"‏ وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ " (‏ الأنعام‏:99).


النص القرآني المعجز جاء في بداية الثلث الأخير من سورة الأنعام‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ ومن طوال سور القرآن الكريم، إذ يبلغ عدد آياتها‏(165)‏ بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم لتكرار الإشارة فيها إلى الأنعام‏,‏ ومن خصائص هذه الصورة المباركة أنها نزلت دفعة واحدة‏ .‏ويدور المحور الرئيسي للسورة حول عدد من العقائد والتشريعات الإسلامية‏,‏ وقصص عدد من الأنبياء والمرسلين الذين بعثهم الله ـ تعالى ـ من قبل بعثة خاتمهم ـ صلى الله عليه وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏ .‏وقد استهلت السورة الكريمة بقول الحق ـ تبارك وتعالى ـ : " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ " (الأنعام:1) . وهي حقيقة أريد بها دفع كل الأباطيل التي روَّجها الكافرون عبر التاريخ ـ ولا يزالون ـ في محاولة يائسة لنفي الخلق‏,‏ والتنكر للخالق ـ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ واستهلال سورة الأنعام بهذه الحقيقة الكونية الثابتة دليل على أهميتها في استقامة العقيدة‏,‏ ولذا تكرر التأكيد عليها في ثنايا القرآن الكريم لمرات عديدة‏ .‏
ويلي الإخبار بهذه الحقيقة أمر آخر خطير تقرره الآيات بقول الحق ـ تبارك وتعالى‏ ـ :
" هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمّىً عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ " (الأنعام:2) . 
وفي ذلك تسجيل لثاني أكبر الحقائق الكونية‏,‏ وهي خلق الإنسان من طين‏,‏ وتحديد اللحظة التي يغادر فيها كل مخلوق هذه الحياة الدنيا‏,‏ وتأكيد حتمية الآخرة‏ التي لا يعلم وقتها إلا الله ـ تعالى‏ ـ‏ وفي ذلك من التأكيد على حقيقة الألوهية‏,‏ والربوبية‏,‏ والوحدانية للخالق العظيم ما جزمت به الآية الثالثة من هذه السورة المباركة التي يقول فيها ربنا ـ تبارك وتعالى ـ ‏:‏
" وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ " (الأنعام:3) .
ثم تسرد الآيات بعد ذلك إعراض الكافرين من قريش ـ وإلى يومنا الراهن ـ عن آيات الله‏,‏ وتكذيبهم بالحق لما جاءهم‏,‏ وتهديد الله ـ تعالى ـ لهم من عواقب ذلك‏,‏ وتذكيرهم بأمم من قبلهم‏,‏ مكَّن الله لهم في الأرض ثم أهلكهم بذنوبهم‏,‏ وهو تحذير لهم ولغيرهم من الأمم والأفراد إلى قيام الساعة‏,‏ وتأكيد أن التمكين في الأرض‏,‏ وبسط الرزق فيها ليسا ـ بالضرورة ـ دليل رضى من الله ـ سبحانه وتعالى ـ‏ بل قد يكون ذلك من باب الابتلاء لكشف معادن الناس وإظهار حقيقة نفوسهم‏.‏
وتعرض الآيات لحوار بين رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبين كفار قريش يكشف موقف المراوغة والتكذيب والعنت من الكفار والمشركين، وثبات الإيمان الراسخ على اليقين الذي يثبت به الله ـ سبحانه وتعالى ـ خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ وذلك بقول الحق ـ تبارك وتعالى ـ ‏:‏
" قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ . مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ " ‏(‏ الأنعام‏:14‏ ـ‏16) .
وقوله ـ عز من قائل ـ‏:‏ " قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ " (الأنعام:19) .
ويستمر الإخبار في سورة الأنعام بأحداث وقعت في غيب الماضي البعيد؛ تأكيداً على صدق هذا الكتاب العزيز‏,‏ وعلى صدق الرسول الخاتم الذي تلقاه ـ صلى الله عليه وسلم ‏ـ‏ ومن ضمن ذلك جاء الحديث عن ثمانية عشر من أنبياء الله ورسله ‏,‏ وفي ذلك تأكيد على أخوة الأنبياء‏,‏ وعلى وحدة رسالة السماء‏,‏ وعلى حاجة الإنسان دوماً إلى الدين الصحيح القائم على التوحيد الخالص لله ـ بغير شريك، ولا شبيه، ولا منازع، ولاصاحبة ولا ولد ـ‏ وإلى نماذج ممن تربوا على هذه الهداية الربانية الخالصة الإسلام يُقتدى بهم وسط فتن هذه الدنيا وصعوباتها؛ لأن الشرك بالله هو ـ حقاً ًـ ظلم كبير‏,‏ يهدد سلامة الفرد والمجتمع والبشرية كلها‏ .‏
ومن هنا كانت ضرورة كشف زيفه ـ زيف الشرك بالله ـ بالحجة المنطقية والبرهان السديد الرشيد‏,‏ وضرورة عرض ذلك من خلال القرآن، وهو الوحي السماوي الوحيد المحفوظ بين أيدي الناس اليوم بنفس اللغة التي أوحي بها ـ اللغة العربية ـ محفوظاً بحفظ الله كلمة كلمة، وحرفاً حرفاً على مدى أربعة عشر قرناً أو يزيد، وإلى أن يرث الله ـ تعالى ـ الأرض ومن عليها‏,‏ في الوقت الذي تعرضت فيه كل صور الوحي السابقة إما للضياع التام‏,‏ أو للنقل إلى لغات غير لغة الوحي مع ضياع الأصول‏,‏ وتعرضها خلال ذلك النقل إلى قدر من التحريف الذي أخرجها عن إطارها الرباني‏,‏ وجعلها عاجزة عجزاً كاملاً عن هداية البشرية‏,‏ وأوقعتهم في أوحال الشرك بالله أو الكفر به‏ .‏
هذا‏,‏ وقد بلغت الآيات التي تضمنت الإخبار بأحداث الغيب البعيد في سورة الأنعام خمساً وعشرين آية‏,‏ والقضايا التي تحدثت عنها تلك الآيات كانت قد وقعت بالفعل‏,‏ ولكنها اعتبرت من الغيوب؛ لأن العرب في زمن البعثة المحمدية لم يكونوا يعرفونها لتقادم العهد بها ، خاصة أنهم لم يكونوا أمة تدوين،‏ وورود ذكر تلك الأحداث التاريخية في القرآن الكريم بهذه الدقة البالغة التي بدأت الحفريات والبحوث الأثرية في إثبات العديد منها‏,‏ مما يشهد بالإعجاز التاريخي لكتاب الله ‏.‏
أما الغيوب المستقبلية التي لم تقع بعد‏,‏ أو التي لم تكن قد وقعت قبل نزول القرآن الكريم بها ، فتدخل في مجال الإعجاز التنبُّؤي لكتاب الله،‏ وبعض هذه الغيوب المستقبلية من الغيوب المطلقة التي لا سبيل للإنسان في الوصول إليها إلا عن طريق وحي السماء‏ .‏
والهدف من إيرادها في كتاب الله هو تحذير الناس وتبشيرهم بين يدي الساعة حتى لا يفاجأوا بها دون استعداد لها‏ .‏
وقد جاء الحديث عن الغيوب المستقبلية في سورة الأنعام في ثلاث وأربعين آية، نختار منها قول الحق ـ تبارك وتعالى ـ‏:
" قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ " (الأنعام:65).
وقوله ـ تعالى ـ ‏:‏ " إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ " (الأنعام:159) .
وهاتان الآيتان الكريمتان قد تحقق ما جاء فيهما ، ولا يزال يتحقق إلى يومنا هذا‏ .‏ والآيتان تصفان الكفار والمشركين وقت تنزل القرآن الكريم إلا أن الحكم فيهما قد تحقق دوماً منذ ذلك التاريخ إلى يومنا الراهن، وسوف يظل يتحقق حتى قيام الساعة ‏.‏
ومن أخبار الآيات في سورة الأنعام عن الغيوب المستقبلية وصفها لمشهد احتضار الكافرين، وفيه يقول الحق ـ تبارك وتعالى ـ ‏:‏
" وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ . وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ . " ‏(‏ الأنعام‏93‏ و‏94) .
كذلك جاءت الإشارة إلى النفخ في الصور، وهو حدث غيبي مستقبلي خطير، يحدد الفاصل بين الدنيا والآخرة‏,‏ وفيه يقول ربنا ـ سبحانه وتعالى ـ ‏:‏ " وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ " (الأنعام:73) .
وجاء الإخبار كذلك عن الحشر في أكثر من آية، نختار منها قوله ـ تعالى ـ‏ :‏
" وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ " (الأنعام:22).
وقوله ـ عز من قائل ـ ‏:‏
" وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُون " (الأنعام:38) .
وقوله ـ سبحانه وتعالى ـ ‏:‏
" وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ " (الأنعام:51) .
وقوله ـ سبحانه وتعالى ـ ‏:‏
" وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ " (الأنعام:72).
وقوله ـ سبحانه وتعالى ـ ‏:‏
" وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً " (الأنعام: 128) .
وكذلك جاء الإخبار عن الوعد والوعيد في إحدى عشرة آية، نختار منها قوله ـ تعالى ـ ‏:‏
" وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ " (الأنعام:49).
وقوله ـ عزمن قائل‏ ـ :‏
" لِكُلِّ نَبَأٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ " (الأنعام:67) .
وجاء ذكر يوم القيامة في أربعة عشر موضعاً، نختار منها قول ربنا ـ تبارك وتعالى ـ : " قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ " (الأنعام:12) .
وجاء ذكر مصائر المكلَّفين من الخلق الإنس والجن وأحوالهم في الآخرة في اثنتي عشرة آية من آيات سورة الأنعام، نختار منها قوله ـ تعالى ـ ‏:‏ " وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِين‏ . بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ "(‏ الأنعام‏:28,27) .‏
وكان الهدف المقصود من الإخبار بغيب الماضي البعيد‏,‏ وبالغيب المستقبلي الأبعد، هو تفصيل قضية العقيدة الإسلامية القائمة على ألوهية الخالق ـ سبحانه وتعالى ـ وتوحيده التوحيد المطلق فوق جميع خلقه‏,‏ وتنزيهه عن كل وصف لا يليق بجلاله ، مثل الشبيه، أو الشريك‏,‏ أو المنازع‏,‏ أو الصاحبة‏,‏ أو الولد‏,‏ والقائمة كذلك على عبودية المخلوقين جميعهم لله‏,‏ والرد على كلٍ من الكافرين والمشركين والمتشككين، وتفنيد مزاعمهم‏,‏ والدعوة إلى الدين الصحيح الذي لا يرتضي ربنا ـ تبارك وتعالى ـ من عباده ديناً سواه، ألا وهو الإسلام ، أنزله الله ـ تعالى ـ على فترة من الرسل، وأتمه وأكمله في بعثة النبي الخاتم والرسول الخاتم ـ صلى الله عليه وسلم‏ .‏
وبالإضافة إلى ذلك تناولت الآيات في سورة الأنعام أخباراً عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ وعن الذين آمنوا به وبرسالته‏,‏ كما تحدثت الآيات عن كلٍ من المشركين وزعمائهم‏,‏ وعن أهل الكتاب في زمن الوحي وإلى قيام الساعة ‏.‏
وجاء ذكر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وما جاء به من حق في أكثر من ستين آية، نختار منها قول الحق ـ تبارك وتعالى ـ على لسان خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلى الله عليه وسلم -:‏
" قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصلىنَ . قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ "
(‏ الأنعام‏:58,57) .
كذلك جاءت الإشارة إلى المؤمنين في خمس آيات من سورة الأنعام، نختار منها قول ربنا ـ تبارك وتعالى ـ ‏:‏ " وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ " (الأنعام:92) .
وبالمقابل جاءت الإشارة إلى المشركين وإلى معتقداتهم الفاسدة‏,‏ وطرائق تفكيرهم الملتوية في العديد من الآيات، نختار منها قوله ـ تعالى ـ ‏:‏
" وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ " (الأنعام:39) .
وفي سورة الأنعام جاءت الإشارة كذلك إلى مكر أكابر المجرمين لكي يتمكن المؤمنون من أخذ الحذر منهم، وذلك في آيتين كريمتين يقول فيهما ربنا ـ تبارك وتعالى‏ ـ :‏
" وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ . وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ "  (‏ الأنعام‏:124,123) .‏
وفي هذه السورة المباركة جاء الخطاب إلى أهل الكتاب واضحاً بيَّناً قاطعاً بحكم الله فيهم، وذلك في خمس آيات كريمات، نختار منها قول الحق ـ تبارك وتعالى ـ ‏:‏
"قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ . الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ . وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ "  (‏ الأنعام‏:21,19 ) .

وقوله ـ عز من قائل ـ ‏:‏
" أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ . وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ "(‏ الأنعام‏:114‏ و‏115) .‏

وقرب ختامها أكدت سورة الأنعام ضرورة تأسيس الأحكام على العلم‏,‏ لا على الظن والتخمين‏,‏ وفي ذلك يقول الحق ـ تبارك وتعالى ـ ‏:‏‏"...‏ قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ " ‏(‏الأنعام‏:148) .‏هذا وقد سبق لنا‏(‏ في أكثر من مقال‏)‏ تلخيص كلٍ من ركائز العقيدة الإسلامية‏,‏ وقواعد التشريع الإسلامي‏,‏ والآيات الكونية التي جاءت في سورة الأنعام‏,‏ ولا أرى حاجة إلى إعادة ذلك مرة أخرى ‏.‏وفي المقال السابق مباشرة، تناولت النصف الأول من الآية رقم ‏(99)‏ في سورة الأنعام‏,‏ وأستكمل هنا مناقشة بقية هذه الآية الكريمة التي يقول فيها ربنا ـ تبارك وتعالى‏ ـ :‏" ‏..‏ وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ‏ " (‏ الأنعام‏:99) .
وقبل الوصول إلى ذلك لابد من استعراض سريع لأقوال عدد من المفسرين القدامى والمعاصرين في شرح دلالة هذا النص القرآني الكريم ‏.‏



من أقوال المفسرين ‏:‏
في تفسير هذا النص القرآني الذي يمثل النصف الأخير من الآية رقم ‏(99)‏ من سورة الأنعام‏ .‏‏ ذكر الطبري‏ ـ رحمه الله‏ ـ‏ ما مختصره‏: "‏ قِنْوَانٌ‏ "‏
جمع قنو، وهي‏:‏ العذوق .‏"‏ دَانِيَةٌ "‏ متهدلة قصار قريبة من الأرض ‏. "‏ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ " ما يشابه ورقه‏,‏ ويختلف ثمره وطعمه‏ . " وَيَنْعِهِ ‏"‏ نضجه وانتهاؤه‏ .‏ (انتهى قول المفسر). وذكر ابن كثير ـ عليه رحمة الله‏ ـ‏ ما مختصره ‏:"‏ وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ‏ "‏ أي جمع قنو، وهي عذوق الرطب‏ . ‏"‏ دَانِيَةٌ "‏ أي قريبة من المتناول‏,‏ كما قال ابن عباس :‏"‏ قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ "‏ يعني بالقنوان الدانية قصار النخل اللاصقة عذوقها بالأرض رواه ابن جرير‏ .‏ (انتهى قول المفسر).وقوله ـ تعالى ـ ‏:"‏ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ‏ "‏ أي ونخرج منه جنات من أعناب‏,‏ وهذان النوعان هما أشرف الثمار عند أهل الحجاز‏,‏ وربما كانا خيار الثمار في الدنيا‏ . وقوله ـ تعالى ـ ‏: "‏ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ‏" ,‏ قال قتادة وغيره‏ :‏ متشابه في الورق والشكل قريب بعضه من بعض‏,‏ ومتخالف في الثمار شكلاً وطعماً وطبعاً . "‏ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ " ‏ أي نضجه‏,‏ ولهذا قال ها هنا ‏: "‏ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ "‏ أيها الناس . " ‏لَآياتٍ "‏ أي دلالات على كمال قدرة خالق هذه الأشياء وحكمته ورحمته . ‏"‏ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ " ‏ أي يصدقون به ويتبعون رسله ‏. (انتهى قول المفسر)
‏ وجاء في تفسير الجلالين ـ رحم الله كاتبيه ـ‏ ما مختصره‏ :"‏ وَمِنَ النَّخْلِ‏ "‏
خبر‏,‏ ويبدل منه‏ : "‏ مِنْ طَلْعِهَا "‏ أول ما يخرج منها‏,‏ والمبتدأ "‏ قِنْوَانٌ "‏ عراجين‏ "‏ دَانِيَةٌ‏ "‏ قريب بعضها من بعض‏ " وَ‏ " أخرجنا به "‏ جَنَّاتٍ "‏ بساتين‏ . "‏ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً‏ "‏ ورقهما‏,‏ حال .‏"‏ وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ "‏ ثمرهما . ‏"‏ انْظُرُوا "‏ يامخاطبين نظر اعتبار . " إِلَى ثَمَرِهِ "‏ بفتح الثاء والميم وبضمهما‏,‏ وهو جمع ثمرة‏ . "‏ إِذَا أَثْمَرَ "‏ أول ما يبدو كيف هو .‏"‏ وَ ‏"‏ إلى . ‏"‏ يَنْعِهِ "‏ نضجه إذا أدرك كيف يعود . ‏" إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآياتٍ "‏ دلالات على قدرته ـ تعالى ـ على البعث وغيره ‏. " لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ‏ "‏ خصوا بالذكر؛ لأنهم المنتفعون بها في الايمان بخلاف الكافرين‏ .‏ (انتهى قول المفسر)
وذكر صاحب الظلال‏ ـ رحمه الله تعالى برحمته الواسعة‏ ـ‏ ما نصه‏: ..."‏ وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ "
‏ وقنوان جمع قنو، وهو الفرع الصغير‏,‏ وفي النخلة هو العذق الذي يحمل الثمر‏,‏ ولفظة‏ " ‏قِنْوَانٌ ‏"‏ ووصفها‏"‏ دَانِيَةٌ‏ " ‏ يشتركان في إلقاء ظل لطيف أليف‏ ، وظل المشهد كله ظل وديع حبيب‏. "‏ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ " ‏ هذا النبات كله بفصائله وسلالاته . ‏" مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ ‏"‏ انظروا بالحس البصير‏,‏ والقلب اليقظ‏ .‏ انظروا إليه في ازدهاره‏,‏ وازدهائه‏,‏ عند كمال نضجه‏,‏ انظروا إليه واستمتعوا بجماله‏ .‏ لا يقول هنا‏,‏ كلوا من ثمرة إذا أثمر‏,‏ ولكن يقول‏: "‏ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ " ؛‏ لأن المجال هنا مجال جمال ومتاع‏,‏ كما أنه مجال تدبر في آيات الله‏,‏ وبدائع صنعته في مجالي الحياة‏ . "‏ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ‏" ..‏ فالايمان هو الذي يفتح القلب‏,‏ وينير البصيرة‏,‏ وينبه أجهزة الاستقبال والاستجابة في الفطرة‏,‏ ويصل الكائن الإنساني بالوجود‏,‏ ويدعو الوجدان إلى الإيمان بالله خالق الجميع‏،‏ وإلا فإن هناك قلوباً مغلقة‏,‏ وبصائر مطموسة‏,‏ وفِطَراً منتكسة‏,‏ تمر بهذا الإبداع كله‏,‏ وبهذه الآيات كلها‏,‏ فلا تحس بها ولا تستجيب‏ " ‏إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ " (الأنعام:36) ,‏ وإنما يدرك هذه الآيات الذين يؤمنون ‏.‏ (انتهى قول المفسر)
وجاء في صفوة البيان لمعاني القرآن ـ‏ رحم الله كاتبه‏ ـ‏ ما نصه‏: .. " وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ "
‏ ومن طلع النخل قنوان دانية .‏ والطلع‏:‏ أول ما يبدو ويخرج من ثمر النخل كالكيزان‏,‏ وقشره يسمى الكفري‏,‏ وما في داخله يسمى الإغريض لبياضه‏ . والقنوان‏:‏ العراجين‏,‏ جمع قنو وهو العذق‏,‏ وهو للتمر بمنزلة العنقود للعنب‏,‏ و‏"‏ دَانِيَةٌ‏ "‏ أي متدلية‏,‏ أو قريبة من يد المتناول‏ . "‏ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ ‏"‏ عطف على‏ "‏ نَبَاتَ ‏" ‏ أي وأخرجنا به جنات كائنة من أعناب‏ ." ‏مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ‏"‏ أي بعضه متشابه‏,‏ وبعضه غير متشابه في الهيئة واللون والطعم وغير ذلك‏,‏ مما يدل على كمال قدرة الصانع‏ . "‏ وَيَنْعِهِ ‏"‏ أي وانظروا إلى حال نضجه وإدراكه نظر استدلال واستبصار‏,‏ كيف يعود شيئاً قوياً بعد الضعف‏,‏ جامعاً لمنافع شتى ،‏ مصدر ينعت الثمرة كأينعت‏,‏ تَينَِع‏ (‏ بفتح النون وكسرها‏)‏ ينعاً وينوعاً‏,‏ إذا نضجت‏ .‏
‏ وذكر أصحاب المنتخب في تفسير القرآن الكريم‏ ـ جزاهم الله خيراً ـ‏ ما نصه‏ :..‏ ومن طَلْع النخل عراجين نخرجها محملة بالثمار سهلة التناول‏,‏ وأخرجنا كذلك بالماء جنات من الأعناب والزيتون والرمان‏,‏ ومنها ماهو متماثل الثمر في الشكل وغير متماثل في الطعم والرائحة ونوع الفائدة‏ .‏ انظروا في تدبر واعتبار إلى ثمره حين يثمر‏,‏ وإلى نضجه كيف تم بعد أطوار مختلفة، إن في ذلك لدلائل لقوم ينشدون الحق ويؤمنون به ويذعنون له‏ .‏
(انتهى قول المفسر)
وجاء في تعليق الخبراء بالهامش ما نصه ‏: ..‏ وفي آخر الآية الكريمة قوله تعالى
‏ : " ‏انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ "  وفي هذه الإشارة سبق لعلم النبات الحديث في ما وصل إليه من الاعتماد في دراسته على مشاهدة الشكل الخارجي لأعضائه كافة في أدواره المختلفة‏ .


من الدلالات العلمية لهذا النص القرآني الكريم :
يقول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ‏ في محكم كتابه ‏:‏ " هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُتَرَاكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ " (الأنعام:99) ‏.
والتسلسل في استعراض الحبوب والثمار في هذه الآية الكريمة يشمل معظم النباتات التي يحتاجها الإنسان في طعامه الأساسي‏,‏ وتحتاجها أنعامه في علفها ‏.

فالحب المتراكب‏ :‏ يشمل القمح‏,‏ والشعير‏,‏ والذرة‏,‏ والأرز‏,‏ والشوفان‏,‏ وغيرها من محاصيل الحبوب والغلال التي تمثل الطعام الأساسي لكلٍ من الإنسان والحيوان‏، وهذه النباتات تُجمع اليوم في رتبة واحدة تعرف باسم النجيليات‏,‏ وفي عائلة محددة منها تعرف باسم العائلة النجيلية ‏.‏والنجيليات تضم أعشاباً حولية أو معمِّرة لها شكل مميز يطلق عليه الشكل النجيلي ـ أي الذي يشبه النجيل ـ‏ وإن ضمَّت قليلاً من الشجيرات‏,‏ وأزهارها تلقح بواسطة الرياح‏،‏ وسيقانها غالباً اسطوانية‏,‏ جوفاء‏,‏ فيما عدا القليل منها مثل الذرة الذي يتميز بساق أصم‏ .‏ويضم القمح عدداً من الأصناف المميزة، منها البلدي‏,‏ والهندي‏,‏ الدكر‏,‏ وكذلك يوجد من الشعير أصناف عديدة منها البلدي‏,‏ والنبوي‏,‏ والتونسي‏,‏ ويوجد من الذرة البلدي‏,‏ والبدري‏,‏ والسبعيني‏,‏ والأمريكي‏,‏ والصواني‏,‏ والسكري‏,‏ والمتبلور وغيرها‏,‏ ومن الأرز المزروع يوجد حوالي ‏18‏ نوعاً، كلها من النباتات البرية‏,‏ ومن نوع الأرز المزروع يوجد حوالي الألف صنف منها الأرز الياباني‏,‏ والسلطاني‏,‏ والشعبي‏,‏ والفينو وغيرها‏ .‏
ويحل الأرز محل القمح في كثير من الأقاليم الحارة‏,‏ ويعتبر غذاءاً لا غنى عنه لأكثر من نصف سكان الأرض ‏.‏
وينطوي في العائلة النجيلية أكثر من ‏(450)‏ جنساً من أجناس النباتات النجيلية‏,‏ وأكثر من‏(4500)‏ نوع من أنواعها‏,‏ وعشرات الآلاف من الأصناف‏,‏ ولذلك تعتبر من أهم عائلات النبات من الوجهة الاقتصادية؛ لاحتوائها على النباتات المنتجة لمحاصيل الغلال ذات الحبوب المتراكبة‏ ـ في السنابل‏ ـ‏ وعلى غيرها من المحاصيل الاقتصادية مثل قصب السكر‏,‏ والغاب‏,‏ والأعشاب الطبية‏,‏ وحشائش الرعي ‏.‏
والحبوب المتراكبة في العائلة النجيلية، هي من ذوات الفلقة الواحدة‏,‏ وكما خلق الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ تلك الحبوب التي تمثل المحاصيل الأساسية لغذاء مختلف شعوب الأرض‏,‏ خلق لنا حبوباً أخرى غير متراكبة ذات فلقتين، توجد ثمارها في قرون بدلاً من السنابل، ولذا توضع في عائلة من عائلات النبات تعرف باسم العائلة القرنية، تضم حوالي ‏(600)‏ جنس، و‏(12‏ ألف نوع‏)‏، ومئات الآلاف من الأصناف‏,‏ ومن أهم محاصيلها الفول‏,‏ الحمص‏,‏ العدس‏,‏ الفاصوليا‏,‏ اللوبيا‏,‏ البازلاء‏,‏ فول الصويا‏,‏ الفول السوداني‏,‏ الترمس‏,‏ الحلبة‏,‏ والبرسيم ‏.‏
وتعتبر نباتات العائلة القرنية من أهم النباتات الاقتصادية كذلك‏؛ وذلك لغناء بذورها بالكربوهيدرات‏ ـ‏ مثل النشا‏ ـ والبروتينات‏ ـ‏ مثل الزيوت والدهون النباتية‏ .‏
وتلي رتبة النجيليات مباشرة في تقسيمات النبات رتبة النخيليات التي تشمل عائلة واحدة هي عائلة النخيليات‏,‏ وتضم أشجاراً نخيلية‏,‏ غير متفرعة‏0‏ فيما عدا نخيل الدوم الذي تتفرع فيه النخلة إلى فرعين .‏ وتتميز النخيل عامة بأنها اشجار دائمة الخضرة‏,‏ وبأن لها سيقاناً اسطوانية الشكل‏,‏ ذات سُلَّميات طويلة‏,‏ ومغطَّاة بقواعد الأوراق‏,‏ ولها جذور ليفية ‏.‏
وتضم‏(‏ العائلة النخيلية‏)‏ أكثر من‏(200)‏ جنس‏,‏ وما يزيد على‏(4000)‏ نوع من أشجار النخيل وشجيراته‏,‏ ويضم نخيل التمر وحده حوالي‏(15)‏ نوعاً، وأكثر من ألف صنف‏,‏ ولذلك جاء ذكر النخل في القرآن الكريم عشرين مرة‏ .‏
ومن نماذج العائلة النخيلية‏:‏ نخيل التمر‏,‏ نخيل جوز الهند‏,‏ نخيل الزيت‏,‏ ونخيل الخيزران‏,‏ ونخيل الأريكا‏,‏ والنخيل الملوكي‏,‏ وأهمها على الإطلاق نخيل التمر‏؛ لأن التمر يعد غذاءاً كاملاً تقريباً للإنسان، وذلك لاحتوائه على الكربوهيدرات‏ ـ‏ السكريات والنشا‏ ـ‏ والبروتينات‏ ـ‏ الدهون ـ والفيتامينات، وعلى العديد من الأملاح المعدنية الهامة ‏.‏
ويلي ذلك في تصنيف النباتات رتبة العنَّابيات، وتضم عائلتين هما العائلة العنابية ‏(‏ وتضم‏45‏ جنسا‏ًً,550‏ نوعاً، ومن أمثلتها العناب‏,‏ والنبق‏)،‏ والعائلة العنبية‏(‏ وتضم‏11‏ جنساً‏ً,600‏ نوعاً تنتشر انتشاراً واسعاً في الأرض، وأهمها العنب‏)‏، وتتميز هذه العائلة بنباتاتها المتسلقة‏ ,‏ وبراعمها الطرفية المحورة إلى محاليق ‏,‏ وجاء ذكر العنب والأعناب في القرآن الكريم إحدى عشرة مرة لأهميتها الغذائية الغالية ‏.‏
ويلي ذلك في تصنيف النباتات رتبة الملتفات، وتشمل ست عائلات، أهمها العائلة الزيتونية، وتشمل‏22‏ جنسا‏ًً , 500‏ نوع من الأشجار والشجيرات، وبعض المتسلِّقات أهمها اشجار الزيتون‏ ,‏ و هي أشجار معمِّرة تعيش الواحدة منها إلى أكثر من ألفي سنة ‏,‏ وقد ثبت علمياً أن زيت الزيتون يحتوي على أحماض دسمة غير مشبعة ‏,‏ وهي مفيدة في الوقاية من العديد من الأمراض، مثل جلطات الدم التي تتسبب في حدوث أمراض الشرايين الإكليلية في القلب‏ ,‏ كذلك ثبت علمياً أن بزيت الزيتون أكثر من ألف مركب كيميائي، منها ما يعدل الكولسترول أثناء استقلابه في الجسم ‏,‏ ومنها ما ينقص مستوى الكولسترول الضار، ويرفع مستوى الكولسترول المفيد ‏,‏ ويشكل زيت الزيتون حوالي ‏70%‏ من تركيب الثمرة ‏,‏ ويتكون زيت الزيتون من الجليسيريدات والأحماض ‏,‏ بالإضافة إلى ذلك فإن زيت الزيتون يحتوي على البروتينات‏ والدهون ‏,‏ وعلى نسب متفاوتة من عناصر البوتاسيوم‏ ,‏ والكالسيوم‏ ,‏ والمغنيسيوم‏ ,‏ والفوسفور ‏,‏ والحديد‏ ,‏ والنحاس ‏,‏ والكبريت‏ ,‏ وغيرها ‏.‏
ويعطي تناول‏ (100)‏ جرام من الزيتون حوالي‏ (103)‏ من السعرات الحرارية،ولذلك امتدح خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ كلاً من الزيتون وزيته‏,‏ فقال‏ :
‏ " ائتدموا بالزيت وادَّهنوا به‏,‏ فإنه يخرج من شجرة مباركة ".(أخرجه كل من ابن ماجه ‏,‏ وعبد الرزاق‏ ,‏ والحاكم وغيرهم وورد في صحيح الجامع الصغير‏ ).‏
ووصف ابن عباس‏ ـ رضي الله عنهما ‏ـ‏ الزيتون بقوله ‏:‏ في الزيتونة منافع ‏,‏ يسرج الزيت ‏,‏ وهو إدام ودهان ودباغ‏ ,‏ ووقود يوقد بحطبه وتفله ‏,‏ وليس فيه شيء إلا وفيه منفعة‏,‏ حتى الرماد يغسل به الابريسم ـ‏ وهو الحرير‏ .‏
وقد أُفردت شجرة الزيتون بالذكر في القرآن الكريم سبع مرات لعظيم منافعها‏ ,‏ ولقلة ما تحتاجه من رعاية وعناية من الزراع‏ .‏
ويلي ذلك في تصنيف النباتات رتبة تعرف باسم رتبة المرسينيات، تشمل‏ (33)‏ عائلة، أهمها العائلة الرمانية التي تشمل أشجاراً صغيرة‏ ـ‏ شجيرات ‏ـ تضم جنساً واحداً هو الرمان، وله نوعان هما الرمان الأولي(Punic Protoponica) ,‏ والرمان الجرانيتي ( ‏Punica Granatum) .‏
وقد جاء ذكر الرمان في القرآن الكريم ثلاث مرات إشارة إلى أهميته في غذاء الإنسان‏ ,‏ منها مرتان في سورة الأنعام‏ ,‏ والثالثة في سورة الرحمن‏ .‏
وثمرة الرمان قد يصل قطرها إلى ‏18‏ سم، ويصل وزنها إلى ‏600‏ جرام‏ ,‏ تحتوي على ‏400‏ ـ‏500‏ بذرة‏ ,‏ وتحاط البذرة بطبقة خارجية‏ ـ‏ الطبقة الخارجية من القصرة‏ ـ وهي التي تؤكل لاحتوائها على عصير حلو المذاق، يتركب من ‏85%‏ ماءاً مذاباً فيه نسبة من السكريات‏,‏ وكميات زهيدة من الدسم‏,‏ والفيتامينات ، مثل فيتامين ج‏ ,‏ والأحماض ، مثل حمض الليمون والبوريك‏ ,‏ بالإضافة إلى آثار من عناصر البوتاسيوم‏ ,‏ الكلور ‏,‏ الكالسيوم ‏,‏ المغنيسيوم‏,‏ الفوسفور‏ ,‏ الحديد‏ ,‏ النحاس ‏,‏ الكبريت‏ .‏

وعصير الرمان له خواص هاضمة بالنسبة للدهون على وجه الخصوص‏ ,‏ وقشر الرمان له خاصية قابضة ‏,‏ قاتلة لديدان الأمعاء ‏,‏ ومُعينة على امتصاص الحديد وغيره من العناصر، وله قدرة هائلة على معالجة قروح الاضطجاع التي تحدث عند قعيدي الفراش ‏.‏وهكذا نرى أنه في كلمات محددة جاء هذا التسلسل المعجز من الحب المتراكب إلى ثمار كلٍ من النخل والأعناب والزيتون والرمان ليجمع كل أنواع الغذاء الأساسي للإنسان ولأنعامه ‏؛ وذلك لأن باقي النباتات الراقية المعروفة لنا إما تنتج فاكهةوخضراوات من كماليات الطعام ‏,‏ أو هي نباتات الزينة‏ ,‏ أو الظل ‏,‏ أو الأخشاب‏ ,‏ أو الأعشاب وهي ـ على أهميتها ـ ليست من الضروريات الملحِّة لحياة الإنسان وأنعامه ‏.‏ويأتي الوصف القرآني لتلك النباتات بالتعبير المعجز" مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ"
ليعبر عن حقيقة التنوع الهائل الذي وهبه الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ لتلك النباتات‏ ,‏ حيث ينقسم كل جنس من أجناسها إلى العديد من الأنواع‏ ,‏ وتنقسم الأنواع إلى العديد من الأصناف ‏,‏ ويضم كل صنف من هذه الأصناف بلايين البلايين من الأفراد التي تكاثرت ولا تزال تتكاثر، وسوف تظل كذلك إلى أن يرث الله ـ تعالى‏ ـ‏ الأرض ومن عليها‏ .‏ وأفراد كل نوع من أنواع النبات تبدو في ظاهرها متشابهة‏ ,‏ ولكن بدراستها المتخصصة يتضح ما بينها من الفرق بما يستوجب فضلها عن بعضها البعض‏ ,‏ وهنا تتضح روعة التعبير القرآني‏"‏ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ‏ " .‏
ويأتي بعد ذلك تنبيه من الله الخالق بالنظر إلى ثمار النباتات وقت إثمارها وحين نضجها‏ "‏ انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ "
,‏ وفي هذا النص سبق علمي أصيل يشير إلى ضرورة الاعتماد على مشاهدة الشكل الخارجي لمختلف أجزاء النبات في جميع أطوار نموه حتى يمكن التعرف عليه وتصنيفه ‏,‏ وهي من القواعد الأساسية اليوم في علم النبات ‏.
وفي النص أيضاً إشارة إلى فضل الله العظيم في إنتاج تلك الثمار، وإلى أهميتها لحياة النبات نفسه، ولحياة كلٍ من الإنسان والحيوان آكل العشب‏ ؛‏ وذلك لأن الثمرة الحقيقية هي مبيض الزهرة بعد تمام إخصابه بحبوب اللقاح وتكون الجنين الذي يحاط بأغلفة نباتية من المواد الغذائية لحمايته قبل الإنبات‏ ,‏ ولتغذيته في مراحل الانبات الأولى حتى تورق النبتة الأوراق الخضراء القادرة على القيام بعملية التمثيل الضوئي، وإعداد الغذاء الخاص للنبات‏ ،‏ وعلى ذلك فالثمار مهمة لجميع النباتات العليا لاحتوائها على البذور التي بها يمكن للنبات أن يستمر في الوجود والتكاثر على الأرض إلى أن يشاء الله‏ ـ‏ تعالى .‏
والثمار مهمة للإنسان؛ لأنها تمثل غذاءه الرئيسي وعلف أنعامه ‏,‏ كما تمثل مصدراً أساسياً من مصادر الدواء‏ ,‏ والكساء ومواد الصباغة ‏,‏ وغيرها من الصناعات الأساسية في حياة الناس ‏.‏ وثمار النباتات من أجلِّ نعم الله على الإنسان ‏,‏ وتحركها من بدء ظهورها على النبات إلى نضجها‏ ,‏ وما يعتريها خلال تلك الفترة من نمو في الحجم‏ ,‏ واختلاف في اللون‏,‏ وتدرج في الطعم والمذاق بما يشهد لله الخالق بطلاقة القدرة على الخلق والإفناء والبعث‏ .
ولذلك ختمت الآية الكريمة بقول الحق ـ‏ تبارك وتعالى ـ :‏
" إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ " (الأنعام: من الآية99) .
هذا السبق القرآني يعرض قدراً من حقائق عالم النبات قبل أن يصل إليها علم الإنسان بقرون متطاولة، بما يشهد للقرآن الكريم أنه لا يمكن أن يكون صناعة بشرية، بل هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم انبيائه ورسله ليكون للعالمين نذيراً ‏. فصلِ اللهم وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه، ومن تبع هداه، ودعا بدعوته إلى يوم الدين‏ .‏ والحمد لله رب العالمين حمداً كثيراً على نعمة الإسلام‏ ,‏ وعلى نعمة القرآن، وعلى نعمة الثمار وغيرها من الأرزاق‏ .