" مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى " (طه‏:55).


هــذه الآية الكريمة جاءت في بدايات الثلث الثاني من سورة طه‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ وعدد آياتها‏ (135)‏ بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم تكريماً لخاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ لأن طه اسم من أسمائه الشريفة بدليل توجيه الخطاب إليه‏ ـ‏ صلوات الله وسلامه عليه‏ ـ‏ مباشرة بعد هذا النداء‏,‏ وإن اعتبر نفر من المفسرين هذين الحرفين ‏(‏طه‏)‏ من المقطعات الهجائية التي استهل بها تسع وعشرون سورة من سور القرآن الكريم‏ .‏والخطاب من الله‏ ـ تعالى‏ ـ إلى خاتم أنبيائه ورسله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ‏ فيه من التكريم والتشريف لهذا النبي الخاتم والرسول الخاتم مايعجز البيان عن وصفه‏,‏ خاصة أن هذا النداء العلوي قد جاءه في وقت شدة تثبيتاً له‏,‏ وتسريةً عنه‏,‏ وتخفيفاً لثقل ما كان يلقاه من كفار قريش ومشركيها من إنكار لنبوته‏,‏ وتكذيب لرسالته‏,‏ وصد عن دعوته‏,‏ وتجريح لشخصه الكريم‏,‏ وهو الذي اشتهر بينهم بالصادق الأمين‏,‏ ولذلك جاءت هذه السورة المباركة من أولها إلى آخرها خطابا من الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ إلى خاتم أنبيائه ورسله يؤكد نبوته‏,‏ ويؤيد صدق رسالته‏,‏ ويهون الأمر عليه ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ بتكليفه بمجرد البلاغ عن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ والتبشير والانذار‏,‏ وترك الخيار للناس‏: " فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ " (‏الكهف‏:29) .
 وأمرهم متروك إلى الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ وحده‏ :
" فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " (‏البقرة‏:284) .
ويدور المحور الرئيسي لسورة طه حول عدد من ركائز العقيدة الإسلامية‏,‏ وفي مقدمتها الإيمان بالله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ رباً واحداً أحدا‏ًً,‏ لا يشبهه أحد من خلقه‏,‏ ولا يشاركه أحد في ملكه‏,‏ ولا ينازعه أحد في سلطانه‏,‏ وتنزيهه ‏ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ عن كل وصف لا يليق بجلاله، مثل الادعاء الباطل له بالصاحبة أو الولد‏,‏ وهما من صفات المخلوقين‏,‏ والله ـ تعالى ـ منزه عن جميع صفات خلقه ‏.‏
ومن ركائز العقيدة الإيمان بملائكة الله‏,‏ وكتبه ورسله‏,‏ واليوم الآخر‏,‏ وبحقيقة الوحي‏,‏ وحتمية البعث والنشور‏,‏ والحساب والجزاء‏,‏ ولذلك أوردت السورة الكريمة بعض مشاهد الآخرة‏ ,‏ وأحداث البعث والحشر حتى يدخل أهل الجنة الجنة ويدخل أهل النار النار‏ .‏
كذلك عرضت سورة طه لقصة موسى وهارون‏ ـ‏ عليهما السلام‏ ـ‏ مع فرعون مصر‏,‏ وما دار بينهما من حوارات وجدل انتهى بتحديه لهما بسحرته‏,‏ ثم هزيمة السحرة وخضوعهم لأمر الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ وإيمانهم به‏,‏ وتسليمهم بما جاء به موسى‏,‏ وغير ذلك من تفاصيل سيرة هذا النبي الكريم‏,‏ مثل موقف المناجاة والتكليف بالتبليغ عن الله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ ثم غرق فرعون وجنوده‏,‏ ونجاة موسى وصحبه‏,‏ ثم فتنة بني اسرائيل من بعده بواسطة السامري‏ .‏
وتؤكد السورة الكريمة حقيقة توحيد الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ فتقول‏ :
" إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً " (‏طه‏:98) .
وتعاود السورة الكريمة توجيه الخطاب إلى خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ محذرة من الإعراض عن قبول رسالته‏,‏ فتقول‏ :‏
" كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْراً . مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيَامَةِ وِزْراً . خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ حِمْلاً " (‏ طه‏:99‏ ـ‏101)‏ .
ثم تستعرض الآيات عدداً من مشاهد يوم القيامة حتى تنتهي إلى قول ربنا ـ تبارك وتعالى‏ ـ :‏
" وَعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَيِّ القَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً . وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً وَلاَ هَضْماً " (‏ طه‏:112,111) ‏.
وتمتدح سورة طه القرآن الكريم الذي أنزله الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله فتقول ‏:
" وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِياًّ وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً . فَتَعَالَى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً " (‏طه‏:114,113)‏ وتنتقل السورة الكريمة بعد ذلك إلى جانب من قصة أبينا آدم‏ ـ عليه السلام ـ‏ وإلى وسوسة الشيطان إليه‏,‏ ومعصيته لأمر ربه‏,‏ وتوبة الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ عليه‏,‏ وتضع دستوراً للانسان في مسيرة الحياة‏,‏ مؤكدة عداوة الشيطان له‏,‏ وفي ذلك تقول‏ : " وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى . ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى . قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى . وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْمَى . قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً . قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنسَى . وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى " (‏طه121‏:127)‏ .
وتذكر الآيات الناس بهلاك الضالين من الأمم السابقة ‏(‏الذين كذبوا أنبياء الله وحاربوا رسالاته‏)‏ حتي يتعظوا ويعتبروا وينيبوا إلى ربهم فتقول ‏:‏
" أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ القُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي النُّهَى.وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى " (طه‏:129,128)‏ .
أي‏:‏ ولولا أن سبقت كلمة الله، لكان عقاب كفار ومشركي قريش وعقاب أمثالهم من بعدهم على كفرهم وشركهم وجناياتهم لازماً عليهم في الدنيا‏,‏ كما كان على الأمم السابقة‏,‏ ولكن قدَّر الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ تأخير عذابهم إلى أجل مسمى لهم، وهو نهاية أعمارهم ‏.‏
وتختتم سورة طه كما بدأت بتوجيه الخطاب إلى رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ ومن بعده إلى كل مؤمن برسالته‏,‏ أن يصبر على ما يقول الكفار والمشركون‏,‏ وأن يسبح قبل طلوع الشمس وقبل الغروب‏,‏ ومن آناء الليل وأطراف النهار‏,‏ وأن يأمر أهله بالصلاة وأن يصطبر عليها‏,‏ وأن ينفض يديه من الكفار والمشركين بعد أن يخبرهم بقرار رب العالمين الذي يقول فيه‏ :‏
" قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى " ‏(‏طه‏:135) .


من ركائز العقيدة في سورة طه :
‏(1)‏ أن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله سيدنا محمد بن عبدالله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ الذي ذكرته السورة المباركة باسم طه‏,‏ وسميت باسمه، وأنزلت تكريماً له‏,‏ وتذكرة لمن يخشى من عباد الله الصالحين‏ .‏
‏(2) أن الله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ هو خالق الأرض والسماوات العلى‏,‏ وخالق كل شيء‏,‏ وهو الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى‏,‏ وأنه ـ سبحانه وتعالى‏ ـ هو الرحمن على العرش استوى (‏استواء يليق بجلاله‏),‏ وإن من صفاته‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ أنه لا يضل ولا ينسى ‏.‏
‏(3)‏ التسليم بأن لله‏ ـ‏ تعالى ـ " مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى ‏" (طه:6) ، ‏وأنه ‏ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ يعلم السر وأخفى‏,‏ وأنه وسع كل شيء علما‏ًً,‏ وأنه لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى ‏.‏
‏(4) التصديق بأن الله ـ‏ تعالى‏ ـ‏ خلق الناس من الأرض‏,‏ وفيها يعيدهم‏,‏ ومنها يخرجهم تارة أخرى‏.‏
(5)‏ الإيمان بالله ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ وملائكته‏,‏ وكتبه، ورسله‏,‏ واليوم الآخر‏,‏ وبضرورة الخضوع له بالطاعة والعبادة‏,‏ وتنزيهه عن كل وصف لا يليق بجلاله‏,‏ ومن ذلك الادعاء الباطل له ـ‏ تعالى‏ ـ‏ بالصاحبة أو الولد‏,‏ وهما من صفات المخلوقين‏,‏ والله ـ‏ تعالى‏ ـ‏ منزه عن جميع صفات خلقه‏,‏ واليقين بأن من لا يؤمن بذلك كافر‏,‏ هالك في الدنيا ومعذب في الآخرة‏ .‏
(6)‏ اليقين بحقيقة كلٍ من الجنة والنار‏,‏ وبأنها إما جنة أبداً، أو نار أبدا‏ًً,‏ وأن الجنة جزاء المؤمنين الذين يعملون الصالحات‏,‏ وأن النار جزاء كلٍ من الكفار والمشركين‏,‏ والظالمين المتجبرين على الخلق ‏.‏
(7)‏ التصديق بأن الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ غفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى‏,‏ وأن من يحلل عليه غضب الله فقد هوى ‏.‏
‏(8)
التسليم بأن الشيطان للإنسان عدو مبين‏,‏ وأن السحر من غوايات الشيطان للإنسان‏,‏ وأنه من السبع الكبائر الموبقات المهلكات‏,‏ وأنه لا يفلح الساحر حيث أتى‏,‏ وأنه من أبشع أنواع الظلم، وقد خاب من حمل ظلما‏ًً .‏
‏(
9) التصديق بأن لكل إنسان محارمه‏,‏ وأنه على كل من يريد الحفاظ على محارمه ألا يمد عينيه إلى محارم غيره ‏.‏


من الإشارات الكونية في سورة طه :
(‏1)‏
أن الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ هو خالق الأرض والسماوات العلى‏,‏ وفي هذا تأكيد على أن الكون مخلوق مستحدث‏,‏ وليس أزليا‏ًً,‏ ولا أبدياً كما ادعى بعض المبطلين‏,‏ ولكن له بداية يحاول العلم التجريبي حسابها‏,‏ وكل ما له بداية فلابد أن ستكون له في يوم من الأيام نهاية لا يعلمها إلا الله‏ ـ تعالى .‏
‏(2)
‏ وللتأكيد على حقيقة خلق الكون تذكر الآيات أن لله‏"..‏ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى " ، وهي إشارة ضمنية رقيقة لما تحت الثرى في صورالحياة والنشاطات والثروات‏,‏ مما لم يدرك إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين‏,‏ كما أن في الآية الكريمة إشارة ضمنية أيضا إلى مركزية الأرض بالنسبة إلى الكون‏؛‏ لأن البينية الفاصلة للأرض عن السماوات لا تتم إلا إذا كانت الأرض في مركز الكون ‏.‏
(‏3)
‏ والإشارة إلى ثلاث مراتب من التعبير هي‏ : (‏الجهر‏)‏ الذي يعلمه صاحبه‏,‏ والجهر يعلمه كل من سمعه ويعلمه الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ و‏(‏السر‏)‏ الذي ما حدَّث الإنسان به غيره في خفية‏,‏ فيعلمه صاحبه ويعلمه من أسرَّ به إليه من الخلق‏,‏ ويعلمه الله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ ويجهله من لم يسمع به من الناس‏,‏ و‏ـ‏ الأخفى ـ‏ فلا يعلم به إلا صاحبه والله‏ ـ‏ تعالى ‏ـ وقد يشير ذلك إلى الخواطر التي تجيش بها النفس الإنسانية دون أن يحدث بها صاحبها، وهي ما يعرف باسم ‏(‏حديث النفس‏),‏ أو ما استقر في العقل الباطن دون أن يدري به صاحبه‏,‏ ولكن الله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ يعلمه؛ لأنه هو علام الغيوب‏ .‏
(‏4)‏
التأكيد على أن السنن الحاكمة للكون، ولجميع ما فيه ومن فيه، هي من أمر الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ وهدايته‏,‏ تأكيداً على حقيقة الخلق‏,‏ وعلى ربوبية الخالق . أي أن الله‏ـ‏ جلت قدرته‏ ـ هو رب كل شيء ومليكه ‏.‏
(‏5)
الإشارة إلى تمهيد الأرض‏,‏ وشق الفجاج والسبل فيها‏,‏ وإلى إنزال الماء من السماء‏,‏ وتدويره في دورة معجزة حول الأرض‏,‏ وإخراج مختلف أنواع النبات في زوجية واضحة‏,‏ وهي سنة فرضها ربنا ـ‏ تبارك وتعالى ـ‏ على جميع خلقه حتى يبقى متفرداً بالوحدانية المطلقة فوق جميع الخلق‏ .‏ وتأمر الآيات الإنسان بالأكل مما خلق الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ له من ثمار هذه النباتات‏,‏ ويرعى أنعامه فيها‏,‏ وبتأمل ذلك كله بنظرة العاقل البصير؛ لأن فيها آيات لأصحاب العقول البصيرة‏ ,‏ " إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي النُّهَى " (طه:54) ‏.‏
(‏6)‏
التأكيد على حقيقة خلق الإنسان من الأرض‏,‏ وعلى حتمية عودته إليها بعد الموت‏,‏ ثم إخراجه منها يوم البعث ‏.‏
(‏7)
وصف نهاية الجبال في الآخرة بأنها سوف تنسف نسفاًَ حتى لا نرى فيها‏ (‏عوجاً‏)،‏ ولا ‏(‏أمتا‏ًً),‏ وهو وصف دقيق لوسائل تكون الجبال في الحياة الدنيا بالطي ‏(‏أي العوج‏),‏ أو بالتصدع ‏(‏الأمت‏)‏، وما يصاحبه من استقامة في الحدود ورفع أسطح الأرض وخفضها‏,‏ وقد تشترك العمليتان في تشكيل العديد من جبال الأرض المعاصرة‏,‏ وهي من الحقائق التي لم يدركها الإنسان إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين‏ .‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة خاصة بها‏,‏ ولذلك فسوف أقصر حديثي هنا على النقطة السادسة فقط في القائمة السابقة، والتي جاء ذكرها في الآية الخامسة والخمسين من سورة طه . وقبل الوصول إلى ذلك أرى لزاماً عليَّ استعراض أقوال عدد من المفسرين في شرح دلالة هذه الآية الكريمة ‏.‏


من أقوال المفسرين :
في تفسير قوله‏(‏ تعالى‏) :‏
"مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى "‏ (‏طه‏:55)‏
- ذكر ابن كثير‏ ـ يرحمه الله‏ ـ‏ ما مختصره‏ :"مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ
" أي من الأرض مبدؤكم ، فإن أباكم آدم مخلوق من تراب من أديم الأرض‏ .‏ " وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ " أي وإليها تصيرون إذا متم وبليتم‏ ." وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى " ‏.‏ (انتهى قول المفسر)
- وجاء في تفسير الجلالين‏ ـ رحم الله كاتبيه ـ‏ ما نصه‏: " ‏مِنْهَا ‏"
‏ أي من الأرض‏ . " ‏خَلَقْنَاكُمْ "‏ بخلق أبيكم آدم منها ." وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ ‏"‏ مقبورين بعد الموت . ‏"‏ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ ‏"‏ عند البعث‏ . " ‏تَارَةً "‏ مرة . "‏ أُخْرَى "‏ كما أخرجناكم عند ابتداء خلقكم ‏.‏ (انتهى قول المفسر)
-‏ وذكر صاحب الظلال‏ ـ رحمه الله رحمة واسعة ـ‏ ما مختصره‏ : من هذه الأرض خلقناكم وفي هذه الأرض نعيدكم‏,‏ ومنها نخرجكم بعد موتكم‏,‏ والإنسان مخلوق من مادة هذه الأرض‏,‏ عناصر جسمه كلها من عناصرها إجمالا‏ًً,‏ ومن زرعها يأكل‏,‏ ومن مائها يشرب‏,‏ ومن هوائها يتنفس‏,‏ وهو ابنها وهي له مهد‏,‏ وإليها يعود جثة تطويها الأرض‏,‏ ورفاتاً يختلط بترابها‏,‏ وغازاً يختلط بهوائها‏,‏ ومنها يبعث إلى الحياة الأخرى‏,‏ كما خلق في النشأة الأولي‏ .‏ (انتهى قول المفسر)
- وجاء في بقية التفاسير كلام مشابه لا أرى ضرورة إلى تكراره هنا‏ .‏



من الدلالات العلمية للآية الكريمة:
أولا‏:‏ في قوله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ : "....‏ مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ ‏......" :‏
الضمير في قوله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ منها يعود على الأرض، وذلك للسياق الذي جاءت فيه الآية الكريمة‏,‏ والذي جاء فيه قول ربنا‏ ـ‏ تبارك الله ـ :
" الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْداً
وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى . كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي النُّهَى. مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى " (‏طه‏:53‏ ـ‏55). والأرض ترد في القرآن الكريم بثلاثة معان هي ‏:‏ الكوكب بأجمعه‏,‏ أو صخور القارات التي نحيا عليها، أو قطاع التربة الذي يغطي تلك الصخور‏,‏ وتفهم الدلالة من السياق‏,‏ وذلك مثل قوله‏ ـ ‏تعالى ـ :‏ " وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي المُوتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " (فصلت‏39)‏ .         
والذي يهتز ويربو هنا من الأرض هو قطاع التربة الذي يعلو صخور القارات وليست الصخور‏,‏ وليس الكوكب بأجمعه‏,‏ ولكن إذا قال ربنا ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ‏ عن الأرض‏ :‏ " مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ " انطبق ذلك على كلٍ من قطاع التربة‏,‏ وصخور القشرة‏, ‏والأرض ككل‏,‏ فقطاع التربة مستمد أصلاً من تجوية وتعرية صخور قشرة الأرض‏,‏ وقشرة الأرض مستمدة من تمايز وتبرد وتجمد الصهير فيما تحت قشرتها ، ولذلك قال المصطفى‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم ‏ـ :‏   " إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الْأَرْضِ فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الْأَرْضِ جَاءَ مِنْهُمْ الْأَحْمَرُ وَالْأَبْيَضُ وَالْأَسْوَدُ وَبَيْنَ ذَلِكَ وَالسَّهْلُ وَالْحَزْنُ وَالْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ "‏ (‏أخرجه الإمام أحمد عن أبي موسى الأشعري‏,‏ كما أخرجه كل من الإمامين أبي داود والترمذي عن عوف الأعرابي‏) .
وهذا الحديث الشريف جاء مطابقاً لقول الحق‏ ـ تبارك وتعالى ـ : " أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا
وَمِنَ الجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ . وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ "‏(‏فاطر‏27-28) .
وهاتان الايتان الكريمتان تؤكدان أن تنوع ألوان ثمار النباتات نابع من تنوع ألوان صخور الأرض ‏(‏بين الأبيض والأحمر والأسود، وبين كل اثنين منها، ومن بين اختلاف درجات تلك الألوان‏),‏ وذلك لاعتماد النبات في غذائه على عناصر الأرض‏ .‏ وكذلك تنوع ألوان كلٍ من الناس والدواب والأنعام نابع من تنوع ألوان ثمار النباتات ‏(‏النابع من تنوع ألوان صخور الأرض‏),‏ وذلك لاعتماد كلٍ من هذه المخلوقات على النباتات الأرضية وثمارها‏ .‏
وهذه الألوان الثلاثة ‏(‏الأبيض والأحمر والأسود بمختلف درجاتها‏)‏ تمثل الأقسام الرئيسية للصخور الأولية‏ (‏النارية‏) :‏ الحامضية، وفوق الحامضية التي يغلب عليها من الألوان الأبيض والأحمر، والتي تمثل نهاية من نهايات تقسيم تلك الصخور‏,‏ والصخور القاعدية وفوق القاعدية التي يغلب عليها من الألوان الأخضر الغامق والأسود ـ والعرب تسمي الأسمر الغامق أخضر‏ ـ ‏والتي تمثل النهاية المقابلة في تقسيم الصخور النارية ‏(‏الأولية‏)،‏ وبين هذين الحدين توجد مراحل متوسطة عديدة ‏(‏مختلف ألوانها‏) .‏
وتربة الأرض تتكون بواسطة التحلل الكيميائي والحيوي لصخورها‏,‏ كما تتكون نتيجة للتفكك الفيزيائي والميكانيكي بواسطة مختلف عوامل التعرية التي تؤدي في النهاية إلى تكوين غطاء رقيق لصخور الغلاف الصخري للأرض من فتات وبسيس الصخور على هيئة حطام مفروط متباين في حجم الحبيبات من الجلاميد والحصى إلى الرمل والغرين‏ (‏أو الطمي‏)‏ والصلصال‏,‏ ويعرف هذا الحطام المفروط باسم عادم الصخور ومنه تراب الأرض أو تربة الأرض‏,‏ وهذه التربة قد تكون ناتجة عن تحلل الصخور التي توجد أسفل منها مباشرة‏,‏ وقد تكون منقولة إليها بواسطة عوامل النقل المختلفة‏,‏ والتربة تحمل بصمة التركيب الكيميائي للصخور المستمدة منها‏, ‏كما تحمل أطيافاً من ألوانها‏.
ومن هنا جاء قول ربنا‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ‏ في محكم كتابه ‏:"وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ.."
(فاطر:28) .‏
وجاء قول المصطفى‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ : ‏" إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الْأَرْضِ فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الْأَرْضِ جَاءَ مِنْهُمْ الْأَحْمَرُ وَالْأَبْيَضُ وَالْأَسْوَدُ وَبَيْنَ ذَلِكَ وَالسَّهْلُ وَالْحَزْنُ وَالْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ " (أبو داوود).
وتتكون تربة الأرض أساساً من خليط من المعادن المفككة من صخور الأرض‏,‏ ومن المركبات غير العضوية والعضوية الناتجة عن التفاعل بين تلك الصخور ونطق الأرض المائية‏,‏ والهوائية‏,‏والحيوية‏ ـ ‏مثل البكتريا‏,‏ والطحالب‏,‏ والفطريات‏,‏ وبقايا مختلف النباتات والحيوانات الأرضية‏ ـ‏ وقد يضاف إلى تربة الأرض العديد من حبوب اللقاح التي تحملها إليها الرياح‏,‏ وبعض نواتج الثورات البركانية‏,‏ ورذاذ أملاح البحار‏,‏ وبعض نواتج عمليات الاحتراق‏,‏ وبعض الدقائق الكونية مثل رماد الشهب، وحطام النيازك‏ .‏
ولما كان الإنسان قد خُلق أصلاً من تراب الأرض‏,‏ ولماكان يحيا على نبات الأرض ـ‏ المعتمد في غذائه على عناصر الأرض‏ ـ‏ أو على بعض المباحات من المنتجات واللحوم الحيوانية التي تحيا كذلك على نباتات الأرض‏,‏ قال ربنا‏ ـ‏ وقوله الحق‏ ـ:‏ " مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ " وكان هناك قدر من التشابه بين التركيب الكيميائي لكلٍ من جسم الإنسان، والتربة الزراعية‏,‏ وأديم الأرض‏,‏ مع غلبة الماء على جسم الإنسان‏,‏ وتركيز كلٍ من عناصر الكربون ، والنيتروجين والفوسفور فيه‏ . ‏

ثانيا‏ًً:‏ في قوله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ: "..‏ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ ‏..."(طه:55):
‏بعد وفاة الإنسان ودفن جسده في تراب الأرض، يبدأ هذا الجسد في التحلل إلى تراب الأرض بعملية معاكسة لعملية بنائه التي بدأت أصلاً من تراب الأرض الذي ارتوى بالماء فأصبح طينا‏ًً,‏ وأذاب الماء من هذا الطين ما قبل الذوبان فيه من عناصر الأرض ومركباتها حتى تمايزت من بين حبات هذا الطين سلالة مذابة في الماء‏ (‏سلالة من طين‏),‏ وبتبخير المحاليل المذيبة لتلك السلالة جزئياً ترسبت بعض العناصر والمركبات بين حبيبات المعادن الصلصالية، فأصبح الطين‏ (‏طيناً لازباً‏)‏ ـ أي لاصقا بعضه ببعض‏ ـ‏ وبجفاف هذا الطين اللازب أصبح‏ (‏صلصالاً من حمأ مسنون‏)‏ ـ أي أسود منتن ـ‏ ثم زاد جفافه فأصبح‏(‏صلصالاً كالفخار‏),‏ ثم نفخ الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ فيه من روحه فأصبح إنسانا‏ ـ‏ هو آدم أبو البشر ‏ـ‏ ومن آدم خلقت زوجه‏ ‏ حواء ـ‏ عليها السلام‏ ـ‏ بمعجزة أمر بها الله ـ تعالى ‏.‏
ونسل آدم تسلسل منه ومن زوجه حواء‏ ـ عليهما السلام‏ ـ‏ من شفرتهما الوراثية التي خلقها الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ وخلق فيها جميع نسله‏,‏ وتغذى هذا النسل، ونمت أجساده على عناصر الأرض التي يمتصها النبات مع عصارته الغذائية من طين الأرض، ثم بواسطة ما يأخذه النبات الأخضر من طاقة الشمس‏,‏ وما يمتصه من غاز ثاني أكسيد الكربون من الجو‏,‏ وبما وهبه الخالق‏ ـ ‏سبحانه وتعالى‏ ـ‏ من قدرات يحول النبات الأخضر ذلك كله إلى ثمار ومحاصيل يحيا عليها كلٌ من الإنسان‏,‏ وما يباح له أكله من الحيوان‏,‏ وأصل ذلك كله من تراب الأرض‏ .‏
ثم إذا مات ابن آدم‏,‏ وغادرت روحُه جسدَه‏,‏ فإن هذا الجسد يبدأ في اليبوس والتخشب حتى يصير كالتمثال الحجري أو‏ (‏الصلصال كالفخار‏),‏ وبعد دفنه يبدأ في التحلل التدريجي الذي تقوم به البكتريا والفيروسات‏,‏ والفطريات والطحالب التي تعايشت مع الجسد في حياته‏,‏ والتي توجد في جو وتربة القبر الذي يدفن فيه‏,‏ فيتغير لونه‏,‏ وتنتن رائحته ـ‏ أي تفسد‏ ـ حتى يصير‏ (‏صلصالاً من حمأ مسنون‏),‏ ثم يتحول إلى ‏(‏طين لازب‏)‏ بفقد جزء من محتواه المائي‏,‏ وبفقد كل مائه يتحول إلى تراب يغيب في تراب الأرض فيما عدا فضلة واحدة سماها رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ باسم عجب الذنب، ووصفها بأنها عظمة في حجم حبة الخردل توجد في نهاية العصعص‏,‏ وأنها لا تبلى أبداً‏,‏ وأن الإنسان يبعث منها في يوم القيامة بعد إنزال مطر خاص كما تنبت البقلة من بذرتها‏, ‏وقد أيدت الدراسات المختبرية صدق هذا الوصف بأن عجب الذنب لا يبلى أبداً ‏,‏ وبذلك أيضاً تثبت صحة الإشارة القرآنية الكريمة التي يقول فيها ربنا ـ‏ تبارك وتعالى ـ :"...‏ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ ‏....‏"
، فكل حي يستمد جسده من تراب الأرض‏,‏ ويعود بعد موته إلى تراب الأرض،‏ ‏حيث يبلى الجسد كله إلا عظمة واحدة يعاد بعثه منها في يوم القيامة‏,‏ فيخرجه الله ـ تعالى ـ من الأرض إخراجاً يشبه إنبات البقلة من بذرتها‏ .‏

ثالثا‏ًً :‏ في قوله ـ تعالى ـ‏ : "..‏ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى "‏(طه:55) ‏:
أخرج الإمام مسلم في صحيحه ‏(‏كتاب الفتن وأشراط الساعة‏)‏ عن أبي هريرة‏ ـ ‏رضي الله تعالى عنه ـ‏ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ ‏:‏ " كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَأْكُلُهُ التُّرَابُ إِلَّا عَجْبَ الذَّنَبِ مِنْهُ خُلِقَ وَفِيهِ يُرَكَّبُ ‏"(والحديث أخرج مثله كل من الأئمة أحمد والبخاري ومالك‏,‏ والنسائي‏,‏ وأبو داود‏,‏ وابن ماجه‏,‏ وابن حبان)‏ .‏
‏وفي رواية أخرى أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة أيضاً أن رسول الله ـ ‏صلى الله عليه وسلم ـ‏ قال ‏: " يَبْلَى كُلُّ عَظْمٍ مِنْ ابْنِ آدَمَ إِلَّا عَجْبَ الذَّنَبِ، وَفِيهِ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ "‏.‏‏‏ كذلك أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة أنه قال‏:‏ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :‏" مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ ثُمَّ يُنْزِلُ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ الْبَقْلُ لَيْسَ مِنْ الْإِنْسَانِ شَيْءٌ إِلَّا يَبْلَى إِلَّا عَظْمًا وَاحِدًا وَهُوَ عَجْبُ الذَّنَبِ وَمِنْهُ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ,‏ قالوا‏:‏ يا أبا هريرة‏:‏ أَرْبَعُونَ يَوْمًا ؟ قال‏:‏ أَبَيْتُ ,‏ قالوا‏:‏ أَرْبَعُونَ شَهْرًا ؟ قال‏:‏ أَبَيْتُ,‏ قالوا‏:‏ أَرْبَعُونَ سَنَةً ؟ قال‏:‏ أَبَيْتُ .‏ ومعني‏(‏ أبيت‏)‏ في كلام أبي هريرة هو‏:‏ أبيت أن أجزم أن المراد بالفترة بين النفختين هو أربعون يوما أو شهرا أو سنة‏ ",‏ بل الذي أجزم به أنها أربعون مجملة‏,‏ وقد جاءت أربعون سنة مفصلة في قول للإمام النووي ‏.‏
وواضح الأمر من هذه الأحاديث النبوية الشريفة ومن غيرها أن بلى الأجساد هو حكم إلهي عام لا يستثني منه إلا أجساد كلٍ من الأنبياء والشهداء‏,‏ والمؤذنين المحتسبين، كما ذكر ابن حجر العسقلاني إنطلاقاً من أقوال رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ .‏
وأحاديث‏ (‏عجب الذنب‏)‏ تحتوي على حقيقة علمية لم يتوصل إليها علم الإنسان إلا بعد الثلث الأول من القرن العشرين في سلسلة من الأبحاث قام بها العالم الألماني هانز سبيمان وعدد من زملائه‏ (
Hans Speman  and his co-workers)،‏ كان من أشهرهم هيلدا مانجولد ‏(Hilde Mangold)،‏ والتي نال عليها سبيمان جائزة نوبل في العلوم ‏(‏سنة‏1935‏ م‏)‏ لأبحاثه على عجب الذنب في البرمائيات‏ .‏
ومن أهم نتائج تلك الأبحاث مايلي‏ :‏
‏(1)‏ أن كلاً من الخيط الابتدائي ‏(
The primitive Streak)‏، والعقدة الابتدائية‏
(
The primitive Node)‏ التي يحملها في نهايته‏,‏ يظهران على سطح البويضة الملقحة بعد فترة من انقسامها ‏(15‏ يوماًً في الإنسان‏)‏ ينظمان عملية تخلق جميع أجهزة الجنين‏,‏ ولذلك أطلق سبيمان عليهما اسم المنظم الأولي أو الأساسي
(
The primary Organizer) .‏
‏(2)‏ أن هذا المنظم الأولي ينسحب إلى نهاية العصعص ‏(‏الفقرة الأخيرة من العمود الفقاري‏)‏ بعد إتمام تخلق جميع أجهزة الجسم‏, ويتم ذلك في نهاية الأسبوع الرابع من عمر الجنين في حالة الإنسان‏ .‏
‏(3)‏ أن هذه العظمة النهائية في العمود الفقاري لاتبلى أبدا‏ًً,‏ فقد قام سبيمان وزملاؤه بقطع هذا الجزء‏ ـ ‏الخيط والعقدة الابتدائيان‏ ـ من عدد من البرمائيات وزرعه في عدد من أجنتها، فنما هذا الجزء على محور جنيني آخر مختلف عن الجنين المضيف‏ (‏علماً بأن كلاًً من الخيط والعقدة الأولين في الحيوانات الفقارية ذات الأثداء‏ ـ‏ الثديية‏ ـ‏ يقابلها في البرمائيات ما يسمي باسم فتحة المعي الخلفية‏ (
Blast opore) .‏
كذلك قام هانز سبيمان وزملاؤه بسحق هذا الجزء الذي سماه باسم المنظم الأولي‏,‏ وزرعه في عدد من الأجنة فنما في كل واحد منها على هيئة جنين ثانوي، مما يؤكد أن خلاياه لم تتأثر بعملية السحق‏,‏ ثم قاموا بغلي هذا الجزء من البرمائيات لعدة ساعات، وبعد ذلك زرعوه في عدد من الأجنة فنما على هيئة أعداد من المحاور الجنينية الجديدة مما يؤكد أن خلاياه لم تتأثر بالغلي ‏.‏
وفي شهر رمضان سنة‏1424‏ هـ قام الأخ الدكتور عثمان جيلان ‏(‏من اليمن‏)‏ بحرق الفقرتين الأخيرتين من خمسة عصاعص للأغنام بمسدس غاز لمدة عشر دقائق حتى تفحمت تماما‏ًً,‏ وبفحصها بواسطة عدد من المتخصصين‏,‏ اتضح أن خلاياها بقيت حية وإن احترق كل ما كان حولها من عضلات‏,‏ وأنسجة دهنية‏,‏ وخلايا النخاع‏ .‏
وبتطبيق نتائج سبيمان ومدرسته على الإنسان، أثبت عدد من المتخصصين في علم الأجنة أن الشريط الإبتدائي يظهر في جنين الإنسان في اليوم الخامس عشر منذ بدء إخصاب البويضة، وتكون النطفة الأمشاج التي تبدأ في الانقسام إلى أصغر فأصغر ‏(‏خليتين ثم أربع ثم ثماني خلايا وهكذا‏),‏ وتعرف هذه باسم القسيمات الأرومية ‏(
Blast omeres),‏ وبعد أربعة أيام من الإخصاب تتحول هذه القسيمات الأرومية إلى كتلة كروية من الخلايا تعرف باسم التويتة ـ‏ تصغير التوتة ـ أو‏(Morula) ،‏ وفي اليوم الخامس تنشطر التويتة إلى نصفين مكونة الكيسة الأرومية ‏(Blast ocyst)،‏ وفي اليوم السادس من عمر النطفة الأمشاج تنغرس الكيسة الأرومية في جدار الرحم بواسطة خلايا رابطة تنشأ منها‏,‏ وتتعلق بها في جدار الرحم لتتحول بعد ذلك إلى المشيمة‏,‏ ويظهر على سطح الكيسة الأرومية كلٌ من الشريط والعقدة الابتدائيين في اليوم الخامس عشر من تاريخ الإخصاب‏,‏ فتكون العلقة ثم المضغة‏,‏ ثم تُخلق العظام‏,‏ ثم تُكسى باللحم ثم بالجلد‏,‏ وتستمر هذه الأطوار من نهاية الأسبوع الثاني حتى نهاية الأسبوع الثامن من تاريخ الإخصاب‏ .
‏ وأهم ما يميز هذه المراحل في تخلُّق الجنين هو التكاثر السريع للخلايا‏,‏ والنشاط المتنامي في تكوين أجهزة الجسم المختلفة بواسطة كلٍ من الشريط والعقدة الابتدائيين ‏.‏
وفي الأسبوع السابع يصل الجنين إلى صورته المتميزة نتيجة لاستكمال بناء هيكلة العظمي‏,‏ الذي يبدأ كساؤه باللحم ـ‏ العضلات‏ ـ‏ مع بداية الأسبوع الثامن إلى آخر فترة الحمل‏,‏ حيث يتكامل بناء جميع أجهزة الجسم وأعضائه‏,‏ وتبدأ في الانتظام بالعمل في توافق عجيب‏ .‏
ومرحلة النشأة تبدأ في الأسبوع التاسع حين تتباطأ معدلات النمو حتى نهاية الأسبوع الثاني عشر‏,‏ ثم تتسارع حتى نهاية فترة الحمل‏ ـ‏ في حدود الأسبوع السادس والثلاثين، أو الثامن والثلاثين‏ ـ‏ ويعتبر اكتمال كساء العظام باللحم هو الحد الفاصل بين مرحلتي الحميل ‏(
Embryo)‏، والجنين‏ (Fetus or foetus) .‏
وقد أثبت علم الأجنة الحديث أن جميع أجهزة الجنين تنشأ من الشريط الابتدائي‏,‏ وأول ما ينشأ منه هو الجهاز العصبي‏,‏ وبعد استكمال أجهزة وأعضاء الجنين ينحسر هذا الشريط المنظم على هيئة عظمة في حجم حبة الخردل في نهاية العصعص
‏(Coccyx)‏ سماها رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ باسم عجب الذنب قبل أن يعرفها الإنسان بأربعة عشر قرناً‏ .‏
ومن نتائج نشاط الشريط الابتدائي مايلي‏ :‏
‏(1)‏ تكون بدايات الجهاز العصبي من الطبقة الخارجية للمضغة بدءاً بالحبل الظهري ‏(
Notochord)‏، والذي يمتد من العقدة الابتدائية ‏(Primitive node)‏ في اتجاه النهاية الأمامية للمضغة‏,‏ وذلك في نهاية الأسبوع الثالث من تاريخ الإخصاب‏ .‏
ويبدأ تكون الجهاز العصبي بالصفيحة العصبية‏ (
Neural plate)‏ التي تمتد من جهة العقدة الابتدائية إلى الطرف الأمامي للمضغة‏,‏ وتنثني هذه الصفيحة العصبية لتكوين الطيات العصبية‏ (The neural folds),‏ وتكون الجهة المنخفضة ما يعرف باسم الميزاب العصبي ‏(The neural Groov)‏ الذي يلتف على ذاته مكوناً الأنبوب العصبي‏
(
The Neural Tube)‏، ويقفل طرفه الأمامي في اليوم الخامس والعشرين من عمر الجنين، بينما يقفل طرفه الخلفي ‏(‏الذيلي‏)‏ بعد ذلك بيومين في اليوم السابع والعشرين‏, ‏ويكون ثلث هذا الأنبوب العصبي الدماغ‏,‏ بينما يشكل الثلث الباقي منه الحبل الشوكي بتفرعاته ‏.‏
‏(2)‏ تتكثف أجزاء من الطبقة المتوسطة من جسم المضغة الملاصقة لمحور الجنين مكونة الكتل البدنية‏ (
Somites)،‏ والتي تشكل كلاً من العمود الفقاري وبقية الهيكل العظمي والعضلات‏,‏ كما تخرج منها بدايات الأطراف العليا والسفلى ‏.‏
‏(3)‏ تتكثف الأجزاء الوسطى من الطبقة المتوسطة لتكون الجهاز التناسلي‏/‏ البولي‏ .‏
‏(4)‏ تتكثف الأجزاء الطرفية من الطبقة المتوسطة مكونة كلاً من أغشية البطن الداخلية‏,‏ وأغشية الرئتين‏,‏ وغشاء القلب‏,‏ كما يتكون منها كلٌ من القلب والأوعية الدموية‏,‏ وعضلات الجهاز الهضمي. ‏(5)‏ ينتهي الشريط الأولي من مهمة تخليق أجهزة وأعضاء الجسم في الأسبوع الرابع من عمر الجنين‏,‏ ويبدأ في الانسحاب إلى نهاية العمود الفقري‏ (‏العصعص‏)‏ على هيئة أثر لا يكاد يُرى بالعين المجردة‏ ـ‏ عجب الذنب‏ ـ‏ وقد قال المصطفى‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ في عدد من أحاديثه الشريفة : " ... يُنْزِلُ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ الْبَقْلُ قَالَ وَلَيْسَ مِنْ الْإِنْسَانِ شَيْءٌ إِلَّا يَبْلَى إِلَّا عَظْمًا وَاحِدًا وَهُوَ عَجْبُ الذَّنَبِ وَمِنْهُ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ "‏ (أخرجه الشيخان في صحيحيهما) وهذا تفصيل لقول ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :" وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى ‏"
‏.
هذه الحقائق العلمية التي لم تكتشف إلا بعد الثلث الأول من القرن العشرين‏ تشهد للقرآن الكريم الذي أنزل من قبل ألف وأربعمائة سنة بأنه لايمكن أن يكون صناعة بشرية‏,‏ بل هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ وحفظه بعهده في نفس لغة وحيه ‏ـ‏ اللغة العربية‏ ـ‏ كلمة كلمة‏,‏ وحرفاً حرفاً‏,‏ على مدى أكثر من أربعة عشر قرناً، وإلى أن يرث الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ الأرض ومن عليها حتى يكون شاهداًً على الخلق أجمعين إلى يوم الدين ‏.‏
كما تشهد هذه الحقائق العلمية للرسول الخاتم والنبي الخاتم الذي تلقي القرآن من ربه الكريم‏,‏ فبلغ الرسالة‏,‏ وأدي الأمانة‏,‏ ونصح الناس إلى يوم الدين‏,‏ وجاهد في سبيل الله حتي أتاه اليقين‏,‏ تشهد له هذه الحقائق بالنبوة وبالرسالة وبما وصفه به رب العالمين فقال ‏:
" وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى . إِنْ هُوَ إِلاَّ
وَحْيٌ يُوحَى. عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوَى " (‏النجم‏:3‏ ـ‏5) .      
       
   
فصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه‏,‏ ودعا بدعوته إلى يوم الدين‏,‏ والحمد لله على نعمة الإسلام‏,‏ والحمد لله على نعمة القرآن‏,‏ والحمد لله على الدوام حتى نلقاه‏ ـ تعالى ـ‏ وهو راضٍ عنا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏ .‏