" وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى . ‏مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى " (النجم‏:45‏-‏46).


هاتان الآيتان الكريمتان جاءتا في بداية الربع الأخير من سورة النجم‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ وعدد آياتها ثنتان وستون‏(62)‏ بعد البسملة‏ .‏وقد سميت السورة الكريمة بهدا الاسم‏ ـ‏ النجم‏ ـ لاستهلالها بقسم من الله‏ ـ تعالى ـ‏ يقول فيه :‏ " وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى " (‏النجم‏:1)‏ . ويأتي جواب القسم بتأكيد من الله‏ على صدق نبوة خاتم أنبيائه ورسله ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ وصدق مابلغ عن ربه‏ ـ‏ سبحانه ‏ـ‏ إتباعاً للحق الذي أوحى إليه به‏,‏ في استقامة واعتدال تأمين هيأهما الله له،‏ وهيأه لهما‏,‏ كما هيأ ذلك لسلسلة طويلة من الأنبياء والمرسلين من قبل‏,‏ فبلغ‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ الرسالة‏,‏ وأدى الأمانة‏,‏ ونصح البشرية كافة‏,‏ وجاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين .
وفي ذلك تقول الآيات‏ :‏ " مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى . وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى . إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى . عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوَى . ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى . وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى . ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى . فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى . فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى . مَا كَذَبَ الفُؤَادُ مَا رَأَى . أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى . وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى . عِندَ سِدْرَةِ المُنتَهَى . عِندَهَا جَنَّةُ المَأْوَى . إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى . مَا زَاغَ البَصَرُ وَمَا طَغَى . لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الكُبْرَى " (‏النجم‏:2‏ ـ‏18) .

وبعد هذا التأكيد على حقيقة الألوهية‏ والربوبية‏ والتفرد بالوحدانية المطلقة للذات الإلهية فوق جميع الخلق‏,‏ وعلى حقيقة وحي السماء‏,‏ وعلى صدق نبوة خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ وعلى حقيقة التكريم الذي أكرمه به رب العالمين في رحلة الإسراء والمعراج ـ وهو تكريم لم ينله مخلوق من قبل ولا من بعد ـ بعد ذلك كله تتابع الآيات في سورة النجم باستنكار شرك المشركين‏,‏ وتطاولهم على الذات الإلهية بعبادة الأصنام والأوثان بدعوى أنها تقربهم إلى الله زلفى، أو بنسبة الملائكة إليه‏ ـ سبحانه وتعالى ـ‏ وهم من خلقه‏,‏ واعتبارهم إناثاً‏, ‏وهو خوض بغير حق في أمور غائبة عنهم غيبة كاملة . وفي ذلك تقول الآيات‏ :‏ " أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى . وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى . أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى . تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى . إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الهُدَى " (‏النجم‏:19‏ ـ‏23) .
وكانت هذه الأصنام والأوثان الثلاثة ضمن عدد كبير من الطواغيت التي اتخذها مشركو العرب بيوتاً تعظم وينحر عندها، وتُهدى إليها الهدايا، ويطاف بها كالطواف حول الكعبة تماما‏,‏ مع إدراك فضل الكعبة عليها‏ .‏ وتستمر الآيات بعد ذلك في استنكار شرك المشركين لتقول ‏:‏ " أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّى . فَلِلَّهِ الآخِرَةُ وَالأُولَى . وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَـاءُ وَيَرْضَى . إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ المَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنثَى . وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئاً " (‏النجم‏:24‏ـ‏28) .
‏وتؤكد هذه الآيات أنه ليس كل مايتمناه الانسان يحصل عليه‏؛ لأن أمر الدنيا والآخرة كله بيد الله رب العالمين‏,‏ وتتساءل إذا كان الملائكة المقربون لايملكون الشفاعة إلا بإذن من الله ـ تعالى‏ ـ لمن يشاء ويرضى منهم‏,‏ فكيف يتخيل المشركون إمكانية شفاعة اصنامهم وأوثانهم وأندادهم التي زعموها بغير دليل‏,‏ وعبدوها من دون الله‏,‏ أو أشركوها في عبادته ؟
وتعتب الآيات على هؤلاء المشركين جورهم وانحرافهم وغرورهم باختيار الذكور لأنفسهم‏,‏ وادعاء الأنوثة للملائكة‏,‏ ونسبتهم ـ زوراً أو بهتاناً ـ إلى الله،‏ وهو‏ ـ‏ سبحانه ـ‏ المنزه عن الشريك، والشبيه، والمنازع‏,‏ والصاحبة‏,‏ والولد‏؛‏ لأن هذه كلها من صفات المخلوقين، والله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ مغاير لجميع صفات خلقه‏.‏ وهذه الادعاءات الباطلة من الكفار والمشركين نابعة من ظنهم السيئ‏,‏ والظن لايغني من الحق شيئاً ‏.
وبعد ذلك تنتقل الآيات إلى أمر من الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ إلى خاتم أنبيائه ورسله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ والأمر له ينسحب على جميع المؤمنين برسالته من بعده، ويتضمن الأمر ضرورة الإعراض عن الجاهلين من الكفار والمشركين‏,‏ وعن جميع الذين تولوا عن ذكر الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ وأغرقوا أنفسهم إلى الآذان في أمور الدنيا‏,‏ وضلوا عن سبيل الله ، فتقول مخاطبة النبي الخاتم والرسول الخاتم‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ‏ : " فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الحَيَاةَ الدُّنْيَا . ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ العِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى " ‏(‏ النجم‏:30,29) .
ثم تعاود الآيات في سورة النجم التأكيد على أن الله ـ تعالى ـ هو رب كل شيء ومليكه‏,‏ وهو الحكم العدل الذي يجازي كلاً بعمله‏,‏ ويعفو عن صغائر الذنوب‏,‏ ويغفرها‏,‏ ويستر فاعليها إذا تابوا وأقلعوا عنها‏؛‏ لأن رحمة الله واسعة‏,‏ ومغفرته عظيمة‏,‏ وهو ـ‏ سبحانه ـ‏ أعلم بخلقه من علم خلقه بأنفسهم‏,‏ وفي ذلك تقول الآيات ‏:‏ " وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى . الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ المَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلاَ تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى " (النجم‏:32,31)‏ .
ينتهي الشوط الأول من سورة النجم، ويأتي الشوط الثاني في صيغة عدد من التساؤلات التقريرية‏,‏ التقريعية‏,‏ التوبيخية لكل كافر ومشرك‏ ومتشكك‏,‏ محذرة من التولي عن طاعة الله، أو الانقطاع عنها، أو الإقلال منها‏,‏ ومثبتة عدداً من الحقائق الدينية والكونية‏,‏ والصفات الإنسانية‏,‏ والأحداث التاريخية‏,‏ ومنذرة بفجائية الآخرة فتقول ‏:‏" أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى . وَأَعْطَى قَلِيلاً وَأَكْدَى . أَعِندَهُ عِلْمُ الغَيْبِ فَهُوَ يَرَى . أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى . وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى . أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى . وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى . وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى . ثُمَّ يُجْزَاهُ الجَزَاءَ الأَوْفَى . وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ المُنتَهَى . وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى . وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا . وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى . مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى . وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرَى . وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى . وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى . وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الأُولَى . وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى . وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى . وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى . فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى . فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى . هَذَا نَذِيرٌ مِّنَ النُّذُرِ الأُولَى . أَزِفَتِ الآزِفَةُ . لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ . أَفَمِنْ هَذَا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ . وَتَضْحَكُونَ وَلاَ تَبْكُونَ . وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ . فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا " ‏ (‏النجم‏:33‏ ـ‏62)‏ .
تختتم سورة النجم بخطاب واضح من الله‏ ـ تعالى ـ‏ إلى كلٍ من كفار ومشركي قريش ، وإلى كل كافر‏ ومشرك‏ ومتشكك من بعدهم إلى يوم الدين ، يؤكد لهم فيه أن القرآن الكريم هو الصورة النهائية التي تكاملت فيها كل رسالات السماء‏,‏ وأنه جاء بنفس البشارات والنُذُر التي جاءت بها كل الرسالات السابقة‏، ولذلك فإن هذا الخطاب الرباني يستنكر تكذيب المكذبين للحق الذي جاء به القرآن الكريم‏,‏ ويتوعدهم بأن الآخرة قد أزف وقتها‏,‏ وأن أهوالها شديدة لا يقدر على كشفها إلا رب العالمين‏ .‏ وهذا الخطاب الرباني في ختام سورة النجم يستنكر كذلك استهانة الكفار والمشركين‏,‏ والعصاة المتشككين بالأمر‏,‏ وأخذهم إياه مأخذ الهزل والضحك‏,‏ بدلاً من الهم والبكاء‏,‏ ولذلك يأمر ربنا‏ ـ‏ تبارك اسمه‏ ـ كل مستمع لهذه الآيات بالسجود له ‏ـ تعالى ـ‏ في عبادة وطاعة‏,‏ وخضوع‏ وخشية وانكسار‏ .‏ ومن هذا الاستعراض السريع لسورة النجم يتضح أن محورها الرئيسي يدور حول العقيدة الإسلامية‏,‏ شأنها في ذلك شأن كل السور المكية ‏.‏


من الإشارات الكونية في سورة النجم :
‏‏(1)‏ الإشارة إلى موت النجوم بانفجارها‏ "‏ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى‏ " (النجم:1) .‏
‏(2)‏ الرمز إلى ضخامة الكون بوصف الأفق بتعبير‏"‏ الأُفُقِ الأَعْلَى " .
(3)‏ وصف البصر بأنه يزيغ ويطغى‏ ,‏ والإشارة إلى أن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ قد ميز الانسان بالقدرة على الضحك والبكاء ‏.‏
‏(4)‏ ذكر‏ الآخرة والأولى‏ مما يؤكد حتمية فناء الكون وإعادة خلقه‏,‏ كما يؤكد حقيقة الغيب الذي تجري البحوث العلمية وراءه في محاولة لكشفه ‏.‏
‏(5)‏ التأكيد على إنشاء الإنسان من الأرض ‏,‏ وعلى خلقه في مراحل جنينية متتابعة في بطن أمه ‏.‏
‏(6)‏ إثبات حقيقة خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تُمنى ‏.‏
‏(7)‏ التأكيد على حتمية البعث‏ ,‏ وعلى أن الله‏ ـ تعالى ‏ـ‏ الذي أنشأ النشأة الأولى قد تعهد بالنشأة الأخرى‏ . وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة خاصة بها‏,‏ ولذلك فسوف أقصر الحديث هنا على النقطة السادسة في القائمة السابقة والتي يقول فيها ربنا ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :‏ " وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى . مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى " (النجم:45ـ46).


من الدلالات العلمية للآيتين الكريمتين :
(أولاً)‏:‏ سبق كلٍ من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة بالإشارة إلى خلايا التكاثر‏ :‏
في الوقت الذي ساد الاعتقاد بأن الجنين يتولد من دم الحيض‏,‏ وأنه يخلق خلقاً كاملاً من هذا الدم دفعة واحدة على هيئة متناهية الضآلة في الحجم، ثم يزداد في الحجم بالتدريج حتى يصل إلى الحجم الكامل للجنين ـ كما نادى بذلك أرسطو ومدرسته ومن تبعهم من أبناء الحضارات التالية لهم‏ ـ‏ في هذا الوقت نزل القرآن الكريم مؤكداً حقيقة الخلايا التناسلية‏,‏ ودورها في عملية التكاثر‏,‏ وفي تشكيل جنس الجنين بقدرة الله ومشيئته‏,‏ ومؤكداً كذلك أن خلق الإنسان يتم في عدد من الأطوار المتتابعة‏‏ التي أولها النطفة‏,‏ ثم العلقة‏,‏ ثم المضغة ثم خلق العظام وكسوتها لحماً ‏.‏



النطفة في اللغة العربية وفي العلم‏ :‏
‏(‏النطفة‏)‏ في اللغة العربية هي : القليل من الماء الذي يعدل قطرة‏,‏ وسميت صغار اللؤلؤ ‏(‏النطف‏)‏ تشبيهاً لها بقطرات الماء‏,‏ ويقال‏: (‏نطف‏)‏ الرجل ‏(‏ينطف‏) (‏نطفاً‏)‏ و‏(‏نطفانا‏ًً)‏ بمعنى تقاطر منه الماء‏‏ بعد وضوئه أو غسله، و النطفة أيضاً هي : ‏(‏القليل من الماء الصافي‏),‏ و‏(‏نطفان‏)‏ الماء تقاطره وسيلانه‏,‏ ويقال ليلة ‏(‏نطوف‏)‏ أي باتت تمطر حتى الصباح‏ .‏ و‏(‏النطف‏)‏ الدلو‏,‏ والواحدة منه‏ (‏نطفة‏) .‏ ويقال‏:‏ فلان ‏(‏منطف‏)‏ المعروف أي دائمه‏,‏ وفلان ‏(‏ينطف‏)‏ بخير أي يندي به‏ .‏
واستعير هذا المصطلح للتعبير عن خلية التكاثر(Gamete)‏ التي تندفق مع كلٍ من ماء الرجل
وماء المرأة ـ أي سواء كانت النطفة مذكرة أو مؤنثة‏ ـ‏ وجمع النطفة ‏(‏نطف‏)‏ و‏(نطاف‏) .‏ولفظة ‏(‏نطفة‏)‏ جاءت بمعنى خلية التكاثر في اثنتي عشرة أية من آيات القرآن الكريم هي ‏(‏النحل‏:4,‏ الكهف‏:37,‏ الحج:5,‏ المؤمنون: 13ـ14,‏ فاطر‏:11,‏ يس‏:77,‏ غافر:67,‏ النجم‏:46,‏ القيامة‏:37,‏ الإنسان:2,‏ وعبس:19) .‏
وقد أسمى القرآن الكريم اتحاد الخليتين التكاثريتين الذكرية والأنثوية باسم ‏(‏النطفة الأمشاج‏)‏ أي المختلطة‏,‏ وهو أول تعبير علمي دقيق عن عملية تخلق الجنين باتحاد نطفتي الرجل والمرأة‏ .‏

وتأكيداً لهذا المعنى أخرج الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود‏ ـ‏ رضي الله عنه‏ ـ‏ أنه قال ‏:‏ مر يهودي برسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ‏ وهو يحدث أصحابه‏,‏ فقالت قريش‏:‏
يا يهودي إن هذا يزعم أنه نبي‏,‏ فقال لأسألنه عن شئ لا يعلمه إلا نبي‏,‏ قال‏:‏ فجاء اليهودي حتى جلس ثم قال‏:‏ يا محمد مم يخلق الإنسان؟ فقال رسول الله‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ:‏ " يا يهودي من كلٍ يخلق من نطفة الرجل ومن نطفة المرأة "‏ .
ولم يصل العلم المكتسب إلى كشف هذه الحقيقة إلا بعد أكثر من أحد عشر قرناً ‏(‏في نحو سنة‏1186‏ هـ‏/1775‏ م‏)‏ حين ثبت دور كلٍ من البييضة والحيوان المنوي في عملية تكون الجنين البشري‏ .‏ ولم تُكتشف بييضة الثدييات إلا في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي‏,‏ كما أن نظرية الخلية ـ بمعنى أن الجسد مكون من مجموعات من الخلايا ومنتجاتها ـ لم تتبلور إلا في أوائل القرن التاسع عشر الميلادي ‏(‏سنة‏1839‏ م‏)‏ مما أدى إلى الفهم الصحيح بأن الجنين ينمو من خلية واحدة هي النطفة الامشاج‏ (Zygote) أي المختلطة‏.
 وفي سنة‏1858‏ م أعلن فيرتشاو(Virchow)‏ أن كل الخلايا تنشأ من خلايا سابقة عليها‏,‏ وفي سنة‏1865‏ م وُضع مبدأ الوراثة على يد جريجور مندل ‏(Gregor Mendel),‏ وبعد ذلك بثلاث وعشرين سنة‏ ـ ‏أي في سنة‏1878‏ م‏ ـ‏ اكتشف فلمنج‏ (Flemming)‏ الصبغيات، واقترح إمكانية أن يكون لها دور في عملية الإخصاب‏,‏ وفي سنة‏1883‏ م لاحظ فون بنيدين (‏Von Beneden‏) أن خلايا التكاثر الناضجة تحمل عدداً من الصبغيات أقل مما تحمله الخلايا الجسدية‏,‏ ووصف جانباً من عملية الانقسام الانتصافي للخلية‏(Meiosis)‏ التي يتناقص بها عدد الصبغيات في الخلية التناسلية إلى النصف‏ .
‏في سنة‏1902‏ م أعلن كلٌ من ساتون ‏(Sutton)‏ وبوفيري‏(Boveri) (‏مستقلا عن الآخر‏)‏ أن سلوك الصبغيات أثناء تكون خلايا التكاثر وإخصابها يتفق تماماً مع مبادئ علم الوراثة التي سبق لمندل‏ (Mendel)‏ اكتشافها في عالم النبات ‏(‏سنة‏1865‏ م‏) .‏ وكانت أولى الملاحظات المهمة على الصبغيات البشرية ما قام به وينيوارتر ‏(Winiwarter)‏ في سنة‏1912‏ م الذي أشار إلى أن عدد الصبغيات في الخلية الجسدية للإنسان هو ‏(47)‏، وصححه بينتر‏(Painter)‏ إلى‏ (48),‏ وظل هذا الرقم مقبولاً على نطاق واسع حتى سنة‏1956‏ م حين أثبت كلٌ من تيو‏(Tjio)‏ وليفان‏(Levan)‏ أن الرقم الصحيح لعدد الصبغيات في الخلية الجسدية لجنين الإنسان هو ‏(46) .
‏ وفي سنة‏1959‏ م أثبت لوجين وأعوانه ‏(Lejeuneeta1959)‏ أن الخلايا الجسدية عند الأطفال المصابين بمرض المغولية‏ (Mongolism)‏ تحتوي على‏(47)‏ صبغيا‏ًً,‏ وثبت من ذلك أن الحيود عن العدد الثابت للصبغيات في الخلايا الجسدية هو تعبير عن عدد من الأمراض الموروثة عند الأطفال حديثي الولادة‏,‏ والتي قد تتسبب في موت الجنين قبل ولادته‏,‏ كما ثبت أن ‏8%‏ من فشل عملية الإخصاب هو ناتج عن بعض الحيود في عدد الصبغيات‏ .‏ وسبق كلٌ من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة بالإشارة إلى كل من خلايا التكاثر الأنثوية والذكرية‏,‏ وإلى تكون الجنين باتحادهما، لمما يشهد لهذا الكتاب العزيز بأنه لا يمكن أن يكون صناعة بشرية‏,‏ بل هو كلام الله الخالق‏,‏ ويشهد للنبي والرسول الخاتم الذي تلقاه بالنبوة وبالرسالة ‏.

(ثانياً‏):‏ في قوله ـ تعالى ـ‏:" وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى " (النجم:45):
تشير هذه الآية الكريمة إلى طلاقة القدرة الإلهية المبدعة في جعل الزوجية سنة من سنن الحياة الدنيا؛ ليبقى ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ‏ متفرداً بالوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه‏ (‏بغير شريك‏,‏ ولا شبيه‏,‏ ولا منازع‏,‏ ولا صاحبة‏,‏ ولا ولد‏),‏ ولتبقى الزوجية في كلٍ من الإنسان‏,‏ والحيوان‏,‏ والنبات‏,‏ والجماد‏,‏ ومختلف صور الطاقة وسيلة من وسائل استمرار الخلق وتجدده وتنوعه إلى ماشاء الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ وشاهداً على وحدة الأصل في الخلق الأول الذي يشير إلى وحدانية الخالق,‏ وينطق بحقيقة الخلق ‏.‏ والنموذج الجلي لخلق الزوجين الذكر والأنثى يتضح في الأحياء من الإنسان إلى الحيوان والنبات، حيث تملك الأنثى في كل مجموعة من هذه المجموعات الحية أجهزة تناسلية يعرف الواحد فيها باسم المبيض (‏Ovary)، ‏وهذه الأجهزة وهبها الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ قدرة فائقة على إفراز خلايا التكاثر الأنثوية المعروفة باسم البييضة‏ ـ أي البيضة الصغيرة ـ أو‏(ovum=Egg) ,‏ وفي المقابل يملك الذكر أجهزة تناسلية مناظرة تعرف الواحدة منها باسم الخصية‏(Testis)‏ أعطاها الله ـ سبحانه وتعالى ـ‏ قدرة خارقة على إنتاج خلايا التكاثر الذكرية المعروفة باسم الحيوانات المنوية أو الحيامن(‏Sperms) ـ مفردها حيمن(‏Sperm) ـ وتُجمع كلٌ من الخلايا التناسلية الأنثوية والذكرية تحت مسمى النطاف ـ جمع نطفة ‏(Gamete) ـ وباتحاد النطفتين الذكرية والأنثوية تتكون النطفة الأمشاج أو المختلطة ‏(Zygote) .‏ ومبيض الزهرة في النباتات المزهرة يعرف باسم المتاع ‏(Gynoecium)، كما يعرف مجموع الخلايا الذكرية باسم الطلع‏(Androecium)،‏ ويتركب من عدد من الأسدية (‏Stamena),‏ تتركب كل سداة منها من خيط(‏Filament)‏ يحمل في نهايته المنك‏(Anrher)‏ الذي يحمل حبوب اللقاح ‏.‏ والخلايا التناسلية في كلٍ من الإنسان والحيوان والنبات تمثل ـ على تناهيها في ضآلة الحجم ـ ينبوع الحياة ومصدر تنوعها الذي يستمر بها من الآباء إلى الأبناء والأحفاد عبر الحياة الدنيا كلها حتى يرث الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ الأرض ومن عليها‏,‏ ولذلك قال ربنا ـ‏ وهو أحكم القائلين‏ ـ‏ ممتناً على خلقه أجمعين‏ :‏" وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى " (‏النجم‏:45)
وتأكيد القرآن الكريم على الزوجية في كل شيء سبق علمي لم يصل إليه علم الإنسان إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين ‏.

‏ (ثالثاً)‏:‏ في قوله ـ تعالى ـ ‏:‏ " مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى ‏" (النجم:46):‏
والمقصود بالنطفة هنا خلية التكاثر الأنثوية‏ (‏البييضة‏),‏ وبقوله ـ تعالى‏ ـ : "‏إِذَا تُمْنَى "‏ أي إذا أخصبها الحيوان المنوي‏,‏ ويحدث إخصاب البييضة بحيوان منوي واحد فينتج عن ذلك النطفة الأمشاج( ‏Zygote) التي تبدأ في الانقسام إلى خلايا أصغر فأصغر تعرف باسم القسيمات الأرومية( ‏Blastomeres),‏ ثم تتحول إلى كتلة كروية من الخلايا تعرف باسم التويتة( ‏Morula) ‏، ثم تنشطر التويتة مكونة الكتلة الأرومية (‏Blastocyst) التي تنغرس في جدار الرحم لتكون المراحل التالية من العلقة‏,‏ والمضغة‏,‏ وخلق العظام‏,‏ ثم كسوتها لحماً وجلداً، ثم النشأة الأخرى حتى الجنين الكامل‏ .‏ وبسبب انفراد حيوان منوي واحد بإخصاب البييضة قال المصطفى ‏ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ : ‏" ما من كل الماء يكون الولد‏ "(‏صحيح مسلم‏) .‏
ولما كانت كل خلية من الخلايا التناسلية تحمل نصف عدد الصبغيات في الخلية الجسدية والمحدد لنوعها‏,‏ كان في سنة التزاوج آية من آيات الخالق‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ في إبداعه لخلقه؛‏ وذلك لأنه باتحاد الخليتين التناسليتين الذكرية والأنثوية لتكوين النطفة الأمشاج يكتمل عدد الصبغيات المحدد للنوع،‏ ويحدث التنوع في الصفات بين الوالدين والأبناء الذي يثري الحياة ويجعلها أكثر بهجة‏,‏ ويشهد للخالق بطلاقة القدرة التي أتقنت ما يتم داخل تلك النطفة الأمشاج حتى يخرج الإنسان أو الحيوان أو النبات إلى الحياة خلقاً جديداً مشابهاً لأسلافه في بعض الصفات‏,‏ ومختلفاً في البعص الآخر‏ .‏

وفي الإنسان تحتوي الخلية الجسدية على ‏(46)‏ صبغياً، مرتبة في‏ (23)‏ زوجاً، كلٌ منها يتماثل في الشكل‏,‏ ويختلف في التركيب‏,‏ وهذا العدد ثابت في خلايا كلٍ من الذكر والأنثى وإن اختلفا في الصبغيات المحددة للجنس‏,‏ فالخلية الجسدية الذكرية تحمل‏(44)‏ صبغياً جسدياً بالإضافة إلى صبغيين جنسيين غير متشابهين أحدهما مذكر(‏y) ،‏ والآخر مؤنث‏(X) .‏ وبنفس التركيب تحمل الخلية الجسدية الأنثوية‏(44)‏ صبغياً جسدياً بالإضافة إلى صبغيين جنسيين، ولكنهما في هذه الحالة متشابهان ومؤنثان هما‏(X),(X) .‏
وفي انقسام الخلايا الجسدية لتكرار ذاتها، فإنها تنقسم انقساماً فَتِيْلِيَّاً(‏Mitosis)،‏ بمعنى أن ينقسم كل صبغي انقساما فَتِيْلِيَّاً بالطول ليكرر ذاته؛ وذلك من أجل المحافظة على نفس العدد المحدد للنوع من الصبغيات في كل خلية جسدية‏,‏ ولكن في حالة الانقسام لتكوين خلايا التكاثر، فإن الخلية الجسدية تنقسم انقساماً انتصافياً (‏Meiosis)يعطي لكل خلية تناسلية نصف عدد الصبغيات في الخلية الجسدية‏,‏ وذلك لكي يتكامل عدد الصبغيات باتحاد النطفتين الذكرية والأنثوية‏,‏ فيتواصل الناس ويتعارفون ويتقاربون بالتزاوج‏,‏ ويتحقق هذا التنوع العجيب في صفات الخلق بازدياد دائرة التناسل حتى يرث الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ الأرض ومن عليها‏,‏ ويثبت للناس وحدة الأصل مع هذا التنوع العريض، فيتآخون ولا يتنافرون‏,‏ ويتحابون ولا يتقاتلون‏,‏ ولذلك يمنُّ علينا ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ بهذه الحقيقية الكونية فيقول ‏:‏ "وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى . مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى " (‏النجم‏:46,45)‏ .
وتحتوي النطفة الذكرية في الانسان على‏(23)‏ صبغياً على نوعين هما‏ :‏ ‏(‏أ‏) (22)‏ صبغي جسدي‏+‏ الصبغي المذكر‏(y) ،‏ أو ‏(‏ب‏)(22)‏ صبغي جسدي‏+‏ الصبغي المؤنث‏(X).‏
أما النطفة الأنثوية ‏(‏البييضة‏)‏ فهي على شكل واحد يحمل دائماً ‏(22)‏ صبغياً جسديا‏ +‏ الصبغي المؤنث(X) .‏
فإذا قام حيوان منوي مما يحمل الصفة المذكرة‏(y)‏ بإخصاب البييضة جاء الجنين ذكراً بإذن الله تعالى ‏(44‏ صبغياً جسديا‏+X+Y).
بينما إذا تم إخصاب البييضة بحيوان منوي يحمل الصفة المؤنثة ‏(X)‏ جاء الجنين أنثى بإذن الله الخالق ـ سبحانه وتعالى‏ ـ (44‏ صبغيا جسديا‏+X+X) .
‏ وهذه الأزواج الثلاثة والعشرون من الصبغيات يتشابه اثنان وعشرون منها في الشكل هي الصبغيات الحاملة للصفات الجسدية‏,‏ ويختلف عنها الزوج الحامل للصفات الجنسية، فهو إما أن يكون‏ (X,X)‏ في خلية الأنثى، أو‏(Y,X)‏ في خلية الذكر‏.‏ ونصف هذه الصفات مستمد من الأب وأسلافه‏,‏ والنصف الآخر مستمد من الأم وأسلافها، حتى يتحقق هذا التنوع العجيب في الخلق الذي نشأ من أصل واحد‏,‏ والذي يعرف في علوم الوراثة باسم التصالب‏ (Cross Over = Chismata) .
‏ وبهذه العملية يصبح لكل صفة من صفات الإنسان زوج من حاملات الوراثة، أحدها مستمد من الأب وأسلافه‏,‏ والآخر مستمد من الأم وأسلافها‏,‏ والحامل الوراثي الأقوى هو الذي يسود، وتعرف صفته باسم الصفة السائدة‏(The Dominant Character) ,‏ بينما يستتر الحامل الوراثي الأضعف ويتنحى مرحلياً ليظهر في أجيال تالية، ولذلك تعرف الصفة التي يحملها باسم الصفة المستترة أو المتنحية (Recessive Character) ,‏ وبهذا التفاعل المحكم الدقيق تتنوع صفات الأبناء عن بعضهم البعض، وعن والديهم وأسلافهم تنوعاً عظيما‏ًً .‏


عملية الانقسام الانتصافي للخلايا‏ :‏
والذي يتتبع عملية الانقسام الانتصافي‏(Meiosis)‏ في داخل الخلية الحية الجسدية من أجل تكوين خلايا التكاثر يدرك مدى طلاقة القدرة الإلهية المبدعة في الخلق‏,‏ ورعاية الخالق العليم الحكيم لخلقه‏,‏ وفي ذلك تتجهز الخلية الحية للانقسام الانتصافي الأول‏ (Meiosis-1)‏ بتكدس المادة الصبغية‏ (Chromatin)‏ في داخل النواة‏,‏ والتفافها على ذاتها‏,‏ وانقسامها إلى الصبغيات‏,‏ وحينئذ تختفي النويات ‏(Nucleoli)‏ من داخل النواة‏,‏ ويتحلل جدار النواة‏,‏ وتبدأ الصبغيات المتشابهة في التقارب من بعضها البعض حتى تتشابك‏(Synapsis) ‏، وتبدأ في تبادل وحدات من الحمض النووي الريبي المنقوص الأكسيجين ‏(DNA)‏ الذي تكتب به الصفات الوراثية على الصبغيات‏,‏ وتعرف هذه المرحلة باسم الطور التمهيدي الأول‏(Prophase-I) .‏
وفي المرحلة التالية تتحرك الصبغيات المتشابكة إلى قطبي الخلية، حيث يظهر جهاز من خيوط مغزلية الشكل حول محور الخلية‏,‏ وتعرف هذه المرحلة باسم الطور البعدي الأول‏ (Metaphase-I)‏ ، أو باسم الطور الاستوائي ‏.‏
وبعد ذلك تبدأ الصبغيات المتشابكة في الانفصال‏,‏ ويتحرك كل زوج منها إلى أحد أطراف الخلية في قطبين متقابلين‏,‏ ويبقى كل واحد من هذه الصبغيات مكوناً من شقين صبغيين‏ (Chromatids Two) ,‏ وتعرف هذه المرحلة باسم التمايز أو العزل‏(Segregation) ,‏ وبذلك ينفصل شِقَّا كل زوج من الصبغيات المتشابهة في عملية تسمى باسم إعادة التصنيف المستقل للصبغيات، وتعرف هذه المرحلة باسم مرحلة الانفصال أو طور الصعود الأول ‏(Anaphase-I)‏، وفي المرحلة التالية تبدأ الصبغيات في فك الارتباط والالتفاف حول ذواتها ‏,‏ وتتحول إلى خيوط دقيقة في مجموعتين منفصلتين على هيئة قطبين متقابلين ‏,‏ ويبدأ الغشاء النووي في التكون حول كل تجمع للصبغيات عند قطبي الخلية‏ ,‏ وتبدأ النويات ‏(Nucleoli)‏ في الظهور ‏,‏ وينفصل كل تجمع صبغي مع ما يحيطه من سوائل الخلية وعضياتها على هيئة خلية منفصلة، وذلك بتقدير من الخالق‏ ـ سبحانه وتعالى ـ‏ وبما وهب الخلية الحية من طاقة حركية تعرف باسم الطاقة الحركية للخلية الحية‏(Cytokinesis)،‏ ويسمى هذا الطور الذي انقسمت فيه الخلية الجسدية الواحدة انقساماً انتصافياً لتكون خليتين تناسليتين بكل منهما نصف عدد الصبغيات المحدد للنوع باسم الطور النهائي الأول ‏(Telophasi-I) . ثم تتكرر عملية الانقسام الانتصافي لكلٍ من الخليتين الناتجتين في مرحلة ثانية‏(Meiosis-II)لها طور ابتدائي يعرف باسم الطور الابتدائي الثاني‏(Prophase-II) ,‏ وطور بعدي ثاني ‏(Metaphase-II)‏ تتشابك فيه الصبغيات بقسيماتها المركزية ‏(Center omeres)‏ إلى الجهاز المغزلي‏ ,‏ ويتحرك كل شق صبغي من كل واحد من الصبغيات كوحدة مستقلة إلى أحد قطبي الخلية في طور الانفصال الثاني‏ (Anaphase-II)‏، وذلك بانفصال القسيمة الوسطى لكل واحد من الصبغيات، فينقسم إلى شقين يتحرك كل شق صبغي منهما ‏(Chromatid)‏ إلى أحد قطبي الخلية الحية ‏.‏ وفي الطور النهائي الثاني‏ (Telophase-II)‏ تصل الخلية إلى مرحلة التوقف عن الانقسام ‏,‏ بينما تبدأ الطاقة الحركية للخلية في التزايد ‏,‏ وتبدأ أغشية نووية جديدة في التكون‏ ,‏ وتبدأ الصبغيات في الانفراد ‏,‏ كما تبدأ النويات في الظهور‏ ,‏ ويختفي الجهاز المغزلي‏ ,‏ وتبدأ مرحلة التمايز ومرحلة نضج الخلايا الأربع الناتجة إلى نطف (Gametes)‏ إما ذكرية‏(Spermcells)،‏ أو أنثوية‏ (Ovae = Eggcells)‏ ، ولذلك قال ربنا‏ ـ وقوله الحق ‏ـ :‏ " وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى " (النجم‏:46,45).

والسبق القرآني بهذه الحقيقة العلمية التي لم تعرف إلا منذ أقل من قرن واحد من الزمن‏ ,‏ لا يمكن أن يكون له من مصدر إلا الله الخالق الذي أنزل القرآن الكريم بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله، وحفظه بعهده في نفس لغة وحيه‏ ـ اللغة العربية ‏ـ وحفظه حفظاً كاملا‏ًً ‏ كلمة كلمة‏ ,‏ وحرفاً حرفاً حتى يكون شاهداً على الخلق أجمعين إلى يوم الدين ‏؛ وذلك لأن الكتب السماوية السابقة جميعها قد وكل حفظها إلى أصحابها فضيعوها ‏,‏ وعرضوا ما بقي منها من ذكريات إلى قدر من التحريف الذي أخرجها عن إطارها الرباني ‏,‏ وجعلها عاجزة عن هداية أصحابها، وليست المظالم التي تضج بها الأرض في مختلف جنباتها اليوم إلا نتاج الجهل بالدين الحق‏ ,‏ والابتعاد عن منهج الله‏ ,‏ واتباع الهوى والمعتقدات المنحرفة التي اتخذها أغلب أهل الأرض ديناً لهم ‏.‏ والدين يجب أن يكون صناعة ربانية خالصة لا يداخلها أدنى قدر من التصورات البشرية‏ ,‏ والدين الوحيد الذي تعهد ربنا ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ‏ بحفظ وحيه هو الدين الخاتم الذي بعث به النبي الخاتم ‏ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ والذي حفظ في القرآن الكريم وفي السنة النبوية المطهرة .

فالحمد لله على نعمة الإسلام‏ ,‏ والحمد لله على نعمة القرآن ‏,‏ والحمد لله على بعثة النبي الخاتم والرسول الخاتم ـ‏ عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم‏ ـ‏ بهذه الهداية الربانية الكاملة والتامة، والناسخة لما قبلها من رسالات ‏,‏ والحمد لله على حفظ القرآن الكريم‏ ,‏ والسنة النبوية المطهرة في نفس لغة الوحي‏ ـ اللغة العربية‏ ـ‏ بصفائهما الرباني‏ ,‏ وإشراقاتهما النورانية وما فيهما من حق بدأت العلوم المكتسبة في التعرف عليه‏ ,‏ والوصول إليه، والحمد لله كثيراًً في كل وقت وفي كل حين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏.