" اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَاراً " (غافر‏:64).


هذا النص القرآني المعجز جاء في الربع الأخير من سورة غافر وهي سورة مكية‏ ,‏ عدد آياتها‏85 ,‏ وقد سميت بهذا الاسم الجليل غافر الذي هو صفة من صفات الله العلا لوروده في مطلع السورة‏ ,‏ وفي ثناياها بصيغة الغفار وهو من أسماء الله الحسني‏ .‏
ويدور محور سورة غافر حول قضيتي الإيمان والكفر‏ ,‏ وصراع أهليهما عبر التاريخ‏ ,‏ ومحاولات أهل الباطل للعلو‏ ,‏ في الأرض‏ ,‏ والتجبر على الخلق بغير الحق ـ تماما كما تفعل الولايات المتحدة الأمريكية وذنبها الأعوج المسمي إسرائيل‏ ,‏ وحلفاؤهما اليوم ـ وترد آيات السورة الكريمة باستعراض لبأس الله الذي يأخذ المتجبرين في الأرض أخذ عزيز مقتدر‏ ,‏ وتشير إلى عدد من مصارع الغابرين الذين طغوا وبغوا في الأرض بغير الحق‏ ,‏ فكان جزاؤهم من الله الإفناء الكامل‏ ,‏ وما ذلك على الله بعزيز‏ .‏
وتبدأ سورة غافر بالحرفين المقطعين حم وبهما تبدأ سبع سور من سور القرآن الكريم وتسمى بالحواميم أو بـ آل حم والحروف المقطعة التي تفتتح بها تسع وعشرون سورة من سور القرآن الكريم‏ ,‏ والتي تضم أسماء نصف حروف الهجاء العربية الثمانية والعشرين تعتبر من أسرار القرآن التي لم يتم اكتشافها بعد‏ ,‏ وإن بذلت محاولات عديدة من أجل ذلك‏ .‏
ويلي هذا الاستفتاح بيان من الله‏ (تعالى‏)‏ بأن القرآن الكريم هو تنزيل من الله العزيز العليم الذي وصف ذاته العلية بقوله‏ :‏
" غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ المَصِيرُ " (غافر:3) .
والغفر هو الستر والمحو والتكفير‏ ,‏ و‏(‏الطول‏)‏ هو الفضل والإنعام عن غنىً وسعة واقتدار‏ .‏
وتخاطب الآيات خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد بن عبد الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ بالحقيقة الواقعة ‏:‏ أنه لا يجادل في آيات الله بغير علم إلا الذين كفروا‏ ,‏ وأنه لا يجوز أن يحزنه تقلب الكافرين في البلاد بشيء من السلطان والبطش‏ (كما ينقلب الأمريكان والإسرائيليون وأعوانهم اليوم‏)‏ فإن ذلك استدراج لهم‏ ,‏ حتى إذا ما بالغوا في جرائمهم أخذهم الله بذنوبهم أخذ من سبقوهم من الأمم الكافرة والمشركة من أمثال قوم نوح والأحزاب الذين أفسدوا في الأرض إفسادا كبيرا‏ ,‏ فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر‏ ,‏ وتؤكد السورة أن مصيرهم إلى جهنم وبئس المصير‏ .‏
وتحدثت السورة عن حملة العرش وعمن حولهم من الملائكة الذين يسبحون بحمد الله ويؤمنون به‏ ,‏ ويستغفرون للمؤمنين من أهل الأرض‏ ,‏ ويدعون للذين تابوا منهم بالنجاة من عذاب الجحيم‏ ,‏ ويسألون الله (تعالى‏)‏ لهم‏ ,‏ ولمن صلح من آبائهم‏ ,‏ وأزواجهم‏ ,‏ وذرياتهم جنات عدن‏ ,‏ وأن يقيهم السيئات‏ ,‏ كما تعرض لشيء من أحوال الكافرين والمشركين يتذللون بين يدي الله يوم القيامة في انكسار واضح وهم يقولون ‏:
" رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ " (غافر:11) .
وتستشهد السورة بالعديد من آيات الله في الكون‏ ,‏ وتوصي المؤمنين بالثبات على التوحيد الخالص لله ولو كره الكافرون‏ ,‏ وتصفه‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ بأنه‏ :‏
" رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق‏ "‏ (غافر:15) وهو يوم التقاء الخلق في المحشر‏ ,‏ وهو يوم عصيب‏ ,‏ يبرز فيه الخلق أمام الله‏ (تعالى‏)‏ لا يخفى على الله منهم شيء‏ ,‏ وينادي فيهم المنادي‏ :‏ " لمن الملك اليوم " (غافر:16) ويأتي الجواب حاسما‏ ,‏ جازما قاطعا‏ :‏ " لله الواحد القهار " (غافر:16) و‏(‏الروح‏)‏ هنا هي الوحي والنبوة لأن القلوب تحيا بهما كما تحيا الأجساد بأرواحها‏ .
ويأتي القرار الإلهي‏ :‏ اليوم تجزي كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب‏ .‏
وتحذر الآيات من أهوال يوم القيامة‏ :‏
" إذ القلوب لدي الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع " (غافر:18) وتؤكد أن الله‏ (تعالى‏)‏ " يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور . والله يقضي بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء إن الله هو السميع البصير‏ " (غافر:19-20) .‏
وتعتب الآيات على الذين لم يعتبروا بمصارع الأمم البائدة والذين‏ . . .‏ كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا فأخذهم الله بذنوبهم‏ ,‏ وما كان لهم من الله من واق‏ ، وتعرض السورة لقصة سيدنا موسى‏ (عليه السلام‏)‏ مع كل من فرعون وهامان وقارون‏ ,‏ ومحاولة فرعون القضاء على الحق وجنده وأتباعه‏ ,‏ قمعا للإيمان‏ ,‏ ونشرا للشرك والكفر والطغيان‏ (تماما كما يفعل الأمريكان وحلفاؤهم اليوم‏)‏ وتشير إلى مؤمن آل فرعون الذي كان يخفي إيمانه‏ ,‏ وحديثه إلى قومه‏ ,‏ وتحذيره إياهم من مصائر الغابرين من أقوام نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم ومن أهوال يوم التناد‏ ,‏ ومن إهمالهم دعوة يوسف‏ (عليه السلام‏)‏ من قبل‏ ,‏ ومن اغترارهم بالدنيا ومتاعها الزائل بينما الآخرة هي دار القرار‏ ,‏ وذلك كله بشيء من اللطف والحذر‏ .‏
وتتحدث الآيات عن كيف زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل فحاق بآل فرعون سوء العذاب في الدنيا‏  (بغرقه في اليم هو وجنده وأعوانه ونجاة رسول الله موسي ومن آمن معه‏) ,‏ وفي قبورهم‏ ,‏ كما تؤكد الآيات‏ ,‏ ويوم تقوم الساعة حيث يلقون أشد العذاب‏ .‏
وتعرض الآيات للحوار بين الذين اتبعوا والذين اتبعوا وهم في النار‏ ,‏ ورجاؤهم في مذلة بادية إلى خزنة جهنم كي يدعوا الله تعالى أن يخفف عنهم يوما من العذاب‏ .

وتؤكد الآيات أن الله تعالى ينصر رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد‏ ,‏ وتعرض لشيء من أخبار سيدنا موسي‏ (عليه السلام‏)‏ مع بني إسرائيل‏ ,‏ وتأمر المصطفي‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ بالصبر والاستغفار والتسبيح بحمد الله بالعشي والإبكار‏ ,‏ والاستعاذة بالله من الكبر الكاذب الذي يتخفي وراءه الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم‏ .‏
وكما لا يستوي الأعمى والبصير لا يستوي المسيئون والصالحون‏ ,‏ وتجزم الآيات بأن الساعة آتية لا ريب فيها‏ ,‏ وتطالب المؤمنين بالتوجه إلى الله تعالى بالدعاء‏ ,‏ فيستجيب لهم‏ ,‏ لأن الدعاء هو قمة الخضوع لله بالطاعة‏ ,‏ وأن الذين يستكبرون عن الدعاء سوف يدخلون جهنم داخرين‏ . . .‏
وتصف الآيات شيئا من أحوال المكذبين بكتب الله ورسله من الكفار والمشركين‏ ,‏ وتوصي رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ بالثبات على التوحيد الخالص لله‏ ,‏ والصبر على ما يلقي من عناد الكافرين‏ ,‏ وتؤكد أن وعد الله حق‏ ,‏ وأن الله‏ (تعالى‏)‏ قد أرسل رسلا من قبل‏ ,‏ قص شيئا من أخبار بعضهم عليه‏ ,‏ ولم يقصص عن البعض الآخر‏ ,‏ وأنه ما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله‏ ,‏ فإذا جاءت الآية , وجحد بها المكذبون  , استحقوا حينئذ عقاب رب العالمين فخسروا خسرانا مبينا‏ .
وتختتم السورة بعتاب للمرة الثانية على الذين لم يعتبروا بمصارع الأمم البائدة من قبلهم والذين كانوا أكثر منهم عددا‏ ,‏ وأشد منهم قوة وأثارا في الأرض‏ ,‏ فما أغني عنهم ما كانوا يكسبون‏ ,‏ لأنهم كذبوا رسل الله إليهم‏ ,‏ واستعلوا عليهم بما كان عندهم من العلم فحاق بهم ما كانوا به يستهزؤون‏ ,‏ فلما رأوا عقاب الله محيطا بهم قالوا‏:‏ آمنا بالله وحده‏ ,‏ وكفرنا بما كنا به مشركين‏ ,‏ ولكن ما كان ينفعهم هذا الإيمان الاضطراري بعد أن رأوا العذاب واقعا بهم‏ ,‏ وهي سنة الله التي قد خلت في عباده‏ ,‏ وخسر هنالك الكافرون .‏



ومن الآيات الكونية التي استشهدت بها السورة على توحيد الألوهية‏ ,‏ والربوبية‏ ,‏ وتنزيه الأسماء والصفات لهذا الخالق العظيم
والاستدلال على طلاقة قدرته في إبداعه لخلقه ما يلي :‏
(1)‏ إنزال الرزق من السماء‏ .‏
‏(2)‏ تضاؤل خلق الناس ـ على عظمته ـ بجوار خلق السماوات والأرض‏ .‏
‏(3)‏ حتمية الآخرة‏ .‏
‏(4)‏ تخصيص الليل لراحة وسكون العباد وجعل النهار مبصرا‏ .‏
‏(5)‏ حقيقة الخلق ووحدانية الخالق‏ .‏
‏(6)‏ أن الله‏ (تعالى‏)‏ قد جعل الأرض قرارا‏ ,‏ والسماء بناء‏ .‏
‏(7)‏ وأنه‏ (تعالى‏)‏ قد صور بني الإنسان فأحسن صورهم‏ ,‏ ورزقهم من الطيبات‏ .‏
‏(8)‏ أن الله‏ (تعالى‏)‏ خلق الناس من تراب‏ ,‏ ثم من نطفة‏ ,‏ ثم من علقة‏ ,‏ ثم يخرجهم طفلا‏ ,‏ تم يبلغوا أشدهم‏ ,‏ ثم ليكونوا شيوخا‏ ,‏ حتى يبلغوا أجلا مسمي‏ ,‏ فيتوفاهم الله ومنهم من يتوفى من قبل‏ .‏
‏(9)‏ أن الله‏ (تعالى‏)‏ هو الذي يحيي ويميت‏ ,‏ فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون‏ .‏
‏(10)‏ خلق الله‏ (تعالى‏)‏ الأنعام ليركب الناس منها‏ ,‏ ومنها يأكلون‏ .‏
‏(11)‏ مكن الله‏ (تعالى‏)‏ بقدرته مياه البحار أن تحمل الفلك بقوانين الطفو حتى تكون وسيلة لنقل الناس وحمل أمتعتهم‏ .‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى أكثر من مقال لاستيعابها‏ ,‏ ولذلك فسوف أقصر الحديث هنا على جعل الأرض قرارا وأبدأ بدلالة تلك اللفظة في اللغة العربية‏  .‏

مدلول اللفظة‏ (قرارا‏)‏ في اللغة العربية  :
مركز ثقل الأرض في قلبها :

يقال في العربية‏ (قر‏)‏ في مكانه‏ (يقر‏) (قرارا‏)‏ إذا ثبت ثبوتا جامدا‏ ,‏ وأصله من‏ (القر‏)‏ وهو البرد لأنه يقتضي السكون‏ ,‏ والحر يقتضي الحركة‏ ,‏ و‏(‏القرار‏)‏ المستقر من الأرض‏ ,‏ و‏(‏القرار‏)‏ في المكان‏ (الاستقرار‏)‏ فيه تقول‏: (قررت‏)‏ بالمكان بالكسر‏ (أقر‏) (قرارا‏) ,‏ و‏(‏قررت‏)‏ أيضا بالفتح‏ (قرارا‏)‏ و‏(‏قرورا‏) ,‏ و‏(‏استقر‏)‏ فلان إذا تحري‏ (القرار‏) ,‏ و‏(‏الإقرار‏) :‏ إثبات الشيء‏ .‏قال‏ (تعالى‏) :‏
" اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَاراً " (غافر‏:64)‏ , أي مستقرا تعيشون فيها‏ ,‏ ويسأل‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ سؤال التبكيت للكافرين بقوله ‏: " أَمَّن جَعَلَ الأَرْضَ قَرَاراً " (النمل‏:61)‏ أي مستقرا‏ ,‏ وقال‏ (تعالى‏)‏ في صفة الآخرة‏:‏ " وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ القَرَارِ " ‏ (غافر‏:39) .
وقال في أصحاب الجنة ‏:‏
" أَصْحَابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَراًّ وَأَحْسَنُ مَقِيلاً " (الفرقان‏:24)‏ .وقال سبحانه وتعالى ‏:‏ " خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَراًّ وَمُقَاماً " (الفرقان‏:76)‏.
 وقال في وصف النار‏ :‏
" إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَراًّ وَمُقَاماً " (الفرقان‏:66)‏.
 وقال‏ (عز من قائل‏):
" جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ القَرَارُ "     (إبراهيم‏:29)‏  .
قال‏ (سبحانه وتعالى‏) :
" وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ " (‏البقرة‏:36‏ والأعراف‏24)‏ .
وقال‏ (جل شأنه‏) :
" وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ " (الأنعام‏:98) .


 من أقوال المفسرين :

في تفسير قوله‏ (تعالى‏) : " اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَاراً " (غافر‏:64)‏ .
ذكر أبن كثير‏ (يرحمه الله‏)‏ ما نصه‏: أي جعلها لكم مستقرا‏ ,‏ تعيشون عليها وتتصرفون فيها‏ ,‏ وتمشون في مناكبها‏ .
وذكر صاحبا تفسير الجلالين‏ (رحمهما الله رحمة واسعة‏)‏ ما نصه‏ :‏ أي مكانا لاستقراركم وحياتكم‏ .‏
وجاء في الظلال‏ : (رحم الله كاتبها رحمة واسعة‏)‏ ما نصه‏:‏ والأرض قرار صالح لحياة الإنسان بتلك الموافقات الكثيرة التي أشرنا إلى بعضها إجمالا‏ .
وجاء في صفوة البيان لمعاني القرآن‏ (على كاتبه من الله الرضوان ما نصه‏: (الأرض قرارا‏)‏ مستقرا تعيشون فيها‏ .
وجاء في المنتخب في تفسير القرآن الكريم‏ (جزي الله المشاركين في كتابته خير الجزاء‏)‏ ما نصه‏:‏ الله ـ وحده ـ الذي جعل لكم الأرض مستقرة صالحة لحياتكم ليها‏ .
وجاء في صفوة التفاسير جزي الله كاتبها خير الجزاء ما نصه‏:‏ أي جعلها مستقرا لكم في حياتكم وبعد مماتكم‏ ,‏ قال ابن عباس‏:‏ جعلها منزلا لكم في حال الحياة وبعد الموت‏ .‏

في مفهوم العلوم المكتسبة
:
‏جاء ذكر هذه الحقيقة في كتاب الله مرتين‏:‏ أولاهما في سورة النمل حيث يقول ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) :‏
" أَمَّن جَعَلَ الأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ " (النمل:‏61)‏ .
وتكرر هذا السؤال‏:‏ أإله مع الله؟ خمس مرات في خمس آيات متتاليات من سورة النمل استنكارا لشرك المشركين بالله‏ .
ويأتي الجواب قاطعا جازما حاسما في كل مرة‏ :‏
" بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ " (النمل‏:60)‏ .
" بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ " (النمل‏:61)‏ .
" بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ " (النمل‏:62)‏ .
" تعالى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ " (النمل‏:63)‏ .
" قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ " ‏(‏النمل‏:64) .
وتسبق هذه الآيات الخمس بالحقيقة القاطعة التي يقررها ربنا‏ (تبارك وتعالى‏)‏ لذاته العلية على لسان هدهد سليمان بقوله الحق ‏:
" اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ " (النمل‏:26) .
والمرة الثانية التي جاءت فيها الإشارة إلى جعل الأرض قرارا هي الآية التي نحن بصددها من سورة غافر والتي يقول فيها الحق‏ (تبارك وتعالى‏) :‏
" اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَاراً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ "‏ (غافر‏:64)‏.
وواضح من دلالة اللغة‏ ,‏ ومن شروح المفسرين أن التعبير جعل الأرض قرارا تعني مستقرا في ذاتها‏ ,‏ وقرار للحياة على سطحها‏ ,‏ وهما قضيتان مختلفتان ولكنهما متصلتان اتصالا وثيقا ببعضهما  على النحو التالي‏ :

أولا ‏:‏ " جعل الأرض قرارا " بمعني مستقرة بذاتها :
الأرض ثالثة الكواكب السيارة الداخلية جريا حول الشمس‏ ,‏ ويسبقها من هذه الكواكب الداخلية قربا من الشمس كل من عطارد والزهرة على التوالي‏ ,‏ ويليها إلى الخارج أي بعدا عن الشمس بالترتيب‏:‏ المريخ‏ ,‏ المشتري‏ ,‏ زحل يورانوس نبتيون‏ ,‏ وبلوتو‏ ,‏ وهناك مدار لمجموعة من الكويكبات بين كل من المريخ والمشتري يعتقد بأنها بقايا لكوكب عاشر انفجر منذ زمن بعيد‏ ,‏ كما أن الحسابات الفلكية التي قام بها عدد من الفلكيين الروس تشير إلى احتمال وجود كوكب حادي عشر لم يتم رصده بعد أطلقوا عليه اسم بروسوبينا أو بريينا‏ .‏
وبهذا يصبح عدد كواكب المجموعة الشمسية أحد عشر كوكبا‏ ,‏ وهنا يبرز التساؤل عن إمكانية وجود علاقة ما بين هذه الحقيقة الفلكية ـ التي لم تكتمل معرفتها إلا في أواخر القرن العشرين ـ وبين رؤيا سيدنا يوسف‏ (على نبينا وعليه من الله السلام‏)‏ التي يصفها الحق‏ (تبارك وتعالى‏)‏ في محكم كتابه بقوله ‏:‏ " إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً
وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ " (يوسف‏:4)‏ وإن كان ظاهر الأمر في السورة الكريمة أن المقصود هو ما تحقق بالفعل بعد تلك الرؤيا بسنين عديدة من سجود إخوة يوسف الأحد عشر وأبويه له عند قدومهم إلى مصر من بادية الشام‏ ,‏ وعلى الرغم من ذلك فإن هذه العلاقة لا يمكن استبعادها‏ ,‏ وهذا السبق القرآني بالإشارة إليها لا يمكن تجاهله‏ .
والأرض عبارة عن كوكب صخري‏ ,‏ شبه كروي له الأبعاد التالية‏ :‏ متوسط قطر الأرض‏=12 .742‏ كيلو متر متوسط محيط الأرض‏=40 .042‏ كيلو متر
مساحة سطح الأرض‏=510 .000 .000‏ كيلو متر مربع منها ‏:‏ ‏149‏مليون كم‏2‏ يابسة . ‏361‏ مليون كم‏2‏ ماء .
حجم الأرض‏=108 .000 .000‏ كيلو متر مكعب متوسط كثافة الأرض‏=5 .52‏ جرام‏/‏للسنتيمتر المكعب كتلة الأرض‏=5520‏ مليون مليون مليون طن
متوسط كثافة الصخور في قشرة الأرض‏=2 .5‏جرام‏/‏للسنتيمتر المكعب
متوسط كثافة الصخور الجرانيتية المكونة لكتل القارات‏=2 .7‏ جرام‏/‏للسنتيمتر المكعب
متوسط كثافة الصخور البازلتية المكونة لقيعان المحيطات‏=2 .9‏ جرام‏/‏للسنتيمتر المكعب .

" أمن جعل الأرض قرارا " :
وبمقارنة متوسط كثافة الصخور المكونة لقشرة الأرض والتي تتراوح بين‏2 ,9-2 .5‏ جرام للسنتيمتر المكعب مع متوسط كثافة الأرض ككل والمقدرة بحوالي‏5 .52‏ جرام للسنتيمتر المكعب ثبت أن كثافة المادة المكونة للأرض تزداد باستمرار من سطحها في اتجاه مركزها حيث تتراوح الكثافة من‏10‏ إلى‏13 .5‏ جرام للسنتيمتر المكعب ويفسر ارتفاع متوسط الكثافة بالقرب من مركز الأرض بوجود نسبة عالية من الحديد‏ ,‏ وغيره من العناصر الثقيلة في قلب الأرض‏ ,‏ وتناقص نسبة هذه العناصر الثقيلة بالتدريج في اتجاه قشرة الأرض‏ .‏
وتقدر نسبة الحديد في الأرض بحوالي35 .9%‏ من مجموع كتلة الأرض المقدرة بحوالي‏5520‏ مليون مليون مليون طن‏ ,‏ وعلى ذلك فإن كمية الحديد في الأرض تقدر بحوالي الألف وخمسمائة مليون مليون مليون طن‏ ,‏ ويتركز هذا الحديد في قلب الأرض على هيئة كرة ضخمة من الحديد‏(90%)‏ والنيكل‏(%9)‏ وبعض العناصر الخفيفة من مثل السيليكون‏ ,‏ والكربون والفوسفور والكبريت والتي لا تشكل في مجموعها أكثر من1%‏ مما يعرف باسم لب الأرض‏ ,‏ والذي تشكل كتلته31%‏ من كتلة الأرض‏ ,‏ ويمثل طول قطره حوالي55%‏ من طول قطر الأرض‏ ,‏ أما باقي الحديد في الأرض‏(%5 .9‏ من كتلة الأرض‏)‏ فيتوزع على باقي كتلة الأرض‏ (وشاح الأرض وغلافها الصخري‏)‏ بسمك يقدر بحوالي ثلاثة آلاف كيلو متر‏(2895‏ كيلو مترا‏)‏ في تناقص مستمر يصل بنسبة الحديد في الغلاف الصخري للأرض إلى5 .6% .‏

وتركيز هذه الكتلة الهائلة من الحديد وغيره من العناصر الثقيلة في قلب الأرض من وسائل جعله جرما مستقرا في ذاته‏ .‏
وهنا تأتي الإشارة القرآنية إلى تلك الحقيقة سبقا يشهد للقرآن الكريم بأنه كلام الله الخالق‏ ,‏ ويشهد للنبي الخاتم والرسول الخاتم الذي تلقاه بالنبوة وبالرسالة لأن أحدا في زمانه ولا لقرون متطاولة من بعده لم يكن له علم بهذه الحقيقة التي لم يكتشفها الإنسان إلا في القرن العشرين‏ ,‏ وفي ذلك يقول الحق‏ (تبارك وتعالى‏) :‏ " إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا. وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا " (الزلزلة‏:2,1)‏ .
ولو أن الزلزال المقصود هنا هو زلزال الآخرة عند نفخة البعث‏ ,‏ إلا أن الحقيقة المصاحبة للهزة الأرضية تبقي واحدة‏ ,‏ ولو أن المفسرين السابقين قد رأوا في أثقال الأرض إشارة ضمنية إلى أجساد الموتى‏ (بما تحمل من أوزار‏)‏ والتي تلفظها الأرض من داخل بطنها بسبب هذا الزلزال الأخير‏ ,‏ تلفظهم أحياء للحساب والجزاء‏ ,‏ وإن كان رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ قد وصف لبعث الأموات صورة مغايرة لذلك‏ .‏
والأثقال جمع ثقل‏(‏بكسر فسكون‏)‏ وهو الحمل الثقيل‏ ,‏ أو جمع ثقل‏ (بالتحريك‏)‏ وهو كل نفيس مصون‏ .‏
وفي الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه يروي عن رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏قوله) ‏: " ‏تلقي الأرض أفلاذ كبدها أمثال الاسطوانة من الذهب والفضة‏ ,‏ فيجيء القاتل فيقول في هذا قتلت‏ ,‏ ويجيء القاطع فيقول في هذا قطعت رحمي‏ ,‏ ويجيء السارق فيقول في هذا قطعت يدي‏ ,‏ ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئا "‏ .‏
وهذا الحديث الشريف يؤكد أن المقصود بأثقال الأرض في سورة الزلزلة هو الأحمال الثقيلة كما أثبتت الدراسات العلمية الحديثة‏ ,‏ وليست أجساد الموتى فقط كما تخيل العديد من المفسرين السابقين‏ ,‏ وهذا سبق علمي قرآني ونبوي معجز لأن أحدا من البشر لم يكن له علم بأن أثقال الأرض في جوفها حتى القرن العشرين‏ .‏
ويقدر متوسط المسافة بين الأرض والشمس بحوالي مائة وخمسين مليونا من الكيلومترات‏ ,‏ وهذه المسافة قد حددتها بتقدير من الله الخالق‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ كتلة الأرض تطبيقا لقوانين الجاذبية‏ ,‏ والتي تنادي بأن قوة الجذب بين جسمين تتناسب تناسبا طرديا مع كتلة كل منهما‏ ,‏ وتناسبا عكسيا مع مربع المسافة بينهما حسب المعادلة التالية ‏:‏ قوة الجاذبية بين كتلتين م‏1 ,‏ م‏2=‏ ثابت الجاذبيةx‏ م‏1 x‏م‏2/‏مربع المسافة بينهما ، وهذا يعني أنه كلما زادت كتلة أي من الجسمين زادت قوة الجذب بينهما‏ ,‏ وكلما زادت المسافة بينهما قلت قوة الجاذبية‏ .‏
والاتزان بين قوة جذب الشمس للأرض‏ ,‏ والقوة النابذة المركزية التي دفعت بالأرض الأولية من الشمس هو الذي حدد‏ (بمشيئة الله الخالق‏)‏ بعد الأرض عن الشمس‏ .‏
والارتباط الوثيق بين كل من كتلتي الأرض والشمس بطريقة منتظمة بمعني أنه كلما تغيرت كتلة أحدهما تغيرت كتلة الآخر بنفس المعدل‏ ,‏ هو من الأمور التي تعمل على تثبيت بعد الأرض عن الشمس‏ ,‏ وجعلها مستقرة في دورانها حول محورها‏ ,‏ وفي جريها حول الشمس في مدار محدد مما يؤدي إلى تثبيت كمية الطاقة الشمسية التي تصل إلى الأرض وهي من عوامل تهيئتها لاستقبال الحياة واستقرارها‏ ,‏ وذلك لأن كمية الطاقة التي تصل من الشمس إلى كل كوكب من كواكبها تتناسب تناسبا عكسيا مع بعد الكوكب عن الشمس‏ ,‏ وكذلك تتناسب سرعة جري الكوكب في مداره حول الشمس‏ .‏
والأرض كوكب فريد في صفاته الفيزيائية والكيميائية والفلكية مما أهله بجدارة إلى أن يكون مهدا للحياة الأرضية بكل مواصفاتها النباتية‏ ,‏ والحيوانية‏ ,‏ والإنسية‏ .‏
فقد أثبتت دراسات الفيزياء الأرضية أن الأرض مبنية من عدد من النطق المتمركزة حول كرة مصممة من الحديد والنيكل تعرف باسم لب الأرض الصلب أو اللب الداخلي للأرض‏ ,‏ وتقسم هذه النطق الأرضية على أساس من تركيبها الكيميائي أو على أساس من صفاتها الميكانيكية على النحو التالي ‏:‏
(1)‏ قشرة الأرض‏ :‏ وتتكون من صخور نارية ومتحولة صلبة تتغطي بسمك قليل من الصخور الرسوبية أو الرسوبيات‏ (التربة‏)‏ في كثير من الأحيان‏ ,‏ وتغلب الصخور الحامضية وفوق الحامضية على كتل القارات وذلك من مثل الجرانيت والصخور الجرانيتية‏ (بمتوسط كثافة‏2 .7‏ جرام‏/‏للسنتيمتر المكعب‏)‏ ويغلب على قيعان البحار والمحيطات الصخور القاعدية وفوق القاعدية من مثل البازلت والجابرو‏ (‏بمتوسط كثافة‏2 .9‏ جرام‏/‏ للسنتيمتر المكعب‏) .‏
ويتراوح متوسط سمك القشرة الأرضية في كتل القارات من‏35‏ إلى‏40‏ كيلو مترا‏ ,‏ وإن تجاوز ذلك تحت المرتفعات الأرضية من مثل الجبال‏ .‏
ويتراوح متوسط سمك القشرة الأرضية المكونة لقيعان البحار والمحيطات من‏5‏ إلى‏8‏ من الكيلو مترات‏ .‏



(2)‏ الجزء السفلي من الغلاف الصخري للأرض‏: ويتكون من صخور صلبة تغلب عليها الصخور الحامضية وفوق الحامضية في كتل القارات بسمك يصل إلى‏85‏ كيلو مترا‏ ,‏ بينما تغلب عليها الصخور القاعدية وفوق القاعدية تحت البحار والمحيطات بسمك في حدود‏60‏ كيلو مترا‏ .‏
ويفصل هذا النطاق عن قشرة الأرض سطح انقطاع للموجات الاهتزازية يعرف باسم الموهو(
(The Moho Discontinuity
(3)‏ الجزء العلوي من وشاح الأرض‏ (نطاق الضعف الأرضي‏) :‏ وتوجد فيه الصخور في حالة لدنة‏ ,‏ شبه منصهرة‏ (أو منصهرة انصهارا جزئيا في حدود1%) ,‏ ويتراوح سمك هذا النطاق بين‏280‏ كيلو مترا‏ ,335‏ كيلو مترا‏ ,‏ وهو مصدر للعديد من نشاطات الأرض من مثل الزلازل‏ ,‏ والبراكين‏ ,‏ وتحرك ألواح الغلاف الصخري للأرض‏ ,‏ وتكون الجبال والسلاسل الجبلية‏ .‏
(4)‏ الجزء الأوسط من وشاح الأرض‏:‏
ويتكون من مواد صلبة‏ ,‏ كثيفة‏ ,‏ ويقدر سمكه بحوالي ‏270‏ كيلو مترا‏ ,‏ ويحده من أسفل ومن أعلى مستويات من مستويات انقطاع الموجات الاهتزازية الناتجة عن الزلازل يقع أحدهما على عمق‏ 400‏ كيلومتر من سطح الأرض‏ ,‏ ويقع الآخر على عمق ‏670‏ كيلو مترا من سطح الأرض‏ .‏
‏(5)‏ الجزء السفلي من وشاح الأرض ‏:‏
ويتكون من مواد صلبة تعلو لب الأرض السائل‏ ,‏ ويحده من أعلى أحد مستويات انقطاع الموجات الاهتزازية الناتجة عن الزلازل على عمق ‏670‏ كيلو مترا من سطح الأرض‏ ,‏ ويحده من أسفل نطاق انتقالي شبه منصهر يفصله عن لب الأرض السائل على عمق ‏2885‏ كيلو مترا من سطح الأرض‏ ,‏ ولذا يقدر سمك هذا النطاق بحوالي ‏2215‏ كيلو مترا‏ .‏
(6)‏ لب الأرض السائل‏ (الجزء الخارجي من لب الأرض‏) :‏
وهو نطاق سائل يحيط بلب الأرض الصلب‏ ,‏ وله نفس تركيبه الكيميائي تقريبا‏ ,‏ ويقدر سمكه بحوالي ‏2275‏ كيلو مترا‏ (من عمق ‏2885‏ كيلو مترا إلى عمق ‏5160‏ كيلو مترا تحت سطح الأرض‏) ,‏ وتفصله عن النطاقين الأعلى والأسفل منطقتان انتقاليتان شبه منصهرتين‏ ,‏ أضخمهما المنطقة السفلي والتي يقدر سمكها بحوالي ‏450‏ كيلو مترا‏ .‏
‏(7)‏ لب الأرض الصلب‏ (اللب الداخلي للأرض‏):‏
وهو عبارة عن كرة ضخمة من الحديد ‏(%90)‏ والنيكل‏ (%9)‏ مع القليل من العناصر الخفيفة من مثل السيليكون‏ ,‏ الكربون‏ ,‏ الكبريت‏ ,‏ الفوسفور والتي لا تكاد نسبتها أن تتعدي 1% .‏
وهذا هو نفس تركيب النيازك الحديدية تقريبا‏ ,‏ والتي تصل الأرض بملايين الأطنان سنويا‏ ,‏ ويعتقد بأنها ناتجة عن انفجار بعض الأجرام السماوية‏ .‏
وهذه البنية الداخلية للأرض تدعمها دراسة النيازك التي تهبط على الأرض‏ ,‏ كما تؤيدها قياسات الجاذبية الأرضية والاهتزازات الناتجة عن الزلازل‏ .‏
ولولا هذه البنية الداخلية للأرض‏ ,‏ ما تكون لها مجالها المغناطيسي‏ ,‏ ولا قوتها الجاذبية‏ ,‏ ولولا جاذبية الأرض لهرب منها غلافها الغازي والمائي‏ ,‏ ولاستحالت الحياة‏ ,‏ ولولا المجال المغناطيسي للأرض لدمرتها الأشعة الكونية المتسارعة من الشمس ومن بقية نجوم السماء‏ .‏
والأرض تجري حول الشمس في فلك بيضاني قليل الاستطالة‏ ,‏ بسرعة تقدر بحوالي ‏30‏ كيلو مترا في الثانية‏ ,‏ لتتم دورتها في سنة شمسية مقدارها ‏365 .25‏ يوم تقريبا وتدور حول محورها بسرعة تقدر اليوم بحوالي ‏30‏ كيلو مترا في الدقيقة عند خط الاستواء فتتم دورتها هذه في يوم مقدار ه‏24‏ ساعة تقريبا‏ ,‏ يتقاسمه ليل ونهار‏ ,‏ بتفاوت يزيد وينقص حسب الفصول السنوية‏ ,‏ والتي تنتج بسبب ميل محور دوران الأرض على دائرة البروج بزاوية مقدارها ‏66 .5‏ درجة .تقريبا‏
كذلك فإن حركات الأرض العديدة ومنها حركتها المحورية‏ ,‏ والمدارية‏ ,‏ وترنحها في دورانها حول محورها‏ ,‏ وتذبذبها‏(‏نودانها أو ميسانها‏) ,‏ وقربها وبعدها من الشمس في حركتها المدارية‏ ,‏ والتغير التدريجي في توازن حركاتها مع حركات القمر حولها‏ ,‏ ومع باقي كواكب المجموعة الشمسية ومع الشمس حول مركز المجرة‏ ,‏ وباتجاه كوكبة الجاتي‏ ,‏ ومع المجرة‏ ,‏ حول مركز التجمع المجري‏ ,‏ وكلها حركات تحتاج إلى ضبط وإحكام حتى تصبح الأرض مستقرة بذاتها‏ ,‏ وقرارا للحياة على سطحها‏ .‏
وتكفي في ذلك الإشارة إلى دور الجبال في تثبيت الأرض والتقليل من ترنحها في دورتها حول محورها تماما كما تقوم قطع الرصاص التي توضع حول إطارات السيارات في التقليل من معدلات ترنحها أثناء جري السيارة‏ .‏

ثانيا‏ :‏ جعل الأرض قرارا بمعنى قرارا لسكانها :
ومن معاني جعل الأرض قرارا لسكانها هو جعل الظروف العامة للأرض مناسبة للحياة على سطحها‏ ,‏ ومن أولها مقدار جاذبية الأرض الذي يمسك بكل من غلافها المائي والغازي وبالأحياء على سطحها‏ ,‏ والماء هو سر الحياة على الأرض‏ ,‏ ولذا جعل ربنا‏ (تبارك وتعالى‏)‏ كوكب الأرض أغني الكواكب التي نعرفها في المياه حتى ليسميه العلماء بالكوكب الأزرق أو الكوكب المائي‏ ,‏ وتقدر كمية المياه على سطح الأرض بحوالي ‏1360‏ مليون كيلو متر مكعب‏ ,‏ ويغطي الماء حوالي 71%‏ من مساحة الأرض بينما لا تتعدى مساحة اليابسة اليوم 29%‏ من مساحة الأرض‏ .‏

كذلك فإن غاز الأوكسجين يشكل سرا من أسرار الحياة الراقية على الأرض فجعل الله‏ (تعالى‏)‏ لها غلافا غازيا تقدر كتلته بحوالي خمسة آلاف مليون مليون طن‏ ,‏ ويقدر سمكه بعدة آلاف من الكيلو مترات فوق مستوي سطح البحر حيث يصل ضغطه إلى حوالي الكيلو جرام على السنتيمتر المربع‏ ,‏ ويتناقص مع الارتفاع إلى واحد من مليون من ذلك الضغط في أجزائه العليا‏ .‏
ويضم الجزء السفلي من هذا الغلاف الغازي‏ (من ‏6‏ إلى ‏20‏ كيلومترا فوق مستوي سطح البحر‏)‏ حوالي 66%‏ من كتلته‏ ,‏ ويتكون من غازات النيتروجين‏ (بنسبة 78 .1%‏ بالحجم‏)‏ والأوكسجين‏ (بنسبة 21% بالحجم‏)‏ والأرجون‏ (بنسبة 93%‏ بالحجم‏) ,‏ وثاني أكسيد الكربون‏ (بنسبة 0 .03%‏ بالحجم‏)‏ بالإضافة إلى نسب ضئيلة من بخار الماء وغازات أخري‏ .‏ ولولا هذا التركيب للغلاف الغازي ما استقامت الحياة على الأرض‏ .‏
كذلك فإن كتلة وأبعاد الأرض‏ ,‏ ومسافتها من الشمس قدرت كلها بدقة بالغة‏ ,‏ فلو كانت الأرض أصغر قليلا لاندفعت بعيدا عن الشمس ولفقدت الكثير من طاقتها‏ ,‏ ولما كان بمقدورها الاحتفاظ بغلافها المائي والغازي‏ ,‏ وبالتالي لاستحالت الحياة‏ ,‏ ولو كانت أكبر قليلا لاندفعت إلى مسافة أقرب من الشمس ولأحرقتها حرارتها‏ ,‏ ولزادت قدرتها على جذب الأشياء زيادة ملحوظة مما يعوق الحركة‏ ,‏ ويحول دون النمو الكامل للأحياء‏ ,‏ ويخل بالميزان الحراري على سطحها‏ .‏
وكذلك يعتمد طول السنة الأرضية على بعد الأرض من الشمس‏ ,‏ ويعتمد طول يوم الأرض على سرعة دورانها حول محورها‏ ,‏ وكل ذلك مرتبط بأبعاد الأرض‏ ,‏ وكذلك يعتمد تبادل الفصول المناخية على ميل محور دوران الأرض على دائرة البروج فلو لم يكن مائلا ما تبادلت الفصول‏ ,‏ ولاختل نظام الحياة على الأرض‏ .‏
ولولا تصدع الغلاف الصخري للأرض‏ ,‏ وتحرك ألواحه متباعدة عن بعضها البعض ومصطدمة ببعضها البعض لما تكونت الجبال‏ ,‏ ولا ثارت البراكين‏ ,‏ ولا حدثت الهزات الأرضية‏ ,‏ وكلها من صور ديناميكية الأرض‏ ,‏ ووسائل تجديد وتثبيت غلافها الصخري‏ ,‏ وإثرائها بالمعادن‏ ,‏ وتكوين التربة وتحرك دورة الماء حول الأرض ودورة الصخور‏ ,‏ وبناء القارات وهدمها‏ ,‏ وتكون المحيطات واتساعها ثم إغلاقها وزوالها‏ ,‏ وهذه الحركات الأرضية‏ (وغيرها كثير‏)‏ لعبت ـ ولا تزال تلعب ـ أدوارا أساسية في جعل الأرض كوكبا مهيئا لاستقبال الحياة الأرضية وصالحا للعمران‏ .‏

هذه بعض آيات الله في جعل الأرض كوكبا مستقرا في ذاته على الرغم من حركاته العديدة‏ ,‏ وجريه في فسحة الكون‏ ,‏ وفي تهيئته ليكون مستقرا للحياة التي أراد الله أن تزدهر على سطحه‏ ,‏ على الرغم من المخاطر العديدة المحيطة به‏ ,‏ حتى يؤمن الناس بقدر الرعاية الإلهية التي يحيطنا الله بها في هذا الكون‏ ,‏ ويستشعرون حاجتهم إلى هذا الخالق العظيم وإلى رحمته وعنايته في كل وقت وفي كل حين لأننا لو تركنا لأنفسنا طرفة عين أو أقل من ذلك لهلكنا‏ .
وسبحان الذي أنزل من قبل ألف وأربعمائة سنة قوله الحق ‏:‏
" اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَاراً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ " (غافر‏:64)‏ .
وعاتب الكافرين والمشركين والمتشككين بقوله الحق ‏:‏
" أَمَّن جَعَلَ الأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ " (‏النمل‏:61)‏ .