" أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ " (البقرة:19)


هذا النص القرآني المعجز جاء في مقدمات سورة البقرة ,‏ وهي سورة مدنية‏ ,‏ وآياتها ‏286 ,‏ وعلى ذلك فهي أطول سور القرآن الكريم على الإطلاق‏ ,‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود قصة بقرة بني إسرائيل فيها‏ ,‏ وتتلخص في أن يهوديا قتل في زمن نبي الله موسى‏ ,‏ ولم يعرف قاتله‏ ,‏ فعرض الأمر على موسي‏ (عليه السلام‏)‏ لعله يستطيع المعاونة في الكشف عن القاتل‏ ,‏ فأوحى الله‏ (تعالى‏)‏ إليه أن يأمر القوم بذبح بقرة‏ ,‏ وأن يضربوا الميت بجزء منها فيحيا بإذن الله ويخبرهم عن قاتله‏ ,‏ وبعد لأي طويل فعل قومه ذلك‏ ,‏ وتحقق ما وعدهم الله‏ (تعالى‏)‏ به كي تكون تلك الواقعة برهانا عمليا أمام أعينهم على إمكانية البعث‏ ,‏ وقد كانوا من المتشككين فيه أو المكذبين لإمكانية وقوعه‏ . . .!!‏
ويدور المحور الرئيسي للسورة حول الأحكام التشريعية في العقائد والعبادات والأخلاق والمعاملات‏ ,‏ وهي صلب الدين‏ .‏ ومن أسس العقيدة الإسلامية التي دعت إليها السورة الكريمة‏:‏ الإيمان بأن القرآن الكريم هو الصورة النهائية التي تكاملت فيها كل رسالات السماء السابقة‏ ,‏ وأنه كتاب لا ريب فيه‏ ,‏ وأنه هدي للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة‏ ,‏ ومما رزقهم الله ينفقون‏ ,‏ والذين يؤمنون بما أنزل إلى خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله عليه وسلم‏) ,‏ وما أنزل من قبله وبالآخرة هم يوقنون‏ .‏ وهذه الركائز الأساسية للدين ترددت في ثنايا السورة مرات عديدة‏ ,‏ مؤكدة حتمية الإيمان بالله الواحد الأحد‏ ,‏ الفرد الصمد‏ ,‏ الذي لم يلد ولم يولد‏ ,‏ ولم يكن له كفوا أحد‏ ,‏ الذي لا شريك له في ملكه‏ ,‏ ولا منازع له في سلطانه‏ ,‏ ولا شبيه له من خلقه‏ ,‏ وذلك من أجل النجاح في الدنيا‏ ,‏ والنجاة في الآخرة‏ ,‏ وتعرض السورة لشيء من صفات هذا الخالق العظيم‏ . . .‏ تنزيها لجلاله عن الشبيه والشريك والمنازع‏ ,‏ وتقديسا لإلوهيته وربوبيته ووحدانيته‏ .‏
وتؤكد السورة الكريمة حتمية الإيمان بملائكة الله‏ ,‏ وكتبه ورسله دون أدني تفرقة بينهم‏ ,‏ والإيمان بالبعث وبالحساب في الآخرة‏ ,‏ وبالخلود في الجنة أبدا أو في النار أبدا‏ ,‏ وهذه كلها من أمور الغيب المطلق التي لا سبيل للإنسان في الوصول إليها إلا ببيان من الله‏ ,‏ بيانا ربانيا خالصا لا يداخله أدني قدر من التصورات البشرية‏ .‏


وفي مجال العبادات‏ ,‏ ركزت سورة البقرة على تفصيل أحكام الطهارة‏ ,‏ والصلاة‏ ,‏ والزكاة‏ ,‏ والصوم‏ ,‏ والحج‏ ,‏ والعمرة‏ ,‏ والجهاد في سبيل الله‏ ,‏ وعلى تعظيم حرمة كل من البيت الحرام والأشهر الحرم‏ ,‏ وبينت المحرمات من الطعام والشراب والسلوكيات‏ ,‏ وأن كل ما عدا المحرمات من الطعام والشراب يؤكل ويشرب حلالا طيبا‏ .‏ وكذلك تأمر السورة الكريمة بالإنفاق في سبيل الله‏ ,‏ وبالإحسان إلى الخلق‏ .‏ وفي جانب المعاملات‏ ,‏ أوضحت سورة البقرة أحكام الزواج‏ ,‏ والطلاق‏ ,‏ والعدة‏ ,‏ والرضاع‏ ,‏ والقصاص‏ ,‏ والوصية‏ ,‏ والدين‏ ,‏ والرهن‏ ,‏ والنذور‏ ,‏ والصدقات‏ ,‏ وحقوق الأيتام‏ ,‏ وغير ذلك من المعاملات المالية‏ .‏ وحذرت السورة الكريمة من متابعة الكفار والمشركين والمنافقين‏ ,‏ خاصة من كان منهم من أهل الكتاب الذين حرفوا دينهم‏ ,‏ وكذبوا على رب العالمين‏ ,‏ وأوهموا أنفسهم زورا أنهم شعب الله المختار‏ ,‏ وأبناؤه وأحباؤه‏ ,‏ وأن لهم عند رب العالمين ما ليس لغيرهم من المخلوقين من أمثال اليهود المجرمين‏ ,‏ الذين كانوا ركازة الكفر عبر التاريخ‏ ,‏ فوقفوا حجر عثرة أمام كل دعوة ربانية صحيحة‏ ,‏ وحاربوا الرسالة الخاتمة التي بعث بها النبي الخاتم‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ فعارضوه‏ ,‏ ونقضوا كل عهودهم معه‏ ,‏ وتحالفوا مع عبدة الأوثان ضده‏ ,‏ ولا يزالون هكذا إلى اليوم‏ ,‏ وإلى أن يرث الله‏ (تعالى‏)‏ الأرض ومن عليها‏ . . .‏ يمثلون أبشع صور الكفر‏ ,‏ والظلم والنفاق‏ ,‏ وسوء الأخلاق وكراهية الحق‏ ,‏ وبغض الإنسانية والاستعلاء كذبا عليها‏ ,‏ والتآمر ضدها تآمر الشياطين الملاعين ما وسعهم إلى ذلك سبيلا‏ .‏ وتحدثت سورة البقرة عن عدد من صفات المتقين‏ ,‏ وعن بعض صفات المنافقين من الكفار والمشركين‏ ,‏ وضربت نماذج لكل من الطائفتين‏ ,‏ كما عرضت لشيء من وصف نعيم المتقين في الجنة‏ ,‏ ولعذاب كل من الكافرين والمشركين في النار‏ ,‏ وقد ماتوا على كفرهم أو شركهم‏ ,‏ ولذلك فسوف يخلدون فيها‏ . .!!‏ وتصف السورة جانبا من ذلهم وحيرتهم يوم القيامة‏ . .!!‏
وفي هذه السورة الأولى في ترتيب المصحف الشريف بعد فاتحة الكتاب‏ ,‏ جاء عرض رائع لقصة آدم‏ (عليه السلام‏)‏ من لحظة خلقه‏ ,‏ وخلق أمنا حواء‏ (رضي الله عنها‏)‏ إلى لحظة هبوطهما على الأرض‏ .‏ وفي أكثر من ثلث هذه السورة المباركة‏ ,‏ جاء الحديث عن عصاه اليهود من بني إسرائيل‏ (لعنهم الله في الدنيا والآخرة‏) ,‏ وعن حقارة نفوسهم‏ ,‏ وخبث نواياهم‏ ,‏ وشيطانية مكرهم‏ ,‏ وخطورة كيدهم‏ ,‏ ولؤمهم‏ ,‏ وغدرهم‏ ,‏وتحريفهم لدينهم‏ ,‏ وكذبهم على الله‏ ,‏ ورسله‏ ,‏ ومحاربتهم لأوليائه‏ ,‏ وخياناتهم لكل الوعود والعهود والمواثيق التي يقطعونها على أنفسهم‏ ,‏ وتزييفهم للحق‏ ,‏ ونصرتهم للباطل‏ ,‏ وغير ذلك مما جبلت عليه نفوسهم الشيطانية الشريرة من كفر بالله وشرك به‏ ,‏ وكراهية للخلق وتآمر عليهم‏ ,‏ ورغبة دفينة في إيذاء الآخرين وتدميرهم‏ ,‏ على الرغم من أن الله‏ (تعالى‏)‏ كان قد نجاهم من آل فرعون الذين ساموهم سوء العذاب‏ ,‏ إلا أنهم عبدوا العجل‏ ,‏ وحرفوا الدين‏ ,‏ وكتموا ما أنزل الله من كتاب‏ ,‏ واشتروا به ثمنا قليلا‏ .‏
كذلك أشارت سورة البقرة‏ ,‏ إلى اختلاف أتباع عيسى‏ (عليه السلام‏)‏ من بعده فمنهم من آمن ومنهم من كفر‏ ,‏ وعرضت لجانب من قصة إبراهيم‏ (عليه السلام‏)‏ مع النمرود‏ (عليه اللعنة‏) ,‏ وكذلك لقصته مع قضية البعث‏ .‏
وتحدثت سورة البقرة‏ ,‏ عن واقعة تحويل القبلة‏ ,‏ وأكدت أن الله‏ (تعالى‏)‏ قد جعل أمة الإسلام أمة وسطا ليكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليهم شهيدا‏ .‏
وتأمر السورة الكريمة في العديد من مقاطعها بالجهاد في سبيل الله دون اعتداء‏ ,‏ وتعظم منازل الشهداء‏ ,‏ ومنازل كل من الصابرين في البأساء والضراء‏ ,‏ والموفين بعهودهم إذا عاهدوا‏ .‏
وتدعو سورة البقرة في كثير من أجزائها‏ ,‏ إلى التأمل بعين البصيرة في آيات الله العديدة المنتشرة في كل من الأرض والسماء‏ ,‏ وتنهى عن إتباع الشيطان لأنه عدو مبين للإنسان‏ ,‏ كما تنهي عن أخذ الدين بالميراث‏ ,‏ أي بالإتباع الأعمى لما عليه الوالدان من دين‏ ,‏ دون تمعن وتدبر واحتكام للعقل واقتناع بصحة ما يعتنقه الفرد‏ ,‏ وتنهي كذلك عن التداول بالمال الحرام‏ ,‏ وعن رشوة الحكام‏ ,‏ وعن التعامل بالربا‏ ,‏ وعن تناول الخمر‏ ,‏ ولعب الميسر‏ ,‏ وعن أكل مال اليتيم‏ ,‏ وعن التزاوج بين المسلمين والمشركين‏ ,‏ وتأمر باعتزال النساء في المحيض‏ ,‏ وتكرر الحض على الإنفاق في سبيل الله‏ ,‏ وتؤكد أن الله‏ (تعالى‏)‏ هو الذي يؤتي الحكمة من يشاء‏ ,‏ وأن من يؤتاها فقد أوتي خيرا كثيرا‏ ,‏ وتحذر الناس من يوم يرجعون فيه إلى الله ثم توفي كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون‏ ,‏ وتضع ضوابط للتعامل بالدين في آية تعتبر أطول آيات القرآن الكريم‏ ,‏ وتحذر من كتم الشهادة‏ . .‏ ومن يكتمها فإنه آثم قلبه والله بما تعملون عليم‏ .
وتختتم بقول الحق‏ (تبارك وتعالى‏) :‏
" لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المَصِيرُ . لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ " ‏(‏البقرة‏:284‏ـ‏286)‏ .
وهو دعاء يهز القلوب والعقول‏ ,‏ ويحرك الأرواح والمشاعر لما فيه من معاني الخضوع التام لله وحده بالعبودية‏ ,‏ والإقرار له وحده بالإلوهية والربوبية‏ ,‏ دون الشبيه أو الشريك أو المنازع‏ ,‏ والإيمان به‏ (تعالى‏)‏ وبملائكته وكتبه ورسله وباطلاعه على خائنة الأعين وما تخفي الصدور‏ ,‏ وتأكيد وحدة الرسالة السماوية دون أدني تفرقة بينهم‏ .!!‏ ثم طلب العفو‏ ,‏ والمغفرة‏ ,‏ والرحمة من الله‏ (تعالى‏)‏ وطلب النصر منه على كافة أنماط الكفار والمشركين من أمثال الصهاينة المعتدين الغاصبين المتجبرين على إخواننا الفلسطينيين العزل الآمنين على أرض فلسطين‏ ,‏ وأشياعهم من النصارى المتهودين كالأمريكان المتغطرسين بقوتهم المادية على كافة شعوب الأرض‏ ,‏ ومآلهم جميعا الدمار الكامل في الدنيا‏ ,‏ والخلود في نار جهنم في الآخرة إن شاء الله رب العالمين‏ ,‏ وما ذلك على الله بعزيز اللهم آمين‏ . .‏ آمين ‏ . .‏ آمين يا رب العالمين‏ .

والآيات الكونية التي جاءت الإشارة إليها في سورة البقرة عديدة‏ ,‏ نختار منها ما يلي‏ :‏
‏(1) (الصيب‏)‏ وهو المطر الغزير المصحوب بالرعد والبرق والصواعق والعواصف والذي يكثر في ظلام الليل‏ .‏
‏(2)‏ إمكانية أن يخطف البرق بصر الذين يحملقون فيه‏ .‏
‏(3)‏ تقديم حاسة السمع على حاسة الإبصار في العديد من آي القرآن الكريم‏ ,‏ كما هو الحال في هذه السورة المباركة‏ (الآية رقم‏40) .‏
‏(4)‏ فرش الأرض وبناء السماء بإذن الله‏ .‏
‏(5)‏ حقيقة الخلق‏ .‏
‏(6)‏ إنزال الماء من السماء‏ ,‏ وإحياء الأرض به إن شاء الله‏ (تعالى‏) ,‏ ونمو النباتات ونضج ثمارها بنزوله بإذن الله‏ .‏
‏(7)‏ إنزال القرآن الكريم معجزة لهذا النبي الخاتم والرسول الخاتم‏ (صلى الله عليه وسلم‏) ,‏ إلى قيام الساعة‏ ,‏ وحفظه بنفس لغة وحيه‏ (اللغة العربية‏)‏ كلمة كلمة‏ ,‏ وحرفا حرفا دون أدني تغيير أو تحريف أو تبديل كما حدث في الرسالات السابقة‏ .‏
‏(8)‏ حقيقة الخلق من العدم‏ ,‏ والإفناء إلى العدم‏ ,‏ ثم الخلق من جديد‏ .‏
‏(9)‏ حقيقة خلق كل ما في الأرض قبل تسوية السماء إلى سبع سماوات‏ .
‏(10)‏ وصف تفجر الحجارة بالأنهار‏ ,‏ وتشققها فيخرج منها الماء‏ .‏
‏(11)‏ خلق السماوات والأرض‏ .‏
‏(12)‏ اختلاف الليل والنهار‏ .‏
‏(13)‏ جري الفلك في البحر‏ .‏
‏(14)‏ خلق الحياة وبثها في الأرض‏ .‏
‏(15)‏ تصريف الرياح‏ .
‏(16)‏ تسخير السحاب بين السماء والأرض‏ .‏
‏(17)‏ تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله‏ .
‏(18)‏ الأهلة مواقيت للناس والحج‏ .‏
‏(19)‏ تحريم كل من الخمر والميسر‏ .‏
‏(20)‏ الأمر باجتناب النساء في وقت المحيض‏ .‏
‏(21)‏ التشبيه بقوله‏ (تعالى‏) : . .‏ كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين‏ .‏
‏(22)‏ التشبيه بقول الحق‏ (تبارك وتعالى‏) : . .‏ فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت‏ . . . ‏
‏(23)‏ تحريم الربا‏ .
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة مستقلة‏ ,‏ خاصة بها‏ ,‏ ولذلك فسوف أقصر حديثي هنا على القضية الأولي من القضايا المسرودة في هذه القائمة‏ ,‏ والتي يشبه الله‏ (تعالى‏)‏ فيها موقف المنافقين من أمثال اليهود المجرمين الذين آمنوا ثم كفروا‏ ,‏ بالذي انتقل من النور إلى الظلام‏ ,‏ ومن البصيرة إلى العمى‏ ,‏ ومن الهداية إلى الضلال‏ ,‏ ومن الرشد إلى الغي‏ ,‏ فترك في ظلمات الشك والحيرة‏ ,‏ والكفر أو الشرك‏ ,‏ والنفاق والضياع‏ ,‏ لا يهتدي إلى خير‏ ,‏ ولا يدرك طريقا للنجاة‏ ,‏ ولذلك قال‏ (تعالى‏)‏ فيهم ‏:‏
" مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ.صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ .أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ المَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ . يَكَادُ البَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " ‏(‏البقرة‏:17‏ ـ‏20) .‏
وقبل عرض الدلالة العلمية للتعبير القرآني أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق‏ . . ,‏ لابد من استعراض سريع لأقوال عدد من المفسرين فيه‏ .‏

 


 



من أقوال المفسرين :
في تفسير قوله‏ (تعالى‏) :‏
" أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ ‏ " (البقرة‏:19) .
‏ ذكر ابن كثير‏ (يرحمه الله‏)‏ ما نصه‏:‏ هذا مثل آخر ضربه الله تعالى لضرب آخر من المنافقين‏ ,‏ وهم قوم يظهر لهم الحق تارة ويشكون تارة أخري‏ ,‏ قلوبهم في حال شكهم وكفرهم وترددهم‏ (كصيب‏)‏ والصيب ‏:‏ المطر نزل من السماء في حال ظلمات وهي الشكوك والكفر والنفاق‏ ,‏ و‏(‏رعد‏):‏ وهو ما يزعج القلوب من الخوف‏ ,‏ فإن من شأن المنافقين الخوف الشديد والفزع كما قال تعالى‏: (يحسبون كل صيحة عليهم‏) . . (وبرق‏)‏ هو ما يلمع في قلوب هؤلاء الضرب من المنافقين في بعض الأحيان من نور الإيمان‏ . . . .‏ وذكر صاحبا تفسير الجلالين‏ (رحمهما الله‏)‏ ما نصه‏: (أو‏)‏ مثلهم‏ (كصيب‏)‏ أي‏:‏ كأصحاب مطر‏ ,‏ وأصله صيوب من صاب يصوب‏ ,‏ أي‏:‏ نزل ينزل‏ (من السماء‏)‏ السحاب‏ (فيه‏)‏ أي‏:‏ السحاب‏ (ظلمات‏)‏ متكاثفة‏ (ورعد‏)‏ وهو الملك الموكل به‏ ,‏ وقيل صوته‏ (وبرق‏)‏ لمعان سوطه الذي يزجره به‏ . . . .‏ وذكر صاحب الظلال‏ (رحمه الله رحمة واسعة‏)‏ ما نصه ‏:‏ إنه مشهد عجيب‏ ,‏ حافل بالحركة‏ ,‏ مشوب بالاضطراب‏ . . .‏ إن الحركة التي تغمر المشهد كله‏:‏ من الصيب الهاطل‏ ,‏ إلى الظلمات والرعد والبرق‏ ,‏ إلى الحائرين المفزعين فيه‏ ,‏ إلى الخطوات المروعة الوجلة‏ ,‏ التي تقف عندما يخيم الظلام‏ . . .‏ إن هذه الحركة في المشهد لترسم ـ عن طريق التأثر الإيحائي ـ حركة التيه والاضطراب والقلق والأرجحة التي يعيش فيها أولئك المنافقون‏ . . . .‏ وجاء في صفوة البيان لمعاني القرآن‏ (رحم الله كاتبه برحمته‏)‏ ما نصه‏: (أو كصيب من السماء‏)‏ الصيب ـ كسيد ـ‏:‏ المطر‏ ,‏ من الصوب وهو النزول‏ ,‏ يقال‏:‏ صاب صوبا‏ ,‏ إذا نزل وانحدر‏ ,‏ سمي به المطر لنزوله‏ ,‏ أي كمثل قوم نزل بهم المطر من السماء‏ ,‏ وهي جهة العلو والمراد السحاب‏ ,‏ وهو مثل آخر للمنافقين‏ ,‏ يصف حيرتهم وشدة الأمر عليهم‏ , (فيه ظلمات ورعد وبرق‏)‏ تصحب الأمطار الشديدة التي تحدث عند تكاثف السحب في السماء وحجبها ضوء الشمس عن الأرض ـ ظلمات كأنها سواد الليل‏ ,‏ ورعد يصم الآذان‏ ,‏ وبرق يخطف الأبصار‏ ,‏ وصواعق تحرق ما تصيبه‏ . . . .‏ وذكر كل من أصحاب المنتخب في تفسير القرآن الكريم وغيرهم من المفسرين‏ ,‏ كما ذكر صاحب صفوة التفاسير‏ (جزاهم الله خيرا‏)‏ كلاما مشابها لا داعي لتكراره هنا . هذا الوصف القرآني المعجز‏ ,‏
 الذي يقول فيه ربنا تبارك وتعالى‏:" أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ " (البقرة‏:19) .‏

ينطبق على الأعاصير الرعدية العنيفة‏ ,‏ وهي أعاصير حلزونية‏ ,‏ دوارة‏ ,‏ عنيفة الحركة والسرعة‏ ,‏ ولذلك تعرف باسم الأعاصير الدوارة‏ (Cyclones)وهي كتل من الهواء تدور حول منطقة من مناطق الضغط المنخفض في عكس اتجاه عقارب الساعة في نصف الكرة الشمالي ,‏ وفي اتجاهها تماما في نصف الكرة الجنوبي‏ ,‏ وتتحرك هذه الأعاصير بسرعات فائقة تزيد علي‏73‏ ميلا في الساعة‏ ,‏ وقد تصل إلي‏130‏ ميلا في الساعة أو إلى سرعات أعلى . ولذلك فهي أعاصير عنيفة‏ ,‏ مدمرة‏ ,‏ تصاحب غالبا بتلبد السماء بالغيوم الداكنة السميكة القريبة من سطح الأرض‏ ,‏ والتي تحجب أشعة الشمس بالنهار‏ ,‏ ونور القمر والنجوم بالليل‏ ,‏ محدثة ظلمة قابضة‏ .‏ وتصاحب هذه الظلمة بحدوث كل من ظاهرتي البرق والرعد‏ ,‏ وهطول الأمطار بغزارة شديدة‏ ,‏ وهذا ما تصفه الآية الكريمة بدقة علمية بالغة‏ ,‏ على الرغم من ورودها في مقام التشبيه‏ .‏ ونظرا لانتشار هذه الأعاصير في المناطق المدارية‏ ,‏ فقد سميت باسم الأعاصير المدارية الدوارة‏(Tropical Cyclones)وقد عرفت بأسماء أخري في كل منطقة من تلك المناطق المدارية‏ ,‏ منها اسم هريكين‏ (Hurricane)في الأمريكتين‏ ,‏ واسم تيفون‏ (Typhoon) في مناطق بحر الصين‏ (وهي لفظة صينية تعني الرياح الكبيرة‏) ,‏ وإذا كانت محددة المساحة على اليابسة فإنها تأخذ أشكالا قمعية ولذا تعرف باسم الدوامات الهوائية القمعية أو التورنادو‏ (Tornadoes) وهي من أصغر تلك الأعاصير حجما وأكثرها تدميرا‏ .‏
والأعاصير ليست مقصورة على المناطق المدارية وإن سادت فيها‏ ,‏ وذلك لأنها تحدث أيضا في مناطق العروض الوسطي‏ ,‏ وهذه الأعاصير لم تعرف صفاتها‏ ,‏ ولم يتم تصنيفها إلا في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي‏ ,‏ ووصفها بهذه الدقة العلمية البالغة من قبل اثني عشر قرنا على الأقل‏ ,‏ لما يقطع بأن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق‏ ,‏ ويشهد لهذا النبي الخاتم الذي تلقاه بالنبوة وبالرسالة فصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه‏ ,‏ ومن تبع هداه‏ ,‏ ودعا بدعوته إلى يوم الدين رغم أنف المارقين من الكفار والمشركين في كل عصر ومصر وفي كل حين ‏ . . .!!‏

الأعاصير المدارية :
تتكون الأعاصير المدارية بين خطي عرض ‏5‏ و‏20‏ درجة شمال وجنوب خط الاستواء‏ ,‏ وتنشأ بدوران الهواء البارد حول مناطق الضغط المنخفض التي تتكون بالتسخين المحلي في بعض المناطق وبتوافر بقية الظروف اللازمة لتكون تلك الأعاصير ومن بينها هدوء الهواء وسكونه أو قلة تحركه‏ ,‏ ويؤدي ذلك إلى تسخين طبقة الهواء الملامسة لسطح الأرض‏ (سواء كان ذلك يابسة أو ماء‏)‏ فتتمدد إلى أعلى ليحل محلها تيارات من الهواء البارد‏ ,‏ مما يؤدي إلى حدوث حالة من عدم الاستقرار في هواء المنطقة‏ .‏
وكلما زاد عمق منطقة الضغط المنخفض‏ ,‏ وزادت شدة انحدار جوانبها بزيادة الفرق بين ضغطها‏ ,‏ والضغوط المحيطة بها‏ ,‏ زاد الإعصار عنفا‏ ,‏ فتدور حولها الرياح بسرعات فائقة تصل إلى قرابة الثلاثمائة كيلومتر في الساعة‏ ,‏ بينما يكون الهواء الساخن في مركزها ساكنا تقريبا‏ .‏
وتتوافر ظروف تكون هذه الأعاصير بصفة خاصة في منطقة الركود الاستوائي‏ ,‏ حيث تتقابل الرياح التجارية في نصفي الكرة الأرضية مندفعة باتجاه منطقة الضغط المنخفض وما بها من هواء ساخن يتجدد ويتصاعد إلى أعلى باستمرار‏ ,‏ ومنحرفة إلى يمين اتجاهها في نصف الكرة الشمالي ,‏ وإلى يسار اتجاهها في نصفها الجنوبي‏ ,‏ وذلك بسبب دوران الأرض حول محورها‏ .‏
ولذلك تنشأ هذه الأعاصير بصفة خاصة فوق البحار الاستوائية والمدارية في فصلى الصيف والخريف‏ ,‏ ويصل قطر الدوامة الواحدة منها إلى خمسمائة كيلومتر‏ ,‏ ويصل قطر مركزها الذي يسمي عين الإعصار إلى أربعين كيلومترا‏ ,‏ وتتراوح مدد مكث تلك الأعاصير بين عدد قليل من الأيام وأكثر من أسبوعين‏ .‏
وتصاحب الأعاصير المدارية عادة بتكون السحب الداكنة الكثيفة والقريبة من سطح الأرض‏ ,‏ وبسقوط الأمطار الغزيرة المصاحبة بظاهرتي البرق والرعد‏ .‏
ومما يساعد على استمرار ارتفاع الهواء الساخن في مناطق الركود الاستوائية‏ ,‏ ارتفاع نسبة الإشعاع الشمسي مما يؤثر على ارتفاع معدلات تبخر ماء البحار والمحيطات‏ ,‏ وبالتالي إلى ارتفاع نسبة الرطوبة في الهواء مما يعين على تكوين السحب الكثيفة الداكنة بإذن الله وعلى هطول الأمطار الغزيرة‏ ,‏ حيث يشاء‏ ,‏ وكلها من العمليات التي تتسبب في رفع درجات الحرارة الكامنة في عين الإعصار‏ ,‏ وفي استمرار تحرك الهواء الساخن إلى أعلى ,‏ واندفاع الهواء البارد من المناطق المحيطة ليدور حوله أو يحل محله‏ .‏
والأعاصير المدارية تتكون أساسا فوق البحار والمحيطات‏ ,‏ وعندما تندفع في اتجاه اليابسة تفقد كثيرا من سرعتها باحتكاكها مع سطح الأرض‏ ,‏ ولكنها تظل قادرة على إحداث قدر هائل من الدمار من مثل هدم المباني والمنشآت‏ ,‏ والخسائر في الأرواح والممتلكات‏ ,‏ وحدوث السيول الجارفة‏ ,‏ والفيضانات والأمواج المغرقة للسفن والمنشآت البحرية على طول السواحل وإلى مسافات متباينة في عمق اليابسة‏ .‏

وتكثر الأعاصير المدارية في كل من جزر الهند الغربية‏ ,‏ وسواحل فلوريدا‏ ,‏ وخليج المكسيك‏ ,‏ وفي بحر الصين وسواحل الجزر اليابانية‏ ,‏ وفي بقية جزر المحيط الهادي وفي شرقي استراليا‏ ,‏ وفي خليج البنغال‏ ,‏ وفي جنوب المحيط الهندي‏ .‏

الدوامات الهوائية القمعية الشكل :
تطلق كلمة تورنادو (Tornado) على الدوامات الهوائية القمعية الشكل‏ ,‏ وهي من الأعاصير المدارية الشديدة الأثر والتي تضرب الأجزاء الجنوبية من الولايات المتحدة الأمريكية سنويا في مساحات صغيرة من الأرض قد لا يتعدي قطرها المائة متر‏ ,‏ تدور فيها الرياح بسرعات مدمرة حول مركز الإعصار الذي ينخفض الضغط الجوي فيه بدرجة قياسية‏ ,‏ وتصاحبه الأمطار الغزيرة المصحوبة بظاهرتي البرق والرعد في أشد صورهما ‏ .‏
وعند مرور هذه الدوامات الهوائية القمعية الشكل فوق ماء البحار والمحيطات‏ ,‏ يرتفع سطح الماء إلى أعلى على هيئة مخروط يعرف باسم النافورات المائية ‏ ,‏ يقابله مخروط من السحب يتدلي نحو سطح البحر فيحدث ظلمة شبه كاملة‏ ,‏ وتشكل هذه الظروف خطرا داهما يهدد السفن البحرية بالإغراق ‏ ,‏ وتحدث مثل هذه الدوامات الهوائية القمعية الشكل غالبا بعد الظهر في فصلى الربيع والصيف حين تبلغ درجات الحرارة نهاياتها العظمي وتستمر بضع ساعات‏ .‏
وتتحرك هذه الدوامات الهوائية بسرعات كبيرة تصل إلي‏70‏ كيلومترا في الساعة‏ ,‏ ولكن أثرها سرعان ما يتلاشي على الرغم من قوتها التدميرية الكبيرة‏ ,‏ المتمثلة في اقتلاع الأشجار وتحطيم المباني والمنشآت على اليابسة ‏ ,‏ وفي إغراق السفن في عرض البحار ‏ .‏

أعاصير العروض الوسطي :
تنشأ أعاصير العروض الوسطي بين خطي عرض ‏35‏ و‏65‏ درجة في نصفي الكرة الشمالي والجنوبي‏ ,‏ حيث تنشأ في النصف الشمالي من التقاء الرياح المدارية العكسية‏ (الغربية ‏)‏ الدافئة الرطبة القادمة من الجنوب مع الرياح القطبية الباردة الجافة القادمة من الشمال‏ ,‏ فتندفع الرياح الباردة تحت الدافئة ‏ ,‏ رافعة إياها إلى أعلى ومكونة سطح انفصال بين الكتلتين الباردة والدافئة‏ ,‏ يندفع فوقه الهواء الدافئ على هيئة موجات تشكل كل واحدة منها النواة الأولي لإعصار منخفض‏ ,‏ يأخذ في النمو التدريجي مكونا منطقة من الضغط المنخفض فوق سطح الانفصال‏ ,‏ يندفع فيها الهواء البارد محاولا الوصول إلى مركزها باتجاه معاكس لاتجاه عقارب الساعة في نصف الكرة الشمالي ,‏ ومعه في نصف الكرة الجنوبي ‏ ,‏ ويظل الإعصار نشيطا حتى يتم هيمنة الهواء البارد على قلب الإعصار فيبدأ في التلاشي بالتدريج‏ ,‏ وتصاحب أعاصير العروض الوسطي بتكون سحب رقيقة متفرقة على ارتفاع كبير‏ ,‏ تتزايد كثافة وسمكا وقربا من سطح الأرض بتزايد الإعصار شدة‏ ,‏ حتى تتلبد السماء بالغيوم الداكنة الكثيفة فتحجب ضوء الشمس بالنهار ‏ ,‏ ونور القمر وأضواء النجوم بالليل‏ ,‏ وعندئذ يبدأ هطول المطر بزخات خفيفة تتزايد بالتدريج مع حدوث البرق والرعد‏ ,‏ حتى تنهمر الأمطار بغزارة في جو من البرودة الشديدة والاضطرابات الجوية العديدة‏ ,‏ ثم يأخذ الجو في التحسن التدريجي بابتعاد مركز الإعصار ولكن تظل درجة الحرارة مائلة إلى البرودة النسبية‏ .‏
وتتفاوت أعاصير العروض الوسطي في أحجامها ‏ ,‏ وأعماق بؤرها ‏ ,‏ وفي شدة انحدار جوانبها ‏ ,‏ فمنها ما لا يزيد قطره على‏ (300)‏ كيلومتر ,‏ ومنها ما يتجاوز ذلك (1500)‏ كيلومتر ,‏ ومنها ما هو شديد العمق وما هو ضحل‏ ,‏ ومنها ما هو شديد الانحدار‏ ,‏ وما هو قليله ‏ .‏
وأثر هذه الأعاصير لا يقتصر على حدود المنطقة التي تغطيها‏ ,‏ ولكنه يمتد إلى خارجها ‏ ,‏ ويتوقف ذلك على عمق مركز الإعصار وعلى درجة انحدار جوانبه‏ ,‏ أي‏ :‏ على تباين كل من الضغط ودرجة الحرارة بين عين الإعصار وحوافه‏ ,‏ والتي تتوقف عليها سرعة الرياح حول مركز الإعصار ‏ .‏
من هذا الاستعراض يتضح بجلاء أن الوصف القرآني للأعاصير كما جاء في هذا النص القرآني المعجز‏ :‏ " أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ
وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ " . (البقرة‏:19) .‏
ينطبق انطباقا كاملا على الحقائق التي توصلت إليها المعارف المكتسبة في زمن التقدم العلمي والتقني الذي نعيشه‏ ,‏ والتي لم يدرك علم الإنسان طرفا منها إلا مع نهايات القرن التاسع عشر الميلادي .‏
وورودها في كتاب الله الذي أنزل منذ أكثر من أربعة عشر قرنا بهذه الدقة العلمية الفائقة ,‏ والشمول الكامل ‏ ,‏ والإحاطة التامة لا يمكن لعاقل أن يتصور له مصدرا غير الله الخالق ‏ (تبارك وتعالى‏) .‏

فسبحان الذي أنزل القرآن الكريم‏ ,‏ أنزله بعلمه‏ ,‏ على خاتم أنبيائه ورسله ,‏ وصلى الله وسلم وبارك على النبي الخاتم ‏,‏ والرسول الخاتم‏ ,‏ الذي تلقى هذا الوحي الخاتم ,‏ فبلغ الرسالة ,‏ وأدي الأمانة ,‏ ونصح الأمة ‏ ,‏ وجاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين ,‏ فنسأل الله‏ (تعالى‏)‏ أن يجزيه خير ما جازي به نبيا عن أمته‏ ,‏ ورسولا على حسن تبليغ رسالته ‏,‏ والحمد لله أولا وأخيرا على حفظ القرآن العظيم‏ ,‏ هذا الكتاب الكريم‏ ,‏ بنفس لغة الوحي‏ (اللغة العربية‏) ,‏ في صفائه الرباني‏ ,‏ وإشراقاته النورانية ‏ ,‏ فجاء معجزا في كل أمر من أموره‏ ,‏ وفي كل آية من آياته‏ ,‏ وكلمة وحرف من كلماته وحروفه ,‏ ولو جاء ذلك في مقام ضرب المثل أو التشبيه ‏ ,‏ حتى يبقى هذا الكتاب الخالد حجة على الناس كافة إلى قيام الساعة لا ينكره إلا جاحد‏ ,‏ ولا يتركه وراء ظهره إلا شقي‏ .