" وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ المَنَّ وَالسَّلْوَى ‏ " ‏‏( البقرة‏:57‏)


هذا النص القرآني الكريم جاء في أواخر الخمس الأول من سورة البقرة‏,‏ وهي سورة مدنية‏,‏ وآياتها‏ (286)‏ بعد البسملة‏,‏ وهي أطول سور القرآن الكريم على الإطلاق‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلى تلك المعجزة التي أجراها ربنا‏ ـ تبارك وتعالى ـ‏ على يد نبيه موسى‏ ـ‏ عليه السلام‏ ـ حين تعرض شخص من قومه للقتل‏,‏ ولم يعرف قاتله‏,‏ فأوحى الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ إلى عبده موسى أن يأمر قومه بذبح بقرة‏,‏ وأن يضربوا الميت بجزء منها فيحيا ـ بإذن الله‏ ـ ويخبرهم عن قاتله ثم يموت‏,‏ وذلك إحقاقاً للحق‏,‏ وشهادة عملية لله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ بالقدرة على إحياء الموتى ‏.‏
وقد سبق لنا استعراض سورة البقرة‏,‏ وتلخيص ما حفلت به من قواعد العبادة‏,‏ وتشريعات المعاملات‏,‏ ومكارم الأخلاق‏,‏ وركائز العقيدة‏,‏ وما حوته من قصص عدد من أنبياء الله السابقين وأممهم‏,‏ وأوضحنا أن الهدف من هذا القصص هو إعطاء الدروس واستخلاص العبر‏,‏ ولخصنا كذلك ما اشتملت عليه السورة من الإشارات الكونية المختلفة‏,‏ ولا أرى داعياً إلى تكرار ذلك في هذا المقام الذي يركز على قول الحق‏ ـ تبارك وتعالى ـ : "‏ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ المَنَّ وَالسَّلْوَى "
(البقرة:57) ، وما فيه من دلالات علمية‏,‏ وقبل الوصول إلى ذلك أرى لزاماً علي استعراض أقوال عدد من المفسرين في شرح هذا النص القرآني الكريم‏ .‏

من أقوال المفسرين :
في تفسير قوله‏ ـ تعالى ـ‏ :‏
" وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ المَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ " ‏(‏البقرة‏:57)‏:
ذكر ابن كثير‏ـ‏ يرحمه الله‏ ـ‏ ما مختصره ‏:‏ لما ذكر ـ تعالى ـ ما دفعه عنهم من النقم‏,‏ شرع يذكرهم أيضاً بما أسبغ عليهم من النعم فقال ‏:
" وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الغَمَامَ " ، والغمام جمع غمامة‏,‏ وسمي بذلك لأنه يغم السماء ـ أي يواريها ويسترها‏ ـ وهو السحاب الأبيض ظللوا به في التيه ليقيهم حر الشمس‏ .‏ وقال الحسن وقتادة :‏ " وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الغَمَامَ ‏" :‏ كان هذا في البرية ظلل عليهم الغمام من الشمس ‏." وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ المَنَّ "‏ اختلفت عبارات المفسرين في المن ما هو؟ فقال ابن عباس‏:‏ كان المن ينزل عليهم على الأشجار فيغدون إليه فيأكلون منه ما شاءوا‏ . والغرض أن عبارات المفسرين متقاربة في شرح المن ‏، فمنهم من فسره بالطعام‏,‏ ومنهم من فسره بالشراب‏,‏ والظاهر ـ والله أعلم ـ أنه كل ما امتن الله به عليهم من طعام وشراب وغير ذلك مما ليس لهم فيه عمل ولا كد‏ . وأما السلوى فقال ابن عباس ‏:‏ السلوى طائر يشبه السماني كانوا يأكلون منه‏،‏ وقال قتادة ‏:‏ السلوى كان من طير إلى الحمرة تحشرها عليهم الريح الجنوب ‏.
وقوله ـ تعالى‏ ـ :
" كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ " أمر إباحة وإرشاد وامتنان‏,‏ وقوله ـ تعالى ـ : " وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ "‏ أي أمرناهم بالأكل مما رزقناهم، وأن يعبدوا،‏‏ فخالفوا، وكفروا، فظلموا أنفسهم ‏.‏ هذا مع ما شاهدوه من الآيات البينات‏,‏ والمعجزات القاطعات‏,‏ وخوارق العادات ‏.‏
‏‏ وذكر بقية المفسرين كلاماً مشابهاً في تفسير هذه الآية الكريمة‏,‏ وفي تفسير الآية رقم‏ (160)‏ من سورة الأعراف، والآية رقم ‏(80)‏ من سورة طه وهما تحملان نفس المعنى ‏.‏ ولا أرى حاجة إلى تكرار ذلك هنا خاصة أن عدداً من هؤلاء المفسرين كان قد تأثر ببعض الإسرائيليات في شرحه ‏.‏


من الدلالات اللغوية للنص الكريم :
أولاً ‏:‏ في قوله ـ تعالى ـ ‏: ‏" وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الغَمَامَ ‏" .
‏(1) (‏الظل‏)‏ ضد الضح وجمعه ‏(‏ظلال‏),‏ وهو أعم من الفيء‏؛‏ لأن ‏(‏الظل‏)‏ يقال لكل موضع لا تصل إليه الشمس‏,‏ بينما يقال الفيء لما زالت عنه الشمس‏,‏ ولذلك يقال ‏(‏أفياء حول الظلال‏)‏؛ لأن الظل عام والفيء خاص ‏، وهو من أساليب إضافة الشيء إلى جنسه لتوكيده‏، و‏(‏الظلال‏)‏ ما نتج من ظل عن السحاب ونحوه مما يحول دون وصول أشعة الشمس ، ويوصف‏ (‏الظل‏)‏ بأنه‏ (‏ظليل‏)‏ إذا كان كثيراً وفائضاً عن الحد المطلوب‏,‏ ويوصف المكان بأنه‏ (‏ظليل‏)‏ إذا كان دائم الظل لا تصله أشعة الشمس‏,‏ وقد يكنَّى بذلك عن الرفاهية ورغد العيش ‏.‏ و‏(‏الظُّلة‏)‏ بالضم هي سحابة‏ (‏تظل‏),‏ وجمعها ‏(‏ظُلَل‏),‏ و‏(‏المِظلة‏)‏ بالكسر : هي كل ما يُستظل به من أشعة الشمس أو من وابل المطر‏,‏ والمكان‏ (‏المظلل‏)‏ هو المغمور بالظل ‏.‏ ويقال‏ : (‏استظل‏)‏ بالشيء أي استدرى به واحتمى من أشعة الشمس‏,‏ و‏(‏ظلني‏)‏ الشجر و‏(‏أظلني‏)‏ أي غمرني بظله‏,‏ وكذلك‏ (‏ظلتني‏)‏ الشجرة و‏(‏أظلتني‏)‏ أي غمرتني بظلها ‏.‏ وفي النص القرآني الكريم الذي نحن بصدده يقول ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ :‏
" وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الغَمَامَ ‏"‏ أي حميناكم بظل الغمام من أشعة الشمس وحرارتها ووهجها‏ .‏
ويستعار‏ (‏الظل‏)‏ للتعبير عن الحماية‏,‏ والمنعة‏,‏ أو عن الأمن والرفاهية‏,‏ فيقال‏: (‏أظللني فلان بظله‏)‏ أي أدخلني في حمايته‏,‏ وحراسته‏,‏ ومنعته كأنه ألقى ظله عليَّ‏ .‏ ويقول ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ في وصف أصحاب اليمين، وهم في جنات النعيم‏ :‏
" فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ . وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ . وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ " ‏(‏الواقعة‏:28‏ ‏30) .‏
أي في نعيم مقيم، ورفاهية، وأمن دائمَيْن ‏.‏ ويقال لظلمة الليل على وجه الاستعارة ‏(‏ظل الليل‏)‏، وهو في الحقيقة ظل نصف الأرض الذي يعمه نور النهار ملقى على النصف الآخر للأرض‏,‏ ولكن بسبب انغماسه في ظلمة الكون يفضل تسميته باسم ظلمة الليل‏,‏ حيث تلتقي ظلمة ليل الأرض بظلمة الكون‏.‏ وكذلك يقال ‏: (‏ظَلَّ‏)‏ يعمل كذا إذا عمله بالنهار دون الليل‏,‏ وذلك لارتباط النهار بتكون الظل أكثر من الليل لشدة ضوء الشمس إذا قوبل بنور القمر‏,‏ ويجري الفعل‏ (‏ظل‏)‏ و‏(‏ظللت‏)‏ مجري الفعل‏ (‏صار‏)‏ و‏(‏صرت‏)‏ بالنهار ‏.‏
‏(2) (‏الغمام‏)‏ جمع ‏(‏غمامة‏)‏ : وهي السحابة الساترة لضوء الشمس‏,‏ وهي في الأصل خرقة تُشد على أعين الحيوانات العاملة في دوائر محددة مثل البقرة، أو الثور الذي يدور في تحريك الساقية‏,‏ أو توضع على أنف الناقة لحمايتها من غبار الصحراء‏,‏ ثم استعير لفظ‏ (‏الغمامة‏)‏ للسحابة الساترة لضوء الشمس ‏.‏
ولذلك يقال‏ : (‏أغمت‏)‏ السماء و‏(‏تغيمت‏)‏ إذا تلبدت بالغيوم‏,‏ و‏(‏الغم‏)‏ في الأصل هو ستر الشيء وجمعه‏ (‏غموم‏)‏ تقول : (‏غمه‏)‏ أي غطاه ‏(‏فانغم‏)‏ أو‏(‏غمه‏)‏ فاغتم‏,‏ ثم استعير للتعبير عن الكرب فيقال‏: (‏غم‏)‏ و‏(‏غمة‏)‏ أي كرب‏,‏ وكربة‏,‏ كما استعير للتعبير عن أي مبهم ملتبس‏,‏ فيقال: ‏(‏غم‏)‏ عليه الخبر أي أُخفي عليه أو استعجم عليه‏,‏ مثل‏ (‏أغمى‏)‏ عليه‏,‏ ومجازه ضيق وظلمة وهم ‏.‏ ويقال‏: (‏غم‏)‏ يومنا و‏(‏أغم‏)‏ فهو يوم‏ (‏غم‏)‏ إذا كان يأخذ بالنفس من شدة الرطوبة والحر‏,‏ وليلة ‏(‏غم‏)‏ أو‏(‏غامة‏)‏ مثله‏,‏ ويقال فيها أيضا ليلة ‏(‏غمه‏)‏ و‏(‏غمى‏) .‏ كذلك يقال‏: (‏غم‏)‏ الهلال على الناس إذا ستره عنهم غيم أو غيره فلم يُرَ‏,‏ وفي ذلك قيل‏:‏ صمنا للغمى بضم الغين وفتحها إذا غم عليهم الهلال وسميت الليلة باسم‏ (‏ليلة الغمى‏)  .‏

ثانيا‏ًً :‏ في قوله ـ تعالى‏ ـ : " وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ المَنَّ وَالسَّلْوَى "
‏(‏المن‏)‏ لغةً : هو كل ما يمن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ به على خلقه من نعمه التي لايبذلون جهداً في سبيل الحصول عليها، ولايصيبهم تعب ولانصب‏‏ ولامشقة، وعلى ذلك فإن أصل ‏(‏المن‏)‏ هو وهب النعم‏,‏ من‏ (‏منَّ‏)‏ الله ـ تعالى ـ عليه أي أنعم عليه‏,‏ و‏(‏المنان‏)‏ اسم من أسماء الله ـ تعالى .‏ و‏(‏المنة‏)‏ هي النعمة الثقيلة‏,‏ ولذلك يقال‏: (‏من‏)‏ الله ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ على فلان من خلقه أي أثقله بالنعمة‏,‏ وهذا لايكون لغير الله‏ ـ‏ تعالى ‏ـ‏ ولايكون إلا بالفعل أي تحقيق النعمة‏,‏ لامجرد الحديث عنها . ويقال‏: (‏امتن‏)‏ فلان من الخلق على فلان من إخوانه أو معارفه ‏(‏أو من عليه‏)‏ أي تحدث بفضله عليه‏,‏ وهو سلوك مستقبح بين الناس إلا عند كفران النعمة‏,‏ ولقبح مثل هذا السلوك قيل‏: "‏ المنة تهدم الصنيعة "‏,‏ ولحسن ذكرها عند كفران النعمة قيل‏:‏ " إذا كفرت النعمة حسنت المنة " ‏.‏ وفي قوله ـ تعالى ‏:
" وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ المَنَّ وَالسَّلْوَى "‏ قيل‏ :‏ هو المن الذي كان يسقط على قوم نبي الله موسى‏ ـ‏ عليه السلام‏ ـ‏ سهلاً بلا علاج‏,‏ على الرغم من كفرهم وعصيانهم وتمردهم على الله‏ ـ تعالى‏ ـ وعلى النبي المرسل اليهم ‏.‏ وكذا الكمأة التي لامئونة فيها ببَذر ولاسقي‏,‏ ولذلكقال فيها المُصْطَفَى‏ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ـ :‏ " الْكَمْأَةُ مِنْ الْمَنِّ وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ " (وراه البخاري ومسلم) . وقيل في‏ (‏المن‏)‏ الذي أنزل على قوم نبي الله موسى أنه شيء كالطل فيه حلاوة يسقط على الشجر‏,‏ من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس‏,‏ وقيل في السلوى أنها الطائر المعروف باسم السماني او ما يشبهه‏,‏ وقال بعض المفسرين في"‏ المَنَّ وَالسَّلْوَى ‏" أنهما شيء واحد يشير إلى ما أنعم الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ به على هؤلاء القوم الجاحدين ابتلاءاً لهم‏,‏ وسماه‏ (‏مناً‏)‏ ليمتن به عليهم‏,‏ وسماه ‏(‏سلوى‏)‏؛ لأنه كان لهم به التسلي عما كانوا فيه من مشاق‏,‏ وهم في تيه شبه جزيرة سيناء ‏.‏
المن والسلوى في كتب الأولين :

جاء في الإصحاح السادس عشر من سفر خروج‏ ـ من العهد القديم ـ ‏ ما ترجمته‏ :‏ " وإذا مجد الرب قد ظهر في السحاب‏,‏ فكلَّم الرب موسى قائلا‏ًً :‏ سمعت تذمر بني إسرائيل . كلِّمْهم قائلاً‏:‏ في العشية تأكلون لحماً‏,‏ وفي الصباح تشبعون خبزاًً ‏.‏ وتعلمون أني أنا الرب إلهكم‏ .‏ فكان في المساء أن السلوى صعدت وغطت المحلة‏,‏ وفي الصباح كان سقيط الندى حوالي المحلة‏,‏ ولما ارتفع سقيط الندى إذا على وجه البرية شيء دقيق مثل قشور‏،‏ دقيق كالجليد على الأرض‏ .‏ فلما رأى بنو إسرائيل ذلك قالوا بعضهم لبعض من هو؟ ؛ لأنهم لم يعرفوا ما هو؟، فقال لهم موسى هو الخبز الذي أعطاكم الرب لتأكلوا‏.‏ هذا هو الشيء الذي أمر به الرب‏,‏ التقطوا منه كل واحد على حسب أكله‏ .‏ عمرا للرأس على عدد نفوسكم تأخذون كل واحد للذين في خيمته‏ .‏ ففعل بنو اسرائيل هكذا، والتقطوا بين مكثر ومقلل‏، ولما كالوا بالعمر لم يفضل المكثر والمقلل لم ينقص‏ .‏ كانوا قد التقطوا كل واحد على حسب أكله ‏.‏ وقال لهم موسى ‏:‏ لا يبق أحد منه إلى الصباح‏،‏ لكنهم لم يسمعوا لموسى بل أبقى منه أناس إلى الصباح فتولد فيه دود وأنتن ‏، فسخط عليهم موسى ‏.‏ وكانوا يلتقطونه صباحاً فصباحاً كل واحد على حسب أكله‏،‏ وإذا حميت الشمس كان يذوب‏ .‏
هذا جزء مما جاء على ذكر هذا الأمر في الترجمة العربية للكتاب المقدس ‏(‏طبعة دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط بيروت‏,1985) .‏
وقد سمى العالم الطبيعي الروماني بليني الكبير
‏(Plinytheelder)‏ الذي عاش في القرن الميلادي الأول‏
(23‏ م ـ‏79‏ م‏)‏ تلك المادة الحلوة التي تتجمع على بعض النباتات أو التي تفرزها الحشرات التي تتغذى على العصارة الغذائية لبعض تلك النباتات بأسماء عجيبة، مثل ‏:‏ عرق السماوات، أو لعاب النجوم، أو إسهال الهواء‏ .‏
وكتب جلبرت هوايت ‏
(Gilbert White)‏ الذي عاش في القرن الثامن عشر الميلادي ‏(1720‏ م ـ‏1793‏ م‏)‏ في كتابه المُعَنْوَن التاريخ الطبيعي لسيلبورن ما ترجمته ‏:‏ " هذه المادة الحلوة اللزجة من نوع نباتي كما أمكننا أن نتعلم من النحل الذي ندين له بالشكر‏,‏ ويمكننا أن نتأكد من أن هذه المادة تسقط بالليل؛ لأنها تشاهد دائماً في الصباح الدافيء الساكن "‏ .‏ وذكر كلٌ من كيربي وسبنس ‏(Kirby&Spence)‏ في مطلع القرن التاسع عشر الميلادي‏ (1815‏ م‏)‏ أن هذا السائل الحلو الذي سرعان ما يجف بمجرد تعرضه للجو‏,‏ والذي ينافس كلاً من السكر، وعسل النحل في طعمه الحلو، وفي نقائه هو براز حشرة المن الذي يعرف باسم البراز العسلي أو الندوة العسلية‏,‏ والذي تفرزه كثير من الحشرات التي تتغذى على العصارة النباتية للعديد من الأشجار والشجيرات ‏.‏


من الدلالات العلمية للنص الكريم :
في هذا النص القرآني الكريم يخاطب ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ‏ الضالين من قوم موسى‏ ـ عليه السلام ـ‏ وهم في التيه الذي عاقبهم به أربعين سنة في قلب شبه جزيرة سيناء لايجدون لهم منها مخرجاً ، يخاطبهم‏ ربنا‏ ـ سبحانه ـ‏ ممتناً عليهم بنعمه ـ وهم العصاة المتمردون على أوامره وأوامر نبيه المرسل لهدايتهم ـ التي أنزلها ربنا‏ ـ تبارك وتعالى ـ‏ عليهم ابتلاءاً لهم واختباراً لقدر استجابتهم لأوامره‏ ـ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ فيقول لهم‏ :‏ "وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ المَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ " ‏(‏ البقرة‏:57)‏ .
وكان من تلك النعم جعل الغمام ظلة لهم من أشعة الشمس ووهجها وحرها، وهم في هذا التيه الذي استمر أربعين سنة في شعاب شبه جزيرة سيناء الوعرة القاحلة‏,‏ الشديدة الحرارة في الصيف ‏.‏
وكان من تلك النعم إنزال‏ (‏المن والسلوى‏)‏ عليهم رحمة من الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ بهم ـ وهم الخارجون على دينه‏,‏ العاصون لأوامر نبيه ورسوله‏,‏ المتذمرون‏,‏ المتمردون‏,‏ الجاحدون‏ ـ ‏بعد كل ما أفاء الله ـ تعالى ـ عليهم من النعم، وأكرمهم بالمعجزات منذ لحظة خروجهم من مصر حتى عبدوا العجل من دون الله ‏.‏
و‏(‏المن‏)‏ مادة صمغية حلوة لزجة كالعسل الذي يفرزه نحل العسل‏,‏ تتجمع على الأشجار من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ثم تجف فتتحول إلى مادة بيضاء كالدقيق أو رقائقه الصغيرة التي تكشط من فوق جذوع الشجر وفروعه وأوراقه، وتؤكل مباشرة أو تذاب في الماء، وتشرب على هيئة شراب حلو المذاق‏,‏ عالٍ في قيمته الغذائية ‏.‏ أما ‏(‏السلوى‏)‏ فهي الطائر المعرف باسم السمان‏ (‏أو السماني‏)،‏ وهو من طيور الصيد‏
(‏القنص‏)‏ التي تم استئناس بعضها، كالدجاج، والفراخ الرومية، وإن كانت السلوى أصغر حجماً كثيرا‏ًً,‏ ولم يتم استئناسها بعد‏ ،‏ وهي من الطيور المهاجرة التي تتحرك في مواسم محددة من السنة عبر مساحات كبيرة من الأرض‏ .‏ وقد سخر ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ‏ هجرة أسراب من طيور السلوى ‏(‏السمان‏)‏ للمرور على قوم موسى ـ‏ عليه السلام ـ وهم في أرض التيه بشبه جزيرة سيناء حتى يصطادوا منها ويأكلوا ‏.‏
وكان ذلك من طيبات رزق الله الذي أفاء به عليهم ابتلاءاً لهم‏,‏ واختباراً لصدق إيمانهم‏,‏ ولكن هؤلاء العصاة الجاحدين سقطوا في هذا الاختبار الإلهي لكفرهم بنعم الله‏ ـ تعالى ـ‏ عليهم‏,‏ ورفضهم لها‏,‏ ومطالبتهم لنبيهم باستبدال تلك النعم بما تعودوا عليه من محاصيل مصر‏ من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها .‏
وتؤكد الآية الكريمة أن هذا التمرد والعصيان والكفر لن يضير الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ بشيء؛ لأنه قادر على إفنائهم وإبادتهم، وعلى الإتيان بخلق أفضل منهم‏,‏ ولكنهم يظلمون أنفسهم؛ لأن عاقبة تمردهم وعصيانهم وكفرهم واقعة عليهم لا محالة تدميراً من الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ لهم في الدنيا‏,‏ وعذاباً شديداً في الآخرة ـ إن شاء الله ـ لهم، ولأمثالهم، وأنسالهم من العصاة الفاجرين الذين يغرقون الأرض في بحار من الدم ،والأشلاء، والدمار، والخراب في كل عصر وفي كل حين‏,‏ خاصة في زمن الفتن الذي نعيشه في أيامنا الراهنة الحزينة‏...!!!‏
ومع تسليمنا الكامل بأن الله‏ ـ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ قادر على أن يقول للشيء كن فيكون‏,‏ وأن إنزال‏ (‏المن والسلوى‏)‏ على العصاة من قوم موسى‏ ـ عليه السلام‏ ـ‏ كان معجزة من معجزات الله القادر على كل شيء‏,‏ وأن العلم الكسبي لا يستطيع تفسير المعجزات الإلهية؛ لأنها تخرق السنن‏,‏ وتقطع قوانين الأرض والسماء‏,‏ إلا أن محاولة فهم النص القرآني الكريم الذي نحن بصدده في إطار تلك السنن والنواميس الإلهية لا تشكل أدنى قدر من الحرج الشرعي‏,‏ وكذلك إبراز جوانب الإعجاز العلمي في الجمع بين‏ (‏المن والسلوى‏)‏ كغذاء متكامل للإنسان في صحراء شبه جزيرة سيناء يشكل شهادة صدق على أن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ وحفظه بعهده في نفس لغة وحيه‏ ـ‏ اللغة العربية‏ ـ‏ ولذلك فإن جميع الآيات فيه ـ وفي جملتها الآية التي نحن بصددها ـ تنطق بجلال الربوبية‏,‏ وبكمال الحكمة الإلهية‏,‏ وبشمول العلم الإلهي الذي يتضح بمقارنة هذه الآية الكريمة بكل إشارة سابقة أو لاحقة لرواية تلك الحادثة التاريخية التي لم يكن لسيدنا محمد ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ وسيلة لمعرفتها غير وحي السماء؛ لأن وصف هذه الحادثة في البقايا المتناثرة في الكتابات المتوفرة عند أهل الكتاب قد شابها ما توصف به كل الكتابات البشرية من النقص والاضطراب والبعد عن الكمال‏ .‏



‏(‏المن‏)‏ في المعارف الإنسانية :
‏(‏المن‏)‏ المعروف للإنسان هو مادة صمغية حلوة المذاق كعسل النحل‏,‏ تتجمع في هيئة الدقيق أو الرقائق الدقيقة على الأجزاء المختلفة من بعض الأشجار ‏(‏مثل أشجار الأثل والطرفة‏)‏ المنتشرة في الصحاري العربية‏,‏ أو على غير الأشجار من الشجيرات، والنباتات المختلفة حتى العشبية منها‏ .‏وقد يتكون ‏(‏المن‏)‏ نتيجة لعملية نزول العصارة الغذائية للنبات إلى أسطحه الخارجية، وجفافها بتبخر جزء كبير من محتواها المائي‏,‏ وقد يكون هذا النزيف للعصارة الغذائية ذاتياً أو ناتجاً عن جروح في جسم النبات تحدثها مجموعات الحشرات التي تعيش على امتصاص العصارات الغذائية لتلك النباتات‏ .‏

كذلك قد تتكون هذه المادة الصمغية الحلوة المذاق المعروفة باسم‏ (‏مَن السماء‏)‏ نتيجة إخراج بعض هذه الحشرات التي تعيش على امتصاص العصارات الغذائية لبعض النباتات‏,‏ فتأخذ منها حاجتها، وتفرز الباقي على هيئة ما يعرف باسم ‏(‏البراز العسلي‏)‏ أو ‏(‏براز حشرة المن‏)‏ أو‏ (‏الندوة العسلية‏),‏ وبجفافه يتحول إلى هذه
المادة الصمغية الحلوة المذاق، والمعروفة باسم‏ (‏من السماء‏) (Manna from Heaven)‏، والتي سميت الحشرة باسمها‏ ،‏ وهناك أعداد كبيرة من الحشرات التي تتغذى على العصارات الغذائية للنباتات، وذلك باختراق أنسجة تلك النباتات‏,‏ وامتصاص أقدار مختلفة من عصارتها الغذائية‏,‏ وتتبع معظم هذه الحشرات رتبة تعرف باسم ‏(‏نصفية الأجنحة‏)‏ أو ‏(‏بق النبات‏)‏ التي منها حشرة المن(Aphid),‏ وهي حشرة دقيقة الحجم‏,‏ طرية الملمس‏,‏ تعيش في أسراب تقدر أعدادها بالآلاف‏,‏ ويتراوح طول الحشرة البالغة منها بين ‏3‏ و‏5‏ ملليمترات‏,‏ ويقدر عدد حشرات المن في المتر المربع من الأرض بنحو المائة ألف حشرة ‏.‏
وقد زود الله الخالق‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ هذه الحشرات التي تعيش على امتصاص العصارات الغذائية للنباتات بزوائد فمية (ثاقبة‏‏
- ماصة) تتناسب مع طريقة تغذيتها التي تعتمد أساساً على اختراق أنسجة النباتات، وامتصاص قدر من عصارتها الغذائية‏,‏ وهذه الزوائد الفمية (الثاقبة‏ - الماصة) تتكون من أربعة فكوك مزودة بخناجر إبرية دقيقة جداً، يستقر كلٌ منها في ميزاب خاص به، ولا يبرز منه إلا عند الاستعمال في ثقب أنسجة النباتات وامتصاص عصاراتها الغذائية‏ .‏
وتعيش أسراب حشرة المن عادة على الأسطح السفلى لأوراق وأفرع النباتات التي تتطفل عليها‏,‏ وتتركز عادة عند القمة النامية للنبات، حيث تكون غضة وسهلة الاختراق فترسل الإبر الثاقبة الدقيقة في فكيها العلويين للقيام بعملية الثقب والاختراق تلك‏,‏ ثم ترسل الإبر الماصة الدقيقة في فكيها السفليين عبر الثقوب المتكونة للقيام بعملية الامتصاص من العصارة الغذائية للنبات ‏.‏ وتنتقل الحشرة بعمليات الثقب والامتصاص من نقطة إلى أخرى على أسطح أوراق‏,‏ وأفرع‏,‏ وسيقان النباتات مما قد يتسبب في أضرار بالغة لتلك النباتات خاصة إذا كانت من النباتات الصغيرة‏,‏ فتسترخي أوراقها‏,‏ ثم تتجعد‏,‏ ويتحول لونها إلى الاصفرار‏,‏ ثم إلى السواد‏,‏ ومن بعد تبدأ بالتساقط‏,‏ وقد تؤدي هذه العملية إلى ذبول النبتة‏,‏ ووقف نموها بالكامل حتى تموت‏,‏ ويحدث ذلك عادة في حالة النباتات الصغيرة‏,‏ أما الأشجار فقد لا تتأثر بعملية التطفل تلك إلا في بعض الحالات الاستثنائية ‏.‏
وموت النبات في حالة تعرضه لتطفل الحشرات الماصة لعصارته الغذائية ليس مقصوراً على سحب قدر من تلك العصارة، ولكن بسبب الفيروسات التي يمكن أن تنقلها تلك الحشرات من نبات إلى آخر أثناء قيامها بعملية التطفل على تلك النباتات‏,‏ خاصة أن هذه الحشرات المتطفلة تنفث جزءا من لعابها على العصارة الغذائية للنبات قبل امتصاصها، وذلك بهدف هضمها‏,‏ فإذا كانت قطرات اللعاب حاملة لعدد من فيروسات الأمراض فإنها تغرسها في الحزم الوعائية الحاملة للعصارة الغذائية، وتتحرك منها إلى جميع أجزاء النبات فتدمره‏ .‏
وقد أدت هذه الفيروسات التي تحملها الحشرات الماصة للعصارات الغذائية للنبات ـ ولا تزال تؤدي ـ إلى تدمير العديد من المحاصيل الزراعية المهمة مثل قصب السكر‏,‏ البنجر‏,‏ البطاطس‏,‏ وغيرها مما تتهم حشرة المن بنقل فيروسات الأمراض إليها‏ .
‏ وبعد سحب كميات كبيرة من العصارات الغذائية للنباتات المختلفة تقوم حشرة المن باستهلاك جزء مما مصته من تلك العصارات في توليد الطاقة اللازمة لنشاطها‏,‏ وفي بناء خلايا جسدها‏,‏ وإعادة بناء ما يموت منها‏,‏ ثم تقوم بإفراز ما يزيد على حاجتها على هيئة تلك المادة البيضاء اللزجة‏,‏ الحلوة المذاق والمعروفة باسم ‏(‏من السماء‏)‏ أو الندوة العسلية‏،‏ وتقوم الحشرات بإسقاط إفرازاتها تلك على أوراق‏,‏ وفروع وجذوع الأشجار والنباتات الأخرى التي تتطفل عليها بالليل على هيئة قطرات من سائل شمعي أو صمغي رائق، سرعان ما يفقد ما به من ماء فيتجمد ويبدو في الصباح الدافئ الساكن على هيئة دقيق أو رقائق المن الجافة‏,‏ وقد تتساقط قطرات من هذا السائل الحلو على الأرض المحيطة بالنبات الذي يتعرض لتطفل حشرة المن، فتشكل مصدراً من مصادر الغذاء الميسر للعديد من الحشرات الأخرى مثل النمل‏,‏ والنحل‏,‏ والذباب‏,‏ مما يجعل تلك الحشرات تتآخى مع حشرة المن لكي تنال جزءاً من إفرازها العسلي‏,‏ كما يمكن أن ينمو على هذا السائل العسلي أيضاً عديد من الفطريات والطحالب فيتغير لونه إلى ظلال داكنة حتى السواد‏ .‏ كذلك قد يؤدي تقاطر العصارة الغذائية على الأرض إلى خصوبة التربة‏,‏ كما قد تسيل تلك العصارة نتيجة للثقوب الدقيقة والعديدة التي تحدثها حشرات بق النبات ‏(‏مثل المن‏)‏ في أنسجة النباتات‏,‏ وسرعان ما تتجمد تلك القطرات على هيئة رقائق بيضاء‏,‏ جافة نتيجة لفقد بعض محتواها من الماء‏,‏ وهذه الرقائق الدقيقة التي عرفت تجاوزاً باسم (مَن السماء) حلوة المذاق لاحتوائها على نسب عالية من السكريات، مثل سكر العنب ‏(‏الجلوكوز‏),‏ وسكر الفواكه ‏(‏الفركتوز‏)‏، بالإضافة إلى سكر خاص يعرف باسم سكر المن ‏(‏المانوز‏)‏، وعدد من الكربوهيدرات الأخرى‏,‏ وكلها مستساغ الطعم‏,‏ وسهل الهضم والامتصاص‏,‏ وله قيمة غذائية كبيرة، ولذلك يصلح المن غذاءاً جيداً للإنسان‏,‏ كما يصلح لعدد من الأغراض الطبية العلاجية‏,‏ أو لبعض الصناعات الغذائية الخاصة‏ .‏
ولسنا ندري إن كان هذا هو المن الذي كان قوم نبي الله موسى ـ‏ عليه السلام‏ ـ‏ يجمعونه من فوق شجر الأثل المنتشر في شبه جزيرة سيناء أم غيره‏,‏ خاصة أن رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ وصف الكمأة في أحد أحاديثه الشريفة على أنها من المن
فقال‏ ـ‏ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ : "‏ الْكَمْأَةُ مِنْ الْمَنِّ وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ " (‏البخاري‏,‏ مسلم‏,‏ الترمذي‏)‏ .
 
و‏(‏الكمأة‏)‏ واحدها ‏(‏كمء‏)‏، وهي درنة من الفطريات الجذرية التي تنمو تحت الأرض بالتكافل مع جذور عدد من النباتات الخاصة التي تتعايش معها إلى عمق يصل إلى ثلاثين سنتيمتراً تحت سطح الأرض‏،‏ وتنمو الكمأة في جماعات مكونة من عشر إلى عشرين درنة في الموقع الواحد من التربة‏,‏ وهذه الدرنات كروية أو شبه كروية‏,‏ لحمية الملمس‏,‏ رخوة، ويتدرج لونها من الأبيض إلى الأسود مروراً بألوان الرمادي والبني‏,‏ وتتميز برائحتها النفاذة، وقيمتها الغذائية العالية‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم لاستتارها بالتربة حتى تنفطر عنها‏,‏ ومعناها المكتومة؛ لأن العرب تقول : كمأ فلان الشهادة إذا كتمها‏.‏ وتنمو ‏(‏الكمأة‏)‏ في صحاري الوطنين العربي والإسلامي من موريتانيا غرباً إلى أواسط آسيا شرقاً في بيئات تتراوح بين الرملية‏,‏ والحصوية‏,‏ والحجرية‏,‏ ويزدهر نموها عادة بعد مواسم العواصف الرعدية‏,‏ ومن هنا أطلق عليها البدو اسم نبات الرعد‏ .‏ وللكمأة أنواعها المتعددة التي تختلف في أشكال‏,‏ وألوان درناتها‏,‏ وفي طبيعة الأرض التي تنمو عليها‏,‏ وأنواع جذور النباتات التي تتعايش معها‏,‏ والأعماق التي تتواجد فيها‏ .‏ وأكثر أنواعها انتشاراً ينمو في الطبقة السطحية من التربة‏,‏ ويدرك عن طريق تشققاتها في اتجاهين عموديين وقت نضج الدرنات‏,‏ فيبادر أهل الصحراء بجمعها‏.‏ ولكن إذا لم تجمع فإن هذه الدرنات سرعان مايتكون بداخلها أبواغ ‏(‏واحدها بوغ أو بوغاء‏)‏ على هيئة الدقائق الترابية الناعمة جداً، والتي تتطاير في الجو إذا مست لتناهي مكوناتها في الدقة‏,‏ وبانفجار كيس الأبواغ تنتشر محتوياته في التربة وتكمن فيها إلى موسم المطر‏ (‏في حدود أواخر شهر أكتوبر الذي يتميز بالأمطار الرعدية المصاحبة للسحب الركامية‏),‏ وعند سقوط هذه الأمطار الرعدية الغنية بأكاسيد النيتروجين على التربة فإنها تكون العديد من المخصبات للتربة من النترات التي تتغذى عليها الأبواغ بعد أن تستيقظ من سباتها الطويل، وتتحول إلى خيوط فطرية دقيقة تتحرك إلى جذور النباتات الممتدة في داخل التربة التي تتواجد الأبواغ فيها فتخترقها وتنفذ‏ ـ بتقدير الله تعالى‏ ـ إلى داخل أنسجة تلك الجذور النباتية متطفلة عليها في غذائها حتى يكتمل نموها على هيئة الدرنات الكاملة‏ .‏ والكمأة مصدر مهم جداً للبروتينات النباتية بين جميع نباتات الصحراء‏,‏ وتحتوي درناتها على ‏77%‏ من وزنها ماء‏,23%‏ مواد صلبة، منها ‏13,8%‏ كربوهيدرات‏,5,75%‏  دهون ومواد بروتينية أخرى,‏ والباقي ‏(3,45%)‏ يبقى على هيئة رماد بعد حرق درنة الكمأة يحتوي على العديد من عناصر الأرض الفلزية واللافلزية‏،‏ وقد تم التعرف على سبعة عشر حمضاً من الأحماض الأمينية المهمة في بروتينات الكمأة‏,‏ وعلى عدد من الفيتامينات أهمها فيتامين ـ أ‏.‏وفي وصف رسول الله ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ للكمأة بأنها من المن تعبير عن أنها تنبت بفضل من الله ومنه‏؛‏ لأنها لاتزرع‏,‏ ولاتستزرع‏,‏ ولاتحتاج إلى مئونة بذور وبذرة أو سقي وعزق‏,‏ ولاتحتاج من الإنسان إلى شيء من الرعاية أو التعب والنصب سوى مايبذله في جمعها ثمرة غضة ناضجة‏,‏ ومن هنا كان وصفها بالمن؛ لأنها تنبت بفضل من الله ومنه‏ .‏ وبالإضافة إلى قيمتها الغذائية العالية فإن رسول الله‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ أضاف في وصفها أن ماءها شفاء للعين‏,‏ وانطلاقاً من هذا الحديث الشريف كان المسلمون يغلونها في الماء ثم يبردونه‏,‏ ويكتحلون أو يتقطرون به‏.‏ وقد قام أحد كبار أطباء العيون المسلمين المعاصرين‏ (‏وهو الأخ الكريم الدكتور المعتز المرزوقي‏)‏ بإثبات أن ماء الكمأة يمنع حدوث التليف في حالات أمراض العيون المعروفة باسم التراكوما‏,‏ والرمد الحبيبي‏,‏ والرمد الربيعي، وكلها قد يفضي إلى فقدان البصر بسبب تليف قرنية العين،و يقلل ماء الكمأة من حدوث مثل هذا التليف بشكل ملحوظ تصديقاً لنبوءة المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم‏ .‏ وسواء كان المقصود بالمن تلك الإفرازات (الصمغية ـ‏ السكرية) الحلوة المذاق التي تفرزها بعض النباتات الصحراوية مثل الأثل و الطرفة‏,‏ والتي تسيل منها على هيئة قطرات من عصاراتها الغذائية بطريقة فطرية، أو نتيجة لثقبها بواسطة أنواع خاصة من الحشرات التي تعيش على امتصاص العصارات الغذائية لتلك النباتات‏,‏ ثم تجف بعد سيلانها على أسطح الأجزاء النباتية المختلفة بسبب فقدها لمكوناتها المائية، متحولة إلى تلك التجمعات الحلوة المعروفة باسم من السماء ‏،‏ أو كانت تلك التجمعات السكرية ناتجة عن إفرازات الحشرات التي تتغذى على العصارة النباتية مثل حشرة المن‏ (‏أو بق النباتات‏)‏ فتستهلك جزءاً منها، وتفرز مايزيد على حاجتها على هيئة تلك المادة السكرية‏,‏ أو أن المقصود بذلك ‏(‏الكمأة‏)‏ ومايشبهها من أنواع الرزق الذي يسوقه الله ‏ـ سبحانه وتعالى ـ‏ إلى من يشاء من عباده على غير جهد منه سوى جمعه؛ لأن ‏(‏المن‏)‏ هو اسم للعطاء الرباني بصفة عامة‏,‏ فإن الجمع بين‏ (‏المن والسلوى‏)‏ في النص القرآني الكريم الذي نحن بصدده يرجِّح المعنى الأول على أنه رزق نباتي ساقه الخالق‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ لقوم موسى ، وهم الجاحدون لنعمه‏,‏ المرتدون عن عبادته إلى عبادة العجل‏,‏ والمنكرون لأفضاله وكراماته ومعجزاته‏,‏ والمتمردون على رسوله إليهم ليجمعوه ويأكلوه وهم في التيه بشبه جزيرة سيناء أقرب إلى الهلاك والضياع من النجاة إلى بر الأمان‏ .‏
والجمع بين‏ (‏المن والسلوى‏)‏ بهذا المعنى هو جمع بين الكربوهيدرات النباتية‏ ـ بما فيها من سكريات ونشويات وغيرها ـ‏ ممثلة في المن، وبين البروتينات الحيوانية ـ ممثلة في السلوى ‏ـ‏ وكلاهما لازم لإنتاج الطاقة، ولبناء خلايا جسم الإنسان‏.‏ هذا بالإضافة إلى أن البروتينات المستمدة من لحوم الطيور مثل السلوى ‏ـ‏ طير السمان أو السماني‏ ـ‏ هي أيسر في الهضم، وأفضل لجسم الإنسان من تلك المستمدة من لحوم الأنعام‏,‏ وهي أيضاً أفضل في ذلك من بروتينات البقول النباتية من حيث سهولة هضمها، وتمثيلها، واستفادة جسم الإنسان منها‏.
‏ ولذلك جاء في
الآيات التالية قول الحق ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ : "‏ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بَالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ " (‏البقرة‏:61) .‏
وواضح المعنى أن الأدنى هو ‏(‏البقل‏,‏ والقثاء والفوم والعدس والبصل‏),‏ وأن الذي هو خير هو‏ (‏المن والسلوى‏),‏ والبقل يشمل عدداً من نباتات المحاصيل‏ (‏مثل الفول‏,‏ البازلاء‏,‏ الفاصوليا‏,‏ اللوبيا‏,‏ الحمص‏,‏ الفول السوداني‏,‏ فول الصويا‏,‏ الحلبة‏,‏ الترمس‏,‏ وغيرها‏),‏ والقثاء ثمرة من العائلة القرعية‏ (‏التي تشمل الخيار‏,‏ الكوسة‏,‏ القرع العسلي‏,‏ البطيخ‏,‏ الشمام‏,‏ والقاوون‏,‏ وغيرها‏) .‏ أما ‏(‏الفوم‏)‏ فقد قيل فيه أنه الحنطة(‏وتشمل غيرها من الحبوب التي تخبز من مثل الذرة والشعير‏)‏، أو إنه الثوم والقول الأول أصح‏,‏ والعدس من البقول، وخصص بالاسم لقيمته الغذائية وأهميته الخصوصية‏,‏ والبصل من العائلة الزنبقية‏ ، ‏وتشمل ـ بالإضافة إلى البصل ـ الثوم‏,‏ والكرات البلدي‏,‏ والكرات أبوشوشة وغيرها‏ .‏
وفضل البروتينات المستمدة من لحوم الطيور على تلك المستمدة من كلٍ من لحوم الأنعام، ومن البقول ، وكذلك فضل السكريات وغيرها من الكربوهيدرات المستمدة مِن مَن السماء على مثيلاتها في المحاصيل النباتية من الأمور التي لم تدرك‏ إلا في القرن العشرين‏,‏ والإشارة إليها في كتاب الله الذي أُنزل منذ أكثر من أربعة عشر قرناً على نبي أمي ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ‏ وفي أمة كانت غالبيتها الساحقة من الأميين يعتبر من الأدلة العلمية على صدق القرآن الكريم‏,‏ وصدق الوحي الذي تلقاه خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ عليه وعليهم أجمعين أفضل الصلاة وأزكى التسليم‏ ـ‏ وعلى صدق نبوته ورسالته‏,‏ هذا فضلاً عن الإنباء بدقة بالغة عن حدث تاريخي لم يكن لأحد من الأميين ولا القادرين على القراءة والكتابة في الجزيرة العربية إلمام به‏,‏ حتى من لديهم إلمام تضاربت أقوالهم في وصف هذه الواقعة تضارباً كبيراً، ولايزال هذا التضارب واضحاً فيما بقي من آثارهم إلى يومنا الراهن‏ .

‏ فالحمد لله على نعمة القرآن‏,‏ والحمد لله على نعمة الإسلام‏,‏ والحمد لله على بعثة خير الأنام‏,‏ وخاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد بن عبدالله الذي أكمل الله ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ ببعثته الدين‏,‏ وأتم نعمه على خلقه، والتي كان من أجلها تعهد الله الخالق بحفظ رسالته الخاتمة حفظاً كاملاً بنفس لغة وحيها حتى تكون شاهدة على الناس أجمعين إلى يوم الدين‏,‏ وما ذلك على الله بعزيز‏ .
 فصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ‏.