" أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَراًّ ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً"(الزمر:21)


هذه الآية الكريمة جاءت في الثلث الأول من سورة الزمر‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ وعدد آياتها‏75‏ بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلى أن الناس يومَ القيامة سوف يُقسَّمون إلى زُمَر من أهل الجنة‏,‏ وزُمَر من أهل النار‏,‏ أي إلى جماعات جماعات‏,‏ فيساق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زُمَراً‏,‏ ويساق الذين كفروا إلى جهنم زُمَراً‏ .‏ ويدور المحور الرئيسي للسورة حول فضل القرآن الكريم‏,‏ وتعظيم التوحيد الخالص لله‏,‏ والأمر به‏,‏ وتشنيع الشرك به‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ والنهي عنه‏,‏ والتأكيد أن الشرك يحبط الأعمال‏,‏ ويجعل الواقع في وحلة من الخاسرين في الدنيا والأخرة‏,‏ كما تركز السورة الكريمة على حقيقة الآخرة‏,‏ وتصور لنا عدداً من مشاهدها‏,‏ مؤكدة أن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ لا يغفر أن يُشرَك به‏,‏ ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء من عباده‏ .وتمتدح السورةُ المؤمنين‏,‏ وتذكر طرفاً من إكرام الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ لهم‏,‏ وتذم الكفار والمشركين‏,‏ وتذكر طرفاً من عقابهم‏,‏ وتشير إلى شيء من طبائع النفس الإنسانية‏,‏ وتلمح إلى عدد من الآيات الكونية الدالة على طلاقة القدرة الإلهية المبدعة‏,‏ وتضرب عدداً من الأمثال للناس‏,‏ موجهة الخطاب بين الحين والآخر إلى خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ .‏ وتبدأ سورة الزمر بتأكيد الحقيقة الواقعة أن القرآن الكريم هو تنزيل من الله العزيز الحكيم‏,‏ أنزله إلى خاتم أنبيائه ورسله‏ بالحق المبين، الذي أمره بعبادة الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ مُخلصاً له الدين ـ وهو الإسلام العظيم ـ ذلك الدين الخالص لله وحده‏,‏ بغير شريك، ولا شبيه‏,‏ ولا منازع‏,‏ ولا صاحبة‏,‏ ولا ولد؛‏ لأن هذه كلها من صفات المخلوقين‏,‏ والله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ منزه عن صفات خلقه أجمعين‏ . وعلى ذلك يكون الشرك بالله كذباً عليه‏ ـ‏ سبحانه‏ ـ‏ وكفراً به‏, والله لا يهدي من هو كاذب كفار‏,‏ ولذلك تنفي الآيات في سورة الزمر ـ كما تنفي في غيرها من سور القرآن الكريم ـ كل دعاوى المبطلين بنسبة الولد إليه‏ ـ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً‏ ـ وذلك بقول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :‏
"
لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاَّصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ ‏"‏ (‏الزمر‏:4). ثم تستعرض سورة الزمر عدداً من الآيات الكونية الشاهدة لله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ بأنه خالق الكون‏,‏ وإلهه‏,‏ وربه‏,‏ ومليكه‏,‏ مؤكدة أن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ يرضى من عباده الشكر على نعمه‏,‏ ولا يرضى منهم الكفر‏,‏ فإن كفروا فإن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ غني عن العالمين . وتقرر أن نفساً لا تحمل إثم أخرى‏,‏ وتؤكد أن إلى الله مرجع الجميع‏,‏ فينبئهم بما كانوا يعملون" إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ " ، أي بما تكنه القلوب التي في الصدور‏ .‏
وتتحدث الآيات عن جانب
من جوانب النفس الإنسانية، ومنها اللجوء إلى الله في الشدائد‏,‏ ونسيان ذلك في حالات الرخاء والسعة‏,‏ والتبجح بالشرك لإضلال الخلق عن الحق‏,‏ وأن هذا الصنف من الناس قد يتمتع بكفره قليلاً‏,‏ ولكن مصيره في الآخرة إلى جهنم وبئس المصير ‏. وتقارن الآيات بين هذه الحالة من حالات النفس الإنسانية وبين الذين يرجون رحمة الله ويحذرون الآخرة‏,‏ فيجتهدون في العبادة آناء الليل وأطراف النهار‏,‏ وتقرر أنه لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون‏,‏ وأنه لا يتذكر إلا أولو الألباب ‏.‏ وتوجه الآيات الخطاب إلى خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ أن يطالب الذين آمنوا من عباد الله بتقوى الله‏,‏ مؤكداً أن للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة‏,‏ وأنه لا يجوز للمؤمن بالله أن يقبل الظلم أبدا‏ًً,‏ فأرض الله واسعة‏,‏ وأن الصبر على مجاهدة الظلم والظالمين من أعظم القربات إلى رب العالمين‏,‏ وأن الصابرين يوفَّوْن أجرهم بغير حساب‏,‏ وتطالبه الآيات‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ أن يقول للناس كافة‏ :‏‏" قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ . وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ المُسْلِمِينَ .‏ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ .‏ قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِينِي .‏ فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ قُلْ إِنَّ الخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ أَلاَ ذَلِكَ هُوَ الخُسْرَانُ المُبِينُ "‏ (‏الزمر‏:11‏ ـ‏15) .
‏ وتقارن الآيات بين عذاب الخاسرين من الكفار والمشركين يوم القيامة‏,‏ وبين نعيم الذين اجتنبوا الطاغوت‏‏ وأنابوا إلى الله من أولي الألباب، الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه‏,‏ مؤكدة أن الذي شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه يختلف حاله تماماً عن الذين أعرضوا عن دين الله‏,‏ فضلوا ضلالاً بعيداً‏,‏ وأصبحت قلوبهم قاسية إلى الحد الذي لا يحركها ذكر الله‏,‏ ولا النظر في آياته ‏.‏ وتعاود الآيات إبراز قدر القرآن الكريم عند رب العالمين‏,‏ وذلك بقول الحق‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ :‏

"
اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ "   (‏الزمر‏:23)‏ .
وتعاود سورة الزمر المقارنة بين مصائر الصالحين والطالحين يوم القيامة‏,‏ كما تشير إلى عقاب المكذبين من الأمم السابقة بالخزي في الدنيا، وبالعذاب في الآخرة‏,‏ وتضرب للناس الأمثال بقول ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :‏

"
وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ . قُرْآناً عَرَبِياًّ غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ‏"  (‏ الزمر‏:28,27)‏ . ومن هذه الأمثال تشبيه المشرك برجل مملوك لعدد من الشركاء المتنازعين فيه‏,‏ وتشبيه الموحد لله برجل ملكيته خالصة لفرد واحد‏,‏ وواضح الأمر أنهما لا يستويان مثلا‏ًً . فالحمد لله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ الذي أقام الحجة على عباده وإن كان أكثرهم لا يعلمون‏ .‏ وتخاطب الآيات خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـصلى الله عليه وسلم‏ ـ بحقائق الموت والبعث والحساب‏,‏ وذلك بقول ربنا ـ تبارك وتعالى ـ له ‏:‏" إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ . ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ "      (‏ الزمر‏:31,30)‏ .
وتقرر الآيات أن من كذب على الله فنسب إليه ما لا يليق بجلاله‏,‏ أو كذب بالحق الذي أوحاه إلى أنبيائه ورسله‏,‏ والذي أتمه‏,‏ وأكمله‏,‏ وحفظه في بعثة خاتمهم أجمعين، فإنه قد ظلم نفسه؛ لأن مثواه سيكون في جهنم‏,‏ وهي مثوي الكافرين‏,‏ أما الذين صدقوا الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ وصدقوا بما أنزله على خاتم أنبيائه ورسله، فأولئك هم المتقون‏,‏ المحسنون الذين لهم عند ربهم ما يشاءون‏ .‏ وتؤكد سورة الزمر أن الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ هو الذي يكفي خاتم أنبيائه ورسله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ والمؤمنين برسالته من بعده كل ما يواجهون من تحديات الكفار والمشركين‏,‏ فكفار قريش ومشركوها كانوا يتوعدون رسول الله‏ ـ‏ صلوات الله وسلامه عليه‏ ـ بأصنامهم وأوثانهم التي عبدوها من دون الله‏,‏ والله يهدي من يشاء لعلمه أنه اختار الهداية على الضلالة‏,‏ ويضل من يشاء لعلمه‏ ـ سبحانه‏ ـ‏ أنه اختار الضلالة على الهدى‏ . وفي ذلك يقول الحق‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ :‏
‏" ...‏
دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ . وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انتِقَامٍ "‏(‏ الزمر‏:37,36)‏ .

وفي النهي عن الشرك والتحقير من شأنه تخاطب الآيات خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ بقول الحق‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ :‏"
وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ المُتَوَكِّلُونَ . قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ .‏ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ "‏  (‏ الزمر‏:38‏ ـ‏40)‏ .وفي التأكيد مرة ثالثة على قدر القرآن الكريم عند رب العالمين‏,‏ وفي قدرته على هداية الخلق، تعاود الآيات توجيه الخطاب إلى خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ بقول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :‏" إِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ "   (‏ الزمر‏:41) .‏
وتنعي الآيات على المشركين اتخاذهم شفعاء يتقربون بهم إلى الله‏,‏ وهم يعلمون حق العلم أن هؤلاء الشفعاء لا يملكون شيئاً ولا يعقلون‏,‏ ولذلك تؤكد حقيقة أن الشفاعة كلها لله وحده‏,‏ لا ينالها أحد إلا برضاه‏,‏ وهو وحده الذي له ملك السماوات والأرض‏,‏ وهو الذي سوف يرجع الخلق جميعهم إليه، فيحاسبهم على أعمالهم ‏.‏ وتنتقد الآيات على المشركين أنهم إذا ذكر الله وحده ـ دون ذكر الذين أشركوهم في عبادته زوراً وبهتاناً ـ انقبضت قلوبهم‏,‏ وإذا ذكر شركاؤهم الذين أشركوهم في عبادة الله ، فإنهم ـ لكفرهم ـ يستبشرون‏,‏ وفي ذلك يقول الحق‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ‏ موجهاً الخطاب إلى خاتم أنبيائه ورسله‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ : "
قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ‏"   (‏ الزمر‏:46)‏ .
وتعاود الآيات التحذير من الظلم بمختلف أبعاده‏ وأشكاله‏‏ وصوره، ومنها ظلم النفس بإغراقها في دياجير الكفر بالله أو الشرك به‏,‏ وظلم الآخرين باغتيالهم‏,‏ أو اغتيال حقوقهم‏,‏ أو ممتلكاتهم‏,‏ أو أعراضهم‏,‏ أو حرياتهم . وفي ذلك يقول الحق‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ‏ مُحذِّراً الواقعين في الظلم من سوء العاقبة فيقول‏ ـ‏ عز من قائل ـ :
" وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ العَذَابِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ .
وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ "   (‏ الزمر‏:48,47) .‏
وتتحدث الآيات مرة ثانية عن جانب من جوانب النفس الإنسانية فتقول ‏:‏"
فَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ . قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ .فأصابهم فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُم بُمُعْجِزِينَ .‏ أَوَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ "  (‏ الزمر‏:49‏ ـ‏52).‏
وتحذر الآيات من قنوط الذين أسرفوا في المعاصي من رحمة الله‏,‏ ومن التكذيب بالرسالة الخاتمة والرسول الخاتم‏,‏ ومن الاستكبار على الحق‏,‏ وتدعو إلى سرعة التوبة والإنابة إلى الله، وذلك بقول الحق‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ‏ موجهاً الخطاب إلى خاتم أنبيائه ورسله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ :
" قُلْ يَا عِبَادِيَ
الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ . وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ . وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ . أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ . أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ المُتَّقِينَ . أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى العَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ المُحْسِنِينَ . بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الكَافِرِينَ ‏ "‏   (‏ الزمر‏:53‏ ـ‏59) .
وتعرض الآيات لمشهد من مشاهد يوم القيامة يقول فيه الحق ـ تبارك وتعالى ـ :‏" وَيَوْمَ القِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وَجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ‏ . وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لاَ يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ‏ "   (‏ الزمر‏:60, 61)‏ .
ومعنى هاتين الآيتين الكريمتين أن الذين كذبوا على الله فنسبوا إليه من الصفات ما لا يليق بجلاله ـ‏ كالصاحبة أو الولد‏ ـ‏ سوف يأتون يوم القيامة ووجوههم مسودة من الكذب على الله في الدنيا‏,‏ ثم يلقون في نار جهنم، وبئس مثوى المكذبين بالحق‏,‏ المتكبرين عليه، والمتعالين عن اتباعه‏,‏ بينما ينجي الله الذين اتقوه في الدنيا بفوزهم بالجنة‏,‏ لا يمسهم السوء، ولا يغشاهم شيء من الحزن الذي يغشى الكفار والمشركين يومَ الفزع الأكبر‏ .‏ ثم تؤكد الآيات أن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ هو خالق كل شيء‏,‏ وأنه على كل شيء وكيل‏,‏ وأن له ـ وحده ـ تصريف أمور السماوات والأرض‏,‏ ولذلك فإن الكافرين بالله وآياته المنظورة والمقروءة هم بالقطع الخاسرون في الدنيا والآخرة‏ .‏ ولذلك تنعي الآيات على المشركين شركهم، وتوجه الخطاب إلى رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ بقول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :‏ " قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الجَاهِلُونَ . وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنقَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ .‏ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ " (‏ الزمر‏:64‏ ـ‏66)‏ .
وتؤكد الآيات أن الذين كفروا بالله ـ‏ تعالى ـ أو أشركوا به‏ لم يعظموه التعظيم الذي يليق بجلاله‏,‏ وسوف يرون جانباً من قدر الألوهية يومَ القيامة، والأرض جميعاً في قبضته‏,‏ والسماوات مطويات بيمينه .‏ وبعد ذلك تشير الآيات إلى نفخة الصور‏,‏ وما يتبعها من موت مَنْ في السماوات والأرض إلا من شاء الله‏,‏ ثم ينفخ فيه أخرى فإذا الجميع قائمون من قبورهم‏,‏ وفي هذا اليوم ـ يوم الفزع الأكبر‏,‏ وكل واحد منتظر مصيره ـ تشرق الأرض بنور ربها‏,‏ ويوضع الكتاب‏,‏ ويحضر النبيون والشهداء ليشهدوا على أممهم‏,‏ فيفصل الله بين الخلائق بالحق‏,‏ ويعطي كل نفس حقها جزاء ما عملت‏ (‏ وهم لا يظلمون‏,‏ والله أعلم بما يفعلون‏) .‏ ثم تصور الآيات ختام الحساب الإلهي بقول الحق ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :‏ " وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذَابِ عَلَى الكَافِرِينَ قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى المُتَكَبِّرِينَ‏ . وَسِيقَ الَذينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ‏ . وَقَالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ العَامِلِينَ " (‏ الزمر‏:71‏ ـ‏74) . وتختتم سورة الزمر بتصوير مشهد آخر من مشاهد الآخرة يجسد الخشوع لله يقول فيه الحق ـ تبارك وتعالى ـ :‏ " وَتَرَى المَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ العَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ " ‏(الزمر 75) .

الإشارات الكونية في سورة الزمر :
في سياق الاستشهاد على طلاقة القدرة الإلهية في ابداع الخلق‏,‏ والاستدلال من ذلك على وحدانية الخالق ـ سبحانه وتعالى‏ ـ وعلى حتمية البعث وضرورته، جاء في سورة الزمر عدد من الإشارات إلى الكون وبعض مكوناته وظواهره يمكن ايجازها فيما يلي ‏:
‏(1‏)وصف عملية خلق السماوات والأرض بأنها تمت بالحق ، أي حسب قوانين وسنن منضبطة تشهد لخالقها بأنه الحق .‏
(2)‏الإشارة الضمنية الرقيقة إلى كروية الأرض‏,‏ وإلى دورانها حول محورها أمام الشمس‏,‏ وإلى جريها في مدارها‏,‏ وجري كلٍ من الشمس والقمر ـ وبالتالي كل أجرام السماء ـ إلى أجل مسمى‏ .‏ ‏(3‏)التأكيد على خلق البشر كلهم من نفس واحدة ‏.‏
‏(4)ذكر عملية إنزال ثمانية أزواج من الأنعام‏,‏ والإنزال هنا قد يشير إلى إنزال الشفرة الوراثية الخاصة بكل منها ‏.‏
‏(5‏)الإشارة إلى خلق جنين الإنسان في ظلمات ثلاث‏ .‏
(6)‏التأكيد على عدم مساواة الذين يعلمون والذين لا يعلمون‏,‏ وأن الذين يتدبرون ويفهمون ويتذكرون هم أولو الألباب والنُّهَى‏ .‏
(7)الإشارة إلى أن أصل الماء تحت سطح الأرض هو ماء المطر الذي يسلكه ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ ينابيع في الأرض‏,‏ ثم يخرج به زروعاً مختلفة الأنواع والألوان‏,‏ ثم بعد النضج ييبس الزرع ويجف بعد نضارته‏,‏ ويصفر لونه‏,‏ ثم يتحطم ويصبح فتاتاً متكسرا‏ًً .‏
‏(8‏)الإشارة إلى مفارقة الروح للجسد في حالتي النوم والممات‏,‏ ثم يعاد إرسالها للنائم لحظة يقظته‏,‏ وإمساكها عن جسد الميت لحظة وفاته ‏.‏
(9‏)التأكيد على أن الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ هو خالق كل شيء‏,‏ وأنه على كل شيء وكيل‏ .
(‏10‏ )الإشارة إلى أن الأرض سوف تكون في قبضة الخالق‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ يومَ القيامة‏,‏ وأن السماوات سوف تكون مطويات بيمينه‏ .‏
‏(11‏)الإشارة إلى أن الأرض في الآخرة سوف تشرق بنور ربها كما أشرقت أرض الدنيا بنوره‏ . وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة خاصة بها‏,‏ ولذلك فسوف أقصر حديثي هنا على النقطة السابعة في القائمة السابقة، والتي جاءت في الآية رقم‏(21)‏ من سورة الزمر‏,‏ ولكن قبل الشروع في ذلك لابد من استعراض سريع لأقوال عدد من المفسرين في شرح دلالة هذه الآية المباركة ‏.

من أقوال المفسرين :
في تفسير قوله‏ ـ‏ تعالى ـ :‏ " أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَراًّ ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لأُوْلِي الأَلْبَابِ " (‏ الزمر‏:21)‏ . ‏
‏ ذكر ابن كثير‏ ـ‏ رحمه الله ـ ما نصه‏:‏ يخبر ـ تعالى ـ أن أصل الماء في الأرض من السماء كما قال ـ عز وجل‏ ـ :"‏ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً‏ " (الفرقان:48)، فإذا أنزل الماء من السماء لمن في الأرض، ثم يصرفه ـ تعالى ـ في أجزاء الأرض كما يشاء، وينبعه عيوناً ما بين صغار وكبار بحسب الحاجة إليها، ولهذا قال ـ تبارك وتعالى‏ ـ :‏" فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ ‏..‏ " . وعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أنه قال ‏:‏ ليس في الأرض ماء إلا نزل من السماء، ولكن عروقاً في الأرض تغيره، فذلك قوله ـ تعالى ـ ‏: " فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ " ، فمن سره أن يعود الملح عذباً فليصعده‏,‏ وكذا قال سعيد بن جبير وعامر الشعبي . وقوله ـ تعالى ـ ‏: " ‏ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ " أي ثم يخرج بالماء النازل من السماء والنابع من الأرض زرعاً مختلفاً ألوانه ، أي أشكاله وطعومه وروائحه ومنافعه‏ . " ‏ثُمَّ يَهِيجُ " أي بعد نضارته وشبابه يكتهل فتراه مصفراً قد خالطه اليبس .‏"‏ ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً ‏" أي ثم يعود يابساً يتحطم‏ . "‏ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لأُوْلِي الأَلْبَابِ‏ "‏ أي الذين يتذكرون بهذا فيعتبرون إلى أن الدنيا هكذا تكون خضرة نضرة حسناء، ثم تعود عجوزاً شوهاء، والشاب يعود شيخاً، هَرِمَاً، كبيراً، ضعيفاً، وبعد ذلك كله الموت‏,‏ فالسعيد من كان حاله بعده إلى خير‏ . وكثيراً ما يضرب الله ـ تعالى ـ مثل الحياة الدنيا بما ينزل الله من السماء من ماء، وينبت به زرعاً وثماراً، ثم يكون بعد ذلك حطاماً كما قال ـ تعالى ـ ‏: "‏ وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً "‏ (الكهف:45) . (انتهى قول المفسر) وجاء في كلٍ من تفسير الجلالين‏,‏ والظلال‏,‏ وصفوة البيان لمعاني القرآن‏,‏ والمنتخب‏,‏ وصفوة التفاسير كلام مشابه‏,‏ وإن تميز كل تفسير بأسلوب كاتبه‏ وطريقة عرضه‏ .‏ (انتهى قول المفسر)



من الدلالات العلمية للآية الكريمة :
أولاً ‏:‏ الإشارة إلى أن الماء المخزون تحت سطح الأرض كله من ماء المطر ‏:
تشير هذه الآية الكريمة إلى دورة الماء حول الأرض، وهي دورة لم تعرف إلا في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي‏,‏ ففي الوقت الذي ساد الاعتقاد بأن الماء المتجمع تحت سطح الأرض مندفع إلى داخل كتل القارات من ماء البحار والمحيطات بتأثير من حركة الرياح‏,‏ نزل القرآن الكريم مؤكداً أن كل ماء الأرض ، ‏(‏ والمقدرة كميته حاليا بنحو‏1,4‏ بليون كيلو متر مكعب‏)‏ قد أخرجه ربنا ـ‏ تبارك وتعالى ـ‏ كله من داخل الأرض‏,‏ وذلك بقول الحق ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :‏" وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا . أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا‏ "     (‏ النازعات‏:30, 31) .‏ونعلم اليوم أن هذا الكم الهائل من الماء قد أخرجه ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ‏ على هيئة بخار الماء المتصاعد من فوهات البراكين‏,‏ ومن صدوع الأرض العميقة‏,‏ وعند انبثاق هذا البخار المائي وُجِدَ أن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ قد هيَّأ له وسائل التكثيف من الرياح التي حملته إلى الأجزاء العليا من نطاق المناخ الذي يتراوح سُمْكه بين ‏7‏ و‏16‏ كيلو مترا‏ًً,‏ والذي يتميز بانخفاض درجات الحرارة فيه مع الارتفاع حتى تصل عند قمته إلى ستين درجة مئوية تحت الصفر‏(‏ ـ‏60‏ م‏)‏ فوق خط الاستواء‏,‏ وبوصول بخار الماء إلى تلك المستويات يكثف على هيئة السحب‏,‏ ثم لقحت الرياح تلك السحب بهباءات الغبار وغيرها من نوى التكثف حتى تكونت السحب الممطرة ـ‏ المزن أو السحب المزنية‏ ـ‏ وتكونت فيها قطيرات الماء في بادئ الأمر دقيقة الحجم جداً حتى يتمكن هذا الجزء من الغلاف الغازي للأرض من حملها‏، وبتكرار عمليات التكثف يزداد حجم تلك القطيرات وكتلة كلٍ منها بالتدريج حتى تسقط بمشيئة الله وتقديره على هيئة زخات من المطر، أو رشات من البرد أو الثلج‏‏ جرت على سطح الأرض وفاضت إلى منخفضاتها لتكون البحار والمحيطات‏,‏ وبتعرض الماء في تلك المنخفضات لأشعة الشمس يتبخر جزء منه، وبذلك بدأت دورة الماء حول الأرض ‏.‏
وبتصريف الرياح ـ بمشيئة الله وإرادته ـ تكونت السحب ـ ولاتزال تتكون‏ ـ‏ وشحنت ـ ولا تزال تشحن ـ بمزيد من بخار الماء ، وذلك بالتفاعل بين الكتل الهوائية المختلفة، وهي دافئة ورطبة فوق المسطحات المائية بالمناطق المدارية‏,‏ وحارة جافة فوق صحاريها‏,‏ وباردة جافة فوق المناطق القطبية‏,‏ وبتداخل هذه الكتل الهوائية مع بعضها البعض بتصريف الله ـ‏ تعالى‏ ـ لها تتكون السحب الممطرة والأعاصير‏,‏ وغير ذلك من المظاهر الجوية التي تعقد تضاريس سطح الأرض من أنشطتها‏ .‏
وعندما يسخن الهواء بملامسته سطح الأرض بحيث يصبح أدفأ من كتل الهواء المحيطة به فإنه يتمدد‏,‏ فتقل كثافته ويرتفع إلى أعلى‏,‏ وبارتفاعه يتناقص ضغطه‏,‏ وتنخفض درجة حرارته حتى تصل رطوبته إلى درجة التشبع، فيبدأ ما به من بخار الماء في التكثف‏ .‏
وبحمل مزيد من بخار الماء للسحب المتكونة‏,‏ وبتوافر مزيد من نوى التكثف ، (مثل الهباءات الدقيقة من الغبار وبعض المركبات الكيميائية التي لها جاذبية لبخار الماء‏ ـ‏ مثل كبريتات النشادر‏ ـ وبعض دقائق الأملاح المتصاعدة مع بخار الماء‏)‏ تزداد قطيرات الماء حجماً وكتلة حتى تسقط بفعل الجاذبية الأرضية متى وحيث يريدها الله‏,‏ وبالكم الذي يقدره‏ ـ‏ سبحانه‏ .‏
وتشير الدراسات الحديثة إلى أن الـ‏1,4‏ بليون كم‏3‏ من الماء الأرضي تتوزع حالياً على النحو التالي‏:‏
وتشير هذه الدراسات أيضاً إلى أن حرارة الشمس تبخر من ماء الأرض سنوياً‏380,000‏ كيلو متراً مكعباً من الماء‏(320,000‏ كيلو متر مكعب منها تتبخر من أسطح البحار والمحيطات‏,60,000‏ كيلو متراً مكعباً تتبخر من ماء اليابسة السطحي ومما تحت سطح الأرض‏,‏ ويتبخر أيضاً وتنفس وافرازات كلٍ من الإنسان والحيوان‏),‏ وأن هذه الكمية المتبخرة من ماء الأرض تعود كلها إلى الأرض مرة ثانية في نفس السنة‏,‏ ولكن يعاد توزيعها بعلم الله وحكمته، وبفضل منه ورحمة‏,‏ فيعاد إنزال‏284,000‏ كيلو متر مكعب من ماء المطر على البحار والمحيطات‏,و 96,000‏ كيلو متر مكعب منه على اليابسة‏ ـ‏ بفارق‏36,000‏ كيلو متر مكعب من الماء ـ تنقص من مجموع ما تبخر من ماء البحار والمحيطات، وتزيد على مجموع ما تبخر من ماء اليابسة‏,‏ فتجري على سطحها لتفيض في النهاية إلى البحار والمحيطات ليبقى منسوب الماء فيها ثابتاً عند مستوى محدد في كل فترة زمنية محددة‏ .
وماء المطر أثناء جريه على سطح الأرض يروي كلاً من النبات والحيوان والإنسان‏,‏ ويتسرب جزء منه إلى داخل القشرة الأرضية عبر الصخور المنفذة، فيُخزَّن فيها بمشيئة الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ وإرادته وتقديره حتى يخرجه ربنا ـ تبارك وتعالى ـ لنا على هيئة العيون والينابيع الطبيعية‏,‏ أو يصل إليه الإنسان بواسطة حفر الآبار مختلفة الأعماق‏ .‏
ويقوم ماء المطر عند هطوله بتفتيت صخور الأرض‏,‏ وتكوين التربة وشحنها بقدر من الرطوبة‏,‏ كما يقوم بشق الفجاج والسبل‏,‏ وتسوية سطح الأرض‏,‏ وتلطيف الجو‏,‏ والمحافظة على رطوبة الهواء‏,‏ وبإذابة العديد من الأملاح التي في الصخور، وحملها إلى البحار والمحيطات‏,‏ وتركيز العديد من الخامات المعدنية والثروات الأرضية المختلفة ‏.‏
ولولا هذه الدورة لماء الأرض لفسد وتعفن وأسن‏؛‏ لأن الأوساط المائية يعيش ويموت فيها البلايين من الكائنات الحية في كل لحظة‏,‏ ولذلك يمنُّ علينا ربنا‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ‏ في هذه الآية الكريمة ـ وفي العديد غيرها من الآيات القرآنية ـ بإنزال الماء طهوراً مباركاً ثجَّاجاً من السماء .
وفي ذلك يقول ربنا‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ :‏ "
وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ‏ " ‏(‏الحجر‏:22) .‏
وقوله : ‏" وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ ‏"(‏ المؤمنون‏:18) .
‏وقال‏ ـ عز من قائل ـ :‏
" وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً‏ " (‏ الفرقان‏:48) .‏
وقال‏ ـ تبارك اسمه ـ :‏"
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا ‏... "  (‏ فاطر‏:27) .‏
وقال‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ :‏
" أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ ... "(‏ الزمر‏:21)‏ .
وقال‏ ـ تعالى‏ ـ :"
أَفَرَأَيْتُمُ المَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ‏ . أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أَمْ نَحْنُ المُنزِلُونَ "   (‏ الواقعة‏:68, 69) .‏
وقال‏ ـ‏ وهو أحكم القائلين‏ ـ :‏" قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاءٍ مَّعِينٍ "  (‏ الملك‏:30)‏ .
وقال ـ‏ وهو رب العالمين‏ ـ :‏" وَأَنزَلْنَا مِنَ المُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجاً ‏ "‏‏ (‏ النبأ‏:14)‏ .

هذه الحقائق أنزلها ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ‏ من قبل أربعة عشر قرنا‏ًً,‏ وكان فلاسفة الحضارة الاغريقية من قبل ذلك يعتقدون أن الماء المُتجمِّع تحت سطح الأرض مندفع إلى داخل القارات من ماء البحار والمحيطات بتأثير حركة الرياح‏,‏ وأن الماء المخزون في صخور الأرض يعاود الحركة إلى المحيطات عبر هوة خيالية سحيقة أطلقوا عليها اسم تاتار‏,‏ وقد سادت هذه الخرافات فكر الحضارة الاغريقية، وتبناها العديد من فلاسفتهم، أمثال طاليس في القرن السابع قبل الميلاد‏,‏ وكلٍ من أفلاطون وأرسطو‏ (‏ في القرن الرابع قبل الميلاد‏),‏ وأضاف الأخير أن بخار ماء التربة يتكثف في التجاويف الباردة للجبال، مما يشكل بحيرات تحت سطح الأرض تغذِّي الينابيع المائية‏,‏ وقد تبعه في ذلك سينيكا ‏(‏ في القرن الأول الميلادي‏),‏ واستمر اعتقاد الأوروبيين في هذه الخرافات حتى أواخر القرن التاسع عشر الميلادي‏(1877‏ م‏)‏ على الرغم من أن عالماً فرنسياً باسم برنارد باليسي‏ (Bernard Palissy)
‏ كان قد أشار في سنة‏1580‏ م‏ ـ‏ أي بعد بدء تنزل القرآن الكريم بنحو القرون العشرة‏ ـ إلى أن الماء الأرضي يعود أصله إلى ماء المطر‏,‏ ووافقه على ذلك كلٌ من ماريوت‏(E . Mariotte)‏ ، وبيرو(‏P . Perraut‏ )في القرن السابع عشر الميلادي‏,‏ وعارض الجميع بالخرافات القديمة واحد من أبرز مفكري القرن السابع عشر وهو رينيه ديكارت
‏(Rene Descartes)‏
المتوفي سنة‏1650‏ ميلادية‏ .‏
ومن الثابت علمياً اليوم أن الماء الذي خزن في صخور الأرض بتقدير من الله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ أصله كله من ماء المطر الذي أنزله ربنا‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ على فترات متطاولة من الزمن‏,‏ وأن هذا الماء يتحرك رأسياً في مناطق التشبع السطحية‏,‏ ثم يتحرك أفقياً أو مائلاً حتى يخزن في أحد مكامن الماء التي أعدتها الإرادة الإلهية بحكمة بالغة‏,‏ لمدد قد تطول إلى عدة آلاف من السنين‏,‏ وقد تتجدد بماء المطر السنوي أو لا تتجدد‏,‏ وقد يصادف هذا الماء المخزون تحت سطح الأرض في حركته بعض الصدوع‏,‏ أو الفواصل أو الشقوق، فيصعد منها إلى سطح الأرض على هيئة ينابيع أو عيون مائية‏,‏ ولذلك قال ربنا‏ ـ تبارك وتعالىـ :
"...‏ فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ ‏... " .

ثانيا‏ًً :‏ إخراج الزروع مختلفة الألوان بمجرد إنزال المطر ‏:‏
يعرف العلم في زماننا الراهن أكثر من ‏350,000‏ نوع من أنواع النباتات‏,‏ ويمثل كل نوع منها ببلايين الأفراد‏,‏ وكل نوع من هذه الأنواع له من صفاته الخارجية‏ ـ‏ الشكلية‏ ـ‏ والداخلية‏ ـ التشريحية‏ ـ‏ ما يميزه عن غيره‏,‏ والمزهر من هذه النباتات له زهوره‏,‏ وثماره الخاصة به‏,‏ وكل ثمرة من تلك الثمار لها طعومها‏,‏ وروائحها‏,‏ وألوانها‏,‏ وأشكالها المميزة لها‏،‏ ومن هذه النباتات ما يزرع‏,‏ ومنها ما ينبت بطريقة فطرية‏,‏ وإن كان الله‏ ـ تعالى‏ ـ قد خلقها كلها في بادئ الأمر بطريقة فطرية لا دخل للإنسان فيها؛ لأنها كلها سابقة على وجوده‏ .‏
وإخراج كل هذه النباتات والزروع المتباينة في صفاتها‏,‏ وكلها يسقى بماء واحد يشير إلى ما أعطاه الله ‏ـ تعالى‏ ـ‏ لكل نبتة من قدرة فائقة على اختيار ما يناسبها من عناصر الأرض ومركباتها‏,‏ ولولا هذه القدرة الإلهية المبدعة في بناء الشفرة الوراثية لكل نوع من أنواع النبات‏,‏ بل لكل فرد منها‏,‏ ما أنبتت الأرض على الإطلاق‏,‏ ولولا إنزال الماء من السماء ما نشطت تلك الشفرة الوراثية‏,‏ ولولا ما أعطى الله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ للبذرة النابتة من قدرة على امتصاص الماء‏,‏ وزيادة في الحجم‏,‏ وإحداث ضغوط هائلة على أغلفتها حتى تتشقق وتنفجر ما أنبتت تلك البذور‏,‏ ولا كانت تلك النباتات‏ .
ولولا ما أعطى الله‏ ـ‏ جل جلاله ـ‏ للجنين في داخل البذرة أو النواة من قدرة على اليقظة من سباته بمجرد وصول الماء إليه وهو كامن‏,‏ ساكن في داخل بذرته أو نواته‏,‏ ثم النمو بسرعة ملحوظة ما أنبتت تلك البذور‏,‏ ولا كانت تلك النباتات والزروع‏ .‏
ولولا ما وضع الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ في تربة الأرض من قدرة على التفاعل مع ماء السماء‏,‏ واتحادها به‏,‏ وانتفاشها بتشربه‏,‏ وارتفاعها إلى أعلى حتى ترق رقة شديدة ما استطاعت السويقة الطرية الندية المنبثقة من داخل البذرة النابتة من الصعود إلى سطح الأرض‏ .‏ هذا إذا كان المقصود بألوان الزروع والنباتات هنا هو أنواعها وأصنافها العديدة‏,‏ أما إذا كان المقصود ألوانها التي تتراءى لعين كلٍ من الإنسان والحيوان نتيجة لامتصاصها بعض أطياف نور النهار الأبيض الناصع، فإننا نعلم اليوم أن ألوان كلٍ من الزهور‏,‏ والثمار‏,‏ والأوراق في النباتات المزهرة تصنعها يد القدرة الإلهية المبدعة عن طريق عدد من الأصباغ الأساسية‏ ـ مثل الكلورفيلات الخضراء‏,‏ والأنثوسيانينات الحمراء‏,‏ والكاروتينات الصفراء ـ‏ وعدد آخر من الأصباغ الثانوية التي تعرف باسم أصباغ الإحساس‏,‏ وبتباين نسبها إلى بعضها البعض تكون هذه الأطياف المبهرة لألوان الزروع والنباتات المختلفة الذي جعلها الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ متعة للناظرين ‏.

ثالثا‏ًً :‏ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَراًّ‏:
في بدء حياة النبتة من الزروع المختلفة تطغى الأصباغ الخضراء على لونها‏؛‏ وذلك لحاجة النبات إليها في عملية التمثيل الضوئي التي بني بواسطتها غذاءه‏,‏ وعند تمام نضج الثمار تتوقف حاجة النبات إلى الغذاء‏,‏ وبالتالي تتوقف قدرته على إنتاج الأصباغ الخضراء‏,‏ وما تبقى منها يبدأ في التحلل والتحول إلى عدد من المركبات الكيميائية التي تفتقر إلى الخضرة‏,‏ وهنا تبدأ الأصباغ الصفراء الشبيهة بأصباغ الجزر‏ ـ‏ الأصباغ الكاروتينية ـ‏ في الظهور التدريجي حتى تسود‏ .‏ وفي ذلك يقول الحق ـ‏ تبارك وتعالى ـ :‏ " ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَراًّ "‏ .‏

رابعا‏: " ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً " ‏:‏
يكون الماء أغلب أنسجة النباتات ‏(‏ نحو‏80%‏ في المتوسط‏),‏ وعند نضج الثمار فإنها تفقد نسباً متباينة من مكوناتها المائية‏,‏ خاصة في حالة الحبوب الجافة‏,‏ وكذلك تفقد باقي أنسجة النبات ماءها في حالة المحاصيل الحولية‏,‏ وتبقى موادها الصلبة‏,‏ وما كان ذائباً في مائها من أملاح‏,‏ وهنا تتوقف حياة النبات‏,‏ وتبدأ مادته الجافة‏,‏ في التحلل بواسطة العديد من النباتات المتطفلة ـ مثل الحزازيات ‏(Mosses)‏ والأشنات ‏(Lichens),‏ والأبواغ‏ (Spores),‏ والفطريات‏ (Fungi) ـ والتي تفرز أعداداً من الانزيمات التي تساعد على تحلل بقايا النبات‏,‏ وقد تأتي جيوش من البكتيريا لتتم عملية التحلل‏,‏ كما قد تساعد عوامل التعرية المختلفة على تفتيت جسم النبات اليابس أو المتحلل حتى تجعله حطاما‏ًً,‏ وقد يتحول هذا الحطام في النهاية إلى مكوناته الأساسية التي تمتصها التربة‏,‏ وهي صورة مصغرة لدورة الحياة والموت التي يتعرض لها كل مخلوق، ولذلك تختم الآية الكريمة بقول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :
" ...‏ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لأُوْلِي الأَلْبَابِ ‏"‏ (الزمر:21).

هذه الحقائق لم تبدأ في التكشف للإنسان إلا على مراحل متطاولة في القرون الثلاثة المتأخرة، ولم تتم بلورتها إلا في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي‏,‏ وورودها في كتاب الله بهذه الدقة العلمية‏ والشمول والإحاطة‏‏ والكمال ـ وهو كتاب أنزل قبل معرفة الإنسان بتلك الحقائق بنحو عشرة قرون كاملة ـ لمما يثبت لكل ذي بصيرة أن القرآن الكريم لا يمكن أن يكون صناعة بشرية، بل هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ وتعهد بحفظه في نفس لغة وحيه‏ ـ‏ اللغة العربية‏ ـ فحفظه كلمة كلمة‏,‏ وحرفاً حرفاً على مدى يزيد على الأربعة عشر قرناً‏,‏ وإلى أن يرث الله‏ ـ‏ تعالى ـ الأرض ومن عليها‏,‏ وذلك تحقيقاً للوعد الإلهي الذي قطعه ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ على ذاته العلية فقال‏ ـ‏ عز من قائل‏ ـ‏"
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ‏ "   ‏‏(‏ الحجر‏:9)‏ .
فالحمد لله على نعمة القرآن‏,‏ والحمد لله على نعمة الإسلام‏,‏ والحمد لله على هدي خير الأنام‏,‏ سيد الأولين والآخرين، وخاتم الأنبياء والمرسلين، الذي بعثه الله‏ ـ‏ تعالى ـ رحمة للعالمين‏,‏ فصلِّ اللهم وسلم وبارك عليه‏,‏ وعلى آله وصحبه‏,‏ ومن تبع هداه‏,‏ ودعا بدعوته إلى يوم الدين . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏ .