" رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَافَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِياًّ "(مريم:65)


هذه الآية الكريمة جاءت في مطلع الثلث الأخير من سورة مريم‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ عدد آياتها‏98‏ بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الأسم لورود قصة السيدة مريم ابنة عمران فيها‏,‏ ومعجزة ولادتها للسيد المسيح ‏ـ‏ عليه السلام ـ‏ وهي عذراء لم يمسسها بشر‏,‏ ومعجزة كلامه‏ ـ‏ عليه السلام‏ ـ وهو في المهد دفاعاً عن أمه ـ‏ شرَّفها الله‏ ـ‏ التي حاول اليهود‏ ـ عليهم لعنة الله ـ أن ينالوا من شرفها‏,‏ كما لوثوا سيرة كل نبي أُرسل إليهم .‏
والمحور الرئيسي لسورة مريم يدور حول قضية العقيدة بأبعادها المختلفة‏,‏ وفي مقدمتها توحيد الله‏ توحيداً مطلقاً فوق كل خلقه‏,‏ وتنزيهه‏ ـ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ عن كل وصف لا يليق بجلاله ، مثل نسبة الولد أو الشريك إليه‏,‏ والتأكيد على طلاقة قدرته التي لا تحدُّها حدود‏,‏ ولايقف أمامها عائق‏، وترسيخ عقيدة البعث‏,‏ والحساب‏,‏ والجنة‏,‏ والنار‏,‏ وإثبات وحدة رسالة السماء التي أنزلها ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ‏ على فترة من الرسل‏,‏ وسمَّاها باسم الإسلام‏,‏ والدعوة إلى الاجتهاد في القيام بواجبات الاستخلاف في الأرض بحسن عمارتها‏,‏ وإقامة عدل الله فيها‏,‏ وإشاعة الأمن والفضيلة في أرجائها، والتذكير بالآخرة، والتحذير من أهوالها‏ . ولتأكيد هذه المعاني تعرض سورة مريم لجوانب من القصص المتعلق بعدد من أنبياء الله‏,‏ ولمصارع مكذبيهم في الدنيا من الكفار والمشركين‏,‏ ولمصيرهم الأسود في الآخرة‏ .
وتبدأ سورة مريم بخمسة من الحروف المقطعة‏,‏ وهي‏" كهيعص",‏ وقد وردت بهذه الصيغة مرة واحدة في القرآن كله‏ .‏ وهذه الفواتح الهجائية ـ أو‏ الحروف المقطعة‏ ـ‏ تتكون من أربعة عشر حرفاً‏,‏ جُمعت في أربع عشرة صيغة‏,‏ ورد كلٌ منها مرة واحدة إلا أربعاً منها هي‏ : "‏ الم‏"
:‏ وقد تكررت ست مرات في القرآن الكريم‏,"‏ الر‏" :‏ وقد تكررت خمس مرات‏,"‏طسم‏" :‏ وقد تكررت مرتين‏,‏ و‏"حم‏" :‏ وقد تكررت بمفردها ست مرات‏,‏ وتكررت مرة سابعة في الصيغة الخماسية‏‏" حم‏ .عسق‏",‏ وبذلك يكون مجموع الصيغ المكررة تسع عشرة‏,‏ ومجموع الصيغ غير المكررة عشر صيغ‏,‏ وتضم هذه الفواتح الهجائية أسماء نصف حروف الهجاء الثمانية والعشرين‏,‏ وقد استفتحت بها تسع وعشرون سورة من سور القرآن الكريم‏ .‏
وهذه الفواتح الهجائية هي من أسرار القرآن العظيم‏,‏ التي توقف عن الخوض فيها أعداد من علماء المسلمين، مكتفين بتفويض الأمر فيها إلى الله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ ورأى عدد آخر ضرورة الاجتهاد في تفسيرها وفهم دلالاتها‏,‏ وإن لم يصلوا بعد إلى إجماع في ذلك‏,‏ فمنهم من رأى فيها رموزاً إلى كلمات أو معانٍ‏,‏ أو أعداد معينة‏,‏ أو أسماء للسور التي وردت في أوائلها‏، ومنهم من رأى فيها وسيلة قرع لأسماع وقلوب القارئين للقرآن أو المستمعين إليه‏,‏ حتى يتهيأوا لتلقي كلام الله،‏ ومنهم من رأى فيها معجزة لرسول الله ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ من حيث نطقه بأسماء الحروف‏ وهو أمي‏,‏ والأمي ينطق بأصوات الحروف دون معرفة أسمائها‏، ومنهم من رأى فيها تنبيهاً عن إعجاز القرآن الكريم الذي صيغ من جنس تلك الحروف الهجائية التي يتكلم بها العرب‏,‏ ويعجزون عن الإتيان بشيء من مثله، وقد يكون فيها كل ذلك‏ وغيره مما لا يعلمه إلا الله‏ ـ‏ تعالى .‏ هذا وقد جمع عدد من المفسرين هذه الحروف في مجموعات من الجمل من أشهرها ‏:‏ نص حكيم قاطع له سر ‏. وبعد هذا الاستهلال المميز استعرضت السورة الكريمة ضراعة نبي الله زكريا‏(‏ عليه السلام‏)‏ إلى الله‏(‏ تعالى‏),‏ خفية‏,‏ أن يهبه ذرية صالحة‏,‏ وقد بلغ منه الكبر مبلغا‏,‏ وكانت امرأته عاقرا‏,‏ وكيف استجاب الله لدعائه‏,‏ ووهبه يحيي نبيا‏,‏ وسيدا‏,‏ وحصورا‏,‏ وكانت ولادته من أم عاقر‏,‏ وأب طاعن في السن معجزة ناطقة بطلاقة القدرة الإلهية التي لا تحدها حدود‏.‏ ثم انتقلت السورة إلى قصة السيدة مريم البتول‏ ـ‏ عليها رضوان الله‏ ـ‏ وحملها دون أن يمسها بشر‏,‏ ووضعها لنبي الله عيسى ‏ـ‏ على نبينا وعليه السلام ـ وإنطاق الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ لهذا الوليد المبارك‏ وهو في المهد‏,‏ وما رافق هذه المعجزات من مشاهد وأحداث تؤكد عبودية المسيح لله الخالق ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ وذلك بنطقه المُدوَّن في سورة مريم بالنص التالي‏:‏
"
قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِياًّ . وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَياًّ . وَبَراًّ بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِياًّ . وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وَلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَياًّ‏ "   (‏ مريم‏:30‏ ـ‏33) .‏
وتستمر الآيات مؤكدة اختلاف كلٍ من اليهود والنصاري حول شخص المسيح‏ ـ على نبينا وعليه السلام ـ‏ وانحراف غالبية أتباعه عن منهجه‏,‏ وانقسامهم إلى العديد من الفرق،‏ وانغماسهم في بحور من الضلال المبين‏,‏ ولذلك تتهددهم الآيات بيوم القيامة ومشاهده المفزعة، كما تؤكد تنزيه الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ عن الولد‏,‏ وذلك بقول الحق ‏ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ : " ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ . مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ .‏ وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ . فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ . أسمع أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ اليَوْمَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ . وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ‏ . إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ "‏  (‏مريم‏:34‏ ـ‏40) .‏
وبعد ذلك تعرض سورة مريم لجانب من قصة نبي الله إبراهيم ـ على نبينا وعليه السلام‏ ـ‏ وحواره مع أبيه‏,‏ وثباته على الحق الذي شرح الله صدره له‏,‏ وإكرام الله ـ تعالى‏ ـ‏ له بذرية صالحة من الأنبياء على الرغم من كبر سنه‏ ، وأتبعت ذلك بالحديث عن سلسلة من أنبياء الله ـ‏ على نبينا وعليهم من الله السلام‏ ـ‏ ومنهم موسى‏,‏ وهارون‏,‏ وإسماعيل‏,‏ وإدريس‏,‏ وجميعهم من ذرية آدم ـ عليه السلام‏ ـ ‏ومنهم من هو ممن حملهم الله ـ‏ تعالى ـ مع نوح‏,‏ ومنهم من هو من ذرية كلٍ من إبراهيم‏ ويعقوب‏ ـ‏ عليهما السلام ـ‏ وممن هدى الله واجتبى‏,‏ وقد استغرق الحديث عن هذه السلسلة الطويلة من الأنبياء ثلثي سورة مريم تقريبا‏ًً .
‏ وقد ألمحت السورة الكريمة إلى انحراف الذين جاءوا من بعد هذه السلسلة الصالحة‏,‏ فحادوا عن منهج الله‏,‏ وفيهم تُقْرَأ الآيات ‏:‏

"
فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَياًّ ‏ . إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً " (‏ مريم‏:59, 60)‏ .
واستعرضت السورة جانباً من وصف الجنة‏،‏ ثم انتقلت إلى تأكيد حقيقة أن الملائكة لاتتنزل إلا بأمر الله‏,‏ وتوصي الرسول الخاتم‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم ، ومن ثم توصي آتباعه ـ بالاصطبار على عبادة الله، وجعلها محوراً للحياة‏,‏ فتقول ‏:‏
"
وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِياًّ . رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِياّ " (‏ مريم‏:65,64) .‏
وتعرج السورة الكريمة إلى إنكار الكثيرين لحقيقة البعث‏,‏ وتذكرهم بخلقهم الأول من العدم‏,‏ وتهددهم بحشرهم جِثِيَّاً على ركبهم حول جهنم‏,‏ وإلقائهم جِثِيَّاً فيها‏,‏ ونجاة المتقين من هذا المشهد الرهيب‏ .‏ وتشير سورة مريم إلى تفاخر الكفار والمشركين في هذه الدنيا بشيء من حطامها الفاني‏,‏ ومتاعها الزائل‏,‏ وتستنكر تعاليهم على المسلمين‏,‏ وتعييرهم لهم بفقرهم‏,‏ وترد عليهم بقول الحق ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :‏  " قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَداًّ حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا العَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضْعَفُ جُنداً ‏" (‏ مريم‏:75) .‏
وتذكر السورة الكريمة بالهالكين من الأمم السابقة،‏ وبأن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ يمد للضالين في غيهم حتى إذا أخذهم لم يفلتهم‏,‏ ويزيد الذين اهتدوا هدى‏,‏ وأنه لا يُبقي من هذه الحياة الدنيا إلا العمل الصالح‏ .‏
وتستعرض السورة مواقف بعض الكفار والمشركين في استعلائهم على الحق وأهله‏,‏ وصلفهم في التعامل مع الله ومع خلقه‏,‏ وتطالب الآيات رسول الله ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ أن يصبر على أذاهم، وبألا يعجل عليهم؛ لأن حساب الله ينتظرهم في يوم يصفه الحق ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ بقوله‏ :‏
"
يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْداً .‏ وَنَسُوقُ المُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً "     (‏ مريم‏:85, 86)‏ .وعاودت سورة مريم الاستنكار الشديد من قبل الله ـ تعالى‏ ـ‏ ومن قبل الكون كله لادعاءات المبطلين نسبة الولد ـ زوراً ـ إلى الله ـ‏ تعالى‏ ـ‏ وهو ـ‏ سبحانه ـ‏ المنزه عن هذا النقص‏,‏ المتصف بكل صفات الكمال المطلق‏ . وفي ذلك نزلت الآيات بقول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ :‏
"
وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً . لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِداّ . تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الجِبَالُ هَداًّ . أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً . وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً "‏ (‏ مريم‏:88ـ92) .                                                                                                 
وتختتم السورة الكريمة بالقرار الإلهي ‏:‏
" إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُداًّ ‏" (‏ مريم‏:96)‏ . وبأن القرآن الكريم قد يسَّره ربنا ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ‏ على لسان هذا النبي الخاتم والرسول الخاتم‏ ـ‏ صلى الله عليه مسلم‏ ـ‏ ليبشر به المتقين‏,‏ وينذر به قوما لدُّا‏ًً .‏ وتعاود سورة مريم التذكير ـ في آخر آياتها ـ بالأمم البائدة التي أهلكها الله ـ‏ تعالى‏ ـ‏ عقاباً على كفرها‏,‏ وتسأل رسول الله‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ :‏ هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم همسا ؟، كما توجه السؤال إلى كل الخلق لعلهم يعتبرون‏,‏ وذلك بقول الحق‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ :‏ " وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً ‏" (‏ مريم‏:98) .‏ والحقائق التاريخية والعلمية التي أوردتها سورة مريم أكثر من أن تحصى في مقال واحد‏,‏ ولذا فسوف أقصر الحديث هنا على آية واحدة هي الآية رقم‏(65),‏ التي جاءت فيها الإشارة إلى"‏ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ‏" ,‏ وقبل تبيان الدلالة العلمية التي يمكن استخلاصها من تلك الآية المباركة لابد من استعراض سريع لأقوال عدد من المفسرين السابقين في شرح دلالتها ‏.‏


من أقوال المفسرين :
في تفسير قوله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ :‏ " رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِياًّ‏ " (‏ مريم‏:65)‏ ‏
 ذكر ابن كثير‏ ـ‏ رحمه الله ـ‏ ما نصه‏: ...‏ وقوله" رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا‏ "‏ أي خالق ذلك ومدبره‏,‏ والحاكم فيه والمتصرف الذي لا مُعقِّب لحكمه‏ . "‏ فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِياًّ‏‏ "‏ قال ابن عباس‏:‏ هل تعلم للرب مثلاً أو شبيهاً ؟ ،‏ وقال عكرمة‏ عن ابن عباس‏ :‏ ليس أحد يسمي الرحمن غيره تبارك وتعالى وتقدس اسمه‏ . (انتهى قول المفسر)‏
‏ وجاء في تفسير الجلالين‏ ـ رحم الله كاتبيه‏ ـ‏ ما نصه‏:‏ وهو"‏ رَبُّ‏ "‏ مالك‏ ." السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ "‏ أي‏:‏ آصبر عليها‏ . "‏ هَلْ تَعْلَمُ لَهُسَمِياًّ‏ " أي مسمى بذلك ؟ . لا‏ ....‏ (انتهى قول المفسر)‏ 
وجاء في الظلال ـ‏ رحم الله كاتبها برحمته الواسعة‏ ـ ما نصه‏: ....‏" رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا‏ " فلا ربوبية لغيره‏,‏ ولا شرك معه في هذا الكون الكبير‏ .
"‏ فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ " ...‏ اعبده واصطبر على تكاليف العبادة‏,‏ وهي تكاليف الارتقاء إلى أفق المثول بين يدي المعبود‏,‏ والثبات في هذا المرتقى العالي ‏.‏ اعبده، واحشد نفسك، وعبِّئ طاقتك للقاء‏ والتلقي في ذلك الآفق العلوي‏ .‏ إنها مشقة‏,‏ مشقة التجمع والاحتشاد والتجرد من كل مشاغل‏,‏ ومن كل هاتف‏,‏ ومن كل التفات ‏...‏ وإنها مع المشقة للذة لا يعرفها إلا من ذاقها‏,‏ ولكنها لا تُنَال إلا بتلك المشقة‏,‏ وإلا بالتجرد لها‏,‏ والاستغراق فيها‏,‏ والتحفز لها بكل جارحة وخالجة‏,‏ فهي لا تفشى سرها‏,‏ ولاتمنح عطرها إلا لمن يتجرد لها‏,‏ ويفتح منافذ حسه وقلبه جميعا‏ .‏
"‏ فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ " ...‏ والعبادة في الإسلام ليست مجرد الشعائر‏,‏ إنما هي كل نشاط،‏ كل حركة‏,‏ كل خالجة‏,‏ كل نية‏,‏ كل اتجاه‏,‏ وإنها لمشقة أن يتجه الإنسان في هذا كله إلى الله وحده دون سواه‏,‏ مشقة تحتاج إلى الاصطبار ليتوجه القلب في كل نشاط من أنشطة الأرض إلى السماء‏,‏ خالصاً من أوشاب الأرض‏,‏ وأوهاق الضرورات‏,‏ وشهوات النفس‏,‏ ومواضعات الحياة‏ . ‏ إنه منهج حياة كامل‏,‏ يعيش الإنسان وفقه‏,‏ وهو يستشعر في كل صغيرة وكبيرة طوال الحياة أنه يتعبد الله‏,‏ فيرتفع في نشاطه كله إلى أفق العبادة الطاهر الوضئ ‏،‏ وإنه لمنهج يحتاج إلى الصبر والجهد والمعاناة‏ ."‏ فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ " ..‏ فهو الواحد الذي يعبد في هذا الوجود الذي تتجه إليه الفطر والقلوب ‏.."‏ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِياًّ‏ "‏ هل تعرف له نظيراً ؟ تعالى الله عن السمي وعن النظير‏ ....‏ (انتهى قول المفسر)
‏ وذكر صاحب صفوة البيان لمعاني القرآن‏ ـ رحمة الله رحمة واسعة‏ ـ ما نصه‏:
"‏ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِياًّ‏ "‏
نظيراً أو شبيهاً يستحق العبادة لربوبيته وألوهيته‏,‏ وكمال تنزهه عن النقائص‏,‏ واتصافه بصفاته الجليلة ‏. (انتهى قول المفسر)‏
‏ وذكر أصحاب المنتخب في تفسير القرآن الكريم‏ ـ جزاهم الله خيرا‏ًً ـ ما نصه‏ :‏ فهو ـ سبحانه ـ الخالق المالك للسماوات والأرض وما بينهما‏,‏ والمُدبِّر لشئونهما‏,‏ والمستحق وحده للعبادة‏,‏ فاعبده أيها المخاطب‏,‏ وثابر على عبادته صابراً مطمئناً‏,‏ فهو ـ سبحانه ـ المستحق وحده للعبادة‏,‏ وليس له نظير يستحق العبادة‏,‏ أو يسمى باسم من أسمائه‏ .... ‏(انتهى قول المفسر)‏
‏ وجاء في صفوة التفاسير ـ‏ جزى الله كاتبه خيراً ـ‏ ما نصه‏ :‏
" رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا‏ "
أي هو رب العوالم علويها وسفليها، فاعبده وحده‏ " وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ "‏ أي اصبر على تكاليف العبادة‏ ."‏ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِياًّ‏ " أي هل تعلم له شبيهاً ونظيراً ؟ ‏.‏



السماوات والأرض ومابينهما في القرآن الكريم :
ورد تعبير" السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا‏ "‏ في ثمانية عشر موضعاً من القرآن الكريم‏,‏ كما جاء تعبير‏"‏ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا " في موضعين من كتاب الله‏,‏ وبذلك يكون مجموع مرات ورود هذه الإشارة العلمية الدقيقة عشرين مرة على النحو التالي ‏:‏ ‏(1) " ....‏ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَواتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " ‏(‏ المائدة‏:17)‏ .
‏(2)" ....‏ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ المَصِير " (‏ المائدة‏:18) .‏
‏(3) " وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ " (‏ الحجر‏:85) .
(4)‏ " رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِياًّ‏ " ‏(‏ مريم‏:65) .
‏(5)" لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى‏" (‏ طه‏:6) .
‏(6)‏ " وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ " (‏الأنبياء‏:16) .
‏(7)‏ " الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْئَلْ بِهِ خَبِيراً " ‏ (‏ الفرقان‏:59) .‏
‏(8)"‏ قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ " (‏ الشعراء‏:24) .‏
‏(9)‏ " أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِم مَّا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ "‏ (‏ الروم‏:8) .‏
‏(10)‏ " اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ شَفِيعٍ أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ " ‏(‏ السجدة‏:4) .‏ ‏
(11)‏" رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ المَشَارِقِ "‏ (‏ الصافات‏:5) .‏
‏(12)‏ " أَمْ لَهُم مُّلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الأَسْبَابِ " ‏(‏ ص‏:10) .‏
‏(13)‏" وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ ‏ " (‏ ص‏:27) .‏
‏(14)" رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا العَزِيزُ الغَفَّارُ " ‏(‏ ص‏:66) .
‏ ‏(15)‏ " وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ " (‏ الزخرف‏:85) .‏
‏(16)‏ " رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ " (‏ الدخان‏:7) .‏
‏(17)‏ " وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ " (‏ الدخان‏:38) .‏ ‏
(18) " مَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنذِرُوا مُعْرِضُونَ " (‏ الأحقاف‏:3) .‏
‏(19)‏ " وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ‏ " (‏ ق‏:38) .‏
‏(20)" رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابا " (‏ النبأ‏:37) .‏ وقد احتار المفسرون في شرح دلالة التعبيرين القرآنيين ‏:" السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا‏ "‏,‏ و‏"‏ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا "‏ فمنهم من قال ‏:‏ إنها دلالة على أن جميع الموجودات هي من خلق الله‏ ـ تعالى ـ وملك يمينه‏,‏ وتحت قهره‏,‏ وسلطانه‏؛ لأن الله ـ تعالى ـ هو المالك لكل شيء‏,‏ ومنهم من قال ‏:‏ إن هذا النص يشير إلى سائر أجرام السماء من نجوم وكواكب وأقمار وأتربة كونية‏,‏ وغازات وطاقات يتألف الكون منها‏,‏ ومنهم من مرَّ بها في صمت ودون أدنى تعليق‏,‏ ولكن هناك آيتين من آيات القرآن الحكيم تلقيان الضوء على دلالة هذا النص القرآني المعجز‏ " السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا‏ "‏,‏ أو‏ "‏ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا " في الأولى منهما يقول ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ :‏ " إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ الَليْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَتِي تَجْرِي فِي البَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ‏" (‏ البقرة‏:164) .
‏ ومن هذه الآية الكريمة يتضح أن السحاب هو مما بين السماء والأرض ‏.‏ وفي الآية الثانية يقول ربنا‏ ـ تبارك وتعالى ـ :‏ " اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً "‏ (‏الطلاق‏:12) .‏
ومن هذه الآية الكريمة يفهم أن هناك مسافات بينية تفصل كل سماء عن التي تليها‏,‏ كما تفصل كل أرض عن التي تليها‏,‏ وتفصل كلاً من السماء الدنيا‏ وباقي السماوات السبع عن الأرض‏,‏ ولا يتأتى ذلك إلا إذا كانت الأرض في مركز السماوات ‏.‏
ويروى عن رسول الله ‏ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ قوله‏ :‏ " سبحان الله عدد ما خلق في السماء‏,‏ سبحان الله عدد ما خلق في الأرض‏,‏ سبحان الله عدد ما خلق بينهما‏,‏ سبحان الله عدد ما هو خالق ‏....‏ "(الترمذي وأبو داوود) .
وقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏:‏ " أَطَّتْ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ ...,‏ مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لِلَّهِ ‏....‏ " (أخرجه الترمذي) .

ما بين السماوات والأرض في العلوم المكتسبة :
تجمع العلوم المكتسبة على أن كلاً من المادة والطاقة يملأ فسحة الكون بتركيز مختلف‏؛ لأن خلق كلٍ من المكان والزمان،‏ والمادة والطاقة قد تزامن مع عملية الانفجار العظيم‏ ـ‏ فتق الرتق ـ‏ فلا يمكن تصور مكان بلا زمان‏,‏ ولا زمان بلا مكان‏,‏ كما لا يمكن تصور مكان وزمان بغير مادة وطاقة‏، فكلٌ من المادة والطاقة يتكثف في مختلف أجرام السماء بتركيز مختلف‏,‏ كما يوجد بكثافات قليلة ومتباينة بين كل جرم والآخر‏,‏ وتحرك المادة والطاقة بين السماء الدنيا وأجرامها من الأمور الثابتة علمياً‏,‏ التي أكدتها الدراسات الفلكية‏,‏ ومن أمثلتها تخلق النجوم من الدخان الكوني‏,‏ وعودتها إليه بانفجارها في دورة حياة النجوم‏,‏ ومن أمثلتها، كذلك انتثار الكواكب وعودة مادتها إلى الغبار الكوني، أو إلى الشهب والنيازك التي إما أن تحترق أو تتهاوى على عدد من أجرام السماء ‏.‏
وقد فصلنا في مقال سابق تركيب كل نطاق من نطق الغلاف الغازي للأرض‏,‏ وتناقص تركيز كلٍ من المادة والطاقة بالارتفاع فيه حتى يتداخل في تركيب الجزء الأسفل من السماء الدنيا مكوناً خليطاً من مادتهما ؛ لعله المقصود بالبينية الفاصلة بين الأرض والسماء الدنيا‏، وهذه المادة الفاصلة بين السماء والأرض تكونت باختلاط ما تصاعد من فوهات البراكين مع ما كان حول الأرض من مادة ما بين الكواكب، فتكون الخليط المعروف باسم الغلاف الغازي للأرض، وهو خليط مكون من مادة الأرض‏ ومادة السماء الدنيا، فحق له أن يفصل بين كلٍ منهما بوصف القرآن الكريم له بصفة البينية "‏ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا "
.‏
وأول نطق الغلاف الغازي للأرض هو نطاق الرجع، أو نطاق التغيرات الجوية، أو نطاق الطقس‏,‏ ويمتد من مستوى سطح البحر إلى ارتفاح نحو‏17‏ كيلومتراً فوق خط الاستواء‏ ، (‏ ويتناقص هذا السُمْك إلى مابين‏8,6‏ كيلومترات فوق القطبين‏،‏ ويختلف فوق مناطق العروض الوسطى باختلاف ظروفها الجوية، فينكمش إلى ما دون السبعة كيلومترات في مناطق الضغط المنخفض، ويتمدد إلى نحو‏13‏ كيلومتراً في مناطق الضغط المرتفع‏) .‏
ويضم نطاق الرجع نحو ثلث كتلة الغلاف الغازي للأرض‏(66%),‏ وتتناقص درجة الحرارة فيه باستمرارمع الارتفاع حتى تصل إلى ستين درجة مئوية تحت الصفر فوق خط الاستواء‏,‏ وذلك في قمة هذا النطاق المعروفة باسم مستوى الركود الجوي‏,‏ ويتناقص عنده الضغط إلى نحو عشر قيمته عند سطح البحر‏ .‏

وفي هذا النطاق يتكثف بخار الماء الصاعد من الأرض مكوناً السحب‏,‏ ومنها يهطل كلٌ من المطر والبرد والثلج بإذن الله‏,‏ وتحدث ظواهر الرعد، والبرق‏,‏ والعواصف‏,‏ ، وتيارات الحمل الهوائية‏,‏ وغير ذلك من حركات الرياح‏,‏ وفي ذلك يقول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ : " ...‏ وَالسَّحَابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ ‏ .... "
(‏ البقرة‏:164) .‏
وعلى ذلك فإن نطاق الرجع ـ ومن فوقه بقية نطق الغلاف الغازي للأرض حتى حدود النطاق المغناطيسي ـ يمثل فاصلاً حقيقياً بين الأرض والسماء الدنيا‏,‏ وسبق القرآن الكريم بالإشارة إلى هذه‏(‏ البينية‏)‏ من قبل ألف وأربعمائة سنة يعتبر ومضة من ومضات الإعجاز العلمي في كتاب الله‏,‏ لم يصل إليها علم البشر إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين‏ .‏


الأهمية العلمية للتعبير القرآني السماوات والأرض ومابينهما :
إضافة إلى سبق القرآن الكريم بالإشارة في عشرين موضعاً منه إلى ‏(‏ ما بين السماء والأرض‏)‏، أو‏(‏ مابين السماوات والأرض‏),‏ وهو سبق علمي حقيقي لم تدركه العلوم المكتسبة إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين‏,‏ فإن هذه الإشارة المعجزة تحوي من الحقائق العلمية ما يفوق هذا الكشف العلمي أهمية وجدارة‏؛ وذلك لأن أول ما يمكن استنتاجه من هذا النص القرآني هو توسط الأرض للسماء الدنيا وللسماوات السبع كلها‏؛‏ لأنها متطابقة، يغلف الخارجُ منها الداخلَ‏,‏ وهي حقيقة لا يمكن للإنسان أن يصل إليها؛ لأنه ـ على الرغم من تقدمه العلمي‏,‏ والتقني المذهل ـ محدود بحدود حسه وعقله‏,‏ وبحدود مكانه‏ ـ أي وجوده على كوكب الأرض ـ‏ وبحدود زمانه ـ أي عمره‏ ـ‏ ومن هنا فإن الإنسان لا يستطيع أن يدرك من الكون إلا جزءاً صغيراً من السماء الدنيا‏,‏ وهذا الجزء الصغير مليء بالغيوب ، مثل الثقوب السود‏,‏ المادة الداكنة‏,‏ الكتل المفقودة‏,‏ وغيرها مما يرغم علماء الفلك والفيزياء الفلكية على الاعتراف بان أقصى ما يمكن إدراكه في الجزء المشاهد من الكون لا يتعدى العشرة بالمائة من مجموع المادة والطاقة الموجودة فيه‏ .‏


القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة يؤكدان توسط الأرض للكون :
‏ إن مقابلة القرآن الكريم‏(‏ في مئات من آياته‏)‏ للأرض مع السماء أو مع السماوات ـ على ضآلة أبعاد الأرض بالنسبة إلى أبعاد السماوات ـ يؤكد أهمية موقع الأرض من الكون‏ .‏
 إن ذكر القرآن الكريم للنصين‏ " ‏السَّمَواتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا " ,‏ و‏" ‏ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا‏ "‏ في عشرين موضعاً منه يؤكد مركزية الأرض من السماء الدنيا‏,‏ ومن مجموع السماوات السبع‏;‏ وذلك لأن هذه البينية لا يمكن أن تتم لو لم تكن الأرض في مركز السماوات السبع ‏.
‏ ويؤكد ذلك جمع القرآن الكريم لأقطار السماوات والأرض في وصف واحد كما جاء في قول الحق ـ تبارك وتعالى‏ ـ :‏ " يَا مَعْشَرَ الجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ "‏ (‏ الرحمن‏:33) .‏
وذلك لأن قطر أي شكل هندسي هو الخط الواصل بين طرفيه مروراً بمركزه‏,‏ فإذا توحدت أقطار السماوات والأرض، فمعنى ذلك أن الأرض لابد وأن تكون في مركز الكون‏ .‏
ويؤكد ما سبق
حديث رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ الذي يرويه مجاهد عنه بقوله‏ ـ عليه الصلاة والسلام‏ ـ :‏ " إن الحرم حرم مناء من السماوات السبع والأرضين السبع " أي في وضع متوسط منها‏;‏ لأن الوصف مناء معناه قصده وعلى حذاه‏ .‏
ومن أقوال رسول الله ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ : " البيت المعمور منا مكة . " أي في مقابلتها وبمحاذاتها‏ .‏
ويروي كلٌ من قتادة والسدي عن رسول الله‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ أنه قال يوما لأصحابه‏ : " هل تدرون ما البيت المعمور؟ . قالوا‏:‏ الله ورسوله أعلم . قال‏:‏ فإنه مسجد في السماء السابعة بحيال الكعبة‏,‏ لو خر لخر عليها‏,‏ يصلى فيه كل يوم سبعون ألف ملك‏,‏ إذا خرجوا منه لم يعودوا آخر ما عليهم‏  "‏ .
‏ ويزيد ذلك تأكيدا حديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي يروى عنه أنه قال فيه : "‏ كانت الكعبة خشعة على الماء‏,‏ فدحيت منها الأرض‏ "والخشعة هي أكمة متواضعة‏ .‏ (وهذا الحديث ذكره الهروي في غريب الحديث‏ (362/3)،‏ وذكره الزمخشري في الفائق في غريب الحديث‏(371/1) .
وتأتي أبحاث الأستاذ الدكتور حسين كمال الدين‏ ـ‏ رحمه الله رحمة واسعة ـ‏ لتؤكد توسط مكة لليابسة‏,‏ فتبرز جانباً من جوانب التكريم المادي الملموس لهذا المكان الطيب الطاهر الذي فضله ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ‏ على كل أماكن الأرض، فجعل فيه كعبته المشرفة أول بيت عبد الله فيه على الأرض‏,‏ وجعلها قبلة للمصلين حيثما كانوا‏,‏ وللحج والعمرة للقادرين من المسلمين‏,‏ ولو لمرة واحدة في العمر ليتعرضوا لبركات هذا المكان الذي جعل الله‏ ـ سبحانه وتعالى‏ ـ الصلاة فيه بمائة ألف صلاة كما أخبرنا الحبيب المصطفى‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ .‏
ويأتي العلم في أوج عطائه ليؤكد لنا توسط مكة ليابسة الأرض‏,‏ وتأتي أحاديث رسول الله ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ مؤكدة قيام موقع الكعبة المشرفة الذي هو أصل اليابسة على حيال البيت المعمور في السماء السابعة‏,‏ ويأتي القرآن الكريم مؤكداً توسط الأرض للسماوات السبع حتي تبقى الكعبة المشرفة مركز الكون بأسره‏,‏ وهي حقيقة لا يمكن للعلوم المكتسبة أن تصل إليها أبدا‏ًً .
فسبحان الذي خلق الأكوان، وأنشأ نظمها بعلمه، وجعل الكعبة مركزاً لكونه‏ .
وسبحان الذي أنزل القرآن‏‏ أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ وتعهد بحفظه فحُفِظَ بنفس لغة وحيه‏ ـ‏ اللغة العربية‏ ـ‏ وحفظ حفظاً كاملاً ‏:‏ كلمة كلمة‏,‏ وحرفاً حرفا‏ًً,‏ وآية آية‏,‏ وسورة سورة، بنفس الترتيب الذي جمع به على عهد رسول الله‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ والموجود في بلايين المصاحف والاسطوانات والأشرطة الممغنطة‏,‏ والذي نقل لنا متواتراً عبر بلايين الصدور، ولا يزال يحفظ في البلايين منها، وذلك خلال الألف والأربعمائة سنة الماضية‏,‏ وإلى أن يرث الله ـ تعالى ـ الأرض ومن عليها‏ .‏
فالحمد لله منزل القرآن الكريم‏,‏ والصلاة والسلام على الرسول الخاتم الذي تلقاه‏,‏ ونقله إلينا بأمانة‏,‏ وعاش به‏ وله‏,‏ فأقام أعظم دولة عرفها التاريخ‏,‏ ولعل الله ـ تعالى ـ أن يعيننا على أن نعيد للقرآن الكريم دولته وسط الفوضى العالمية التي اجتاحت الأرض كلها في غيبة الاحتكام إلى شريعة الله‏،‏ ووسط السقوط بين مخالب طواغيت الأرض‏، وما ذلك على الله بعزيز‏ .‏ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ‏.