي يلعب الدور الرئيسي في تكوينها الشجر الأخضر، وما وهبه الله‏ ـ‏ تعالى ـ من قدرة فائقة على احتباس جزء من طاقة الشمس يعينه على تأيين الماء‏,‏ ثم اقتناص ذرات الكربون من غاز ثاني أكسيد الكربون الموجود بنسب ضئيلة جداً في الغلاف الغازي للارض لا تتعدى 0.03%,‏ وذلك بواسطة أيون الإيدروجين الناتج عن تحلل الماء‏,‏ وإطلاق الأوكسجين إلى الغلاف الغازي للأرض‏,‏ وكأن حركة الطاقة على الأرض‏ ـ‏ أو بالأحرى حركة الحياة ـ‏ تتلخص في تبادل ذرة الكربون بين النبات والحيوان والانسان‏,‏ يأخذها النبات من الغلاف الغازي للأرض بعملية التمثيل الضوئي، ويهبها لكلٍ من الإنسان والحيوان والأرض‏,‏ ثم يطلقها كلٌ من الإنسان والحيوان إلى الغلاف الغازي للأرض بعملية التنفس‏,‏ وبين العمليتين يختزن لنا ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ كمَّاً هائلاً من مختلف مصادر الطاقة، تُختَزَن فيه ذرات الكربون التي أخذها الشجر الأخضر من الجو وأعطاها للأرض، إما مباشرة، أو عن طريق راقات هائلة من الفحم، أو مخزوناً ضخماً من النفط والغاز حتى يحرقه الإنسان فيرده مرة أخرى إلى الغلاف الغازي للأرض ‏.‏
فسبحان القائل‏:‏ " الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ " (‏ يس‏:80).
والقائل :"أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَتِي تُورُونَ . أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ المُنشِئُونَ . نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ . فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيم " ( الواقعة‏:71‏ ـ‏74) .
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على النبي الخاتم والرسول الخاتم الذي تلقى هذا القرآن العظيم‏ . والحمد لله الذي حفظه لنا بنفس لغة وحيه‏ ـ‏ اللغة العربية ـ فحفظه لنا بكل إشراقاته النورانية‏,‏ وصفائه الرباني‏,‏ وإعجاز آياته لفظاً ومحتوى في كل قضية تناولتها‏,‏ وكل أمر تعرضت له؛ حتى يبقى هذا الوحي الخاتم حجة على الناس في كل عصر، وفي كل حين من وقت نزوله إلى يوم الدين‏ .‏