" فَلْيَنْظُرِ الْأِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ " (عبس:24).


هذه الآية الكريمة جاءت في مطلع النصف الثاني من سورة عبس‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ وعدد آياتها‏42‏ بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم لإعراض رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏ عن عبد الله ابن أم مكتوم‏,‏ وعبوسه في وجهه ـ وكان رجلاً أعمى‏ ـ‏ حين جاء يلتمس العلم الشرعي‏,‏ ورسول الله ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ مشغول مع جماعة من كبراء قريش يدعوهم إلى الإسلام‏,‏ فنزلت هذه السورة المباركة معاتبة أفضل خلق الله قاطبة على هذا الموقف لتؤكد قيمة إسلامية عليا، مؤداها المساواة بين الناس على الرغم من تباين مستوياتهم الاجتماعية‏,‏ وإمكاناتهم المادية من مال وجاه وسلطان‏,‏ والمفاضلة بينهم فقط على أساس من تقوى الله‏,‏ وفي ذلك يقول ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ‏ في سورة الحجرات‏ :‏" يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ "    (الحجرات:13) . والمحور الرئيسي للسورة الكريمة يدور حول قضية العقيدة‏,‏ والوحي بها‏,‏ والآخرة وأهوالها‏,‏ وتستدل على صدق ما جاء بها بخلق الإنسان من نطفة‏,‏ وتقدير صفاته وجنسه‏,‏ وأجله ورزقه‏,‏ وشقي أم سعيد‏,‏ وتيسير سبل الحياة له‏,‏ وسبل الهداية فيها‏,‏ وقد قدر الله ـ تعالى ـ‏ عليه بعد ذلك الموت والبعث والنشور والحساب‏,‏ والخلود في حياة مقبلة، إما في الجنة أبداً، أو في النار أبدا‏ًً,‏ وكثير من الكافرين تمضي بهم الحياة دون أن يحقق الواحد منهم شيئاً من واجباته فيها، أو أن يعرف الغاية من وجوده في هذه الحياة الدنيا‏,‏ فينتهي أجله ليلقى الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ صفر اليدين‏,‏ مثقل الكاهل بالذنوب ‏.‏
وتستدل السورة الكريمة كذلك بما خلق الله ـ‏ تعالى ـ من أنواع الطعام لكلٍ من الإنسان والحيوان‏,‏ وتختتم بالحديث عن القيامة وأهوالها‏,‏ وعن تمايز الناس فيها بين مؤمن صادق‏,‏ وكافر فاجر، فيقول ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ‏ في ختامها :
" وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ . ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ . وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ . تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ . أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ "  (‏عبس‏:38‏ ـ‏42) .‏


من ركائز العقيدة في سورة عبس :
من الركائز التي ألمحت إليها هذه السورة المباركة ما يلي ‏:‏
‏(1)‏ الإيمان بالله ـ‏ تعالى‏ ـ‏ ربا‏ًً,‏ وبالإسلام دينا‏ًً,‏ وبسيدنا محمد‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏  ـ نبياً ورسولا‏ًً .‏
‏(2)‏ الإيمان بوحدة الجنس البشري‏,‏ وبالأخوة الإنسانية‏,‏ ومن ثم فإن أساس المفاضلة بين الناس يجب أن يكون هو تقوى الله‏ ـ تعالى ـ وخشيته‏,‏ وحسن عبادته‏,‏ وليست المستويات الاجتماعية‏,‏ ولا الإمكانات المادية الزائلة من مال‏ وجاه‏‏ وسلطان‏ .‏
‏(3)‏ الإيمان بأن وحي السماء إلى العباد حق‏,‏ تنقله الملائكة الكرام البررة إلى رسل الله المختارين في الأرض ليبلغوه إلى الناس‏,‏ كلٌ إلى أمته‏ .‏
‏(4)‏ الإيمان بأن القرآن الكريم هو آخر صور الوحي المنزلة من الله‏  ـ تعالى‏ ـ هداية للإنسان‏,‏ وتذكرة له‏,‏ فمن شاء منهم اهتدى بهديه‏,‏ ومن لم يشأ فإثمه فوق رأسه‏,‏ وبما أن القرآن الكريم هو الرسالة الخاتمة، فهو محفوظ في الأرض وفي السماء‏ :"‏ فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ ‏.‏ مَرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ .‏ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ‏.‏ كِرَامٍ بَرَرَةٍ ‏ "
، وقد حفظه الله‏ ـ‏ تعالى ـ منزهاً عن عبث العابثين من شياطين الإنس والجن‏,‏ وعن أي خلل أو نقص يمكن أن يطوله كما طال الصحف من قبله ‏.‏
‏(5)‏ الإيمان الكامل بأن الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ خلق الإنسان من نطفة فقدره‏ ,‏ أي حدد له صفاته‏,‏ وجنسه‏,‏ وأجله ورزقه‏,‏ وشقي أم سعيد‏,‏ ويسَّر له سبل الخروج إلى الحياة‏,‏ وأساليب الهداية والنجاح فيها‏ .‏
‏(6)‏ الإيمان بأن الموت حق على العباد‏,‏ وأن البعث والنشور حتمي عليهم كذلك ‏.‏
‏(7)‏ الإيمان بأن الله ـ‏ تعالى‏ ـ هو خالق كل شيء‏,‏ وأنه‏ ـ‏ سبحانه‏ ـ‏ هو الذي أوجد طعام كلٍ من الإنسان وأنعامه‏,‏ وأنبته لهم من الأرض بمختلف أشكاله وألوانه وطعومه بقدرة فائقة تشهد له ـ‏ سبحانه‏ ـ‏ بالألوهية والربوبية‏ .‏
‏(8)‏ الإيمان بالآخرة وأهوالها التي تجعل المرء يفر من أقرب الناس إليه‏,‏ وبحتمية وقوعها‏,‏ وبانقسام الناس فيها بين مؤمن مستبشر سعيد‏,‏ وكافر شقي تعيس‏,‏ وشتان بين المصيرين‏ .

من الآيات الكونية في سورة عبس :
‏(1)‏ خلق الإنسان من نطفة‏ :‏
والنطفة في اللغة هي : القليل من الماء الذي يعدل قطرة‏,‏ وفي القرآن الكريم يقصد بالنطفة كلٌ من الحيوان المنوي والبييضة‏,‏ فإذا اتحدا سميت اللقيحة الناتجة عن اتحادهما باسم النطفة الأمشاج ـ أي المختلطة‏ ـ‏ ويبدأ مصطلح النطفة من الحيوان المنوي والبييضة، وينتهي بطور الحرث‏(‏ الانغراس‏) .‏
‏(2)‏ تقدير النطفة‏ :‏
 ويأتي لفظ التقدير بمعنى التروية والتفكير في تسوية أمر من الأمور وتهيئته‏,‏ وتقديره بعلامات تطبع عليه‏,‏ ويقصد بالتقدير هنا ما يعرف اليوم باسم البرمجة الجينية أو تحديد الصفات التي سوف تظهر على الجنين في المستقبل، والتي تعرف باسم الصفات السائدة‏‏ وكذلك الصفات المتنحية لتظهر في الأجيال المقبلة من نسله‏,‏ وبذلك يتم تقدير أوصاف الجنين وتحديدها لذاته ولنسله من بعده إلى يوم الدين‏ .‏
ويتضمن التقدير الذي يحدث في النطفة الأمشاج تحديد جنس الجنين ذكراً كان أو أنثى‏,‏ وفي ذلك يقول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ : ‏
" وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى . مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى "   (‏ النجم‏:46,45) .‏
(3) "‏ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ " (عبس:20) :
وهي إشارة إلى مرحلة انتهاء الحضانة الرحمية بولادة الجنين‏,‏ وفيها قدر الخالق ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ تيسير طريق الجنين لتيسير ولادته‏,‏ وذلك بإفراز العديد من الهرمونات‏,‏ والسوائل المخاطية والأغشية التي تعين الجنين على الخروج بيسر إلى الحياة الصاخبة خارج بطن أمه ‏.‏
‏(4)‏ تنبيه الإنسان الغافل‏ والجاحد لنعم الله ـ‏ تعالى ـ‏ عليه :‏
كي ينظر إلى طعامه‏,‏ ويتفكر في الذي أعده له بالعديد من العمليات الدقيقة والمرتبة والمسخرة لإنزال المطر ولجعل الأرض قادرة على الإنبات‏,‏ وخلق مختلف النباتات فيها من ذوات المحاصيل ـ‏ كالحبوب‏,‏ والأعناب‏,‏ والبقول‏,‏ والخضراوات‏,‏ والزيتون‏,‏ والنخيل‏,‏ ومختلف أنواع الفواكه والثمار‏ ـ‏ ومن غير ذوات المحاصيل ـ‏ كالكلأ والعشب‏ ـ مما يحتاجه كلٌ من الإنسان والأنعام في طعامه‏,‏ والطعام ضرورة من ضرورات نمو كلٍ منهما‏,‏ كما أنه لازم لتعويض ما يموت من خلاياه‏,‏ ولازم لبقائه على قيد الحياة إلى أن يتوفاه الله‏ .‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة خاصة بها‏,‏ لكني سوف أقصر حديثي هنا على النقطة الأخيرة المتعلقة بدعوة القرآن الكريم للإنسان الجاحد أن ينظر إلى طعامه ليدرك مدى نعم الله‏ ـ تعالى‏ ـ عليه في هذه القضية وحدها التي لخصتها سورة عبس في تسع آيات ‏(24:31),‏ وقبل الشروع في ذلك لابد من استعراض سريع لأقوال عدد من كبار المفسرين القدامى والمعاصرين في شرح هذه الآيات التسع المباركات‏ .


من أقوال المفسرين:
في تفسير قوله ـ‏ تعالى‏ ـ :‏
" فَلْيَنْظُرِ الْأِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ . أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً . ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً . فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً . وَعِنَباً وَقَضْباً . وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً  . وَحَدَائِقَ غُلْباً . وَفَاكِهَةً وَأَبّاً . مَتَاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ "‏ (‏عبس‏:24‏ ـ‏32).‏ ذكر الطبري‏ ـ‏ رحمه الله‏ ـ‏ ما نصه‏: "‏ فَلْيَنْظُرِ الْأِنْسَانُ " يعني‏:‏ الكافر ."‏ إِلَى طَعَامِهِ "‏ كيف دبره الله ؟ ، وقيل إلى مدخله فيه ومخرجه‏ ." أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ‏ " الغيث ‏"‏ صَبّاً " . " ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ "‏ بالنبات‏ . "شَقّاً .‏ فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً " :‏ حب الزرع . "‏ وَعِنَباً " :‏ كروماً‏ " وَقَضْباً ‏"‏ يعني بها‏ :‏ الرطبة‏,‏ وأهل مكة يسمون القت‏ :‏ القضب‏ . "‏ وَحَدَائِقَ غُلْباً‏ "‏ بساتين محوطاً عليها‏ "‏ غُلْباً‏ " :‏ غلاظاً يستظل بها‏ . "‏ وَفَاكِهَةً "‏ من ثمار الأشجار ."‏ وَأَبّاً‏ " :‏ ما تأكله البهائم من العشب والنبات . ‏"‏ مَتَاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ‏ "‏ تتمتعون بها وتنتفعون ‏.‏وذكر ابن كثير‏ ـ‏ يرحمه الله ـ‏ ما نصه‏:‏ وقوله ـ تعالى ـ‏: "‏ فَلْيَنْظُرِ الْأِنْسَانُ إِلَى طَعَامِه " فيه امتنان‏,‏ وفيه استدلال بإحياء النبات من الأرض الهامدة‏ على إحياء الأجسام بعدما كانت عظاماً بالية وتراباً متمزقاً‏ . "‏ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً‏ "‏ أي أنزلناه من السماء على الأرض ‏. "‏ ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً " أي أسكناه فيها فيدخل في تخومها‏ فنبت وارتفع وظهر على وجه الأرض . " فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً . وَعِنَباً وَقَضْباً‏ " ،‏ فالحب كل ما يذكر من الحبوب‏,‏ والعنب معروف‏ ، والقضب هو الفصفصة التي تأكلها الدواب رطبة‏,‏ ويقال لها القت أيضا‏ًً .‏ قال ذلك ابن عباس وقتادة‏,‏ وقال الحسن البصري‏:‏ القضب العلف‏ . "‏ وَزَيْتُوناً "‏ وهو معروف‏,‏ وهو أدم وعصيره أدم‏,‏ ويستصبح به ويدهن به‏ . "‏ وَنَخْلاً‏ "‏ يؤكل بلحاً وبسرا‏ًً,‏ ورطباً وتمرا‏ًً,‏ نيئاً ومطبوخا‏ًً,‏ ويعتصر منه رب وخل ‏. "‏ وَحَدَائِقَ غُلْباً‏ "‏ أي بساتين‏ .‏ قال الحسن وقتادة‏ :‏ " غُلْباً " نخل غلاظ كرام‏,‏ وقال ابن عباس ومجاهد‏:‏ كل ما التف واجتمع‏,‏ وقال ابن عباس أيضا‏ًً : "‏ غُلْباً‏ "‏ الشجر الذي يستظل به‏,‏ وقال عكرمة‏ : "‏ غُلْباً‏ "‏ أي غلاظ الأوساط‏ . وقوله ـ تعالى ـ "‏ وَفَاكِهَةً وَأَبّاً‏ "‏ أما الفاكهة فكل ما يتفكه به من الثمار‏,‏ قال ابن عباس‏:‏ الفاكهة كل ما أكل رطباً‏,‏ والأب ما أنبتت الأرض مما تأكله الدواب ولا يأكله الناس‏,‏ وفي رواية عنه‏:‏ هو الحشيش للبهائم‏ . وقال مجاهد‏:‏ الأب : الكلأ‏ .‏ وعن مجاهد والحسن‏:‏ الأب للبهائم كالفاكهة لبني آدم .‏ وعن عطاء كل شيء نبت على وجه الأرض فهو أب‏ .‏ وقال الضحاك‏:‏ كل شيء أنبتته الأرض سوى الفاكهة فهو الأب . وقال العوفي‏‏ عن ابن عباس‏:‏ الأب‏:‏ الكلأ والمرعى ‏. (انتهى قول المفسر)
‏ وجاء في تفسير الجلالين ـ‏ رحم الله كاتبيه‏ ـ‏ ما نصه‏ : "‏ فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ‏ "
‏ نظر اعتبار‏ " إِلَى طَعَامِهِ‏ " كيف قدر ودبر له‏."‏ أَنَّا صَبَبْنَا المَاءَ ‏ " من السحاب على الأرض‏ . "‏ صَباًّ "‏ أي بغزارة‏ . "‏ ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ "‏ بالنبات‏ " شَقاًّ ‏" . "‏ فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَباًّ‏ "‏ كالحنطة والشعير ‏. " وَعِنَباً وَقَضْباً‏ " هو‏:‏ القت الرطب علفاً للدواب‏ . "‏ وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً " أي‏:‏ شجرتا الزيتون والنخيل ‏. "‏ وَحَدَائِقَ غُلْباً "‏ بساتين كثيرة الأشجار ‏. "‏ وَفَاكِهَةً وَأَباًّ‏ "‏ ما ترعاه البهائم‏,‏ وقيل التبن‏ . "‏ مَتَاعاً‏ " متعة أو تمتيعا . " لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ ‏ "‏ جمع نَعِم، وهي الإبل والبقر والغنم‏ .‏ (انتهى قول المفسر)
وذكر صاحب الظلال‏ ـ‏ رحمه الله رحمة واسعة‏ ـ ما نصه‏:‏ وينتقل السياق إلى لمسة أخرى في مقطع جديد،‏ فتلك هي نشأة هذا الإنسان،‏ فهلَّا نظر إلى طعامه وطعام أنعامه في هذه الرحلة؟، وهي شيء واحد من أشياء يسَّرها له خالقه
؟ .
هذه قصة طعامه مفصلة مرحلة مرحلة‏,‏ هذه هي فلينظر إليها‏,‏ فهل له من يد فيها ؟، هل له من تدبير في أمرها ؟ . إن اليد التي أخرجته إلى الحياة وأبدعت قصته‏,‏ هي ذاتها اليد التي أخرجت طعامه‏‏ وأبدعت قصته‏ . " فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ‏ "
,‏ ألصق شيء به‏,‏ وأقرب شيء إليه‏,‏ وألزم شيء له‏،‏ لينظر إلى هذا الأمر الميسر الضروري الحاضر المكرر،‏ لينظر إلى قصته العجيبة اليسيرة‏,‏ فإن يسرها ينسيه ما فيها من العجب‏,‏ وهي معجزة كمعجزة خلقه ونشأته‏,‏ وكل خطوة من خطواتها بين القدرة التي أبدعته‏ ."‏ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً ‏"‏ وصب الماء في صورة المطر حقيقة يعرفها كل إنسان في كل بيئة‏,‏ في أية درجة كان من درجات المعرفة والتجربة،‏ فهي حقيقة يخاطَب بها كل إنسان‏,‏ فأما حين تقدم الإنسان في المعرفة فقد عرف من مدلول هذا النص ما هو أبعد مدى، وأقدم عهداً من هذا المطر الذي يتكرر اليوم ويراه كل أحد‏ .
واستعار صاحب الظلال‏ ـ‏ رحمه الله‏ ـ فرضاً عن أصل ماء الأرض نقله عن كتاب " الإنسان لا يقوم وحده "‏ تأليف (أ‏.‏ كريس موريسون)، وترجمه (محمود صالح الفلكي) بعنوان‏ : " العلم يدعو للإيمان ‏"‏ ثم أضاف‏ :‏ ذلك كان أول قصة الطعام‏ : " أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً ‏ "
،‏ ولا يزعم أحد أنه أنشأ هذا الماء في أي صورة من صوره‏,‏ وفي أي تاريخ لحدوثه‏,‏ ولا أنه صبه على الأرض صباً لتسير قصة الطعام في هذا الطريق‏ .‏
" ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً " وهذه هي المرحلة التالية لصب الماء‏،‏ وهي صالحة لأن يخاطب بها الإنسان البدائي الذي يرى الماء ينصب من السماء بقدرة غير قدرته‏,‏ وتدبير غير تدبيره‏، ثم يراه يشق الأرض ويتخلل تربتها‏،‏ أو يرى النبت يشق تربة الأرض شقاً بقدرة الخالق‏ ـ‏ سبحانه‏ ـ‏ وينمو على وجهها‏,‏ ويمتد في الهواء فوقها،‏ وهو نحيل نحيل‏,‏ والأرض فوقه ثقيلة ثقيلة،‏ ولكن اليد المدبرة تشق له الأرض شقاً‏,‏ وتعينه على النفاذ فيها وهو ناحل لين لطيف ،‏ وهي معجزة يراها كل من يتأمل انبثاق النبتة من التربة‏,‏ ويحس من ورائه انطلاق القوة الخفية الكامنة في النبتة الرخية ‏.‏
فأما حين تتقدم معارف الإنسان، فقد يعنُّ له مدى آخر من التصور في هذا النص‏,‏ وقد يكون شق الأرض لتصبح صالحة للنبات أقدم بكثير مما نتصور‏ ، إنه قد يكون ذلك التفتت في صخور القشرة الأرضية بسبب الفيضانات الهائلة‏,‏ وبسبب العوامل الجوية الكثيرة التي يفترض علماء اليوم أنها تعاونت لتفتيت الصخور الصلبة التي كانت تكسو وجه الأرض وتكون قشرتها‏,‏ حتى وجدت طبقة الطمي الصالحة للزرع‏ .‏ وكان هذا أثراً من آثار الماء تالياً في تاريخه لصب الماء صبا‏ًً,‏ مما يتسق أكثر من هذا التتابع الذي تشير إليه النصوص‏ .‏
وسواء كان هذا أم ذاك أم سواهما هو الذي حدث‏,‏ وهو الذي تشير إليه الآيتان السابقتان، فقد كانت المرحلة الثالثة في القصة هي النبات بكل صنوفه وأنواعه التي يذكر منها هنا أقربها للمخاطبين‏,‏ وأعمها في طعام الناس والحيوان ‏. "‏ فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً ‏"‏
وهو يشمل جميع ما يأكله الناس في أية صورة من صوره‏,‏ وما يتغذى به الحيوان في كل حالة من حالاته‏ . " وَعِنَباً وَقَضْباً ‏"‏ والعنب معروف‏,‏ والقضب هو كل ما يؤكل رطباً غضاً من الخضر التي تقطع مرة بعد أخرى‏ . "‏ وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً . وَحَدَائِقَ غُلْباً . وَفَاكِهَةً وَأَبّاً ‏"‏ والزيتون والنخل معروفان لكل عربي‏,‏ والحدائق جمع حديقة‏,‏ وهي البساتين ذات الأشجار المثمرة المسورة بحوائط تحميها‏،‏ و "‏ غُلْباً "‏ جمع غلباء، أي ضخمة عظيمة ملتفة الأشجار‏، والفاكهة من ثمار الحدائق، و‏(‏الأب‏)‏ أغلب الظن أنه الذي ترعاه الأنعام ‏. (انتهى قول المفسر)‏
‏ وجاء في صفوة البيان لمعاني القرآن‏ ـ‏ رحم الله كاتبها برحمته الواسعة‏ ـ ما نصه‏ : "‏ فَلْيَنْظُرِ الْأِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ‏ "
‏ كيف دبر‏ . "‏ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً " أنزلنا له الغيث من السماء إنزالاً ‏. " ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً ‏" شققناها بالنبات شقاً بديعاً‏‏ لائقاً بما يشقها منه صغراً، وكبرا‏ًً,‏ وشكلاً، وهيئة‏ًً . "‏ حَبّاً "‏ ما يقتات به الإنسان ويدخره‏,‏ من نحو الحنطة والشعير والذرة‏ . "‏ وَعِنَباً "‏ يتفكه به‏ . " وَقَضْباً‏ " علفاً رطباً للدواب، ويسمى الفصفصة‏,‏ وإذا يبس يسمي القت‏,‏ وسمي قضباً لأنه يُقْضَب، أي يُقْطَع بعد ظهوره مرة بعد أخرى كالكلأ والبرسيم‏ .‏ وقيل‏:‏ القضب ما يقضب من النبات ليأكله الإنسان غضاً طريا‏ًً,‏ كالبقول التي تقطع فينبت أصلها‏ . "‏ وَحَدَائِقَ "‏ بساتين محوطة‏ ـجمع حديقة‏ ـ‏ وهي ما أحيط من النخل والشجر‏,‏ فإذا لم يُحَطْ فليس بحديقة‏,‏ بل هو بستان‏,‏ ومنه أحدقوا به، أي أحاطوا به‏ ."‏ غُلْباً "‏ عظاما‏ًً ـ‏ جمع أغلب وغلباء‏ ـ هي الحديقة الغليظة الأشجار الملتفة‏،‏ وأصلها من الغَلَب ـ بفتحتين ـ بمعنى الغلظ‏ .‏ يقال‏:‏ غَلِب ـ كفَرِح ـ أي غلظ عنقه‏,‏ ومنه‏:‏ الأغلب للغليظ الرقبة‏,‏ وهضبة غلباء‏:‏ أي عظيمة مشرفة‏ . " وَأَبّاً‏ "‏ الأب‏ :‏ الكلأ والمرعى‏,‏ وهو ما تأكله البهائم من العشب‏ ، من أبه‏:‏ إذا أمه وقصده‏؛‏ لأنه يؤم ويقصد ‏،‏ أو من أب لكذا‏:‏ إذا تهيأ له‏؛‏ لأنه متهيئ للرعي‏، أو ما تأكله البهائم من العشب والنبات‏,‏ رطباً كان أو يابسا‏ًً، فهو أعم من القضب‏,‏ أو هو التبن خاصة‏ .‏ (انتهى قول المفسر)
‏ وذكر كلٌ من أصحاب المنتخب في تفسير القرآن الكريم وصفوة التفاسير كلاماً مشابهاً لا أرى داعياً لتكراره هنا ‏.‏



من الدلالات العلمية للآيات الكريمة :
أولاً ‏:‏ "فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ" :

‏(‏الطَّعَام‏)‏ و‏(‏الطُّعْمُ‏)‏ هو كل ما يؤكل‏,‏ و‏(‏الطَّعْمُ‏)‏ تناول الغذاء‏,‏ و‏(‏الطعمة‏)‏ المأكلة‏,‏ ويقال‏:(‏ طَعِمَ‏)(‏ طَعْمَاً‏)‏ إذا أكل أو ذاق فهو‏(‏ طَاعِم‏) .‏ و‏(‏اسْتَطْعَمَهُ‏)‏ أي سأله أن يطعمه فأطعمه‏ .‏
وقد يستعمل الفعل‏(‏ طَعِمَ‏)‏ في الشراب أيضاًٍ لقول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ‏ على لسان طالوت لجنوده‏ :"
...‏  إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي"(البقرة:249) وقول رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ في وصفه لماء زمزم " إنه طعام طعم وشفاء سقم " ‏.‏

ولذلك بدأت هذه المجموعة من الآيات التي تتحدث عن الطعام في سورة عبس بقول الحق ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :‏" أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً " (عبس:25) .ومن الثابت علمياً أن الماء سابق في وجوده على خلق الحياة؛ لأن الحياة الأرضية التي نعرفها لا تقوم بغير الماء الذي أخرجه ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ‏ من داخل الأرض‏ . صدق الله العظيم إذ يقول :‏" وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا . أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا "(‏النازعات‏30‏ ،‏31)‏ .
وعلى الماء قامت حياة كلٍ من النبات والحيوان والإنسان، وأعد الله‏ ـ‏ تعالى ـ للإنسان كل صنوف الطعام التي يحتاجها في حياته‏,‏ ومن هنا كانت الإشارة إليه لينظر إلى طعامه نظر تدبر وتفكر واعتبار ‏.‏

ثانيا‏ًً :‏ " أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً‏ " :‏
تعتبر دورة الماء حول الأرض من دلالات طلاقة القدرة الإلهية‏,‏ فقبل إخراج ماء الأرض من داخلها عبر فوهات البراكين‏,‏ كان الله ـ‏ تعالى ـ‏ قد هيَّأها سقفاً بارداً تتكثف عنده، وهو الحد العلوي لنطاق الرجع‏ ـ‏ نطاق التغيرات المناخية‏ ـ الذي تصل عنده درجة الحرارة فوق خط الاستواء إلى‏(60)‏ درجة تحت الصفر‏,‏ ولولا هذه الحقيقة، لارتفع بخار الماء المتصاعد من الأرض إلى طبقات الجو العليا وانفلت من نطاق جاذبية الأرض إلى فسحة الكون‏,‏ ولو حدث ذلك ما كنا ولا كانت الحياة من حولنا على الإطلاق ‏.‏وعند وصول بخار الماء المتصاعد من الأرض إلى الحد الأعلى لنطاق الرجع تكثف وعاد إلى الأرض مطرا‏ًً,‏ وساعد تكرر نزول المطر على تبرد الغلاف الصخري للأرض‏,‏ كما ساعد على سيلان الماء على سطح الأرض شاقاً أودية له على هيئة أعداد من الأنهار والجداول‏,‏ وعلى تحركه إلى منخفضات الأرض ليملأها بالماء مكوناً البحار والمحيطات والبحيرات وغير ذلك من تجمعات الماء على سطح الأرض‏,‏ وبمجرد تكون ذلك بدأت أشعة الشمس في تبخير هذا الماء ليرتفع على هيئة بخار يُعلَّق بأجزاء من الغلاف الغازي للأرض مكوناً السحب التي يتكثف منها الماء ليعود إلى الأرض مطرا‏ًً,‏ وبَرَدَاً‏,‏ وثلجاً ‏.‏
وقد استمرت دورة الماء حول الأرض منذ أن أخرج الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ منها ماءها، وسوف تستمر إلى أن يرث الأرض ومن عليها‏ .‏
وبهذه الدورة المعجزة التي يتحرك بها الماء من غلاف الأرض المائي إلى غلافها الهوائي ليتطهر مما يتجمع فيه من ملوثات‏ ومواد يذيبها من الغلاف الصخري للأرض‏,‏ أو تعلق به أثناءَ جريانه على سطحها‏,‏ أو من بقايا بلايين الكائنات الحية التي تحيا وتموت في الأوساط المائية ‏.‏
وتمتد دورة الماء من نحو الكيلو متر الواحد تحت سطح الأرض إلى ارتفاع يقدر بنحو خمسة عشر كيلو متراً فوق مستوى سطح البحر‏,‏ فتعمل على تطهير الماء‏,‏ وتلطيف الجو‏,‏ وتوفير نسبة معينة من الرطوبة في كلٍ من الغلاف الغازي للأرض وتربتها تحتاج إليه غالبية صور الحياة ـ إن لم تكن جميعها ـ خاصة في المناطق الصحراوية ‏.‏
وبواسطة هذه الدورة المائية التي استمرت على مدار عمر الأرض المقدر بنحو خمسة بلايين من السنين تمت تسوية سطح الأرض‏,‏ وشق الفجاج والسبل فيها‏,‏ كما تم تفتيت الصخور‏,‏ وتكوين كلٍ من التربة والصخور الرسوبية‏,‏ وخزن قدر من هذا الماء فيها وفي غيرها من صخور قشرة الأرض‏,‏ وتكوين أعداد من الصخور الاقتصادية والركازات المعدنية المهمة ‏.‏

ولولا هذا الإعداد الرباني الدقيق ما أنبتت الأرض‏,‏ ولا كانت صالحة للعمران‏,‏ ولذلك يمنُّ علينا ربنا‏ ـ وهو صاحب الفضل والمنة ـ بقوله : ‏ " أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً " (عبس:25)، أي أنزلنا الغيث من السماء إنزالاً؛‏ لأن صب الماء هو إراقته من أعلى‏,‏ والصبيب هو المصبوب من المطر وإن استعمل لغيره من السوائل‏,‏ فإذا علمنا أن كمية الماء الأرضي تقدر بنحو‏1.4‏ بليون كيلو متر مكعب‏,‏ وأن من هذه الكمية الهائلة التي أخرجها ربنا‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ لنا من داخل الأرض‏,‏ يتبخر سنوياً ‏380‏ ألف كيلو متر مكعب‏,‏ ثم تعود كلها إلى الأرض مرة أخرى مطراً طهورا‏ًً,‏ يوزعه الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ بعلمه‏,‏ وحكمته‏,‏ وقدرته‏ .‏ إذا علمنا ذلك لأدركنا قيمة هذه النعمة الإلهية الكبرى التي وصفها الحق‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ بقوله‏ :‏ " أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً " ، وقوله‏ ـ عز من قائل‏ : ‏" وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً . لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَاماً وَأَنَاسِيَّ كَثِيراً ‏" (‏ الفرقان‏:48, 49) .

ثالثاً‏:‏" ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقاًّ" :
ترد كلمة الأرض في القرآن الكريم بثلاثة معانٍ محددة لتعني كوكب الأرض في مجمله‏,‏ أو الغلاف الصخري المكون لليابسة التي نحيا عليها‏,‏ أو قطاع التربة الذي يغطي ذلك الغلاف الصخري في بعض أجزائه‏,‏ كما هو واضح من الآية الكريمة التي نحن بصددها لقول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ : ‏" ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً . فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً " ؛ وذلك لأن الحب لا ينبت إلا في التربة‏,‏ وكذلك الغالبية الساحقة من النباتات‏ .‏
وتتكون تربة الأرض بالتفاعل المعقد بين أغلفتها الصخرية‏‏ والمائية‏ والهوائية‏‏ والحيوية‏,‏ مما يؤدي إلى التفكك الفيزيائي والتحلل الكيميائي والحيوي لصخور الأرض بواسطة عوامل التعرية المختلفة‏,‏ وتلعب الكائنات الحية ـ مثل البكتيريا‏,‏ والفطريات‏,‏ والطحالب‏,‏ وجميع النباتات‏,‏ وبعض الحيوانات ـ دوراً رئيسياً في تكون التربة التي تعتبر مصدر الغذاء والماء لحياة كل النباتات الأرضية‏,‏ بل لحياة كلٍ من الإنسان والحيوان ‏.‏
وتتكون التربة الأرضية في قطاعها العلوي ـ أساساً ـ من معادن الصلصال‏,‏ وحبات الرمل‏,‏ وأكاسيد الحديد‏,‏ وكربونات كلٍ من الكالسيوم والمغنيسيوم‏,‏ وإن كانت أنواع التربة تتعدد تعدداً هائلاً بتعدد أنواع الصخور التي تنشأ عنها‏,‏ والظروف الطبيعية والكيميائية التي تتعرض لها‏,‏ وأنواع الكائنات الحية التي تزخر بها‏,‏ والتي تلعب أدواراً رئيسية في إعدادها ‏.‏
وعلى الرغم من ذلك تبقى المعادن الصلصالية قاسماً مشتركاً في معظم أنواع تربة الأرض‏ .‏ والمعادن الصلصالية لها شراهة شديدة للماء‏,‏ فإذا وصلها امتصته بسرعة فتميأت، مما يؤدي إلى زيادة حجمها، فتهتز وتربو إلى أعلى حتى ترق رقة شديدة‏,‏ فتنشق لتفسح طريقاً آمناً لسويقة‏ ـ ريشة‏ ـ‏ النبتة المنبثقة داخلَ البذرة النابتة المدفونة في التربة‏,‏ ومن هنا كانت تلك الإشارة القرآنية المعجزة في هذه السورة المباركة التي جمعت بين صب الماء‏ وشق الأرض‏ والإنبات في تسلسل دقيق معجز يقول فيه ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ :‏
" أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً . ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً . فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً ‏ " (‏ عبس‏:25‏ ـ‏27) .‏
ومن أسباب اهتزاز التربة وارتفاعها حتى تنشق دقة حجم حبيبات المعادن الصلصالية‏ (‏ أقل من‏0.004‏ من الملليمتر‏)‏ التي تتحول إلى الحالة الغروية بمجرد اختلاط الماء بها بكمية كافية‏,‏ وهي حالة تتدافع فيها جسيمات المادة بقوة وأقدار غير متساوية في جميع الاتجاهات‏,‏ وعلى كل المستويات في حركة دائبة تؤدي إلى اهتزاز التربة وانتفاخها وانتفاضها بشدة حتى تنشق‏,‏ وكلما زادت كمية الماء المختلط بالتربة زاد اهتزازها وارتفاعها وسارع ذلك في تشققها بإذن الله .‏

رابعا‏ًً :‏ " فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً ؛ وَعِنَباً وَقَضْباً . وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً . وَحَدَائِقَ غُلْباً . وَفَاكِهَةً وَأَبّاً . مَتَاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ " :
هذا التسلسل المعجز في ست آيات قصار يكاد يشمل جميع النباتات التي تصلح طعاماً ومتاعاً لكلٍ من الإنسان وأنعامه ‏..‏
‏(1)‏ فالكلمة‏: "‏ حَباًّ "‏ تشمل جميع أنواع الحبوب‏ (‏ من ذوات الفلقة الواحدة‏)‏ ، مثل القمح‏,‏ والشعير‏,‏ والشوفان‏,‏ والذرة‏,‏ والأرز‏,‏ وغيرها‏,‏ وتنطوي هذه النباتات في عائلة واحدة تعتبر من أكثر النباتات نجاحاً؛ لأنها تسود مساحات من اليابسة أكثر من أية نباتات أخرى‏,‏ وتعرف هذه العائلة باسم عائلة النجيليات‏ ـ‏ العائلة النجيلية‏ ـ‏ وتشمل نحو سبعة آلاف نوع من أنواع النباتات‏,‏ وهي أهم عائلة نباتية بالنسبة لكلٍ من الإنسان والحيوانات آكلة الأعشاب ـ كالأنعام‏ ـ لأن جميع أنواع الحبوب اللازمة لحياة كلٍ منهما تنطوي في هذه العائلة‏,‏ وقد أنبتها الله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ قبل خلق الإنسان بملايين السنين‏,‏ وأخذ الإنسان في زراعتها منذ أيام ما قبل التاريخ‏ .‏
وبالإضافة إلى هذه المحاصيل المهمة من الحبوب تضم عائلة النجيليات محاصيل أخرى مهمة ، مثل قصب السكر‏,‏ وأعشاب المراعي ـ‏ منها الحولية والمعمرة ـ‏ كما تضم بعض النباتات الخشبية ، مثل نبات الخيزران ‏.‏
‏(2)‏ والتعبير القرآني‏ :‏"وَعِنَباً وَقَضْباً " :
أيضاً تعبير معجز؛ لأن ‏(‏ العنب‏)‏ يشير إلى رتبة كاملة من نباتات الثمار المهمة هي رتبة العنَّابيات‏,‏ وتشمل عائلتين مهمتين، هما‏:‏ عائلة العناب : وتشمل‏(45)‏ جنساً‏‏ و‏(550)‏ نوعاً من أنواع النباتات واسعة الانتشار ، مثل العناب‏ والنبق‏,‏ وعائلة الأعناب ‏:‏ وتشمل‏(11)‏ جنسا‏ًً,‏ و‏(600)‏ نوع من أنواع العنب، وهو واحد من أهم المحاصيل النباتية‏ .‏أما‏(‏ القضب‏)‏ و‏(‏القضبة‏)‏ فهو الرطب من ثمار النبات‏,‏ و‏(‏القضب‏)‏ هو القطع‏,‏ و‏(‏اقتضبه‏)‏ أي اقتطعه‏,‏ ولذا استعير‏(‏ القضب‏)‏ لما يقضب من النبات ليأكله الإنسان غضاً طرياً ، كالبقول التي تقطف ثمارها فينبت مكانها‏,‏ أو تقطف النبتة فينبت أصلها‏,‏ وفي ذلك إشارة إلى العائلة البقولية‏,‏ وهي ثاني أكبر عائلة نباتية بذرية يعتمد عليها كلٌ من الإنسان وأنعامه في طعامه‏ بعد العائلة النجيلية‏,‏ وهي عائلة نباتاتها منتشرة في جميع أنحاء العالم‏,‏ وتشمل نحو‏(600)‏ جنس‏,‏ و‏(12.000)‏ نوع من أنواع النباتات ذات الفلقتين، وتشمل ـ فيما تشمل‏ ـ‏ الفول‏,‏ العدس‏,‏ الحمص‏,‏ الفاصوليا‏,‏ اللوبيا‏,‏ البازلاء‏,‏ فول الصويا‏,‏ الفول السوداني‏,‏ الترمس‏,‏ الحلبة‏,‏ الخروب‏,‏ التمر هندي‏,‏ وغيرها‏,‏ وكلها من ذات الثمار القرنية‏,‏ ولذلك تعرف أحياناً باسم العائلة القرنية‏ .‏
كذلك تشمل هذه العائلة نبات البرسيم الحجازي (الذي يعتبر علفاً رئيسياً للحيوانات آكلة الأعشاب كالأنعام‏) ,‏ وغيرها من أعشاب المراعي والأعلاف‏,‏ ونباتات الزهور‏,‏ والنباتات الطبية ‏.‏
‏(3)‏ والتعبير القرآني‏ :‏ " وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً ":
يشير إلى عائلتين من أهم العائلات النباتية، هما العائلة الزيتونية‏,‏ والعائلة النخيلية‏,‏ والأولى تشمل‏(22)‏ جنسا‏ًً,‏ و‏(500)‏ نوعاً من أنواع الأشجار الزيتونية، وهي أشجار معمرة‏,‏ فأشجار الزيتون تعيش لأكثر من ألفي سنة‏,‏ وهي شجرة مباركة كما وصفها القرآن الكريم ونعتتها أحاديث رسول الله‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ .
أما العائلة النخيلية فتشمل‏(200)‏ جنس‏,‏ وأكثر من أربعة آلاف نوع من أنواع النخيل‏ . والنخيل من أكثر النباتات احتمالاً للجفاف والملوحة‏,‏ وتنمو في المناطق الحارة الجافة والمعتدلة‏,‏ وثمارها ومنتجاتها تعتبر من أهم المصادر النباتية التي اعتمد عليها الإنسان في حياته منذ وطئت قدماه هذه الأرض ‏.‏

‏(4)‏ والتعبير القرآني‏: "‏ حَدَائِقَ غُلْباً‏ " :
أي حدائق عظاما‏ًً,‏ غليظة الأشجار، ملتفة الأغصان‏,‏ لتشمل الغالبية الباقية من أنواع النباتات‏ ـ‏ خاصة نباتات الظل‏,‏ والزينة‏,‏ والأخشاب‏ ـ‏ كما تشمل الكثير من نباتات الثمار المختلفة التي لا تنضوي في المجموعات السابقة ‏.‏
‏(5)‏ أما التعبير القرآني‏:" وَفَاكِهَةً وَأَباًّ " :
فيركز على نباتات الفاكهة المختلفة التي لا تحتويها المجموعات السابقة ، مثل العائلات التوتية ـ‏ وتشمل التين‏,‏ والجميز‏,‏ والتوت‏,‏ وغيرها‏ ـ‏ والوردية‏ ـ وتشمل المشمش‏,‏ والخوخ‏,‏ والبرقوق‏,‏ والكريز‏,‏ واللوز في تحت العائلة المشمشية‏,‏ والتفاح‏,‏ والكمثري‏,‏ والبشملة‏,‏ والسفرجل في تحت العائلة التفاحية‏ ـ‏ والسذبية‏ ـ‏ عائلة الموالح‏ ـ‏ وغيرها‏ .‏
أما‏(‏ الأب‏)‏ فهو الكلأ والمرعى‏‏ وما تأكله البهائم ـ كالأنعام ـ من العشب‏‏ وغيره من أنواع النبات، رطباً كان أو يابسا‏ًً (‏ مثل التبن‏) .‏
وهكذا نرى في هذا التسلسل المعجز لخمس آيات قصار لا تشغل أكثر من سطرين استعراضاً لأهم النباتات التي تشكل الطعام الرئيسي لكلٍ من الإنسان وأنعامه‏,‏ ولذا ختمت بقول الحق‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ : "‏ مَتَاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ".

وعلوم تقسيم الحياة بصفة عامة‏,‏ وعلم تقسيم النبات بصفة خاصة هي علوم مستحدثة في تاريخ الإنسان‏,‏ بدأت مع منتصف القرن الثامن عشر الميلادي‏,‏ ولم تتبلور إلا في أواخر القرن العشرين . واستعراض الآيات التي نحن بصددها لأهم مجموعات النبات في طعام كلٍ من الإنسان وأنعامه بهذه البساطة‏ والدقة‏‏ والشمول‏ والإحاطة‏,‏ لمما يقطع بأن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق‏,‏ ويشهد بالنبوة والرسالة للرسول الخاتم الذي تلقاه‏,‏ فصلى الله وسلم وبارك عليه‏,‏ وعلى آله وصحبه‏,‏ ومن تبع هداه‏,‏ ودعا بدعوته إلى يوم الدين‏ .‏ والحمد لله رب العالمين‏ .