‏"...‏ فَخَلَقْنَا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا المُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا العِظَامَ لَحْماً ‏...‏"(المؤمنون:14).


هذا النص القرآني المعجز جاء في بدايات سورة المؤمنون‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ وعدد آياتها ثماني عشرة ومائة ‏(118)‏ بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم الكريم لإشادتها منذ مطلعها بالمؤمنين من خلق الله المُكلَّفين‏,‏ وقد استعرضت جانباً من صفاتهم تجسيداً للنموذج الذي يرتضيه ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ من عباده، والذي رسمته الآيات في مطلع هذه السورة المباركة على النحو التالي‏ :‏
" قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ . الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ . وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ . وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ . وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ . إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ . فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ العَادُونَ . وَالَّذِينَ هُمْ لآمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ . وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ . أُوْلَئِكَ هُمُ الوَارِثُونَ . الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ "‏  ‏ (‏المؤمنون‏:1‏ ـ‏11) .‏
وبعد ذلك مباشرة انتقلت الآيات إلى تقرير حقيقة خلق الإنسان من سلالة من طين‏,‏ وهو من المعجزات الدالة على طلاقة القدرة الإلهية المبدعة في الخلق‏,‏ ثم تقرير حقيقة جعل نسله نطفة في قرار مكين‏,‏ ثم وصف مراحل خلقه المتعاقبة من تلك النطفة الأمشاج إلى العلقة‏,‏ فالمضغة فالعظام وكسوتها لحماً، ثم إنشائه خلقاً آخر‏ .
وتثني الآيات على الله الذي أبدع هذا الخلق في أصله‏ ـ‏ وهو آدم عليه السلام‏ ـ‏ وفي نسله من بعده إلى يوم الدين‏,‏ وتصفه ـ سبحانه وتعالى ـ بأنه أحسن الخالقين، أي أتقن الصانعين صنعاً ‏.‏ والخلق في الأصل هو التقدير المستقيم‏,‏ ويستخدم في الحديث عن الإبداع على غير مثال سابق‏,‏ وفي وصف إيجاد الشيء من الشيء بطريق الاستحالة‏,‏ والمعنى الأول لا يكون إلا لله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ والثاني يسند إلى الله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ كما يسند إلى الخلق بمعنى التقدير والصنع‏ .‏
ووصف مراحل الجنين في الإنسان بهذه الدقة العلمية المتناهية‏,‏ وهي مراحل تتراوح أبعادها بين أجزاء من الملليمتر إلى ملليمترات قليلة‏,‏ وذلك في غيبة كاملة من وسائل التكبير أو التصوير أو الرؤية‏,‏ وفي بيئة بدائية بسيطة من قبل أربعة عشر قرنا‏ًً,‏ وفي زمن سيادة الاعتقاد بأن الإنسان يخلق من دم الحيض وحده‏,‏ أو من ماء الرجل وحده، يعتبر من أروع صور الإعجاز العلمي في كتاب الله‏,‏ وسبقاً يشهد لهذا الكتاب العزيز بأنه لا يمكن أن يكون صناعة بشرية‏,‏ بل هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ وحفظه بعهده الذي قطعه على ذاته العلية‏,‏ في نفس لغة وحية‏ ـ‏ اللغة العربية‏ ـ‏ وحفظه حفظاً كاملا‏ًً :‏ كلمة كلمة‏,‏ وحرفاً حرفاً، بكل إشراقاته الربانية‏,‏ وحقائقه النورانية؛ ليبقى حجة على الناس كافة إلى يوم الدين ‏.‏
وبعد الخلق والتقدير تنتقل الآيات في سورة المؤمنون إلى الحديث عن الموت وحتميته‏,‏ وعن البعث وضرورته‏,‏ وهي عمليات متلازمة في هذه الحياة الدنيا إلى قيام الساعة‏ .‏
وعقَّبت الآيات بالحديث عن خلق السماوات السبع‏,‏ وعن رعاية الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ لخلقه‏,‏ وعن إنزال الماء من السماء بقدر وإسكانه في الأرض، وهي أول إشارة إلى أن أصل الماء المخزون في الغلاف الصخري للأرض مستمد من ماء المطر، وهي حقيقة لم تدركها العلوم المكتسبة إلا في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي‏,‏ وإن بدت لها إرهاصات منقولة ـ غالباً ـ عن الأصول الإسلامية في أواخر القرن السادس عشر الميلادي
‏ وتؤكد الآيات أن الله ـ تعالى ـ الذي أنزل من السماء ماء بقدر ـ أي بتقدير دقيق ـ فأسكنه في الأرض‏,‏ هو قادر على انتزاعه وتغويره والذهاب به‏ .‏

وتحدثت الآيات عما أنشأ الخالق الحكيم العليم بهذا الماء من جنات النخيل والأعناب وغيرهما من أشجار الفواكه الكثيرة‏,‏ والمحاصيل اللازمة لحياة الإنسان‏,‏ وركزت على شجرة الزيتون‏,‏ وهي تلك التي تنبت في طور سيناء‏ ـ‏ جبل المناجاة ـ‏ بالدهن ـ‏ وهو زيت الزيتون ـ‏ وصبغ للآكلين ـ وهو الإدام الذي يصبغ الخبز ـ‏ إشارة إلى ما في شجر الزيتون الذي ينبت في تلك المنطقة من بركات، وما له من كرامات ‏.‏
وتنتقل الآيات للحديث عن العِبَر المستقاة من خلق الأنعام‏,‏ ومن إنتاج اللبن في ضروعها‏,‏ ومن تكون لحومها ومختلف منافعها الأخرى للإنسان‏ ،‏ ثم إلى استعراض قصص عدد من أنبياء الله مع أممهم‏,‏ منهم نوح ومن بعده من الرسل‏,‏ حتى جاء ذكر موسى وأخيه هارون‏,‏ ثم عيسى ابن مريم‏ ـ على نبينا وعليهم أجمعين من الله السلام‏ ـ مؤكدة وحدة رسالة السماء‏,‏ والإخوة بين جميع الأنبياء‏,‏ ووحدة الجنس البشري الذي ينتهي نسبه إلى أب واحد‏‏ وأم واحدة‏,‏ ومؤكدة كذلك انحراف أهل الكتاب عن منهج ربهم‏,‏ واختلافهم فيما بينهم إلى العديد من الفرق فتقول‏ :‏

 
" يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ . وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ . فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ . فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ . أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ . نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الخَيْرَاتِ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ " (‏المؤمنون‏:51، 56) .‏
وتعاود الآيات ذكر المزيد من صفات المؤمنين من عباد الله المُكلَّفين فتقول‏ :‏
" إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ . وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ . أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ . وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ . وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ ‏"   ‏(‏المؤمنون‏:57‏ ـ‏61)‏ .
ثم تنتقل الآيات إلى عرض جانب من صفات كفار ومشركي قريش ومن سار على دربهم إلى يوم الدين‏,‏ وإلى تصوير ذلهم ومهانتهم في الآخرة فتقول‏ :‏
" حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ . لاَ تَجْأَرُوا اليَوْمَ إِنَّكُم مِّنَّا لاَ تُنصَرُونَ . قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ . مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِراً تَهْجُرُونَ . أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ أَمْ جَاءَهُم مَّا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأَوَّلِينَ . أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُوَلَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ "‏   (‏المومنون‏:64‏،‏69) .
وتؤكد الآيات أن الرسول الخاتم‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ‏ دعا قومه كما يدعو الناس كافة  ‏"... إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ . وَإِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ "‏ ‏  (‏المؤمنون‏:73, 74)‏
وتصف طغيان هؤلاء العمي في ضلالاتهم وعذابهم في الآخرة وهم آيسون من النجاة‏,‏ بعد أن كانوا يشككون في البعث في حياتهم الدنيا، ويصفونه بأساطير الأولين‏,‏ مع اعترافهم بأن الأرض ومن فيها هي لله‏,‏ وأن الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ هو رب السموات السبع ورب العرش العظيم‏,‏ وأنه‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ : "...‏
بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ .... " (المؤمنون:88)‏ .
 وتنفي الآيات كل دعاوى الشرك بالله فتقول‏ :‏
" بَلْ أَتَيْنَاهُم بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ . مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ . عَالِمِ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ "‏‏ ‏‏  (‏المؤمنون‏:90‏ ـ‏92) .‏
وبعد ذلك تنتقل الآيات إلى خطاب موجه إلى خاتم الأنبياء والمرسلين ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ‏ وتوجيهات له بأدعية خاصة لله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ مؤكدة ذل الكفار والمشركين‏,‏ والظلمة المتجبرين لحظة الاحتضار‏,‏ واستعطافهم بين يدي الله أن يرجعهم إلى الدنيا لعلهم يعملون صالحاً، فيرد عليهم الحق‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ بقوله العزيز‏:‏

‏"..‏ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ . فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ . فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ . وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ "‏    (‏المؤمنون‏:100‏ ـ‏103)‏ .
وتستمر الآيات في وصف خطاب الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ إلى هؤلاء الضالين من الكفار والمشركين، والطغاة المتجبرين حتى تصل إلى قوله ـ وهو أصدق القائلين ـ :‏
" أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ . فَتَعَالَى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ . وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الكَافِرُونَ "    (‏المؤمنون‏:115‏ ـ‏117)‏ .
وتختتم السورة الكريمة بوصية من الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ إلى خاتم أنبيائه ورسله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ، وهي في نفس الوقت توجيه إلى كل مسلم ومسلمة إلى يوم الدين ـ يقول له فيها رب العالمين ‏:‏
" وَقُل رَّبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ "(‏المؤمنون‏:118) .‏


من ركائز العقيدة في سورة المؤمنون :
(1)‏ الإيمان بالله ـ‏ تعالى ـ‏ رباً واحداً أحداً‏,‏ فرداً صمدا‏ًً (‏ بغير شريك‏,‏ ولا شبيه‏,‏ ولا منازع‏,‏ ولا صاحبة ولا ولد‏),‏ والإيمان بملائكته‏,‏ وكتبه‏,‏ ورسله‏,‏ واليوم الآخر‏,‏ وبأنه لن يرث الجنة‏ ـ خلوداً بلا موت‏ ـ إلا المؤمنين الذين ذكرت السورة الكريمة عدداً من صفاتهم ‏.‏
‏(2)‏ اليقين بأن الله‏ ـ تعالى‏ ـ قد خلق الإنسان من سلالة من طين‏,‏ وقدَّر مراحل الجنين في نسله مرحلة بعد أخرى حتى تتم تسويته في خلقته الكاملة‏,‏ وأن للإنسان بعد هذه الحياة الموت‏,‏ ثم البعث والحساب والجزاء بالخلود في الجنة أو في النار‏؛‏ وذلك لأن الإنسان لم يُخلق عبثا‏ًً,‏ وأنه ـ حتماً ـ عائد إلى خالقه ليجزيه على عمله في الحياة الدنيا‏ .‏
‏(3)‏ التصديق بأن الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ هو خالق السماوات السبع والأرضين السبع وما فيهن ـ أي خالق كل شيء‏ ـ وأنه ‏ـ سبحانه وتعالى‏ ـ منزل الماء بقدر من السماء‏,‏ وهو الذي يسكنه في الأرض‏,‏ وهو القادر على الذهاب به بتغويره وإفنائه‏,‏ كما أنه ـ سبحانه ـ‏ هو منبت النبات، ومنشئ الزروع‏,‏ وخالق الأنعام‏,‏ ومبدع كل شيء‏,‏ وهو بكل شيء عليم ‏.‏
‏(4)‏ التسليم بوحدة رسالة السماء‏,‏ وبالأخوة بين الأنبياء الذين كانت دعوتهم واحدة تقوم على الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره‏,‏ وعلى تنزيه الله ـ تعالى ـ عن الشريك‏,‏ والشبيه‏,‏ والمنازع‏,‏ والصاحبة‏,‏ والولد‏,‏ وعن جميع صفات خلقه‏,‏ وعن كل وصف لا يليق بجلاله؛ لأن الشرك بالله كفر به‏,‏ وأنه لا يفلح الكافرون أبداً ‏.‏
‏(5)‏ اليقين بأن الله‏ ـ تعالى‏ ـ هو عالم الغيب والشهادة‏,‏ وأنه ـ‏ جل جلاله‏ ـ‏ هو خير الرازقين‏,‏ وهو الذي يحيي ويميت‏,‏ وأن له‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ اختلاف الليل والنهار‏,‏ وأنه هو رب العرش الكريم‏ .‏
‏(6)‏ التصديق بأنه لا عودة بعد الموت إلا في يوم البعث‏؛‏ لأن الأموات من ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون‏,‏ وأن الخلق سوف يبعثون بعد نفختي الصور‏,‏ وبعد الأولى منهما يصعق الأحياء ويموتون‏,‏ وبعد الثانية يبعث كل ميت‏ .‏
‏(7)‏ الإيمان بأن المفلحين هم الذين ثقلت موازينهم في الآخرة فيخلدون في جنات النعيم‏,‏ وأن الذين خفت موازينهم هم الذين خسروا أنفسهم وسوف يخلدون في نار جهنم ‏.‏


من ركائز العبادة والسلوك في سورة المؤمنون :
‏(1)‏ المحافظة على الصلاة و الخشوع فيها‏,‏ وأداء الزكاة على وقتها بقلوب وجلة رجاء قبولها عند الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ وعدم التكذيب بأي من آيات الله .‏
‏(2)‏ الإعراض عن اللغو بكل أشكاله وصوره‏,‏ وعن الشرك بكل ألوانه وأطيافه‏,‏ وعن السخرية من الغير والاستهزاء به أو التكبر عليه ‏.‏
‏(3)‏ وجوب المحافظة على الأعراض الخاصة وأعراض الآخرين ‏.‏
‏(4)‏ وجوب مراعاة الأمانات والعهود‏ .‏
‏(5)‏ مراعاة تقوى الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ وخشيته في السر والعلن‏,‏ والمسارعة إلى فعل الخيرات‏ والسبق بها‏,‏ وترك المنكرات وهجرها والتطهر منها ‏.‏
‏(6)‏ الدعوة إلى النظر في كل أمر بشيء من التدبر والحكمة والتعقل ‏.‏
‏(7)‏ الحرص على طيب المطعم‏,‏ وعلى العمل الصالح‏,‏ وعلى الدفع دوماً بالتي هي أحسن‏ .‏
‏(8)‏ العمل على توحيد المسلمين في أمة واحدة على أساس من كتاب الله وسنة رسوله ـ‏ صلى الله عليه وسلم .‏
‏(9)‏ عدم الاغترار بكثرة المال والبنين‏؛ لأن ذلك قد يكون من قبيل الاستدراج أو الابتلاء والاختبار ‏.‏
‏(10)‏ الحرص على حب الحق‏,‏ والعمل على إشاعته بين الناس والانتصار له من الظالمين الجائرين على حقوق الله وحقوق عباده‏,‏ ودعوة الخلق إلى الالتزام بصراط الله المستقيم‏ .‏
‏(11)‏ النهي عن الوقوع في المظالم بمختلف أشكالها وصورها‏ .‏
‏(12)‏ الحرص على مداومة التضرع إلى الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ بالدعاء‏,‏ وعلى مداومة الاستعاذة به من همزات الشياطين‏,‏ وسؤاله المغفرة والرحمة وهو الغفور الرحيم الودود ‏.‏


من الإشارات الكونية في سورة المؤمنون :
‏(1)‏ الإشارة إلى خلق الإنسان من سلالة من طين‏.‏
‏(2)‏ وصف مراحل الجنين البشري من النطفة الأمشاج في القرار المكين‏,‏ إلى العلقة‏,‏ ثم المضغة‏,‏ فالعظام وكسوتها لحما‏ًً,‏ إلى إنشاء الجنين خلقاً آخر ‏.‏
وهذا الوصف المُحكَم، والترتيب الدقيق، جاء في زمن سيادة الاعتقاد بتخلق الجنين كاملا دفعة واحدة من دم الحيض وحده‏,‏ أو من ماء الرجل وحده في صورة متناهية الضآلة في الحجم‏,‏ ثم بالنمو والزيادة في الحجم يصل إلى حجمه لحظة الميلاد‏ .‏
ووصف القرآن الكريم لتلك المراحل المتتابعة التي تتراوح في أطوالها بين أجزاء من الملليمتر إلى بضعة ملليمترات قليلة‏,‏ بهذه الأوصاف الدقيقة المحكمة في غيبة تامة لجميع وسائل التكبير والتصوير والكشف هو من أوضح صور الإعجاز العلمي في كتاب الله‏ .‏
‏(3)‏ ذكر خلق السماوات السبع‏,‏ وهي من الأمور التي لا تستطيع العلوم المكتسبة الوصول إليها؛ نظراً إلى ضخامة أبعاد الكون‏,‏ وإلى تمدده باستمرار إلى نهاية لا يعلمها إلا الله .‏
‏(4)‏ الإشارة إلى إنزال الماء من السماء بقدر‏,‏ وإلى إسكانه في الأرض بحكمة‏,‏ وهي حقيقة لم تصل إليها العلوم المكتسبة إلا في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي ‏.‏
‏(5)‏ الربط بين إنزال الماء من السماء وإخراج النبات من الأرض ‏.‏
‏(6)‏ وصف شجرة الزيتون بأنها تنبت بالدهن وصبغ للآكلين‏,‏ والتركيز على شجر الزيتون الذي ينبت في طور سيناء بصفة خاصة‏ .‏
‏(7)‏ الإشارة إلى ما في خلق الأنعام من عبرة للمعتبرين‏,‏ ومن ذلك ما يخرج من بطونها من لبن‏,‏ ومن أبدانها من لحم‏,‏ وما يستفاد منها من فوائد، مثل اتخاذها للركوب والحمل في البر كما تتخذ السفن في البحر‏,‏ وغير ذلك من المنافع العديدة‏ .‏
‏(8)‏ ذكر حاسة السمع قبل كلٍ من الأبصار والأفئدة‏ .‏ والملاحظات في علم الأجنة تؤكد سبق تكون حاسة السمع لبقية الحواس المذكورة، وكذلك الحال عند المولود، فإنه يسمع قبل أن يرى أو يدرك‏ .‏
‏(9)‏ إقرار حقيقتي تكور الأرض‏‏ ودورانها حول محورها أمام الشمس بالإشارة الضمنية الرقيقة إلى اختلاف الليل والنهار‏ .‏
‏(10)‏ ذكر قصص عدد من أنبياء الله ورسله‏,‏ وأخبار أممهم معهم‏,‏ وما أصاب تلك الأمم من أحداث بدقة فائقة تؤكدها دراسات الآثار الباقية في الحالات التي تم تحقيقها ‏.‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة خاصة بها‏,‏ ولذلك فسوف أقصر حديثي هنا على استكمال وصف مراحل خلق الجنين البشري من المضغة إلى العظام وكسوتها لحما‏ًً,‏ كما جاء في النقطة الثانية من القائمة السابقة‏ .



من الدلالات العلمية للنص القرآني الكريم :
أثبتت دراسات علم الأجنة أن طور المضغة في الإنسان يتميز باكتمال خلق الكتل البدنية‏ (The Somites),‏ وأنه في الفترة الممتدة من الأسبوع الخامس إلى الثامن فإن هذه الكتل البدنية تأخذ في التحول بالتدريج من أنسجة غشائية إلى غضاريف، ثم إلى عظام أو إلى عظام مباشرة‏,‏ ثم تأخذ تلك العظام في الاكتساء باللحم‏ ـ العضلات ثم الجلد‏ ـ‏ وتصاحب هذه العملية بظهور براعم الأطراف ونموها إلى الأطراف الكاملة‏,‏ وذلك في عدد من المراحل المتتالية التي يمكن ايجازها فيما يلي ‏:‏

أولاً‏:‏ تكون العمود الفقري ‏:
في الأسبوع الخامس من عمر الجنين تبدأ الكتل البدنية الأربع الأولى والموجودة بالقرب من قمة الجنين في الالتحام لتكون جزءاً من قاع الجمجمة‏,‏ أما باقي الكتل البدنية، وهي في حدود‏(40)‏ كتلة، فتتحرك لتكوين فقرات العمود الفقري الأربعين‏ ـ (8‏) فقرات عنقية‏,(12)صدرية‏,(5)‏ قطنية‏,(5)‏ عجزية‏,(10)عصعصية ـ يندثر أغلبها ليبقى منها ثلاث فقرات فقط تضم بداخلها سر حياة الإنسان المعروف باسم عجب الذنب كما سماه رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ‏ كما تكون ضلوع القفص الصدري‏ وعظام الأطراف‏,‏ ثم تكسوها باللحم‏ ـ‏ العضلات والجلد‏ ـ‏ وذلك لأن كل واحدة من هذه الكتل البدنية تتكون من قسم بطني وسطي‏
(
Ventro medial Part)،‏ خصصه الخالق المبدع‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ لتكوين الهيكل العظمي للجنين، ولذلك يعرف باسم القطاع الهيكلي من الكتلة البدنية‏(Sclerotome),‏ وقسم ظهري جانبي‏(Dorsolateral part)‏ خصه الله‏ ـ تعالى ـ بتكوين الكساء اللحمي للهيكل العظمي ـ العضلات والجلد‏ ـ‏ ولذلك يسمى باسم القطاع العضلي‏‏ الجلدي من الكتلة البدنية‏(Myo-Dermatome) .‏
ويبدأ تكون الهيكل العظمي للجنين بتحرك القطاع الهيكلي من كل كتلتين بدنيتين متقابلتين في اتجاه الحبل العصبي الظهري‏
(
The Notochord)‏ وما حوله من الميزاب العصبي‏(The Neural Groove)‏ ليحيطاه إحاطة كاملة مكونين إحدى فقرات العمود الفقري‏(The Vertebral Column),‏ ويتكون لكل فقرة قوسان ينموان ليُكوِّنا ضلعين من ضلوع القفص الصدري‏ .‏ وتبدأ فقرات العمود الفقري بالتخلق من خلايا غضروفية ‏(Chondroblasts)‏، ثم تتكلس بالتدريج بترسيب ثالث فوسفات الكالسيوم فيها بواسطة الدم حتى يتحول أغلبها إلى خلايا عظمية ‏(Osteablasts)‏ تاركة أقراصاً غضروفية فاصلة بينها لتعطي للعمود الفقري قدراً من مرونة الحركة ‏.‏
‏‏ ويؤدي تكون العمود الفقري من القطاعات الهيكلية للكتل البدنية إلى استثارة بقية تلك الكتل، وهي القطاعات المخصصة لبناء الكساء اللحمي، فتتحرك للقيام بدورها في كسوة العظام باللحم‏ ـ العضلات والجلد‏ .
وقد أكد القرآن الكريم هذا التتابع من قبل ألف وأربعمائة سنة، وذلك بقول ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :‏

"...‏ فَخَلَقْنَا المُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا العِظَامَ لَحْماً ‏...‏"  ‏(‏المؤمنون‏:14) .‏
وكان ذلك في زمن لم يتوافر للإنسان أي علم بمراحل الجنين، ولا بتتابع الخلق في مثل هذه الأطوار، مما يقطع بأن القرآن الكريم لا يمكن أن يكون صناعة بشرية‏,‏ بل هو كلام الله الخالق‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ ويشهد للنبي والرسول الخاتم الذي تلقاه بالنبوة والرسالة‏,‏ وبأنه‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ كان موصولاً بالوحي‏,‏ ومُعلَّماً من قبل خالق السماوات والأرض ومن فيهن ‏.‏
ويبدأ تكون العظام عادة بمرحلة غشائية تتخلق في الأسبوعين الخامس والسادس من عمر الجنين‏,‏ ثم تتحول هذه الأغشية إلى مرحلة غضروفية في أواخر الأسبوع السادس‏,‏ ثم تأخذ هذه الغضاريف في التكلس التدريجي بدءاً من الأسبوع السابع، ويتم ذلك في مراكز محددة تعرف باسم مراكز التصلب
(Ossification Centers)‏ أو التمعظم(Scleritization Centers)‏ تنتشر منها الخلايا العظمية لتحل بالتدريج محل الخلايا الغضروفية‏,‏ ويمتد فرع عصبي من الحبل العصبي الظهري إلى كل فقرة من فقرات العمود الفقري بحيث يكون في مستواها تماما‏ًً .‏
والعظام الناتجة عند تكلس الغضاريف تعرف باسم العظام غضروفية الأصل
(Bones of cartilaginous origin)، وتشمل غالبية عظام الجنين، مثل العمود الفقري‏,‏ والقفص الصدري‏,‏ والأطراف‏,‏ وقاع الجمجمة‏,‏ ولكن في بعض أجزاء الهيكل العظمي ـ مثل أغلب عظام الجمجمة ـ تتكون العظام بواسطة تكلس الأنسجة الغشائية مباشرة دون المرور بمرحلة الغضاريف، وتعرف هذه العظام باسم العظام غشائية النشأة (Bones of membraneous origin)، وتتكون بترسيب ثلاثي فوسفات الكالسيوم من الدم الذي تحمله الأوعية الدموية إلى قبوة الرأس بالتدريج في الطبقة الغشائية الرقيقة المحيطة بالمخ فتتكلس‏ .‏

ثانيا‏ًً:‏ تكون الجمجمة‏ :‏
تتكون غالبية عظام الجمجمة المعروفة باسم علبة الدماغ ‏(Neurocranium)من عظام غشائية النشأة‏,‏ أما الصفيحة القاعدية للجمجمة (Cranial Basal plate) فتتكون من عظام غضروفية النشأة‏,‏ وتستمد هذه العظام من أعلى زوجين متقابلين من الكتل البدنية الموجودة بالقرب من قمة الجنين حين يتحرك النصف الخاص ببناء الهيكل العظمي من تلك الكتل في اتجاه الحبل الظهري‏,‏ وتلتحم الكتل الثلاث الباقية مكونة الصفيحة القاعدية لقاع الجمجمة ‏(Cranial Base)‏ مكونة فتحة عظيمة‏ (Foramen magnum) يمر منها النخاع الشوكي المتصل بالمخ عبر ما يعرف باسم النخاع المستطيل (Medulla oblongata)، وتتصل عظام قاع الجمجمة بالعظام الحافظة للحواس ، مثل السمع والبصر والشم‏,‏ وهي عظام غضروفية النشأة‏,‏ كما تتصل بعظام الوجه التي تتكون ـ أساساً ـ من القوسين البلعوميين، فيكون الأول منهما الفك السفلي‏,‏ ويتكون الفك العلوي من بروز منه‏ .‏ وكذلك تتكون عظام الوجنتين‏‏ وجزء من العظم الصدغي‏ .‏ وتتكون عظيمات الأذن الوسطى ـ‏ المطرقة‏,‏ والسندان‏,‏ والركاب‏ ـ من النتوء الفكي‏,‏ وهي أول ما يتكون من عظام الجمجمة‏,‏ ويكون الوجه صغيراً في أول الأمر بالنسبة إلى القحفة‏؛ وذلك لأن الجيوب الأنفية لم تكن قد تكونت بعد‏,‏ فإذا ما تكونت فإن الوجه يبدأ في أخذ شكله الإنساني‏ .‏
ويبقى عدد من الفراغات بين عظام الجمجمة الرقيقة نسبياً حتى يسهل تشكل الرأس أثناء عملية الولادة‏,‏ وتعرف هذه الفراغات أو الفتحات باسم اليوافيخ‏ ـ جمع يافوخ‏ ـ‏ وتبقى مع الوليد لفترة تصل إلى عام ونصف العام بعد الولادة قبل أن تغلق تماماً ‏.‏

ثالثاً‏:‏ تكون القفص الصدري ‏:‏
تتكون ضلوع القفص الصدري من نمو النتوءات المستعرضة(Transverse Processes)التي تظهر على الفقرات الصدرية الاثنتي عشرة للعمود الفقري، وبذلك يتكون‏24‏ ضلعاً للجنين‏،‏ اثنا عشر منها على كل جانب من جانبي القفص الصدري‏، وتنمو الضلوع أولاً على هيئة غضروفية، ثم تبدأ مراكز التكلس في الظهور عليها لتحويلها إلى عظام بالتدريج، ففي الأسبوع السادس من عمر الجنين يظهر على الجزء الهيكلي ‏(Sclerotome)من الكتل البدنية الصدرية الاثنتي عشرة ثلاثة أزواج من المراكز الغضروفية في كل كتلة تعمل على تكوين فقرة غضروفية، وتتوزع هذه المراكز على النحو التالي‏ :‏
‏1‏ـ مركزان للقوس الفقري
(The Vertebral Arch).
‏2
‏ ـ مركزان للنتوء المستعرض(The Transverse Process)‏ .
‏3
‏ ـ مركزان لجسم الفقرة ‏(The Body of the Vertebra)‏ .
وفي الأسبوع السابع من عمر الجنين تبدأ هذه الفقرات الغضروفية في التمعظم بظهور عدد من مراكز التصلب (Ossification Centers)‏ على جسم كل فقرة‏,‏ وفي الأسبوع الثامن تظهر مراكز التمعظم على كل قوس فقري،‏ ومن النتوءات المستعرضة تنمو ضلوع القفص الصدري‏,‏ انا عشر من كل جانب‏ .‏

رابعا‏ًً:‏ تكون الأطراف‏ :‏
يبدأ نمو الأطراف في جسم الجنين مع بداية الأسبوع الخامس من عمره حين تبدأ براعم تلك الأطراف في الظهور بالأطراف العلوية أولا ـ الذراعين‏ ـ‏ ثم بالأطراف السفلية‏ ـ‏ الساقين‏ ـ بعد ذلك ببضعة أيام، وفي كل برعم من هذه البراعم الغشائية يبدأ تحول الأنسجة الغشائية إلى غضاريف‏,‏ ثم تبدأ هذه الغضاريف في التكلس والتصلب لتتحول إلى عظام بالتدريج عن طريق ترسيب ثلاثي فوسفات الكالسيوم المنقول إليها بواسطة الدم في جميع المسافات الفاصلة بين الخلايا الغضروفية وبالإحلال محلها‏؛‏ وذلك نتيجة لامتداد الأوعية الدموية والأعصاب لكل طرف مع كسوته باللحم‏ ـ‏ العضلات والجلد‏ .‏

وفي الأسبوع السادس من عمر الجنين‏ ـ‏ الذي لا يتعدى طوله‏12‏ ملليمترا‏ًً ـ‏ يظهر على كل طرف من الطرفين العلويين اختناقان، يحدد أحدهما مكان الكوع‏,‏ ويحدد الآخر مكان الرسغ‏,‏ وتظهر على كل يد ميازيب تحدد أماكن الأصابع في كل منها، وبذلك يتحدد مكان كلٍ من العضد‏‏ والساعد‏ واليد‏‏ والأصابع في كل ذراع‏ .‏
وفي الأسبوع السابع من عمر الجنين يتحدد مكان كلٍ من الركبة والكاحل، فيتحدد بذلك مكان كلٍ من الفخذ والساق والقدم‏,‏ في كل طرف من الطرفين السفليين في وقت لا يتعدى طول الجنين‏(15)‏ ملليمتراً، وبعد تكون الهيكل العظمي للأطراف تُكسى باللحم‏ ـ‏ العضلات ثم الجلد‏ ـ‏ ويتصل كل ذلك بامتداد كلٍ من الأعصاب والأوعية الدموية ‏.‏
ويتكون الطرفان العلويان للجنين‏ ـ‏ الذراعان‏ ـ‏ من الكتل البدنية ‏(4‏ ـ‏8)‏ الواقعة في المنطقة العنقية‏,‏ ويشاركهما في ذلك الكتلة الصدرية الأولي من الكتل البدنية‏,‏ وأحيانا الكتلة الثانية من كل جانب‏,‏ بينما يتكون الطرفان السفليان‏ ـ‏ الساقان ‏ـ من الكتل البدنية القطنية الخمس من كل جانب والعجزية‏ (1‏ ـ‏4) .‏
من ذلك الاستعراض يتضح أنه في الأسبوع السادس من عمر الجنين فإن الكتل البدنية‏
(
The Somites)‏ التي ميزت مرحلة المضغة تتحول بالتدريج إلى الغضاريف‏,‏ وتظهر براعم الأطراف وتتحول كذلك إلى غضاريف‏,‏ وفي الأسبوعين السابع والثامن تبدأ هذه الغضاريف في التكلس لتتحول إلى العظام بالتدريج‏,‏ وتُكسَى العظام باللحم‏ ـ العضلات والجلد‏ ـ‏ وتبدأ مراكز التمعظم في الظهور في الأطراف في الأسبوع السابع من عمر الجنين‏,‏ ويلي ذلك تكون عضلات تلك الأطراف‏,‏ مما يؤكد سبق تكون العظام لتكون اللحم‏ ـ‏ العضلات والجلد‏ ـ وقد سبق القرآن الكريم جميع المعارف الإنسانية المكتسبة في تحديد هذه الحقيقة، وذلك بقول ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :‏
" فَخَلَقْنَا المُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا العِظَامَ لَحْماً ‏.."    (‏ المؤمنون‏:14)‏ .
وأثناءَ تحول الهياكل الغضروفية إلى هياكل عظمية عبر مراكز التصلب‏ (Ossification Centersتترسب أملاح ثلاثي فوسفات الكالسيوم في المسافات الفاصلة بين الخلايا الغضروفية‏,‏ ثم تتخلق خلايا آكلة للخلايا الغضروفية‏ (Chondroclasts)‏ تلتهمها وتحل محلها الخلايا العظمية‏(Osteoblasts or Osteocytes)‏ التي تنمو بالتدريج لتكوين الهيكل العظمي للجنين ‏.

هذه الحقائق لم تكتشف إلا في خلال القرن العشرين‏,‏ وفي العقود المتأخرة منه على وجه التحديد‏,‏ وورودها في كتاب أنزل من قبل أربعة عشر قرناً على نبي أمي‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ وفي أمة كانت غالبيتها الساحقة من الأميين، لمما يقطع بربانية هذا الكتاب‏,‏ وبنبوة الرسول الخاتم الذي تلقاه، وبأنه كان ـ دوماً ـ موصولاً بالوحي‏,‏ ومُعلَّماً من قبل خالق السماوات والأرض، فصلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه، ومن تبع هداه‏,‏ ودعا بدعوته إلى يوم الدين‏ .‏ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏ .‏