" وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى "‏ (‏ البقرة‏:222).


هذا النص القرآني الكريم جاء في مطلع الربع الأخير من سورة البقرة ، وهي سورة مدنية‏,‏ وعدد آياتها‏286‏ بعد البسملة‏,‏ وهي أطول سور القرآن الكريم على الإطلاق‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلى تلك المعجزة التي أجراها ربنا ـ‏ تبارك وتعالى ـ‏ على يدي نبيه موسى ـ على نبينا وعليه من الله السلام‏ ـ‏ حين تعرض شخص من بني اسرائيل في زمانه للقتل‏ ولم يعرف قاتله‏,‏ فأوحى الله‏ ـ تعالى‏ ـ إلى عبده موسى أن يأمر قومه بذبح بقرة‏,‏ وأن يضربوا الميت بجزء منها فيحيا بإذن الله‏,‏ ويخبرهم عن قاتله إحقاقاً للحق‏,‏ وشهادة لله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ بالقدرة على إحياء الموتى‏ .‏ومن مزايا هذه السورة المباركة أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد أوصى بقراءتها في البيوت فقال ‏: ‏‏‏" لاتجعلوا بيوتكم مقابر‏,‏ إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة "‏ (‏ أخرجه مسلم والترمذي‏) ، ‏‏ وقال‏ ـ‏ عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم‏ ـ أيضا‏ًً :‏ " اقرأوا سورة البقرة‏,‏ فإن أخذها بركة‏,‏ وتركها حسرة‏,‏ ولا يستطيعها البطلة‏ " (‏ أي السحرة‏) .      (‏ رواه مسلم‏)‏
ويدور المحور الرئيسي لسورة البقرة حول قضية التشريع الإسلامي في العبادات والأخلاق والمعاملات‏,‏ وإن لم تغفل ركائز العقيدة الإسلامية من الإيمان بالله‏,‏ وملائكته‏,‏ وكتبه‏,‏ ورسله‏,‏ واليوم الآخر‏,‏ وتنزيه الخالق‏
ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ عن كل وصف لا يليق بجلاله ، نحو ادعاء الشريك، أو الشبيه، أو المنازع، أو الصاحبة ، أو الولد‏,‏ وكلها من صفات المخلوقين، ولا تليق بجلال الخالق .‏
كذلك حددت السورة الكريمة صفات كلٍ من المؤمنين‏ والكافرين والمنافقين‏,‏ وسجَّلت قصة خلق الإنسان ممثلة في أبوينا آدم وحواء ـ عليهما من الله السلام‏ ـ‏ وأشارت إلى عدد من أنبياء الله ورسله ، مثل إبراهيم‏‏ وولده إسماعيل‏‏ وحفيده يعقوب‏,‏ وموسى‏,‏ وداود‏,‏ وسليمان وعيسى ابن مريم‏ ـ‏ على نبينا وعليهم أفضل السلام وأزكى التسليم‏ .‏
وتناولت سورة البقرة أهل الكتاب بإسهاب وصل إلى أكثر من ثلث السورة‏,‏ وختمت بإقرار حقيقة الإيمان، وبدعاء إلى الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ يهز القلب والروح والعقل معاً ‏. ويمكن إيجاز أهم معطيات سورة البقرة فيما يلي‏:‏


أولاً‏:‏ من ركائز العقيدة الإسلامية في سورة البقرة‏ :‏
‏(1)‏ الإيمان بالقرآن الكريم، آخر الكتب السماوية التي أنزلها الله ـ‏ تعالى‏ ـ‏ بالحق‏,‏ وأتمها وأكملها فيه‏ وفي سنة خاتم الأنبياء والمرسلين ـ‏ صلى الله عليه سلم‏ ـ‏ ولذلك تعهد ربنا‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ‏ بحفظ رسالته الخاتمة في ذات اللغة التي أوحيت بها ـ‏ اللغة العربية‏ ـ‏ وحفظها كلمة كلمة‏,‏ وحرفاً حرفاً على مدى أربعة عشر قرناً أو يزيد‏,‏ وإلى قيام الساعة ؛ تحقيقاً للوعد الإلهي الذي قطعه ربنا‏ ـ ‏تبارك وتعالى ـ‏ على ذاته العلية بحفظ رسالته الخاتمة ‏.‏
ونظراً لهذا الحفظ الدقيق للقرآن الكريم ـ بصفائه الرباني‏,‏ وإشراقاته النورانية‏ ـ‏ كان معجزاً في كل أمر من أموره‏,‏ وبذلك تحدى الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ الجن والإنس متعاضدين أن يأتوا بسورة من مثله‏,‏ ولا يزال هذا التحدي قائماً دون أن يستطيع أحد من العقلاء أن يجابهه‏ .‏
‏(2)‏ الإيمان بالغيب الذي أنزله ربنا ـ تبارك وتعالى ـ في محكم كتابه، وفي سنة خاتم أنبيائه ورسله ـ صلى الله عليه وسلم ـ انطلاقاً من الإيمان بالله الواحد الأحد‏,‏ الفرد الصمد‏,‏ الذي لم يلد‏,‏ ولم يولد‏,‏ ولم يكن له كفواً أحد‏,‏ وانطلاقاً من الإيمان بملائكته‏,‏ وبجميع كتبه ورسله‏ بغير تمييز‏‏ ولا تفريق‏,‏ وباليوم الآخر الذي ترجع فيه كل الخلائق إلى الله خالقها‏,‏ والإيمان بالخلود في الآخرة إما في الجنة أبدا‏ًً,‏ أو في النار أبدا‏ًً .‏
‏(3) الإيمان بأن الله ـ تعالى ـ هو خالق كل شيء‏,‏ وأنه على كل شيء قدير‏,‏ وأن من خلقه السماوات السبع والأرضون السبع‏,‏ وأنه ـ‏ تعالى‏ ـ أحيا الخلق من العدم‏,‏ وأنه سوف يميتهم فرداً فرداً‏,‏ ثم يحييهم بعثاً واحداً؛ ليعودوا إلى الله ـ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ الذي يعلم غيب السماوات والأرض، فيحاسبهم ويجازيهم، وهو الرحمن الرحيم‏,‏ وأنه ـ تعالى ـ شديد العقاب‏,‏ وقد وصف ذاته العلية بقوله‏ ـ‏ عز من قائل‏ ـ :‏ " اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ "  ‏(‏البقرة‏:255)‏ .
‏(4)‏ الإيمان بوحدة الجنس البشري‏,‏ وبانتهاء نسبه إلى أبوينا‏:‏ آدم وحواء ـ عليهما من الله السلام ـ‏ والعمل على نبذ جميع أشكال العصبيات العرقية‏ والدينية والاجتماعية، وتلك التي يمكن أن تُبنَى على أي أساس آخر ‏.‏
‏(5)‏ الإيمان بأن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ قد علَّم آدم الأسماء كلها‏,‏ وبذلك يكون الإنسان قد بدأ وجوده عالِماً عابدا‏ًً,‏ وليس جاهلاً كافراً كما يدعي أصحاب الدراسات الوضعية في علم الإنسان‏ .‏
‏(6)‏
الإيمان بوحدة رسالة السماء‏,‏ وبالأخوة بين جميع الأنبياء والمرسلين الذين أرسلهم الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ بالإسلام الصافي‏,‏ والتوحيد الخالص لله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ وقد تكاملت رسالاتهم جميعاً في الرسالة الخاتمة التي بعث بها النبي الخاتم والرسول الخاتم‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ الذي بعثه الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ بالحق بشيراً ونذيراً للعالمين إلى يوم الدين‏ .‏
‏(7)
‏ الإيمان بتنزيه الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ عن الشريك‏,‏ والشبيه‏,‏ والمنازع‏,‏ والصاحبة‏,‏ والولد‏,‏ وعن كل وصف لا يليق بجلاله‏,‏ واليقين بأن الشرك من أبشع صور الكفر بالله‏,‏ وأن من الكفر بالله كذلك منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه‏,‏ أو السعي في خرابها ‏.‏
‏(8)‏ الإيمان بأن الشيطان للإنسان عدو مبين‏,‏ وأنه يأمر بالسوء والفحشاء‏,‏ ويغري العباد بأن يقولوا على الله ما لا يعلمون .‏ ومن هنا كانت مخالفته‏ ورفضه من الأمور الواجبة على كل مسلم ومسلمة؛‏ اعتصاماً بحبل الله المتين‏,‏ ونجاة من وساوس هذا اللعين‏,‏ وللتأكيد على ذلك عرضت السورة الكريمة لقصة الشيطان مع أبوينا آدم وحواء‏ ـ‏ عليهما السلام‏ ـ‏ حتى تم إخراجهما من الجنة بوسوسته وغوايته‏,‏ ثم توبتهما‏,‏ وقبول الله ـ تعالى ـ تلك التوبة‏,‏ وأن ذنب هذه المعصية لايطول أحداً من ذريتهما أبداً؛ لأن ذلك يتنافى مع العدل الإلهي المطلق الذي قرره ربنا ـ تبارك وتعالى ـ بقوله‏ ـ‏ عز من قائل‏ ـ : ‏" أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى . وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى ‏"  (‏ النجم‏:39,38) .‏
‏(9)‏ الإيمان بأن دين الله‏ ـ‏ وهو الإسلام ـ مبني على السماحة واليسر‏,‏ وعلى رفع الحرج عن الخلق‏,‏ وأن من أصوله الثابتة أنه : " لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ "‏ (‏ البقرة‏:256) .‏
‏(10)‏ الإيمان بحتمية الآخرة وبضرورتها، وبضرورة الخوف من فجائيتها وأهوالها . وفي ذلك يقول الحق‏
ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :
‏" وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ "‏  (‏ البقرة‏:281)‏ .

ثانياً ‏:‏ من أسس العبادة في سورة البقرة ‏:‏
‏(1)‏ إقامة الصلاة‏,‏ وإيتاء الزكاة‏,‏ وصوم رمضان‏,‏ وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا‏ًً,‏ والالتزام بآداب كل عبادة من هذه العبادات‏,‏ والإنفاق في سبيل الله‏,‏ والإحسان إلى الخلق بصفة عامة‏,‏ واليقين بأن ذلك كله كان من متطلبات العبادة في كل الشرائع السماوية السابقة، وكلها كانت إسلاماً لله ‏.‏
‏(2)‏ الدعوة إلى الجهاد في سبيل الله‏؛ ردعاً للمُعتدِين والغاصبين والمُتجبِّرين‏,‏ فالقتال مشروع في الإسلام لدفع الظالمين والغائرين على أراضي المسلمين‏,‏ المعتدين على دمائهم وأموالهم وأعراضهم ومقدساتهم ودينهم ؛ وذلك صوناً لكرامة الإنسان، وإقامة لعدل الله في الأرض‏,‏ وإعزازاً للدين الذي لا يرتضي ربنا‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ‏ من عباده ديناً سواه‏ .‏
(3)‏ التوجه بالدعاء إلى الله وحده‏ في الأوقات المُفضَّلة مع الالتزام بآداب الدعاء ‏.‏
‏(4)
‏ مراعاة حرمة الأشهر الحرم وتوقيرها‏,‏ وإقامة السنن التي شرعها لنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيها ‏.‏
‏(5)‏ التزام تقوى الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ في كل حال‏ .‏


ثالثاً ‏:‏ من مكارم الأخلاق التي دعت إليها سورة البقرة‏ :‏
(1) الصبر في البأساء والضراء وحين البأس‏ .‏
‏(2)‏
الوفاء بالعهود والمواثيق‏ .‏
‏(3)‏ الشجاعة، والإقدام، وحب الاستشهاد في سبيل الله‏ .‏
(4) الجرأة في مناصرة الحق‏,‏ وإعلان الرأي‏,‏ وعدم كتمان الشهادة‏ .‏
‏(5)‏
الجود، والكرم، والإنفاق في سبيل الله ‏.‏
‏(6)‏ الحرص على العمل الصالح‏,‏ وقول المعروف‏,‏ والعفو عن الناس‏ .‏
‏(7)‏ المبالغة في بر الوالدين ، والإحسان إلى ذوي القربي واليتامى والمساكين، وإلى الناس كافة دون مَنٍّ أو أذى ‏.‏
(8)‏ تجنب المال الحرام بكافة صوره وأشكاله‏,‏ ومن أبرز أشكاله الربا‏,‏ والرشوة‏,‏ والسرقة‏,‏ والغش‏,‏ وغير ذلك من صور التحايل الباطل على الكسب الحرام‏ .‏


رابعا‏ًً :‏ من التشريعات الإسلامية في سورة البقرة‏ :‏
‏(1)
‏ فصلت سورة البقرة أحكام الأسرة المسلمة من الخِطْبَة إلى الزواج‏,‏ وتعرضت للحالات الطارئة ، مثل الطلاق‏,‏ والمتعة‏,‏ والرضاعة‏,‏ والعدة وغيرها‏,‏ وأمرت باعتزال النساء في المحيض، ونهت عن نكاح المشركات والمشركين حتى يؤمنوا‏ .‏
‏(2)‏ عددت هذه السورة الكريمة المُحرَّمات من الطعام  مثل " المَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ " (البقرة:173)، كما حرمت كلاً من الخمر والميسر‏.
‏(3)‏ وشرعت للقصاص في القتلى ؛ حمايةً للمجتمعات الإنسانية من انحراف المنحرفين وإجرام المجرمين‏ .‏
‏(4)‏ وحضت على كتابة الوصية قبل الموت، وحرَّمت وجرَّمت تبديلها أو إخفاءها‏ .‏
‏(5)‏
وحرَّمت أكل أموال الناس بالباطل‏ .‏
‏(6)‏
ووضعت ضوابط للتعامل بالدَيْن ‏.‏
‏(7) وحرَّمت التعامل بالربا تحريماً قاطعا‏ًً .‏
‏(8)‏ وحضت على رعاية اليتيم حتى يبلغ أشده‏, وحددت ضوابط الإنفاق في سبيل الله ‏.‏
‏(9)
‏ وحرَّمت إنكار معلوم من الدين بالضرورة ‏.‏


خامساً ‏:‏ من القصص القرآني في سورة البقرة ‏:‏
جاء في سورة البقرة ذكر عدد من أنبياء الله ورسله‏,‏ كما جاءت الإشارة إلى عدد من الأحداث للاعتبار بها وأخذ الدروس منها، ونوجز ذلك فيما يلي ‏:‏
‏(1) قصة أبوينا آدم وحواء ـ عليهما من الله السلام .‏
‏(2) قصة بني إسرائيل مع فرعون مصر وخروجهم منها مع نبي الله موسى ‏ـ عليه السلام‏ ـ وعبور موسى بهم البحر‏,‏ وتفجير الأرض لهم بالماء الزلال‏,‏ وعصيانهم من بعد ذلك كله‏,‏ وارتدادهم إلى عبادة العجل‏,‏ وصعقهم ثم إحيائهم‏,‏ ومسخ الذين اعتدوا منهم في السبت‏,‏ ثم كفرهم بآيات الله‏,‏ وقتلهم للأنبياء بغير حق‏,‏ وعصيانهم لأوامر الله ، واعتدائهم على حدوده‏,‏ ورفع الطور فوقهم تهديداً لهم وتخويفا‏ًً,‏ وقصتهم مع القتيل‏,‏ وأمر الله لهم أن يذبحوا بقرة، وأن يضربوا القتيل ببعضها فيبعثه الله ـ‏ تعالى ـ حتى يخبر عن قاتله ثم يموت‏,‏ وقصتهم مع كلٍ من طالوت وجالوت وداود ـ عليه السلام‏ .‏
‏(3)‏
قصص بعض أنبياء بني إسرائيل الذين جاءوا من بعد موسى وهارون‏,‏ وذلك من أمثال كلٍ من داود وسليمان‏ ـ‏ عليهما السلام .‏
‏(4)‏
قصة نبي الله إبراهيم وولده إسماعيل ـ عليهما من الله السلام ـ‏ ورفعهما لقواعد الكعبة المُشرَّفة‏,‏ ودعوتهما إلى الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ أن يبعث خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ في مكة المُكرَّمة‏,‏ وحوار إبراهيم‏ ـ‏ عليه السلام‏ ـ‏ مع نمرود بن كنعان‏ (‏ أول من ادعى الربوبية كذباً وبهتانا‏ًً) .‏
‏(5)‏
قصة نبي الله يعقوب‏ ـ‏ عليه السلام ـ‏ مع بنيه إذ حضره الموت ‏.‏
‏(6) حادثة تحويل القبلة ‏.‏
‏(7) قصة نبي الله عيسى ابن مريم‏ ـ‏ عليهما السلام‏ ـ‏ واقتتال أتباعه من بعده‏,‏ واختلافهم فيما بينهم‏,‏ وانقسامهم إلى مؤمن وكافر من بعد ما جاءتهم البينات‏ .‏
‏(8)‏ قصة الرجل الصالح عزير الذي مر على بيت المقدس بعد أن خربها بختنصر : ‏"قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"    ‏(‏البقرة‏:259)‏ .



سادسا‏ًً :‏ من الإشارات الكونية في سورة البقرة ‏:‏
جاء في هذه السورة المباركة عدد كبير من الإشارات الكونية نوجزها فيما يلي ‏:‏
‏(1)‏ التفرقة الدقيقة بين الضياء والنور، وهما أمران متمايزان‏,‏ والمقابلة بين الظلمات والنور‏,‏ وهذه من الحقائق العلمية التي لم تُدرك إلا مؤخراً‏ .‏
‏(2)‏ تقديم حاسة السمع على حاسة الإبصار‏ .‏ وثبت علمياً أن مراكز السمع تتقدم مراكز البصر في مخ الإنسان، وأن حاسة السمع تسبق حاسة البصر نضجاً في مراحل خلق الإنسان‏ .‏
‏(3)‏ وصف التلازم الدقيق بين هطول المطر الغزير وبين كلٍ من الظلمات والرعد والبرق والصواعق ‏.‏
‏(4)‏ الإشارة إلى إمكانية خطف البصر بواسطة البرق‏ .‏
‏(5)‏ ذكر المراحل المتتالية في إعداد الأرض لعمارتها بالإنسان، ومن ذلك تمهيد سطحها‏,‏ وبناء السماء من حولها‏,‏ وإنزال الماء عليها‏,‏ وإخراج الثمرات منها رزقاً للعباد‏,‏ وإحياء الأرض بعد موتها وبث كل دابة فيها‏ .‏
‏(6)‏ ذكر معجزات فلق البحر لنبي الله موسى ـ‏ عليه السلام‏ ـ ونجاته ومن معه‏,‏ وهلاك فرعون وجنده‏,‏ وكذلك تفجير اثنتي عشرة عيناً مائية بضربة من عصى موسى‏ ـ‏ على نبينا وعليه من الله تعالى السلام‏ ـ وواحدة على الأقل من تلك العيون لا تزال موجودة اليوم على طول صدع أرضي واحد بالمنطقة الشرقية من خليج السويس ‏.‏
‏(7)‏ الإشارة إلى بعض أمراض القلوب، ومنها الخوف‏,‏ والوسوسة‏,‏ والشك‏,‏ والاكتئاب‏ .‏ وقد أثبتت الدراسات النفسية أنها حقائق علمية لم تكن معروفة وقت تنزل القرآن الكريم‏,‏ وتشبيه قسوة قلوب اليهود بأنها أشد قسوة من الحجارة؛ لأن من الحجارة ما يلين بتفجرها بالأنهار‏,‏ أو بتشققها وخروج الماء منها‏,‏ أو بهبوطها من خشية الله ـ‏ تعالى‏ ـ‏ وقسوة قلوب اليهود لاتلين أبدا‏ًً,‏ وهي حقيقة أثبتها التاريخ .‏
‏(8)‏
الحديث عن المشرق الحقيقي والمغرب الحقيقي للأرض، مما يشير إلى وجود شمال وجنوب حقيقيين للأرض‏ ـ وهو صحيح‏ ـ كما يشير إلى وسطيتها من الكون‏,‏ وهي من الحقائق القرآنية التي لا يستطيع العلم المكتسب إدراكها‏ .‏
‏(9)‏ الإشارة إلى خلق السماوات والأرض بالحق‏,‏ وإلى اختلاف الليل والنهار‏,‏ وإلى الفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس‏ .‏
‏(10)
‏ الإشارة إلى تصريف الرياح‏,‏ وإلى السحاب المسخر بين السماء والأرض، وهي حقائق لم تدرك بشيء من التفصيل إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين‏ .‏
‏(11)‏
وصف الأهلِّة بأنها مواقيت للناس والحج ‏.‏
(12)‏ الإشارة إلى أذى المحيض‏,‏ والنصيحة باعتزال النساء في فترة المحيض . وقد أثبتت الدراسات الطبية صحة ذلك‏ .‏
‏(13)‏ التأكيد على ما في كلٍ من الخمر والميسر من آثام تفوق أية منافع يمكن أن تُجتنى من وراء الخوض في آثامها‏,‏ والتجارب الإنسانية تؤكد ذلك وتشهد عليه‏ .‏
‏(14)‏
التأكيد على حقيقة أن الجنة‏ ـ‏ أي الحديقة ذات الأشجار الكثيفة الملتفة على بعضها البعض‏ ـ‏ بالربوة المرتفعة‏(‏ عن كل من الهضاب والسهول المحيطة بها‏)‏، إذا أصابها وابل‏ ـ أي مطر غزير‏ـ‏ آتت أكلها ضعفين؛ لأن احتمال إغراقها بماء المطر الغزير غير وارد لسرعة انحسار الماء عنها بعد أخذ كفايتها منه نظراً لارتفاعها فوق أعلى منسوب للسهول المحيطة بها‏.‏ وفي حالة عدم هطول المطر الغزير فإن الطل ـ أي رذاذ المطر الخفيف أو الند‏ى ـ يكفيها لري نباتاتها، وطيب ثمارها، ووفرة عطائها‏ .‏ والمقصود بذلك أن الجنة بالربوة العالية تزكو، وتزدهر، وتثمر، وتجود بعطائها سواء كَثُرَ المطر عليها أو قلَّ ‏.‏
وقد وصفت سورة البقرة إنفاق الصالحين من عباد الله‏‏ الذين لا يبغون من وراء إنفاقهم إلا مرضاة الله والثبات على الحق بأنه يزكو عند الله ويطيب‏ ـ‏ زاد قدره أم قل‏ ـ‏ تماماً كما يزكو عطاء الجنة بالربوة العالية ـ زاد المطر عليها أو قل‏ .‏
‏(15)‏ الإشارة إلى البعوضة وما فوقها من الخلق‏,‏ وهي من أبسط الحشرات المعروفة لنا‏,‏ ولكنها تبلغ في روعة بناء جسدها‏‏ وتأهيله لوظائفها ما يشهد للإله الخالق بطلاقة القدرة،‏ وببديع الصنعة، وبإحكام الخلق ‏.‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة مستقلة‏,‏ ولذلك فإني سوف أقصر حديثي هنا على النقطة الثانية عشرة منه، وهي المتعلقة بأذى المحيض‏ .‏


من الدلالات العلمية للنص الكريم :
أولا‏ًً :‏ في الدلالة على وسطية الإسلام وغلو العقائد المحرَّفة‏ :‏
هذا النص القرآني المعجز يدل دلالة واضحة على وسطية الإسلام العظيم‏,‏ وعلى ربانية القرآن الكريم‏,‏ فاليهود يرون في حيض المرأة نجاسة تقتضي اعتزالها بالكامل‏,‏ وعدم مؤاكلتها وإخراجها من البيت‏,‏ وعدم الاقتراب منها أو المساس بها أو بشيء هي مسته‏,‏ والغالبية من أصحاب الملل الأخرى لا يرون ذلك أبدا‏ًً,‏ بل إن الكثيرين منهم يرى فيما يعتري الأنثى أثناء حيضها من الضعف البدني‏,‏ والاضطراب النفسي، ما يجعلها فريسة سهلة لشهواتهم الحيوانية الجامحة دون أدنى قدر من الضوابط ، وعلى ذلك سار أغلب الناس اليوم من غير المسلمين، والذين لا يرون في المحيض سبباً لاعتزال المرأة حتى في الجماع‏,‏ على ما في ذلك من أضرار صحية ونفسية جسيمة‏ .‏
وتتجلى وسطية الإسلام فيما أخرجه الإمام مسلم من أن اليهود كانت إذا حاضت المرأة أخرجوها من البيت‏,‏ ولم يؤاكلوها‏,‏ ولم يجامعوها‏,‏ فسأل أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما يصنعون ؟ فقال‏:‏ اصنعوا كل شيء إلا النكاح ‏.‏
وعلى النقيض من ذلك فإننا نجد اليهود يعتزلون الحائض تماماً طوال فترة الحيض‏‏ أو لمدة خمسة أيام
‏(‏ أيهما أقل‏),‏ ويضيفون إلى ذلك سبعة أيام أخرى ليصبح المجموع اثني عشر يوماً على أقل تقدير، تُعزَل فيها الحائض عزلاً كاملا‏ًً,‏ فلا تؤاكل‏,‏ ولا تلامس‏,‏ ولا تجالس على فرش واحد‏,‏ بل إن الآنية التي تلامسها الحائض لابد وأن تكسر‏، ولا يحل للحائض عندهم أن تغتسل إلا بعد اثني عشر يوماً كاملة من بدء حيضتها على أقل تقدير‏,‏ وفي اليوم الثالث عشر تغتسل، ثم تذهب إلى الكنيس لتقدم للحاخام يمامتين أو حمامتين يذبح إحداهما ذبيحة خطية‏,‏ ويحرق الأخرى قربان محرقة ‏.‏
ونقرأ ذلك وأكثر منه في سفر اللاويين من العهد القديم‏ (‏ الإصحاح الخامس عشر‏)‏ حيث نجد ما يلي : ‏"‏ وإذا كانت امرأة لها سيل، وكان سيلها دماً في لحمها، فسبعة أيام تكون في طمثها‏,‏ وكل من مسها يكون نجساً إلى المساء‏,‏ وكل ماتضطجع عليه في طمثها يكون نجسا‏ًً,‏ وكل ما تجلس عليه يكون نجسا‏ًً,‏ وكل من مس فراشها يغسل ثيابه ويستحم بماء ويكون نجساً إلى المساء‏,‏ وكل من مس متاعاً تجلس عليه يغسل ثيابه ويستحم بماء ويكون نجساً إلى المساء‏,‏ وإن كان على الفراش أو على المتاع الذي هي جالسة عليه عندما يمسه يكون نجساً إلى المساء‏,‏ وإن اضطجع معها رجل فكان طمثها عليه يكون نجساً سبعة أيام‏,‏ وكل فراش يضجع عليه يكون نجساً  ‏.‏
وإذا كانت امرأة يسيل سيل دمها أياماً كثيرة في غير وقت طمثها، أو إذا سال بعد طمثها، فتكون كل أيام سيلان نجاستها كما في أيام طمثها‏، إنها نجسة‏...‏ " ويستمر السياق في تأكيد النجاسة حتى يقول ‏: " ...‏ وفي اليوم الثامن تأخذ لنفسها يمامتين أو فرخي حمام وتأتي بهما إلى الكاهن إلى باب خيمة الاجتماع‏ ،‏ فيعمل الكاهن الواحد ذبيحة خطية، والآخر محرقة، ويكفر عنها الكاهن أمام الرب من سيل نجاستها‏,‏ فتعزلان بني إسرائيل عن نجاستهم لئلا يموتوا في نجاستهم بتنجيسهم مسكني الذي في وسطهم‏ ..‏ "
وبالمثل فإننا نجد من خرافات الأقدمين ماشاع عند أصحاب الحضارات القديمة ـ مثل قدماء اليونان والمصريين والرومان ـ من أن الحيض مرده إلى قوى شريرة تصيب المرأة‏,‏ وتجعل من جسدها كله خبثاً ودنساً وقت حيضتها‏,‏ ومن ثم كانوا يعتزلون الحائض تماماً، وينبذونها طيلة فترة الحيض‏ .‏
وهكذا كان العرب في جاهليتهم؛ لأنهم لم يكونوا أهل علم ولا أهل دين، وكانوا مُقلِّدين للسائد عند اليهود في الجيوب المنتشرة على أطراف الجزيرة العربية وفي بعض مدنها ‏.‏
وفي المقابل فإن الإسلام رعي الأنثى في وقت حيضتها رعاية كاملة بالعطف، والحب، والمجاملة، والملاطفة؛ وذلك تقديراً لما تمر به من ظروف صحية ونفسية خاصة‏,‏ فلم يحرمها إلا من المباشرة الزوجية طوال فترة الحيض إذا كانت متزوجة‏,‏ ومن الصلاة والصيام والطواف مراعاة لظروفها الصحية؛ ولأن كلاً من الصلاة والطواف عبادة تقتضي الطهر الكامل‏ . ومايز الفقه الإسلامي بين الحيضة والاستحاضة‏,‏ ونهى عن تطليق الزوجة أثناء حيضتها‏ .‏
وتروي لنا كتب السيرة أن أم المؤمنين السيدة عائشة ـ رضي الله عنها وأرضاها ـ قالت‏ :‏ خرجنا لا نرى إلا الحج‏,‏ فلما كنا بسرف حضت‏ُُ,‏ فدخل على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأنا أبكي‏,‏ قال‏:‏ " ما لك‏ .‏ أَنْفَسْتِ ؟ " قلت‏:‏ نعم‏,‏ قال
: ‏" إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم‏,‏ فأقضي ما يقضي الحاج‏,‏ غير أن لا تطوفي بالبيت‏ " (‏ الإمام البخاري‏)‏ .
وذلك لأن الطواف بالكعبة المشرفة صلاة‏,‏ والصلاة لا تجوز إلا في طهر كامل‏ .‏

ثانيا‏ًً :‏ المحرَّم من المرأة أثناء حيضها في الإسلام‏ :‏
من المعجز حقاً أن يستخدم القرآن الكريم لفظة ‏(‏ المحيض‏)‏ دون غيرها من الألفاظ المُعبِّرة عن هذه الظاهرة‏,‏ و‏(‏ المحيض‏)‏ لغة هو‏(‏ الحيض‏)‏ ووقته وموضعه‏,‏ والحيض هو الدم الخارج من رحم الأنثى البالغة‏,‏ وهو حدث يعتريها بصفة دورية‏ مرة كل شهر على مدى سنوات الخصوبة من عمرها ـ بدءاً من سن البلوغ وحتى سن اليأس ـ فيما عدا فترات الحمل والرضاعة عند البعض‏ .‏يقال‏: (‏ حاضت‏)‏ المرأة‏(‏ مَحيضاً‏)‏ فهي‏(‏ حائض‏)‏ و‏(‏حائضة‏)‏ وجمعها‏(‏ حيض‏)‏ و‏(‏حوائض‏)‏ . وتحيَّضت المرأة‏ :‏ قعدت عن الصلاة أيام حيضها . و‏(‏ الحيضة‏)‏ المرة الواحدة‏,‏ و‏(‏ الحِيضة‏)‏ بالكسر الاسم‏,‏ والجمع‏(‏ الحيض‏) . و‏(‏ استحيضت‏)‏ المرأة استمر بها دم بعد أيامها المحددة لها من الحيض أو النفاس‏,‏ فكل مازاد على أكثر مدة الحيض أو النفاس‏,‏ أو نقص عن أقله‏,‏ أو سال قبل سن الحيض‏ ـ وهو تسع سنوات‏ ـ‏ فهو استحاضة‏,‏ وهي‏(‏ مستحاضة‏) .
وقد اعتنى الإسلام بالتفريق بين دم الحيض ودم الاستحاضة لما يترتب على ذلك من أحكام‏,‏ فالحائض لا تصلى‏,‏ ولا تصوم‏,‏ ولا تطوف بالكعبة المشرفة‏,‏ ولا تمس القرآن الكريم‏,‏ ولا تلبث طويلاً بالمسجد‏,‏ ولا تُوطَأ‏,‏ والمستحاضة تفعل ذلك كله مع اختلاف بعض الفقهاء في الوطء، فقد أباحه أغلبهم ومنعه بعضهم‏ .‏ واستخدام النص القرآني الذي نحن بصدده للفظة ‏(‏ المحيض‏)‏ لا يدع مجالا للشك في أن التحريم هو للمباشرة الزوجية أثناء الحيض‏,‏ وتقديم العلة على الحكم‏,‏ وترتيب الحكم على العلة من أروع جوانب الإعجاز البياني والتشريعي والعلمي في هذا النص القرآن الكريم الذي يقول فيه ربنا ـ تبارك وتعالى
‏ ـ : ‏" وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي المَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ "‏  (‏ البقرة‏:222)‏ .
وواضح من الآية الكريمة أن المُحرَّم من الزوجة أثناء حيضها هو المباشرة الزوجية فقط بمعنى الوطء‏,‏ ويؤيد ذلك أحاديث وتصرفات رسول الله‏ ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏ ومن هنا كان الإعجاز في استخدام لفظة
‏(‏ المحيض‏)‏ دون غيرها من ألفاظ اللغة العربية المُعبِّرة عن هذه الظاهرة الفطرية في النساء البالغات المتزوجات‏ .‏

ثالثا‏ًً :‏ في إثبات أذى المحيض‏ :‏
أورد كلٌ من الأخوين الكريمين الدكتور محمد عبد اللطيف سعد ‏(‏ استشاري أمراض النساء‏,‏ والتوليد بالقاهرة‏),‏ والدكتور محمد علي البار ‏(‏ استشاري الأمراض الباطنة بجدة‏)‏ عدداً من مخاطر المعاشرة الزوجية أثناء فترة الحيض تمثل جانباً من أذى المحيض . ويمكن إيجازها في النقاط التالية‏ :‏
‏(‏ا‏)‏ تقرُّح الرحم وامتلاؤه بالدماء نظراً للقذف بالغطاء المبطن له أثناء الدورة الشهرية، مما يجعله عرضة للالتهابات الحادة التي قد تصل إلى جدار البطن وإلى الأنسجة الرخوية الموجودة فيه ‏.‏
‏(‏ب‏)‏ تعرض الرحم والجهاز التناسلي للمرأة بأكمله لهجوم الميكروبات بمختلف أشكالها‏؛‏ لأن الدم بيئة مشجعة على تكاثر الميكروبات والطفيليات والجراثيم الضارة‏ .‏ وقد وجد الدكتور محمد عبد اللطيف في دراسته المستفيضة أن الجراثيم الضارة تزداد في فترة الحيض أعداداً وتنوعاً زيادة ملحوظة‏,‏ كما وجد أن طفيلاً مثل طفيل ترايكوموناس
‏ (
Trichomonas vaginalis)‏ يتضاعف عدده أربعة أضعاف في وقت الحيض‏,‏ وهذا الطفيل يسبب التهابات في الجهاز البولي‏/‏ التناسلي لكلٍ من الذكر والأنثى‏,‏ ومعروف أن انتقاله لا يتم الا عن طريق المعاشرة الزوجية أثناء الحيض‏ .‏ ونتيجة للفوضى الجنسية في الغرب، ولعدم مراعاة حالة الحيض عند المرأة، تقول الاحصائيات الطبية إن‏30‏% إلى‏50%‏ من النساء الغربيات مصابات بهذا الطفيلي، وأن40%‏ إلى60% من الرجال يعانون من آثاره‏؛‏ وذلك لأن تدفق الدم يطهر بدن المرأة منه‏,‏ والوطء في المحيض يحول دون ذلك ‏.‏
‏(‏‏)‏ إن تدفق الدم أثناء الحيض كما يسحب الكثير من مسببات الأمراض، فإنه يسحب معه كذلك العديد من المواد المُطهِّرة التي يفرزها الجهاز التناسلي للمرأة بطريقة فطرية‏,‏ فيجعله أكثر عرضة للإصابة بأقل قدر من الميكروبات‏ ـ‏ الجراثيم‏ ـ‏ والفطريات والطفيليات التي تصل إليه‏,‏ وأيسر الطرق إلى التسبب في ذلك المعاشرة الزوجية‏ .‏
‏(‏جـ‏)‏ إن نمو الجراثيم في الجهاز التناسلي للمرأة يسبب التهاب مختلف أجزائه‏,‏ وهو جهاز فائق الحساسية‏,‏ والتهاباته شديدة الإيلام‏,‏ وبطيئة الالتئام‏,‏ وصعبة العلاج‏,‏ وإذا التهبت انتقل ذلك إلى الزوج بالمباشرة الزوجية، خاصة أثناء الحيض‏,‏ وأدى ما فيها من طفيليات وجراثيم وفيروسات إلى العديد من التعقيدات المرضية التي قد يصعب علاجها . ومنها ما يلي‏:‏

‏(1)‏ انسداد قناتي الرحم : مما يؤدي إلى الحمل خارجه أو إلى العقم الكامل‏,‏ والحمل خارج الرحم له مخاطره التي قد تودي بحياة الحامل‏ .‏
‏(2)‏ قد تمتد التهابات الجهاز التناسلي لكلٍ من المرأة والرجل إلى الجهاز البولي‏ ـ‏ مجرى البول‏,‏ فالمثانة‏,‏ فالحالبين‏,‏ فالكليتين‏ ـ‏ وهي من أشد المناطق حساسية في جسم الإنسان‏,‏ والتهاباتها مؤلمة، وقد تطول كما قد تتطور إلى عدد من الأمراض الخطيرة التي قد يصعب التعامل معها‏ .‏
‏(3)‏ تكون الأنثى أثناء فترة الحيض في حالة من الهزال والضعف البدني، والاكتئاب والضيق النفسي‏,‏ والانغلاق الذهني الذي يقعدها عن اختيار البديل الأمثل، واتخاذ القرار المناسب‏,‏ وهي حالة لا تتناسب مع المعاشرة الزوجية‏,‏ ولعل ذلك من مبررات نهي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن تطليق الزوجة أثناء حيضتها‏ .‏
‏(4)‏ انتشار العديد من الأمراض التناسلية عند كلٍ من الزوج والزوجة ، مثل أمراض السيلان‏,‏ الزهري‏,‏ التهابات المثانة‏,‏ التهابات الجهاز التناسلي التي قد تنتهي بالعقم‏,‏ هذا بالإضافة إلى سرطانات عديدة ، مثل سرطان كلٍ من عنق الرحم‏,‏ البروستاتا‏ ـ‏ الموثة‏ ـ‏ والمثانة‏,‏ والكِلَى ‏.‏
‏(5)‏ المشاكل النفسية العديدة التي قد تنتج من المعاشرة الزوجية أثناء الحيض عند أيٍ من الزوجين أو عندهما معا، مما قد يؤدي إلى شيء من النفور الذي يصعب علاجه إن لم يكن مستحيلاً في بعض الحالات ‏.‏
من هذا الاستعراض السريع يتضح الإعجاز اللغوي والتشريعي والعلمي في قول ربنا ـ تبارك وتعالى ‏ـ :‏

" وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي المَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ " (البقرة:222)‏ .
ففي اختيار لفظة ‏(‏ المحيض‏)‏ إعجاز لغوي رفيع‏,‏ وفي وصف المحيض بأنه أذى إعجاز علمي لم تصله العلوم المكتسبة إلا في القرن العشرين، وإن حرمته كل شرائع السماء من قبل‏,‏ والأمر باعتزال النساء في المحيض ـ بمعنى منع المباشرة الزوجية فقط‏,‏ مع بقاء المعايشة الكاملة‏,‏ والحنو والعطف والملاطفة‏,‏ وتطييب الخواطر ـ‏ هو حكم وسط بين طرفين من المبالغة في النفور من الحائض إلى حد الإخراج من البيت، وكسر ما لمسته من الآنية‏ في جانب، أو من المعاشرة أثناء الحيض بلا أدنى حرج في جانب آخر ، وهذا الحكم إعجاز تشريعي يؤكد وسطية هذا الدين‏,‏ وربانيته‏,‏ وسماحته‏,‏ وصدقه ‏.‏
فالحمد لله على نعمة الإسلام‏,‏ والحمد لله على نعمة القرآن‏,‏ والحمد لله على بعثة خاتم الأنبياء والمرسلين‏,‏ وعلى هديه الأمين‏,‏ والصلاة والسلام عليه وعلى آله وصحبه ، ومن تبع هداه، ودعا بدعوته إلى يوم الدين .‏ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏ .‏