" وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ " (الأعراف-11).


هذه الآية القرآنية الكريمة جاءت في أوائل سورة الأعراف‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ وآياتها‏(206)‏ بعد البسملة‏,‏ وهي أطول سور القرآن الكريم بعد البقرة‏,‏ وأطول السور المكية على الإطلاق‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلى الأعراف، وهي أسوار مضروبة بين كلٍ من الجنة والنار للحيلولة بينهما ‏.‏
ويدور المحور الرئيسي لسورة الأعراف حول الركائز الأساسية للعقيدة الإسلامية، والتي لخصتها في ردود أربعة من رسل الله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ على أقوامهم، وهم نوح‏,‏ وهود‏,‏ وصالح، وشعيب‏ ـ‏ على نبينا وعليهم من الله السلام‏ ـ‏ وذلك بالمنطق السديد الذي عبَّر عنه القرآن الكريم بقول كل واحد منهم لقومه‏ :‏
‏"يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ‏ " (الأعراف:59) .
‏وقد اتبع كل واحد من هؤلاء الأنبياء تلك النصيحة الغالية بتحذير شديد من مغبَّة الخروج عليها أو الحيود عنها‏,‏ أو بتقريع صاعق للخارجين فعلاً عليها‏,‏ وذلك مثل قول نبي الله نوح‏ ـ عليه السلام‏ ـ‏ لقومه‏:
" إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيم ‏" (‏ الأعراف‏:59).
وقول نبي الله هود‏ ـ‏ عليه السلام ـ‏ لقومه‏:
"أَفَلاَ تَتَّقُون "   (‏ الأعراف‏:65).
و مثل قول كلٍ من نبي الله صالح ونبي الله شعيب‏ ـ‏ عليهما من الله السلام‏ ـ‏ كلٌ إلى قومه‏ :" قَدْ
جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُم "  (‏ الأعراف‏:85,73) .
 وقد فصلت سورة الأعراف قصص هؤلاء الأنبياء الأربعة تفصيلاً بيِّنا‏ًً .
‏ وتبدأ سورة الأعراف بأربعةٍ من الفواتح الهجائية هي ‏(‏ المص‏),‏ وقد سبق لنا تفصيل أقوال المفسرين فيها‏.‏
وبعد هذا الاستهلال خاطبت الآيات خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ موصية إياه بألا يتحرَّج من التبليغ بالقرآن الكريم والإنذار به‏,‏ وجعله ذكرى للمؤمنين‏،‏ ونادت على الناس جميعاً بضرورة اتباع الهداية الربانية التي أنزلت إليهم في الرسالة الخاتمة التي بعث بها النبي والرسول الخاتم ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ محذرة إياهم من اتخاذ أولياء من دون الله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ فيقعون في أدران الشرك وظلماته‏؛‏ لأن الناس قليلاً ما يتذكرون إلا بعد فوات الأوان‏,‏ وفي ذلك تقول الآيات‏ :
‏ " وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَائِلُونَ . فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا إِلاَّ أَن قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ . فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ المُرْسَلِينَ . فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِين
‏"  (‏ الأعراف‏:4‏ ـ‏7) .‏
ثم ذكَّرت الآيات بموقف الحساب يوم القيامة وبمصائر كلٍ من المفلحين والخاسرين فتقول‏:
" وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُون . وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُم بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُون "‏   (‏ الأعراف‏:9,8) .‏
وأشارت الآيات إلى فضل الله‏ ـ تعالى ـ‏ على عباده بتمكينهم في الأرض تمكيناً يستوجب الحمد والشكر‏,‏ وذلك بتذليلها وتسخير كل شيء فيها لهم‏,‏ ثم شرعت في استعراض قصة البشرية مممثلة في خلق أبينا آدم ـ عليه السلام ـ وفي صلبه جميع نسله فرداً فرداً إلى يوم الدين بصفات كل فرد المميزة له‏,‏ وأمر الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ الملائكة أن تسجد لآدم :‏ 
" فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِين‏ " (‏ الأعراف‏:11) .‏

وخلق الله‏ ـ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ من آدم زوجه ليسكن إليها‏,‏ وليكون له منها النسل إلى يوم الدين‏ .‏ وسجود الملائكة لأبينا آدم ـ عليه السلام ـ‏ هو أولا‏ًً:‏ طاعة لأمر الله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ وهو ثانيا‏ًً :‏ تكريم لآدم الذي أراد الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ إكرامه ورفعه وتفضيله‏,‏ وتفضيل نسله على كثير ممن خلق تفضيلاً‏,‏ فخلقه‏ ـ تعالى‏ ـ‏ بيديه‏,‏ ونفخ فيه من روحه‏,‏ وعلمه الأسماء كلها‏,‏ وأسجد له ملائكته‏,‏ وخلق زوجه منه‏,‏ وأسكنهما الجنة‏,‏ وأثبت في محكم كتابه قوله العزيز ‏:‏
 " وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ‏" (‏ الاسراء‏:70)‏.
وصوَّرت الآيات بعد ذلك حقد الشيطان على أبينا آدم ـ‏ عليه السلام‏ ـ‏ وتآمره ضده، وتوعِّده له ولذريته من بعده، فطرده الله‏ ـ تعالى ـ‏ من الجنة‏,‏ وأمهله حين طلب النظرة إلى يوم البعث‏ .‏ وقد ابتُلِيَ أبونا آدم وأمنا حواء بالاختبار الذي أخرجهما من الجنة بعد توبة الله‏ ـ سبحانه و تعالى‏ ـ عليهما‏,‏ والهبوط بهما إلى الأرض لتبدأ بهما رحلة الحياة والموت‏,‏ ومن بعدهما البعث‏,‏ والنشور‏,‏ والحساب‏,‏ والجزاء ، والخلود‏,‏ إما في الجنة أبداً أو في النار أبدا‏ًً .
وفي سياق هذه السورة المباركة يأتي تحذير الله‏ ـ سبحانه و تعالى‏ ـ‏ لعباده من الشيطان وجنوده وأعوانه وفتنه ودسائسه‏,‏ ويوصيهم ربهم بما يحفظهم من كل ذلك‏,‏ ويحل لهم ربهم الطيبات‏,‏ ويحرِّم عليهم الفواحش ما ظهر منها وما بطن‏,‏ والإثم والبغي بغير الحق، وذلك مثل الشرك بالله‏ ـ تعالى ـ أو الكفر به‏,‏ أو التقوُّل عليه بغير علم‏,‏ أو التكذيب بآياته ورسله‏,‏ وغير ذلك من الاعتقادات الفاسدة‏,‏ والسلوكيات الهابطة، التي تودي بصاحبها إلى جهنم وبئس المصير‏ .
ثم تنتقل الآيات إلى استعراض موقف من مواقف يوم القيامة، وأهل الجنة في الجنة‏,‏ وأهل النار قد أُلقوا فيها‏,‏ وأهل الأعراف على الأسوار الفاصلة بينهما‏,‏ وتستمر الآيات في ذكر شيء من أفضال الله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ على عباده ـ وما أكثَرَها ـ وتَخْلُص إلى الدعوة بالالتجاء دوماً إلى الله ـ‏ تعالى ـ‏ بالدعاء والضراعة سراً بخشوع وخضوع تامَّين؛ لأنه‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ لا يحب المتشدِّقين برفع الأصوات في الدعاء رياءاً وتظاهرا‏ًً,‏ وفي ذلك تقول الآيات ‏:
‏ 
 " ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ‏ . وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ المُحْسِنِين "‏ (‏الأعراف‏:56,55) .‏                               
ومن قبيل التثبيت لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والتعليم لأتباعه من بعده، عرضت سورة الأعراف لقصص عدد من المرسلين‏,‏ وتفاعل أقوامهم معهم‏,‏ وجزاء هؤلاء الأقوام‏,‏ وفي ذلك ما يؤكد على وحدة رسالة السماء‏,‏ وعلى الأخوة بين الأنبياء‏ .‏
وفي سياق هذا القصص القرآني فصَّلت سورة الأعراف قصة سيدنا موسى‏ ـ‏ عليه السلام‏ ـ‏ مع فرعون وملئه‏,‏ عارضة أخذ الله‏ ـ تعالى ـ‏ آل فرعون بالسنين والآفات‏,‏ ثم إغراق فرعون وجنده‏ .
كذلك أكدت الآيات في هذه السورة المباركة انحراف بني إسرائيل عن منهج الله‏‏ بعبادة العجل‏,‏ ثم صلفهم بطلب رؤية الله جهرة‏,‏ ودك الجبل بهم عقاباً على ذلك الصلف‏,‏ وتنزيل الألواح على موسى‏,‏ وصعق قومه في الميقات الثاني‏,‏ وعصيانهم عن دخول القرية‏,‏ وتحايلهم من أجل الصيد في يوم السبت ـ وقد كان ذلك محرَّماً عليهم‏ ـ ونتق الجبل فوقهم كأنه ظلة‏,‏ ومسخ الفاسقين الظالمين منهم قردة وخنازير‏,‏ والقرار الإلهي ببعث من يسومهم سوء العذاب إلى يوم القيامة‏,‏ وتشريدهم في الأرض‏‏ عقاباً لهم على إجرامهم وإفسادهم في الأرض‏,‏ وتحريفهم كلام الله‏ ـ تعالى . ‏وتتابع الآيات في سورة الأعراف الإشارة إلى الرسالة الخاتمة، وذلك في الرد على نبي الله موسى ـ‏ عليه السلام‏ ـ وهو يتضرع إلى الله‏ ـ تعالى ـ‏ ألَّا يهلكه بما فعل السفهاء من قومه ‏.‏
ثم تأتي البشرى الإلهية بمقدم خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ وتأمره الآيات بالإعلان عن عالمية رسالته السماوية الخاتمة، وذلك بالأمر الإلهي إليه الذي نصه‏ :" قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُو يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون
"‏ (‏ الأعراف‏:158)‏ .
وتؤكد سورة الأعراف حقيقة العهد الذي أخذه ربنا‏ ـ تبارك وتعالى ـ‏ على جميع بني آدم وهم في عالم الذر في أصلاب آبائهم، وأشهدهم على أنه لا إله إلا الله‏,‏ وأنه لا رب ولا معبود سواه فتقول ‏:‏
" وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِين "‏ (‏ الأعراف‏:172) .‏
وتضرب هذه السورة الكريمة مثلاً للذي آتاه الله ـ تعالى‏ ـ آياته فكذَّب بها‏,‏ وانسلخ منها‏,‏ فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين، فأصبح كالكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث‏,‏ وتؤكد أن الهداية من الله ـ سبحانه وتعالى ـ وتدعو إلى استخدام الحواس التي وهبها ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ للإنسان إلى أبعد مدى‏,‏ وتدعو المؤمنين بالمداومة على ذكر الله بأسمائه الحسنى وصفاته العليا‏,‏ وبمقاطعة الذين يلحدون في أسمائه ‏.‏
وتؤكد الآيات دور خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ بأنه النذير المبين‏,‏ والبشير للمؤمنين‏,‏ وتدعو إلى النظر في ملكوت السماوات والأرض، وما خلق الله من شيء غيرهما‏,‏ وتحذر من اقتراب الأجل‏,‏ ومن فجائية الساعة التي علمها عند الله وحده، ولكن أكثر الناس لا يعلمون‏ .‏ وتذكر الآيات على لسان الرسول الخاتم ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ أنه لا يملك النفع والضر، ولا يعلم الغيب إلا الله‏,‏ وتنهى عن الشرك بالله ـ تعالى ـ وتأمر بمكارم الأخلاق، وبحسن الاستماع إلى القرآن الكريم إذا قُرئ‏,‏ وبذكر الله في النفس تضرعاً وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال، تشبهاً بملائكة الله‏ ـ سبحانه وتعالى ـ الذين " لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ " (الأعراف:206) ,‏ ومن هنا تختتم هذه السورة الكريمة بسجدة من سجدات التلاوة‏,‏ تأكيداً على توحيد الله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ والخضوع له وحده بالطاعة والعبادة‏ ـ‏ كما بدأت بتوحيده‏ ـ‏ وبالتأكيد على تفرده‏ ـ‏ سبحانه ـ‏ بالإلوهية‏,‏ والربوبية‏,‏ والخالقية‏,‏ وبالتأكيد على صدق الوحي بالقرآن الكريم‏,‏ وبصدق نبوة خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين .

من ركائز العقيدة الإسلامية في سورة الأعراف :
‏(1)‏ الإيمان بالله ـ تعالى‏ ـ‏ رباً واحداً أحدا‏ًً,‏ فرداً صمداً‏,‏ وبالإسلام ديناً واحداً‏,‏ أنزله الله ـ تعالى ـ‏ على عدد كبير من الأنبياء والمرسلين‏,‏ وأتمه في بعثة خاتمهم أجمعين ‏.‏
‏(2)‏ التصديق بالقرآن الكريم وحياً خاتماً من رب العالمين‏,‏ محفوظاً بحفظه في نفس لغة وحيه على مدى الأربعة عشر قرناً الماضية وإلى أن يرث الله ـ تعالى‏ ـ الأرض ومن عليها ‏.‏
‏(3)‏ اليقين بأن الله‏ ـ تعالى‏ ـ الذي أبدع هذا الكون بعلمه وحكمته وقدرته، منزه عن الشريك‏,‏ والشبيه‏,‏ والمنازع‏,‏ والصاحبة والولد‏؛ لأن هذه كلها من صفات المخلوقين‏,‏ والله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ منزه تنزيهاً كاملاً عن جميع صفات خلقه‏ .‏ ‏
(4)‏ التسليم بضرورة الحساب والجزاء‏,‏ والتصديق بجميع صور العذاب الذي أنزله الله ـ تعالى‏ ـ‏ بالكفار والمشركين، والعصاة المتمردين من الأمم السابقة‏ .‏
‏(5)‏ الإيمان بحتمية البعث بعد الموت‏,‏ وبضرورة الحساب والجزاء في الآخرة‏,‏ واليقين بالجنة والنار، وبما في كلٍ منهما من صور الجزاء التي أوضحها القرآن الكريم‏,‏ وفسرتها سنة خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلى الله عليه وسلم‏ .‏
‏(6)‏ الخضوع لله ـ تعالى ـ‏ بالعبادة والطاعة‏,‏ والمواظبة على تسبيحه، وتحميده، وتمجيده وشكره على كل نعمة أنعم بها على عباده‏,‏ ومداومة ذكره بأسمائه الحسنى، وصفاته العليا‏,‏ تضرعاً وخفية ودون الجهر من القول ‏.‏ ‏
(7)‏ اليقين بأن الله ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ هو خالق كل شيء‏,‏ وبأن الإنسان مخلوق مكرَّم مادام خاضعاً بالطاعة والعبادة لله‏ ـ تعالى ـ‏ وما دام مستقيماً على المنهج الذي وضعه له الله‏,‏ ومتأسياً بسنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم‏ .‏ ‏
(8)‏ التصديق بمحاولة الشيطان غواية أبوينا آدم وحواء‏ ـ عليهما السلام‏ ـ‏ عند بدء خلقهما‏,‏ وبأنهما تابا إلى الله‏ ـ تعالى‏ ـ وأنابا‏,‏ وأن الله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ قد قَبِل توبتهما‏,‏ وأن أحداً من ذريتهما لا يحمل شيئاً من وزرهما الذي غفره الله‏ـ‏ جل جلاله‏ ـ‏ لهما بواسع رحمته‏ .‏
 
‏(9)‏ اليقين بأن الشرك بالله كفر به‏,‏ وكذلك التقوَّل على الله ـ سبحانه وتعالى ـ‏ بما لم ينزل به سلطانا‏ًً,‏ وبأن الخوض في الفواحش ما ظهر منها وما بطن‏,‏ وفي الإثم والبغي بغير الحق، خروج على أوامر الله ومنهجه‏,‏ وكذلك الإسراف والإفساد في الأرض‏ .‏
(10)‏ الإيمان بأن كلاً من الأجل والرزق محدد سلفاً لكل فرد من قبل خروجه إلى مسرح الحياة‏,‏ وعليه فإن المسلم لا يخشى على الرزق‏,‏ ولا يخاف الأجل‏,‏ ومن ثم لا يَجْبُن بسبب ذلك أبداً ‏.‏
‏(11)‏ التسليم بأن خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ هو بشير ونذير مبين للناس جميعاً‏,‏ وأن ذكره العطر قد جاء في كتب الأولين من الأنبياء والمرسلين‏,‏ وأن إنكار نبوته، أو التنكر لرسالته، هو من الكفر بالله الذي يحبط الأعمال في الدنيا والآخرة، ويردي في نار الجحيم‏ .



من الدلالات اللغوية للآية الكريمة :
في قوله ـ تعالى‏ ـ :‏ " وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ " (الأعراف:11) .‏ ‏(‏الواو‏)‏ من حروف العطف‏,‏ تجمع بين الشيئين ولا تدل على الترتيب .‏ و‏(‏اللام‏)‏ من حروف الزيادة‏,‏ وهي هنا للتأكيد‏.‏ و‏(‏قد‏)‏ ـ بالتخفيف ـ حرف لا يدخل إلا على الأفعال‏,‏ خاصة الفعل الماضي لإثبات سبقه لفعل ماضٍ آخر‏,‏ والنحويون يقولون هو للتوقع‏,‏ والحقيقة أنه إذا دخل على فعل ماضٍ فإنه يدخل على كل فعل متجدد‏,‏ وذلك مثل قوله‏ ـ تعالى‏ ـ :‏ " لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ " (‏ آل عمران‏:164) .‏
وقوله ـ‏ عز من قائل‏ ـ : " لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ " (‏ الفتح‏:18) .
‏ وقوله‏ ـ سبحانه و تعالى ـ : " قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ التَقَتَا "‏ ‏(‏ آل عمران‏:13) .
وإذا دخل الحرف‏(‏ قد‏)‏ على الحاضر أو المستقبل من الفعل فإن ذلك الفعل يكون في حالة دون حالة، وذلك مثل قوله‏ ـ تعالى ـ : "‏ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً "‏ ‏(‏النور‏:63) .‏ أي الذين قد يتسللون أحياناً فيما علم الله‏ ـ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ ولا يصح استخدام الحرف‏(‏ قد‏)‏ في الأوصاف الذاتية لله ـ تعالى ـ‏ فيقال كما قال الله ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ :" وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً "‏ ‏ (‏ النساء‏:17)‏ .
ولا يقال‏:‏ (وقد كان الله عليما حكيما) لأن هذا النص يوحي بانقضاء العلم والحكمة‏,‏ وصفات الله الباقي لا تنقضي أبداً؛ لأنه خالق كلٍ من الزمان والمكان ليحد بهما مخلوقاته‏,‏ ويبقى‏ ـ جل جلاله‏ ـ‏ فوق كلٍ من المكان والزمان والمادة والطاقة التي خلق منها الخلق‏,‏ وكلها من مخلوقاته‏,‏ والمخلوق لا يحد خالقه أبدا‏ًً .‏ أما عن الفعل‏ " خَلَقْنَاكُمْ "‏ فأصل‏(‏ الخلق‏)‏ هو الإبداع والتقدير الدقيق المستقيم‏,‏ ويستعمل في التعبير عن الإبداع للشيء على غير مثال سابق ـ أي من غير أصل ولا احتذاء‏ ـ وذلك مثل قوله ـ تعالى ـ : " وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقّ " ‏(‏ الأنعام‏:73)‏. أي أبدعهما على غير مثال سابق بدلالة وصفه لذاته العلية بصفة ‏:‏ " بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ " (‏ البقرة‏:117) .‏ ويستعمل الفعل‏(‏ خَلَقَ‏)‏ في التعبير عن إيجاد شيء من شيء آخر، وذلك مثل قوله ‏ـ تعالى‏ ـ :‏ ‏" الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا " (‏ النساء‏:1)‏ . و‏(‏الخلق‏)‏ الذي يُقصد به الإبداع ـ‏ أي الإيجاد من العدم على غير مثال سابق‏ ـ لا يكون إلا لله ‏ـ سبحانه وتعالى‏ ـ ولذلك وصف ذاته العلية بـ‏(‏ الخالق‏)‏ و‏(‏الخلَّاق‏),‏ وفرَّق بين الخالق والمخلوق بقوله العزيز‏ : " أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ " (‏ النحل‏:17) .‏ وفعل‏(‏ الخلق‏)‏ لا يستخدم في حق المخلوقين إلا على وجهين : أحدهما يعني التقدير لشيء من شيء آخر‏,‏ والثاني في التعبير عن الكذب، ويسمى‏(‏ الاختلاق‏)‏ ـ بمعنى الافتراء ـ‏ وذلك مثل قوله ـ تعالى ـ : ‏" إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً " (‏العنكبوت‏:17) .‏
أما قوله‏ ـ تعالى‏ ـ :" فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ "‏ (المؤمنون:14)، فمعناه أحسن المقدِّرين؛ لأن الله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ هو خالق كل شيء‏,‏ وغيره لا يخلق وإن استطاع التقدير‏ .‏ ولفظة‏(‏ الخلق‏)‏ تقال في معنى‏(‏ المخلوق‏),‏ ولفظتا‏(‏ الخُلُق‏)‏ و‏(‏الخَلْق‏)‏ في الأصل واحد، ولكن خصت لفظة ‏(‏ الخلق‏)‏ بالهيئات والأشكال المُدرَكة بالبصر‏,‏ وخصت لفظة‏(‏ الخُلُق‏)‏ بالسجايا المُدرَكة بالبصيرة ـ أي‏(‏ الأخلاق‏) ـ‏ و‏(‏الخلاق‏)‏ هو ما يكتسبه الإنسان من الفضيلة بخلقه‏,‏ و‏(‏الخليقة‏)‏ و‏(‏الخلائق‏)‏ هم خلق الله‏,‏ و‏(‏الخِلْقَة‏)‏ هي الفطرة‏ .‏ يقال‏:‏ فلان‏(‏ خليق‏)‏ بكذا أي جدير به‏,‏ كأنه مخلوق فيه ذلك‏,‏ أو كأنه مجبول بفطرته على ذلك ـ أي مدعو إليه بالفطرة‏ ـ و‏(‏الخلاق‏)‏ هو النصيب‏,‏ و‏(‏الخَلُوق‏)‏ ضرب من الطيب ‏.‏ ‏" صَوَّر ‏"‏ هذا الفعل معناه صنع‏(‏ صورة‏)‏، و‏(‏الصورة‏)‏ هي الهيئة المُدرَكة بالبصر والبصيرة التي خُصَّ بها كل مخلوق، أو هي الهيئة التي يوجد عليها الشيء، ومنها المحسوس الذي يدركه كلٌ من الخاصة والعامة بالمعاينة والمشاهدة الحسية، وذلك مثل الصور المادية الملموسة المجسمة لكلٍ من الإنسان، والحيوان، والنبات، والجماد‏,‏ ومنها الصور المُستَنتَجة‏,‏ غير المُدرَكة بالحس، كالصُوَر الضمنية التي اختُص الإنسان بها ، مثل ما وهبه الله‏ ـ تعالى‏ ـ من قدرات الذكاء‏,‏ والإدراك‏,‏ والمشاعر‏,‏ والأحاسيس‏,‏ والانفعال‏,‏ والتعبير، والقدرة على كسب العلم والمهارات وتعليمهما‏,‏ وغير ذلك من المعاني التي اختص الله ـ سبحانه وتعالى ـ‏ بها الإنسان ‏.‏ وقد أشار القرآن الكريم إلى هاتين الصورتين بقول ربنا‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ :
(1)‏" هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ " ( آل عمران‏:6) .‏
‏(2)‏ " وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ " ‏(‏ الأعراف‏:11)‏ .
(3)" وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ " (‏ غافر‏:64)‏ .
‏(4)‏" الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ . فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ " (‏ الانفطار‏:8,7) .‏
ووصف ربنا‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ‏ ذاته بـ المُصوِّر فقال ـ‏ عز من قائل ـ :‏ "هو اللَّهُ الخَالِقُ البَارِئُ المُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى"‏ ( الحشر‏:24) .‏ وجمع‏(‏ الصورة‏)(‏ الصُِور‏)‏ بضم الصاد وكسرها‏.‏ يقال‏(‏ صَوَّره‏)(‏ تصويرا‏ًً)(‏ فتصوَّر‏),‏ وتصورت الشيء توهمت‏(‏ صورته‏)(‏ فتصور‏)‏ لي‏,‏ و‏(‏ التصاوير‏)‏ هي التماثيل ‏.‏ و‏(‏السجود‏)‏ أصله الخضوع والتطامن والتذلل لله‏ ـ تعالى ـ وعبادته بما أمر‏,‏ ومنه‏(‏ سجود‏)‏ الصلاة، وهو وضع الجبهة على الأرض‏,‏ وهناك السجود الإرادي‏ الاختياري للمخلوقات المكلَّفة ذات الإرادة الحرة، كالإنس والجن‏,‏ والسجود الفطري التسخيري، وهو للمخلوقات غير المكلَّفة ‏.‏


من الدلالات العلمية للآية الكريمة :
أولاً ‏:‏ إدراك حقيقة قوانين الوراثة التي ترد الناس جميعاً إلى أب واحد ‏:‏
فالخطاب في الآية الكريمة التي نحن بصددها موجَّه إلى الناس كافة بقول ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ :‏ " وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ‏ " ( الأعراف‏:11)‏ .
وتؤكده الآية السابقة مباشرة والتي يقول فيها الحق ـ‏ جل جلاله‏ ـ :‏" وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ " (أعراف‏:10)‏ . ولكن تكملة الآية الحادية عشرة تتحدث عن أبينا آدم ـ عليه السلام ـ‏ مما يشير إلى حقيقة أن ذريته جميعا كانوا في صلبه لحظة خلقه ، بدليل قوله ـ تعالى ـ في نفس السورة‏ :‏ "وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِين "‏ ( الأعراف‏:172).
وبدليل قوله‏ ـ‏ عز من قائل‏ ـ‏ في نفس السورة أيضا‏ًً :‏ " هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا " (‏ الأعراف‏:189) .‏
ودراسات الوراثة تؤكد هذه الحقيقة‏,‏ فالشيفرة تتكدس في حيز لا يتعدى واحداً من المليون من الملليمتر المكعب داخل نواة الخلية‏,‏ والخلية الحية في جسم الإنسان لا يتعدى قطرها‏ (0,03‏ ـ مم‏)‏ في المتوسط‏,‏ وتحتوي هذه الشيفرة على‏46‏ جسيماً صبغياً يتكون كلٌ منها من تجمعات لعدد من البروتينات والحمض النووي المُشكَّلة في هيئة لفائف مزدوجة الجانب لافَّة حول محور وهمي على هيئة حلزونية تعرف باسم لفائف الحلزون المزدوج للحمـض النووي الريبي غير المؤكسد
‏(Double Helix DNA Strands or Templates)‏ ، ويبلغ سمك جدار هذه اللُفَيْفَة‏(50/1‏ مليون مم‏),‏ ويبلغ قطرها‏(500.000/1‏ مم‏),‏ ويصل طولها إذا فُردت إلى قرابة المترين‏,‏ وتحمل كل واحدة منها ما يزيد على الأربعمائة مليون قاعدة كيميائية‏(404.347.800 ، 46 صبغي‏=18,6‏ بليون قاعدة كيميائية‏)‏ مرتبة ترتيباً مُحكَماً دقيقا‏,‏ لو اختلت قاعدة واحدة منها عن مكانها فإن هذا البناء ينهار تماماً أو يشوَّه‏ .
ويقسم كل صبغي على طوله بعدد من العلامات المميزة‏(Markers)‏ إلى عدد من المورثات‏(Genes)‏ تنتشر على مسافات محددة من بعضها البعض‏,‏ ويحمل كل منها عدداً من الأوامر لإنتاج كلٍ من الأحماض الأمينية والإنزيمات والهرمونات والمضادات الحيوية وغيرها من البروتينات اللازمة لبناء مختلف خلايا الجسم‏,‏ كما يتحكم كل مورث في عدد من صفات وأنشطة الجسم بما يميزه عن غيره من البشر ‏.‏
وقد وهب الله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ الخلية الواحدة من خلايا جسم الإنسان القدرة على إنتاج أكثر من مائتي ألف نوع من أنواع البروتينات اللازمة لبناء جسمه، والتي تحضر بأوامر من الشيفرة الوراثية داخل جسيمات ميكروسكوبية خاصة من عضيَّات الخلية الحية تعرف باسم الريباسات
‏(Ribosomes)،‏وتحتوي كل خلية من خلايا جسم الإنسان على‏(46)‏ صبغياً موزعة في‏(23)‏ زوجاً، منها‏ (22)‏ زوجاً مهمتها الانقسام المتكرر لبناء مختلف خلايا الجسم‏,‏ وزوج واحد من هذه الصبغيات للتناسل يتكون من صبغيين متماثلين في الأنثى(XX)، وغير متماثلين في الذكر‏ (XY) .
وفي الوقت الذي يتم فيه انقسام الخلايا الجسدية انقساماً طولياً يعرف باسم الانقسام الفتيلي
(Mitosis) يحافظ على عدد الصبغيات في كل خليتين وليدتين بالانقسام‏,‏ فقد شاءت إرادة الخالق العظيم أن تتكون الخلايا التناسلية من الخلايا الجسدية بانقسام انتصافي (Meiosis) ليعطي لكل خلية تناسلية نصف عدد الصبغيات في الخلية الجسدية، حتى إذا ما اتحدت خليتان تناسليتان إحداهما مذكرة والأخرى مؤنثة، تكامل عدد الصبغيات المحدد للنوع في النطفة الأمشاج ‏، ‏ويبدأ تخلق جنين الإنسان من اندماج نطفتي الزوج والزوجة لتكوين النطفة الأمشاج التي تنشط في الانقسام فتكرر ذاتها لمرات عديدة مكونة التويتة(Morula) التي تتحول إلى الكرة الأرومية بمزيد من الانقسام، ثم تنغرس ببطانة الرحم لتنمو في عدد من الأطوار المحددة حتى يتم الوضع‏ .‏
وبالرجوع بعمليات انقسام الخلايا التناسلية إلى الوراء مع الزمن، فإن نسل أبينا آدم كله‏ ـ‏ بالبلايين التي تملأ جنبات أرض اليوم‏,‏ والبلايين التي عاشت من قبل وماتت‏,‏ وتلك التي سوف تخلق إلى قيام الساعة‏ ـ يلتقي في صلبه لحظة خلقه‏,‏ ومن هنا فإن الخطاب الموجه إليه في الآية الكريمة التي نحن بصددها كان موجهاً إلى جميع نسله من لحظة خلقه إلى قيام الساعة‏ ،‏ وعلى ذلك فإن المقصود بقول ربنا‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ :‏" نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ.."
(الواقعة:57)هو خلق آدم عليه السلام من طين، ثم إكرامه بنفخة الروح فيه‏,‏ وخلق جميع ذريته في صلبه لحظة خلقه‏ .‏ وقوانين الوراثة لم تُدرَك تفاصيلها إلا في أوائل القرن العشرين‏,‏ والإشارة إليها في هذه الآية الكريمة وأمثالها مما يقطع بأن القرآن الكريم لا يمكن أن يكون صناعة بشرية، بل هو كلام الله الخالق‏,‏ ويشهد بالنبوة وبالرسالة للنبي الخاتم الذي تلقاه . فصلِ اللهم وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه، ومن تبع هداه، ودعا بدعوته إلى يوم الدين‏ .‏

ثانيا‏ًً :‏ الإشارة إلى تقدير صفات الجنين في بطن أمه عبر مراحل متتالية بوصف التصوير ‏:‏
وذلك انطلاقاً من قول ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ: "‏ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ .."(الأعراف:11) ، أي قدرنا صفاتكم الوراثية تقديراً كاملاً وأنتم في عالم الذر في صلب أبيكم آدم ـ‏ عليه السلام ـ‏ حتى تكونوا على صورته‏,‏ ووضعنا الأوامر بذلك في الشيفرة الوراثية الخاصة بكلٍ منكم حتى يخرج إلى الحياة على الصورة التي حددنا لكل فرد واحد منكم‏,‏ وقد جاء ذلك في وقت سيادة الخرافات والأساطير عن خلق الجنين كاملاً بصورة مُصغَّرة في ماء الرجل، والتي سادت حتى أواخر القرن السابع عشر الميلادي‏(1794‏ م‏),‏ أو في ماء المرأة كما ساد حتى أواسط القرن الثامن عشر الميلادي‏(1845‏ م‏)‏، واستمرار المعارك الطاحنة بين أنصار كلٍ من هاتين الأسطورتين حتى ثبت دور كلٍ من الذكر والأنثى في تكوين الجنين، وذلك في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي‏,‏ ولم يتم الإجماع على ذلك إلا في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين‏,‏ وقد نزل القرآن الكريم من قبل أربعة عشر قرناً مؤكداً هذه الحقيقة‏,‏ وواصفاً مراحل خلق الجنين البشري بدقة وشمول يفتقر إليهما العلم الحديث في قمة من قمم العلم الكسبي‏,‏ وأجمل ذلك في التعبير القرآني" ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ " الذي جاء في الآية الكريمة التي نحن بصددها ‏.‏
فربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ قد قدَّر صفات كل فرد من بني آدم في علمه الأزلي‏,‏ وضمَّن صلب أبينا آدم‏ ـ‏ عليه السلام‏ ـ‏ تلك الصفات لحظة خلقه‏,‏ وأظهرها في الوقت الذي حدده لظهورها على هيئة شيفرة مبرمجة، نصفها في صلب الأب الموعود‏,‏ ونصفها الآخر في صلب الأم المحددة‏,‏ فإذا التقيا في زواج تكاملت الصفات المحددة في النطفة الأمشاج المحددة التي تستقر في الرحم، فتمر بعدد من المراحل المقدرة بدقة فائقة ‏(‏ العلقة‏,‏ المضغة‏,‏ وفيها تنفخ الروح‏,‏ ثم تخلق العظام وتكسى لحما‏ًً,‏ ثم ينشأ الجنين خلقاً آخر‏)‏ ومن الأمور المبهرة حقاً في تلك المراحل الاختيار الدقيق لنطفة محددة من بلايين النطف التي يهبها الخالق العظيم للزوج لتلتقي مع بييضة محددة من بين بلايين البييضات التي يهبها للزوجة لتتخلق منهما نطفة أمشاج محددة الصفات مسبقاً في علم الله الحكيم الخبير ‏.‏ ثم الانقسامات السريعة للنطفة الأمشاج لتكوين التويتة ، ثم الكرة الأرومية التي هيَّأها الله ‏ـ تعالى‏ ـ بعدد من الخلايا الآكلة التي تحفر لها طريقاً في بطانة الرحم، فتنغرس فيه وتتشبث به لكي تتغذى على دم الأم بعد نفاد غذائها، فتأخذ طور العلقة‏,‏ ثم يظهر الشريط الأوَّلي على سطحها فتتخلق عبره كل خلايا وأنسجة وأعضاء وأجهزة الجسم عبر الخلايا الجذعية للكرة الأرومية ، والتي وهبها الخالق العظيم قدرات فائقة على التشكل والتكيف لكل عضو حسب وقت ظهوره‏,‏ وهو ما وصفه الخالق‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ بقوله العزيز‏:‏" ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ " (الأعراف:11) على مستوى الصفات المحددة في المورثات، وهو أمر مقدَّر سلفاً‏,‏ ثم على مستوى الخلايا والأنسجة والأعضاء يتم عبر الأطوار المتتالية التي حددها القرآن الكريم بدقة بالغة قبل أن تصل العلوم المكتسبة إلى معرفة شيء عنها في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين ‏.‏
والجنين البشري لا يبدأ في اكتساب الملامح الإنسانية إلا بعد نفخ الروح فيه بنهاية الأسبوع السادس‏,‏ وتبقى المرحلة إلى وضع الجنين ـ بنهاية الأسبوع الثامن والثلاثين‏ ـ‏ مرحلة للنمو والتكامل في بناء الأعضاء والأجهزة المختلفة‏،‏ وهذه الأطوار ـ من النطفة الأمشاج إلى اكتمال نمو الجنين ـ هي مرحلة التصوير التي قدرها الخالق ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ في الشيفرة الوراثية التي كانت في صلب أبينا آدم‏ ـ‏ عليه السلام‏ ـ‏ وفرده وأطلقها إلى حيز الوجود عند لحظة تخلُّق كل فرد من بن آدم التي ذكرتها الآية الكريمة‏ .‏
هذه الحقائق العلمية عن مراحل الجنين في الإنسان، والتي لا يتعدى طول بعضها أجزاء من الملليمتر لم تصل إليها العلوم المكتسبة إلا في القرن العشرين‏,‏ وتفصيل القرآن الكريم لها من قبل أربعة عشر قرناً في زمن لم تتوافر أية وسيلة من وسائل التكبير أو التصوير أو الكشف العلمي، مما يشهد للقرآن الكريم بأنه لا يمكن أن يكون صناعة بشرية‏,‏ بل هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ وحفظه بعهده في نفس لغة وحيه ـ‏ اللغة العربية ـ‏ وحفظه حفظاً كاملاً‏:‏ كلمة كلمة، وحرفاً حرفاً حتى يبقى حجة على جميع الخلق إلى يوم الدين‏ .

فالحمد لله على نعمة القرآن الكريم‏,‏ والحمد لله على نعمة الإسلام العظيم‏,‏ والصلاة والسلام على أنبياء الله أجمعين‏,‏ وعلى رأسهم خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد النبي الأمين، الذي ختم الله ببعثته النبوات‏,‏ ليكون رسول الله للناس كافة‏,‏ وبه أكمل الدين‏,‏ وأتم النعم، فالحمد لله رب العالمين ‏.‏