"وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ"(الذاريات:22).


يستهل ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ‏ سورة الذاريات بقسم عظيم بأربع من آيات الله في الكون، والله ـ تعالى ـ غني عن القسم لعباده بأن وعده لصادق ‏,‏ وأن الدين الإسلامي الذي أنزله على فترة من الرسل‏,‏ والذي أتمه وأكمله في بعثة خاتم أنبيائه ورسله ـ صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين ـ لحق واقع‏ .‏
ثم يكرر ربنا ‏ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ القسم بالسماء ذات الحبك على أن الناس مختلفون في أمر يوم الدين بين مكذِّب ومصدِّق‏,‏ وتستعرض الآيات حال كلٍ من المجموعتين في هذا اليوم العصيب‏,‏ ثم تعود إلى الاستدلال بآيات الله في كلٍ من الأرض والأنفس والآفاق، ومنها قول الحق ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :‏
" وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ "  (الذاريات:22) .
ثم يأتي القسم الحاسم الجازم برب السماء والأرض أن هذا كله حق‏,‏ كما ينطق المنكرون في هذه الحياة الدنيا‏,‏ وهم يدركون حقيقة ما ينطقون‏,‏ فلا يجوز لهم أن يشكوا فيه، أو أن ينكروه كما لا يشكون في نطقهم الذي ينطقون ‏.
وبعد ذلك تتحرك بنا السورة إلى عرض شيء من الوقائع التاريخية من قبيل ضرب المثل‏,‏ واستخلاص العبر‏,‏ والدعوة إلى إخلاص العبادة لله وحده‏ ـ بغير شريك، ولا شبيه، ولا منازع‏ ـ‏ وذلك مثل قصص سيدنا إبراهيم‏ ـ‏ عليه السلام‏ ـ مع ضيفه وقومه‏,‏ وسيدنا لوط ـ‏ عليه السلام‏ ـ‏ وما حاق بقومه من عذاب‏,‏ وسيدنا موسى‏ ـ‏ عليه السلام‏ ـ‏ وفرعونه الذي أغرقه الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ وجنده في اليم‏,‏ وقوم عاد وطمرهم بالرمال السافية‏,‏ وقوم ثمود الذن دُمِّروا بالصاعقة‏,‏ وقوم نوح‏ ـ‏ عليه السلام ـ‏ الذين أُغرقوا بالطوفان لفسقهم‏ .
وتعاود السورة الكريمة القسم بالسماء وتوسيع الله المستمر لها‏,‏ وبالأرض وفرشها وتمهيدها‏,‏ وخلق كل شيء من زوجين؛ تأكيداً لوحدانية الله ـ‏ تعالى ـ المطلقة فوق جميع خلقه‏ .
ثم تعرج بنا السورة إلى حقيقة أن كل رسول جاء بالحق من رب العالمين قد اتهمه الكفار من قومه بالسحر أو بالجنون ظلماً وطغياناً من عند أنفسهم‏,‏ وفي ذلك مواساة من رب العباد الذي يطالب خاتم أنبيائه ورسله بالاستمرار في التذكير بالله‏,‏ والدعوة إلى دينه الحق على الرغم من كل ذلك‏,‏ لعل الذكرى تنفع المؤمنين ‏.‏
والهدف من هذا الاستعراض المكثف لآيات الله في الكون‏,‏ والاستعراض الخاطف لقصص عدد من الأمم البائدة هو وصل العباد بخالقهم‏,‏ وربط قلوبهم بعوالم الغيب‏,‏ كما يصفها خالق الكون ومبدع الوجود لا كما تتصورها أوهام الغافلين الضالين من الكفار والمشركين‏ .‏
والذي يرتبط قلبه بخالقه‏,‏ ويؤمن بالغيب‏,‏ كما أنزله في محكم كتابه‏,‏ وسنة نبيه‏,‏ تخطى الدنيا إلى الاخرة‏,‏ دون أن يهمل واجباته في الحياة‏,‏ ودون أن تشغله التكاليف المادية لهذه الحياة عن إخلاص العبادة لله‏,‏ وفي مقدمة تلك التكاليف الجري على المعايش لكسب الرزق الحلال‏,‏ والذي قد يتخيل البعض أنه يمكن أن يشغل الإنسان عن رسالته الحقيقية في هذه الحياة والتي تتلخص في ‏:‏
عبادة الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ بما أمر‏,‏ وحسن القيام بواجب الاستخلاف في الأرض‏,‏ وهما وجهان لعملة واحدة تمثل رسالة كلٍ من الجن والإنس في هذه الحياة‏,‏ والتي لخصها ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ‏ في السورة نفسها بقوله ‏ـ‏ عز من قائل ‏ـ :‏
" وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ . مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ . إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ "  ‏(‏الذاريات‏:56‏ ـ‏58) .‏
هذا وقد تباينت آراء المفسرين في قول الحق‏ـ تبارك وتعالى‏ ـ‏ :
" وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ " (الذاريات:22) .
بين قائل بالمطر‏,‏ وقائل بالقرار الإلهي في تقسيم الرزق وتوزيعه بين العباد‏,‏ وقائل بالثواب والعقاب أو بالجنة والنار‏,‏ أو بها جميعاً، ولكن الدراسات الكونية الحديثة قد أضافت بعداً جديدا‏ًً,‏ فأكدت أن جميع ما يحتاجه الإنسان والحيوان والنبات من الماء‏,‏ ومن مختلف صور المادة والطاقة إنما ينزل إلى الأرض من السماء بتقدير من الرزاق الحكيم العليم الذي ينزله بقدر معلوم لقوله‏ ـ عز من قائلـ :‏
" وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ "  (‏ الشوري‏:27)‏
ولقوله ـ‏ سبحانه‏ ـ :‏
" وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ " (‏ الحجر‏:21) .                                                                          

رزق السماء في اللغة العربية :
(‏الرزق‏)‏ في اللغة العربية هو ما ينتفع به من النعم‏,‏ والجمع‏(‏ أرزاق‏),‏ و‏(‏الرزق‏)‏ أيضا هو العطاء الجاري دنيوياً كان أم أخروياً‏,‏ وهو كذلك النصيب المقسوم للإنسان فيصل إلى يده سواء كان مما يصل إلى الجوف ويتغذى به‏, ‏أو يكتسي ويتزين به‏,‏ أو يتجمل به ، مثل الخلق الحسن والعلم النافع . يقال‏ : (‏ رزقه‏)‏ الله‏ (‏ يرزقه‏)(‏ رزقاً‏)‏ بكسر الراء‏,(‏ والمصدر الحقيقي فتح الراء‏),‏ والاسم يوضع موضع المصدر‏,‏ و‏(‏ارتزق‏)‏ بمعنى أخذ‏(‏ رزقه‏),‏ و‏(‏الرزقة‏)‏ ما يعطي دفعة واحدة‏,‏ وقد تأتي لفظة‏(‏ الرزق‏)‏ بمعنى ‏(‏ شكر الرزق‏)‏ ، مثل قوله ـ‏ تعالى ـ :‏ " وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ " ‏  (‏ الواقعة‏:82)‏
أي تجعلون نصيبكم من النعمة أو شكركم عليها أنكم تكذبون رسالات ربكم‏ .‏
ويقال رجل‏(‏ مرزوق‏)‏ أي مجدود‏(‏ محظوظ‏),‏ وقد يعتبر كلٌ من المال والولد والجاه والعلم من‏(‏ الرزق‏),‏ كما قد يسمى المطر‏(‏ رزقا‏ًً),‏ ويمكن أن يحمل‏(‏ الرزق‏)‏ على العموم فيما يؤكل ويلبس ويستعمل‏,‏ وكل ما يخرج من الأرض أو ينزل من السماء‏,‏ و‏(‏الرازق‏)‏ هو الله ـ تعالى ـ خالق‏(‏ الرزق‏)‏ ومعطيه‏,‏ ومسببه‏,‏ وموزعه بالقسط‏,‏ وإن كانت هذه الصفة يمكن أن تستخدم للبشر‏,‏ أما‏(‏ الرزاق‏)‏ فهو اسم من أسماء الله الحسنى، وصفة من صفاته العليا لا يوصف بها غيره‏ ـ سبحانه وتعالى .‏
وعن‏(‏ السماء‏)‏ فهي اسم مشتق من‏(‏ السمو‏)‏ بمعنى الارتفاع والعلو‏,‏ تقول‏:(‏ سما‏),(‏ يسمو‏)(‏ سموَّاً‏)‏ فهو‏(‏ سامٍ‏)‏ بمعني علا‏,‏ يعلو علوَّا‏ًً,‏ فهو عالٍ‏ ـ أي مرتفع‏ ـ‏ وذلك لأن السين والميم والواو أصل يدل على الارتفاع والعلو‏,‏ يقال‏:(‏ سموت‏)‏ و‏(‏سميت‏)‏ بمعنى علوت وعليت للتنويه بالرِّفعة والعلو‏,‏ وعلى ذلك فإن سماء كل شيء أعلاه‏,‏ ولذلك قيل لسقف البيت سماء لارتفاعه‏,‏ وقيل للسحاب سماء لعلوِّه‏,‏ واستعير اللفظ للمطر بسبب نزوله من السماء‏,‏ وللعشب لارتباط منبته بنزول ماء السماء‏,‏ ومن هنا قيل‏: (‏ كل ما علاك فأظلك فهو سماء‏).‏
ولفظة‏(‏ السماء‏)‏ في العربية تُذكَّر وتُؤنَّث ‏(‏ وإن كان تذكيرها يعتبر شاذا‏ًً),‏ وجمعها‏(‏ سماوات‏),‏ وهناك صيغ أخرى لجمعها ولكنها غريبة ‏.‏

رزق السماء في القرآن الكريم :
ورد الفعل‏(‏ رَزَقَ‏)‏ بمشتقاته في كتاب الله مائة وثلاثاً وعشرين‏(123)‏ مرة‏,‏ تنسب الرزق إلى الله ـ تعالى ـ‏ وإن كان بعضها يشير إلى إمكانية أن يرزق الإنسان غيره من البشر أو يتصدق على الحيوان‏,‏ ومنها ما يشير إلى الرزق بمعنى ما يُطعم وما يُشرب‏,‏ أو بمعنى المال‏,‏ أو العلم‏,‏ أو الجاه والسلطان‏,‏ أو الأولاد والبنات والزوجات الصالحات ‏.‏
أو ما تنتجه الأرض من ثمار‏,‏ أو ما يرزق الله من بهيمة الأنعام‏,‏ أو من المطرأو من غير ذلك من الثروات الأرضية منها والسماوية‏,‏ أو من الأرزاق الأخروية ، مثل رزق الشهداء عند ربهم‏,‏ ورزق أهل الجنة في الجنة‏,‏ وفي ذلك يقول ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ :‏ " وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِّنَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئاً وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ " ‏(‏ النحل‏:73) .    
أي ويعبدون من دون الله من هم ليسوا بسبب في رزق بوجه من الوجوه لا من السماء ولا من الأرض؛ لأنهم لا يستطيعون ذلك أبدا‏ًً .‏
وفي عطاء كلٍ من الشهداء وغيرهم من أهل الجنة يقول الحق‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ :‏
" وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ " ‏(‏آل عمران‏:169)‏   أي يفيض الله‏ ـ‏ تعالى ـ عليهم من نعمه الأخروية‏,‏ وذلك مثل قوله‏ ـ تعالى ـ :‏ " لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلاماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِياّ "    (‏ مريم‏:62)‏ . 
وتؤكد الآيات القرآنية العديدة أن‏(‏ الرازق‏ )‏ هو الله‏ ـ ‏ تعالى‏ ـ لأنه خالق الرزق‏,‏ ومسببه‏,‏ ومعطيه‏,‏ وموزعه بعلمه وحكمته‏,‏ وقد يستخدم الوصف مجازاً للإنسان الذي يكون سبباً في وصول الرزق إلى يد غيره‏,‏ أما‏ (‏الرزاق‏)‏ فهو من أسماء الله الحسنى‏,‏ ووصف لا يليق إلا بجلال الله ـ‏ تعالى‏ ـ‏ ولا يجوز أن يقال لغيره‏ ـ ‏سبحانه وتعالى‏ ـ وفي ذلك يقول الحق ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :‏
" إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ "   (‏الذاريات‏:58)‏.
ويقول ـ‏ عز من قائل‏ ـ :‏
" وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ "   (‏ المنافقون‏:7)‏.
ويقول ـ‏ سبحانه‏ ـ :‏
" قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ " ‏  (‏يونس‏:31)‏ .
ويعتب ربنا‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ على الذين ينعمون في رزقه ويكفرونه أو يشركون به غيره فيقول‏ ـ عز من قائل ـ :‏" أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ "  (‏ الطور‏:37)‏ .
أما عن لفظة‏(‏ السماء‏)‏ فقد وردت في القرآن الكريم في ثلاثمائة وعشرة مواضع‏,‏ منها مائة وعشرون بالإفراد‏(‏ السماء‏),‏ ومائة وتسعون بالجمع‏(‏ السماوات‏) .‏
والسماء ترد في القرآن الكريم بمعنى الغلاف الغازي للأرض بسحبه ورياحه وكسفه‏,‏ كما ترد بمعنى السماء الدنيا التي قد زينها ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ بزينة الكواكب والنجوم والبروج‏,‏ كما ترد بمعنى السماوات السبع‏ .‏
كذلك جاءت الإشارة القرآنية إلى السماوات والأرض وما بينهما في عشرين موضعاً من كتاب الله‏,‏ ويبدو أن المقصود بذلك هو أيضا الغلاف الغازي للأرض بصفة عامة‏,‏ والجزء الأسفل منه بصفة خاصة ، وذلك لقول الحق‏ ـ تبارك وتعالى ـ :‏
" وَالسَّحَابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ "  (‏البقرة‏:164)‏ .
والسحاب يتحرك في نطاق المناخ الذي يحوي أغلب مادة الغلاف الغازي‏(75%‏ بالكتلة‏),‏ والقرآن الكريم يشير في أكثر من موقع إلى إنزال الماء من السماء‏,‏ وواضح الأمر أن المقصود بالسماء هنا هو السحاب أو النطاق المحتوي على السحاب‏,‏ والمعروف علمياً بنطاق التغيرات الجوية‏,‏ والذي يقول فيه ربنا ـ تبارك وتعالى ـ :‏
(1)
" الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ " (‏ البقرة‏:22)‏ .
‏(2)
" إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ الَليْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَتِي تَجْرِي فِي البَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ "  (‏ البقرة‏:164)‏ .
(3)‏ " وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ "   (‏ الأنعام‏:99)‏ .
‏(4)
" وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ "  (‏ الأنفال‏:11)‏ .
‏(5)‏
" إِنَّمَا مَثَلُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ "   (‏ يونس‏:24)‏ .
‏(6)‏
" وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي " (‏ هود‏:44)‏ .
‏(7) " يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْراراً " (‏ هود‏:52)‏ .
والآيات القرآنية بهذا المعنى أكثر من أن تحصى في هذا المقام‏,‏ وكذلك الآيات التي تشير إلى السماء الدنيا وزينتها‏,‏ وتلك التي تلمح إلى السماوات العلا ‏.


آراء المفسرين :
في تفسير قول الحق‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ :‏
" وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ "  (الذاريات:22) .
ذكر ابن كثير‏ ـ‏ يرحمه الله‏ ـ‏ ما نصه‏:‏" وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ "
,‏ يعني المطر‏ . " وَمَا تُوعَدُونَ "‏ يعني الجنة‏,‏ قاله ابن عباس ومجاهد وغير واحد‏ . (انتهى قول المفسر)‏
وذكر صاحبا الجلالين ـ‏ يرحمهما الله ـ : "‏ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ "
‏ أي المطر المسبب عنه النبات الذي هو رزق‏ . "‏ وَمَا تُوعَدُونَ ‏" من الماء والثواب والعقاب أي‏:‏ مكتوب ذلك في السماء‏ . (انتهى قول المفسر)‏
وذكر صاحب الظلال‏ ـ‏ يرحمه الله‏ ـ ما نصه‏ :‏ وهي لفتة عجيبة‏,‏ فمع أن أسباب الرزق الظاهرة قائمة في الأرض‏,‏ حيث يكدُّ فيها الإنسان ويجهد‏,‏ وينتظر من ورائها الرزق والنصيب‏,‏ فإن القرآن يرد بصر الإنسان ونفسه إلى السماء‏,‏ إلى الغيب‏,‏ إلى الله‏,‏ ليتطلع هناك إلى الرزق المقسوم والحظ المرسوم‏,‏ أما الأرض وما فيها من أسباب الرزق الظاهرة‏,‏ فهي آيات للموقنين‏,‏ آيات ترد القلب إلى الله ليتطلع إلى الرزق من فضله‏,‏ وتتخلص من أثقال الأرض وأوهام الحرص‏,‏ والأسباب الظاهرة للرزق‏,‏ فلا يدعها تحول بينه وبين التطلع إلى المصدر الأول الذي أنشأ هذه الأسباب‏ .‏
والقلب المؤمن يدرك هذه اللفتة على حقيقتها‏,‏ ويفهمها على وضعها‏,‏ ويعرف أن المقصود بها ليس هو إهمال الأرض وأسبابها‏,‏ فهو مكلَّف بالخلافة فيها وتعميرها‏,‏ إنما المقصود هو ألا يعلق نفسه بها‏,‏ وألا يغفل عن الله في عمارتها‏,‏ ليعمل في الأرض وهو يتطلع إلى السماء‏,‏ وليأخذ بالأسباب‏,‏ وهو يستيقن أنها ليست هي التي ترزقه‏,‏ فرزقه مقدر في السماء‏,‏ وما وعده الله لابد أن يكون‏ .‏
بذلك ينطلق قلبه من إسار الأسباب الظاهرة في الأرض‏,‏ بل يرف بأجنحة من هذه الأسباب إلى ملكوت السماوات‏,‏ حين يرى في الأسباب آيات تدله على خالق الأسباب‏,‏ ويعيش موصولاً قلبه بالسماء‏,‏ وقدماه ثابتتان على الأرض‏,‏ فهكذا يريد الله لهذا الإنسان‏,‏ هكذا يريد الله لذلك المخلوق الذي جبله من الطين‏,‏ ونفخ فيه من روحه فإذا هو مفضَّل على كثير من العالمين ‏.‏
والإيمان هو الوسيلة لتحقيق ذلك الوضع الذي يكون فيه الإنسان في أفضل حالاته‏؛‏ لأنه يكون حينئذٍ في الحالة التي أنشأه الله لها‏ :‏ " فِطْرَةَ اللَّهِ الَتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا‏ "
(الروم:30) ,‏ قبل أن يتناولها الفساد والانحراف ‏.‏
وبعد هذه اللمسات الثلاث في الأرض والنفس والسماء‏,‏ يقسم الله ـ سبحانه ـ بذاته العلية على صدق هذا الحديث كله‏ :
" فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ "  (الذاريات 23) . (انتهى قول المفسر)

وذكر مخلوف‏ ـ‏ يرحمه الله‏ ـ : "‏ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ " أي سبب رزقكم وهو المطر‏,‏ والسماء‏:‏ السحاب‏ .
"‏وَمَا تُوعَدُونَ "‏ أي وفي السماء مكتوب ما توعدون به من الثواب والعقاب‏,‏ والبعث والخير والشر ‏.‏ (انتهى قول المفسر)
وذكر الصابوني‏ ـ‏ أمد الله في عمره‏ ـ :‏ أي وفي السماء أسباب رزقكم ومعاشكم‏,‏ وهو المطر الذي به حياة البلاد والعباد‏,‏ وما توعدون به من الثواب والعقاب مكتوب كذلك في السماء‏ . قال الصاوي‏:‏ والآية قصد بها الامتنان والوعد والوعيد‏ .‏ (انتهى قول المفسر)



رزق السماء في العلوم الكونية :
من منظور العلوم الكونية يمكن فهم دلالات التعبير القرآني" وَفِي السَّمَاءِ
رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ "‏في الأطر التالية ‏:

أولاً ‏:‏ في إطار فهم السماء بنطاق التغيرات الجوية‏ :‏
فإن رزق السماء يُفهم على أنه المطر الذي نرتوي به ونروي زروعنا منه‏,‏ وهو غاز الأوكسجين الذي نتنفسه نحن وجميع الحيوانات‏,‏ وثاني أكسيد الكربون الذي تتنفسه النباتات وغير ذلك من الغازات النافعة، وهنا ينحصر مفهوم السماء بالنطاق الأسفل من نطق الغلاف الغازي للأرض والمعروف باسم نطاق التغيرات الجوية‏(The troposphere), ويمتد من سطح البحر إلى ارتفاع‏16‏ كيلو متراً فوق خط الاستواء‏,‏ ويتناقص سمكه إلى نحو الكيلو مترات العشرة فوق قطبي الأرض‏,‏ وإلي أقل من ذلك ‏(7‏ ـ ‏8‏ كيلو مترات‏)‏ فوق خطوط العرض الوسطى‏,‏ وعندما يتحرك الهواء فوق خط الاستواء في اتجاه القطبين فإنه يهبط فوق هذا المنحنى الوسطي‏,‏ فتزداد سرعته‏,‏ ويتحرك في اتجاه الشرق بسرعة فائقة تعرف باسم التيار النفاث ‏(The Jet stream)‏ ، وذلك بتأثير دوران الأرض حول محورها من الغرب إلى الشرق ‏.‏
وتنخفض درجة الحرارة في هذا النطاق مع الأرتفاع باستمرار حتى تصل إلى ستين درجة مئوية تحت الصفر في قمته‏,‏ وذلك نظراً للابتعاد عن سطح الأرض الذي يمتص‏47%‏ من أشعة الشمس فترتفع درجة حرارته، ويعيد إشعاع تلك الحرارة على هيئة أشعة تحت حمراء إلى الغلاف الغازي للأرض بمجرد غياب الشمس‏,‏ ومن هنا تنخفض درجة حرارة نطاق الطقس مع الارتفاع للبعد عن مصدر الدفء بالنسبة له ألا وهو سطح الأرض ‏.‏
ولولا هذا الانخفاض في درجات حرارة نطاق الطقس لفقدت الأرض مياهها بمجرد اندفاع أبخرة تلك المياه من فوهات البراكين في مرحلة دحو الأرض‏,‏ ولاستحالت الحياة على سطحها‏ .
ويغطي الماء أكثر قليلاً من 71% من المساحة الكلية للكرة الأرضية‏,‏ وتقدر كميته بنحو‏1.36‏ مليار كيلو متر مكعب‏ (‏ منها97.2%‏ في المحيطات والبحار2.15% على هيئة جليد فوق القطبين وحولهما وفوق قمم الجبال‏,0.65%‏ في المجاري المائية المختلفة من الأنهار‏,‏ والجداول وغيرها‏,‏ وفي كل من البحيرات العذبة وخزانات المياه تحت سطح الأرض‏) .‏
وهذا الماء أخرجه ربنا ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ‏ أصلاً من داخل الأرض، ولايزال يخرجه لنا عبر فوهات البراكين‏,‏ على هيئة بخار الماء الذي تكثف ـ ولايزال يتكثف ـ في الأجزاء العليا من نطاق التغيرات الجوية‏,‏ والتي تتميز ببرودتها الشديدة‏,‏ فعاد إلى الأرض‏,‏ ولا يزال يعاود دورته بين الأرض والسماء ليجري أنهاراً متدفقة‏,‏ تفيض إلى منخفضات الأرض فتشكلها بحاراً ومحيطات‏,‏ وبحيرات ومستنقعات‏,‏ وظلت دورة المياه بين الأرض والسماء آية من آيات الله في إبداع الخلق حفظت ماء الأرض من التعفن‏,‏ ومن الضياع إلى طبقات الجو العليا‏,‏ وعملت على تفتيت الصخور‏,‏ وتسوية سطح الأرض وتمهيده‏,‏ وتكوين مختلف أنواع التربة‏,‏ وتركيز العديد من المعادن والصخور الاقتصادية‏,‏ وخزن المياه تحت السطحية‏,‏ وكانت من أسس ازدهار الحياة على الأرض بإذن الله ‏.‏
فماء الأرض يتبخر منه سنوياً ‏380.000‏ كيلو متر مكعب‏,‏ ينتج أغلبها‏(320.000‏ كيلو متر مكعب‏)‏ من بخر أسطح البحار والمحيطات‏,‏ والباقي‏(60.000‏ كيلو متر مكعب‏)‏ من سطح اليابسة‏,‏ وهذا البخار تدفعه الرياح إلى الطبقة الدنيا من الغلاف الغازي للأرض، حيث يتكثف في السحب ويعود إلى الأرض مطراً طهورا‏ًً,‏ أو ثلجا‏ًً,‏ أو بَرَدَاً‏,‏ وبدرجة أقل على هيئة ندى أو ضباب في الأجزاء القريبة من سطح الأرض‏ .‏
وتجري مياه الأمطار على الأرض في مختلف مجاري المياه لتصب في البحار والمحيطات‏,‏ كما يترشح جزء منها خلال طبقات الأرض المنفذة ليكون المياه تحت السطحية ذات الحركات الدائبة، حيث تشارك في تغذية بعض الأنهار والبحيرات والمستنقعات‏,‏ وقد تخرج على سطح الأرض على هيئة ينابيع‏,‏ أو ينتهي بها المطاف إلى البحار والمحيطات ‏.‏
وماء المطر يسقط على البحار والمحيطات بمعدل سنوي يقدر بنحو‏284.000‏ كيلو متر مكعب، وعلى اليابسة بمعدل سنوي يقدر بنحو‏96.000‏ كيلو متر مكعب‏,‏ والرقم الأخير يزيد بمعدل‏36.000‏ كيلو متر مكعب عن معدل البخر من اليابسة‏,‏ وهو الفرق نفسه بين معدل البخر من أسطح البحار والمحيطات‏,‏ ومعدل سقوط الأمطار عليها‏,‏ وتتم دورة المياه حول الأرض بصورة معجزة في كمالها ودقتها‏؛‏ لأنه لولاها لفسد كل ماء الأرض أو تعرض للضياع وترك كوكبنا الأرضي قاحلا‏ًً,‏ أجرد بلا حياة‏,‏ تحرقه حرارة الشمس بالنهار‏,‏ وتجمده برودة الليل كلما غابت الشمس‏ .‏
والماء ضرورة من ضرورات الحياة الأرضية‏,‏ فبدونه لا يمكن لإنسان‏,‏ ولا لحيوان‏,‏ ولا لنبات أن يعيش‏,‏ فجنين الإنسان يحتوي علي97%‏ من وزنه ماء‏,‏ وتقل هذه النسبة إلي91%‏ في جسد الطفل الوليد‏,‏ ثم إلي66%‏ في جسد الفرد البالغ‏,‏ وتختلف نسبة الماء في كل عضو من أعضاء جسد الإنسان باختلاف وظيفته‏,‏ فهي في الرئتين90%,‏ وفي الدم82%,‏ وفي خلايا الدماغ70%،‏ والإنسان يمكنه العيش أسابيع عديدة بدون طعام‏,‏ ولكنه لا يستطيع العيش بدون ماء إلا لفترة محدودة جداً لا تتجاوز بضعة أيام ؛‏
وذلك لأن الماء يعين الإنسان على القيام بجميع العمليات الحياتية في جسمه ، مثل عمليات الهضم‏ ,‏ والتخلص من الفضلات، والتنفس، وتجديد الدم‏, ‏ويعين الحيوان في كل ذلك‏,‏ كما يعين النبات على الاستفادة بمركبات الأرض بامتصاصها من التربة والقيام بعملية التمثيل الضوئي‏,‏ والنتح والتنفس‏ .‏
والماء هو المركب الوحيد المعروف لنا في الجزء المدرك من الكون‏,‏ والذي يوجد في حالاته الثلاث ‏:‏ الصلبة‏,‏ والسائلة والغازية‏,‏ وللماء قدرة فائقة على إذابة العديد من العناصر والمركبات، مما جعل منه لازمة من لوازم الحياة‏,‏ كما له العديد من الخصائص الفزيائية والكيميائية المميزة ، مثل قطبيته‏ (‏ الناتجة من أن ذرة الاوكسجين فيه تحمل شحنه سالبة، بينما تحمل ذرتا الايدروجين شحنة موجبة‏ )‏، وقدرته الفائقة على الالتحام والتماسك والتلاصق تجعله أشد السوائل تلاصقاً‏,‏ وأشدها قدرة على التوتر السطحي بعد الزئبق‏,‏ وتبدو قدرة الماء الفائقة على التوتر السطحي في ميله إلى التكوَّر على هيئة قطرات بدلاً من الانتشار أفقياً على السطح الذي يسكب عليه‏,‏ كما تبدو في قدرة الماء الفائقة على تسلق جدران الوعاء الذي يوضع فيه ، خاصة إذا كان قطر الوعاء صغيرا‏ًً,‏ وتعرف هذه الخاصية باسم الخاصية الشعرية‏,‏ وبواسطتها تتحرك السوائل مثل العصارات الغذائية وما بها من عناصر ومركبات مذابة في الماء من جذور النباتات إلى فروعه وأوراقه وزهوره وثماره‏,‏ وإلي قمته النامية‏,‏ كما تتحرك الدماء والعصارات الغذائية المختلفة والفضلات في كلٍ من الجهاز الهضمي والأوعية الدموية الدقيقة في أجساد كلٍ من الإنسان والحيوان‏ .‏
وخواص الماء الحرارية خواص متميزة‏,‏ فالحرارة النوعية للماء تقدر بعشرة أضعاف الحرارة النوعية للحديد‏,‏ وبخمسة أضعاف الحرارة النوعية لرمال الشواطئ‏,‏ وكذلك فإن معامل الحرارة الكامنة لكلٍ من تبخر الماء السائل وانصهار الجليد الصلب مرتفعين ارتفاعاً ملحوظاً، مما يعطي للماء مجالاً واسعاً في جميع العمليات الحياتية ‏.‏
وللماء منحنى كثافة فريد ، لا يشاركه فيه أي من السوائل الأخرى، فعندما تصل درجة حرارة الماء إلى أربع درجات مئوية يصل إلى أقل حجم له وأعلى كثافة‏,‏ ولكن إذا انخفضت درجة الحرارة دون ذلك فإن حجم الماء يتمدد وتقل كثافته‏,‏ وهذا يفسر طفو الجليد على سطح الماء في البحار والمحيطات‏,‏ وعدم تجمد الماء أسفل منه، مما يتيح فرصة عدم التجمد للكائنات البحرية العديدة التي تعيش في أعماق البحار‏,‏ فالماء هذا السائل العجيب هو من أعظم صور رزق السماء؛ لأن بدونه لا يمكن للحياة الأرضية أن تكون .
وكذلك الهواء بما فيه من أوكسجين وثاني أكسيد الكربون وبخار الماء‏,‏ وغير ذلك من الغازات المهمة وهباءات الغبار، وكلها من ضرورات جعل الحياة على الأرض ممكنة وممتعة‏ .‏

ثانياً ‏:‏ في إطار تفسير السماء بالسماء الدنيا‏ :‏
فإن رزق السماء هو كل صور المادة والطاقة المتولدة داخل النجوم‏ ـ‏ مثل شمسنا ـ والتي تصل إلى الأرض بصور متعددة ‏:‏
فمن الثابت علمياً أن النجوم قد تكونت ابتداءاً من الدخان الكوني الذي نشأ عن انفجار الجرم الابتدائي للكون‏,‏ مما يؤكد على وحدة البناء في الكون‏,‏ وأنها لا تزال تتكون أمام أنظار الفلكيين اليوم من دخان السدم‏,‏ وفي داخل تلك الغيوم الكونية عبر مراحل من النجوم الابتدائية
‏(Pro-stars)‏، وذلك بواسطة عدد من الدوَّامات العاتية التي تعرف باسم دوامات تركيز المادة‏,‏ والتي تقوم بتكديس المادة وتكثيفها حتى تتجمع الظروف اللازمة لبدء عملية الاندماج النووي‏,‏ وانطلاق الطاقة‏,‏ وانبثاق الضوء، فيتحول النجم الابتدائي إلى نجم عادي كشمسنا يعرف باسم ‏(‏ نجم التسلسل الرئيسي ‏)‏ ، وأغلب النجوم التي تتراءى لنا في صفحة السماء هي من هذا النوع ؛ لأن النجم يقضي90%‏ من عمره في هذه المرحلة التي يعتبر فيها النجم فرناً كونياً تتخلق فيه العناصر من نوى ذرات الإيدروجين بعملية الاندماج النووي .‏ وتتميز فترة (نجم النسق الرئيسي‏)‏ بتعادل قوة الجذب إلى مركز النجم مع قوة دفع مكونات النجم إلى الخارج لتمدده بالحرارة الناتجة عن عملية الاندماج النووي‏,‏ وبالعزم الزاوي الناتج عن دوراته حول محوره‏,‏ ويبقى النجم في هذا الطور حتى ينفد وقوده من غازي الأيدروجين والهليوم‏,‏ فيبدأ بالدخول في مراحل الشيخوخة بالانكدار ثم الخنوس والطمس حتى تنتهي حياة النجم بالانفجار وعودة مادته إلى دخان السماء، إما مباشرة عن طريق انفجار العماليق الحمر أو العماليق العظام أو المستعرات العظيمة بمختلف نماذجها‏,‏ أو بطرق غير مباشرة عبر مرحلة من مراحل وفاة النجوم الفائقة الكتل ، مثل النجوم النيوترونية والنجوم الخانسة الكانسة ‏(‏ أو ما يعرف باسم الثقوب السود‏ ) ,‏ والتي يعتقد العلماء بأنها تفقد مادتها بالتدريج إلى دخان السماء عبر مرحلة أشباه النجوم‏ .‏
وباتحاد نوى ذرات الإيدروجين في قلب النجم العادي تتكون نوى ذرات الهليوم‏,‏ وباتحاد نوى ذرات العنصر الأخير تتكون نوى ذرات البريليوم‏,‏ وهكذا يتسلسل تخلق العناصر المختلفة داخل النجوم ـ خاصة النجوم العملاقة ـ أو أثناء انفجارها .‏ ويؤدي انفجار النجوم إلى عودة ما تكوَّن بداخلها من عناصر إلى دخان السماء لكي يكون مادة لتخلق نجم جديد أو ليصل إلى بعض أجرام السماء في صورة من صور رزق السماء‏ .‏
ومن المشاهَد أن عملية الاندماج النووي داخل النجوم فائقة الكتلة مثل العماليق والمستعرات العظام تستمر حتى يتحول قلب النجم بالكامل إلى حديد‏ ,‏ فتستهلك طاقة النجم؛ لأن ذرة الحديد هي أكثر الذرات تماسكا‏ًً,‏ وفي انفجار المستعرات العظام تصطدم نيوترونات دخان السماء بنوى الحديد المتطايرة من عملية الانفجار لتبني نوى ذرات أعلى كثافة ، مثل الفضة ‏,‏ والذهب ‏,‏ واليورانيوم ‏,‏ وغيرها ‏,‏ كما أن إهاب النجم المتفجر من المواد الاقل كثافة ينتقل أيضاً إلى دخان السماء بانفجار واشتعال شديدين وانبعاث موجات راديوية قوية‏ .‏
وتتكون المادة فيما بين النجوم من الغازات والغبار ـ‏ أي الدخان‏ ـ‏ المكوَّن من جزيئات وذرات وأيونات‏ ,‏ ومن اللبنات الأساسية للمادة، ويغلب على تركيبه الإيدروجين ‏,‏ والهليوم‏ ,‏ والأوكسجين‏ ,‏ والنيتروجين ‏,‏ والكربون‏ ,‏ والنيون، والصوديوم، والبوتاسيوم، وبعض العناصر الأثقل ‏,‏ وتقدر المادة بين نجوم مجرتنا ببضعة بلايين المرات قدر كتلة الشمس‏,‏ وتصل كافة العناصر المتخلَّقة في الكون إلى الأرض عن طريق تساقط الشهب والنيازك‏,‏ ويصل إلى الأرص يومياً بين الألف والعشرة آلاف طن من مادة الشهب والنيازك لتجدد إثراء الأرض بالعناصر المختلفة التي تمثل صورة من صور رزق السماء الذي يوزع على الأرض بتقدير من العزيز الحكيم‏,‏ ولم يكن لأحد إدراك بها من قبل ‏.‏
ومنذ فترة وجيزة أثبت العلماء أن نجماً من نجوم السماء قد تحول إلى كتلة من الألماس تفوق كتلة الأرض عدة مرات‏ ,‏ ومن قبيل الفكاهة يذكرون أن هذه الكتلة إذا انفجرت ونزلت إلى الأرض فإن تجارة الألماس سوف تكسد بالقطع ‏.‏
ويقدر ناتج الطاقة الكلية للشمس 3.86
x3310‏ سعر‏/‏ ثانية، ويعتبر فيض الطاقة الشمسية الواصلة إلى الأرض أكبر من الطاقة التي تستقبلها الأرض من ألمع النجوم بعشرة مليارات ضعف ‏,‏ وأكبر من الطاقة التي تستقبلها الأرض من القمر وهو في طور البدر مليون مرة ‏.‏
وطاقة الشمس من رزق السماء‏,‏ فبدونها تستحيل الحياة على الأرض‏ .‏

ثالثاً ‏:‏ في إطار تفسير السماء بالسماوات العلا :
فإن رزق السماء يتمثل في قرار الرزاق ذي القوة المتين‏,‏ فقد ثبت أن كوننا قد نتج عن عملية انفجار عظيم‏,‏ وأنه من طبيعة الانفجار أنه يؤدي إلى تناثر المادة وبعثرتها‏,‏ ولكن انفجاراً يؤدي إلى بناء كون بهذه الضخامة في الأبعاد‏,‏ وفي تعدد الأجرام وفي إحكام الأحجام‏,‏ والكتل والمدارات‏,‏ والحركات والعلاقات المتبادلة ، مثل التجاذب‏,‏ وتبادل المادة فيما بينها هو انفجار لابد‏‏ وأن يكون قد تم بتقدير عظيم‏ من خالق عظيم له من صفات الكمال والجمال والجلال ما مكنه من إبداع هذا الخلق بعلمه وحكمته وقدرته‏,‏ وهذا الخالق العظيم لابد ‏وأن يكون مغايراً لكل خلقه، فلا يحده المكان‏,‏ ولا الزمان‏,‏ ولا تشكله المادة ولا الطاقة؛ لأنه‏ ـ‏ تعالى ـ‏ خالق كل ذلك ومبدعه ‏,‏ هذا الخالق العظيم فوق كل خلقه ‏:
" لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ "  (‏ الشوري‏:11) ‏يدبر أمر هذا الكون في كل صغيرة وكبيرة ‏ـ‏ ومن ذلك توزيع الأرزاق على العباد‏ ـ‏ فمن الأسماء الحسنى لهذا الخالق العظيم البارئ المصور نجد اسم‏(‏ الوهاب‏)‏ أي صاحب الهبات والعطايا الخالية عن الأعواض والأغراض‏ ,‏ كما نجد اسم ‏(‏ الرزاق‏ )‏ أي خالق الأرزاق والمرزوقين ‏,‏ وموصل الأرزاق إليهم، وخالق الأسباب التي تمكنهم من التمتع بها ‏.‏
وباقي أسمائه الحسنى‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ تحمل شيئاً من تلك المعاني والصفات الربانية ومنها‏ : ‏اسم ‏(‏ الفتاح‏ )‏، وهو الذي بيده مفاتيح الغيب والرزق‏,‏ ومفاتيح كل منغلق ومشكل‏,‏ واسما‏(‏ القابض‏ )‏ و‏ ( ‏الباسط‏ )‏ ومن معانيهما فيض الرزق حتى لا يبقى طاقة ‏,‏ وبسطه حتي لا يبقى فاقه‏,‏ كما يقبض القلوب والأرواح ويبسطهما كيف يشاء ‏,‏ واسما‏(‏ المعز‏ ) (‏ المذل‏ )‏ الذي يؤتي الملك من يشاء‏,‏ وينزعه ممن يشاء‏,‏ والملك من الرزق‏ ,‏ والملك الحقيقي يكمن في الخلاص من ذل الحاجة ‏,‏ وقهر الشهوة ‏,‏ وعبء الجهل ‏,‏ واسم‏(‏ المقيت‏)‏ ومن معانيه خالق الأقوات وواهبها ،‏ و‏( ‏الكريم‏ )‏ ومن معانيه المعطاء زيادة على منتهى الرجاء‏ ,‏ و‏( ‏المجيب ‏)‏ ومن معانيه مقابلة مسألة السائلين بالإجابة، و‏(‏الواسع‏)‏ ومن معانيه ذو السعة المطلقة من العلم والخير والإحسان وبسط النعم‏ ,‏ و‏(‏الودود‏)‏ ومن معانيه الإنعام على سبيل الابتداء بمحبة ورأفة‏,‏ و‏(‏البَر‏)‏ وهو المحسن المتفضل بكل بر وإحسان‏ ,‏ و‏(‏مالك الملك‏)‏ أي صاحب المشيئة النافذة‏ ,‏ والإرادة الغالبة‏ .‏
وخلاصة ذلك أن قرار توزيع الأرزاق على العباد يصدره ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ في علاه، فتنزل به الملائكة إلى الأرض تصديقاً لقول المصطفى‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ : " إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ‏,‏ ثم يكون علقة مثل ذلك‏ ,‏ ثم يكون مضغة مثل ذلك‏ ,‏ ثم يرسل إليه الملك‏,‏ فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات‏:‏ يكتب رزقه‏ ,‏ وأجله‏ ,‏ وعمله ‏,‏ وشقي أو سعيد .‏ (أخرجه مسلم)

 وصدق الله العظيم الذي أنزل من فوق سبع سماوات ومن قبل أربعة عشر قرناً قوله الحق‏ : " وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ " (الذاريات:22) .