" وَالأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ المَاهِدُونَ " (الذاريات‏:48).


هذه الآية الكريمة جاءت في الربع الأخير من سورة الذاريات‏,‏ وهي سورة مكية، يدور محورها الرئيسي حول قضية العقيدة‏,‏ شأنها في ذلك شأن كل السور المكية‏,‏ ومن ركائز العقيدة‏ :‏ الإيمان بالبعث والجزاء‏,‏ ولذلك بدأت السورة بالقسم بعدد من آيات الله في الكون على حقيقة البعث‏,‏ وحتمية وقوع الجزاء‏,‏ ثم تابعت بقسم آخر‏:‏ بـ" السَّمَاءِ ذَاتِ الحُبُكِ " على أن الناس في أمر البعث والحساب والجزاء غير مستقرين على رأي واحد‏,‏ فمنهم المؤمن‏,‏ ومنهم الكافر‏,‏ وأنه لا يصرف عن هذا الحق إلا صاحب هوى‏ .

وأكدت السورة حتمية هلاك الكذابين المنكرين ليوم الدين‏,‏ والقائلين فيه بالظن والتخمين‏,‏ واللاهين عنه والمتشككين في حتمية وقوعه حتى يسألوا عنه سؤال المستهزئ به‏,‏ المستبعد له . وتعرض السورة لشيء من سوء مصير الكافرين في الآخرة‏,‏ وتقابله بفيض التكريم والتنعيم الذي أعده ربنا ـ تبارك وتعالى‏ ـ‏ للمتقين من عباده جزاء إحسانهم في الدنيا، وتدعو إلى تأمل آيات الله في الأرض‏,‏ وفي الأنفس‏,‏ وفي الآفاق‏,‏ وإلى استخلاص الدروس والعبر من تأملها‏,‏ وأردفت بقسم عظيم برب السماء والأرض على صدق ما وعد الله به الناس من البعث والحساب والجزاء‏,‏ وعلى حتمية وقوع كل ما جاء به الدين الخاتم الذي بعث به خاتم الأنبياء والمرسلين ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ .‏
وألمحت السورة إلى قصة أبي الأنبياء إبراهيم‏ ـ‏ عليه السلام‏ ـ‏ مع ضيفه من الملائكة‏,‏ وعرضت لبعض الأمم البائدة‏,‏ و إلى ما أصابها من هلاك ودمار لانحرافها عن منهج الله‏,‏ وتكذيبها لأنبيائه ورسله ومن هذه الأمم التي أبيدت أقوام لوط‏,‏ وفرعون‏,‏ وعاد‏,‏ وثمود ونوح‏ .
ثم عاودت السورة استعراض عدد من الآيات الكونية الدالة على طلاقة القدرة الإلهية‏,‏ وأردفت بالدعوة للرجوع إلى الله‏ ـ تعالى ـ‏ وإلى التحذير من الشرك به‏,‏ وتأكيد أن الرزق منه وحده ‏ـ سبحانه ـ وذلك في مواضع عديدة من السورة التي كررت وصف الرسول الخاتم‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ بأنه نذير مبين من الله‏ إلى الناس كافة‏,‏ وأن عبادة الله ـ‏ تعالى ـ‏ وحده ‏(بغير شريك، ولا شبيه‏,‏ ولا منازع‏)‏ وتنزيهه‏,‏ وتعظيمه عن كل وصف لا يليق بجلاله‏,‏ هي الغاية من خلق كلٍ من الإنس والجن‏,‏ وأنذرت السورة في ختامها الذين يكذبون رسول الله ‏ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ بمثل ما أصاب الأمم السابقة عليهم‏‏ من عذاب ‏.

والسورة في مجمل سياقها دعوة إلى الناس كافة لتوجيه القلوب إلى عبادة الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ولتخليصها من عوائق الحياة‏,‏ ووصلها بخالقها الذي هو رب هذا الكون ومليكه‏ .‏ والآيات الكونية المذكورة في سورة الذاريات أكثر من أن تحصى في مقال واحد‏,‏ ولذلك سأقتصر هنا على آية واحدة منها هي قوله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ :‏" وَالأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ المَاهِدُونَ " (الذاريات: 48).
وقبل الخوض في ذلك لابد من استعراض الدلالة اللغوية لألفاظ الآية الكريمة ولأقوال المفسرين فيها ‏.‏ (‏الأرض‏)‏ في اللغة العربية اسم جنس للكوكب الذي نحيا عليه‏‏ تمييزاً له عن بقية الكون المعبر عنه بالسماوات‏,‏ وهي لفظة مؤنثة، والأصل أن يقال ‏: (‏أرضه‏),‏ والجمع‏ (‏أرضات‏)، (‏أرضون‏)‏ بفتح الراء أو بتسكينها‏,‏ وقد تجمع على (‏أروض‏)‏ و‏ (‏أراضٍ‏),‏ ولفظة‏ (‏الأراضي‏)‏ تستخدم على غير قياس ‏.‏
ويُعبر ‏(‏بالأرض‏)‏ عن أسفل الشيء‏,‏ كما يعبر ‏(‏بالسماء‏)‏ عن أعلاه‏,‏ فكل ما سفل من الشيء هو(‏أرضه‏),‏ وكل ما علا منه هو ‏(‏سماه‏)‏ أو‏ (‏سماؤه‏).‏ ويقال ‏(‏أرض أريضة‏)‏ أي حسنة النبت‏,‏ زكية بينة الزكاء أو ‏(‏الإراضة‏),‏ كما يقال‏: (‏تأرض‏)‏ النبت بمعنى تمكن على الأرض فكثر‏,‏ و ‏(‏تأرض‏)‏ الجدي إذا تناول نبت ‏(‏الأرض‏) .‏ ويقال‏: (‏أرض نفضة‏)‏ أي كثيرة الانتفاض‏,‏ و‏(‏أرض رعدة‏)‏ أي كثيرة الارتعاد‏,‏ وهي من العمليات المصاحبة للهزات الأرضية‏ ـ ‏الزلازل‏ .‏ و‏(‏الأَرَضَة‏)‏ بفتحتين‏:‏ حشرة صغيرة تأكل الخشب‏,‏ يقال‏: (‏أرضت‏)‏ الأخشاب‏(‏تُؤرض‏‏ أرضاً‏)‏ فهي ‏(‏مأروضة‏)‏ إذا أكلتها ‏(‏الأرضة‏),‏ ولم تسم العرب فاعلاً لهذا الفعل‏ .‏ ‏(‏فرشناها‏) :‏ يقال في اللغة‏ : (‏فرش‏)‏ الشيء‏ (يفرشه‏) (‏فرشاً‏)‏ و‏(‏فراشا‏ًً)‏ بمعنى بسطه بسطاً‏,‏ ويقال ‏(‏للمفروش‏) (‏فرش‏)‏ و‏(‏فراش‏),‏ وجمعهما‏ (‏فرش‏),‏ و‏(‏الفرش‏)‏ هو ‏(‏المفروش‏)‏ أي المبسوط من متاع البيت‏ .‏قال ـ‏ تعالى‏ ـ : "‏ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً ‏..." (‏البقرة‏:22)‏ .
وقال‏(‏ عز من قائل‏) : ‏" مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ..." (الرحمن‏:54)‏ . وقال‏(‏ سبحانه‏) :" وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ " (‏الواقعة‏:34)‏ . و‏(‏الفرش‏)‏ يطلق أيضاً على صغار الإبل ، ومنه قوله ـ‏ تعالى‏ ـ : " وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً ‏.." (‏الأنعام‏:142)‏.وذلك لأن‏ (‏الفرش‏)‏ هو ما يُفرش من الأنعام‏ ـ‏ أي يُركب‏ ـ‏ قال الفراء‏:‏ ولم أسمع له بجمع‏,‏ وأضاف‏:‏ ويحتمل أن يكون مصدراً سمي به من قولهم(‏فرشها‏)‏ الله ‏(‏فرشاً‏)‏ ـ أي بثها بثاً ‏.‏ ويقال‏: (‏افترش‏)‏الشيء بمعنى انبسط‏,‏ و‏(‏افترشه‏)‏ أي وطَّئه‏,‏ و‏(‏افترش‏)‏ ذراعيه إن بسطهما تحته على الأرض أي اتخذهما كالفراش‏,‏ و‏(‏تفريش‏)‏ الدار تبليطها ‏.‏ و‏(‏الفراشة‏)‏ ـ وجمعها ‏(‏فراش‏)‏ ـ : حشرة من الحشرات من رتبة حرشفيات الأجنحة ‏(Lepidoptera)‏، تتميز بزوجين من الأجنحة الحاملة للحراشيف الملونة والمزركشة .‏ والفراش يحب الضوء ويتهافت على مصادره حتى يهبط فيها فيحترق‏,‏ ولذا قيل في المثل : " أطيش من فراشة‏ ",‏ وقال‏ ـ‏ تعالى‏ ـ : ‏" يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ المَبْثُوثِ " (‏القارعة‏:4)‏. ‏

(‏الماهدون‏):‏ و‏(‏المهد‏)‏ في اللغة هو ما يهيأ للغير من فِراش‏,‏ يقال‏:‏ مهَّد الفراش ‏(‏يمهِّده‏) (‏تمهيداً‏)‏ و‏(‏مهدا‏ًً)‏ أي بسطه يبسطه بسطا‏ًَ . قال ـ‏ تعالى‏ ـ :‏‏"...‏ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي المَهْدِ صَبِياًّ ‏ " (‏‏مريم‏:29) . ‏(‏المهد‏)‏ و‏(‏المهاد‏)‏ أيضاً : هو المكان‏ (‏الممهد‏)‏ الموطَّأ‏ .‏ قال ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ:" الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً ‏..." (‏طه‏:53) . ويقال‏: (‏امتهد‏)‏ السنام أي استوى فصا(‏كالمهد‏)‏ أو‏ (‏المهاد‏),‏ و‏(‏الماهد‏)‏ هو الذي ‏(‏يمهد‏)‏ وجمعه‏(‏ماهدون‏) . قال‏ ـ‏ تعالى ـ :‏ " وَالأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ المَاهِدُونَ‏ " ‏ (‏الذاريات‏:48)‏. ويقال في اللغة‏: (‏مهدت‏)‏ لك كذا أي هيَّأته وسوَّيته‏ . قال ـ‏ تعالى‏ ـ :‏ " وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً " (‏المدثر‏:14) . وقال ـ‏ عز من قائل‏ ـ :‏" مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ "‏ ‏‏(‏الروم‏:44)‏ . بسط الأرض وتمهيدها في القرآن الكريم: جاء ذكر الأرض في أربعمائة وواحد وستين موضعاً من كتاب الله‏,‏ منها ما يشير إلىكوكب الأرض في مقابلة السماء أو السماوات‏,‏ ومنها ما يشير إلى اليابسة التي نحيا عليها، أو إلى جزء منها‏,‏ ومنها ما يشير إلى التربة التي تغطي صخور اليابسة‏ . وتُفهم الدلالة من سياق الآية الكريمة‏ .‏
وجاء ذكر فرش الأرض‏,‏ وبسطها‏,‏ وتمهيدها‏,‏ وتوطئتها‏,‏ وتسويتها‏,‏ وتذليلها في عشر آيات من آي القرآن الكريم على النحو التالي ‏:‏ ‏
(1)‏"‏ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً ‏..." (‏البقرة‏:22) .‏
‏(2)‏" الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً ‏..." (‏طه‏:53) .‏ ‏
(3)‏" الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ " ‏(‏الزخرف‏:10) .‏
‏(4)"وَالأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ المَاهِدُونَ ‏ " (الذاريات‏:48)‏ .
‏(5)‏" هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ "
(‏الملك‏:15) . ‏
(6)‏"وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِسَاطاً . لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً "‏ (‏نوح‏:20,19) .‏ ‏
(7)"‏ أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَاداً . وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً ‏" (‏النبأ‏:7,6) .‏ ‏
(8)‏" وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا .‏ أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَاوَمَرْعَاهَا .‏ وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا . مَتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ ‏" (‏النازعات‏:33,30) .‏
‏(9)‏" أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ . وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ .‏ وَإِلَى الجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ‏.‏ وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ " (‏الغاشية‏:20,17) .
(10)" وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا ‏ " (‏الشمس‏:6) .‏
وجاء ذكر خلق الأرض وذكر عدد من صفاتها وظواهرها وأحداثها في أكثر من مائة وسبعين آية أخري‏,‏ لا أرى مجالاً لذكرها هنا؛ لأنها إما قد ورد ذكرها في مقالات سابقة‏,‏ أو سوف تناقش في مناسبات قادمة إن شاء الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ حسب الموضوع الذي تعرض له الآية أو الآيات القرآنية الكريمة منها ‏.‏


من أقوال المفسرين :
في تفسير قول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :" وَالأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ المَاهِدُون " (‏الذاريات‏:48)‏ .
ذكر ابن كثير‏‏ ـ رحمه الله ـ :‏ " وَالأَرْضَ فَرَشْنَاهَا " أي جعلناها فراشا للمخلوقات‏ . "‏ فَنِعْمَ المَاهِدُون‏"‏ أي وجعلناها مهداً لأهلها‏ .‏ (انتهى قول المفسر)
وذكر صاحبا تفسير الجلالين ـ رحمهما الله مانصه‏ ـ :" وَالأَرْضَ فَرَشْنَاهَا ‏"‏ مهدناها‏ . "‏ فَنِعْمَ المَاهِدُون ‏" ‏نحن‏ .‏ (انتهى قول المفسر)
وذكر صاحب الظلال‏ ـ‏ عليه من الله الرحمات ـ‏ قوله‏ :‏ فقد أعد الله هذه الأرض لتكون مهداً للحياة كما أسلفنا‏,‏ والفرش يوحي باليسر والراحة والعناية‏,‏ وقد هيئت الأرض لتكون محضنا ميسراً ممهدا‏ًً,‏ كل شيء فيه مقدر بدقة لتيسير الحياة وكفالتها‏ :"‏ فَنِعْمَ المَاهِدُون ‏" .‏ (انتهى قول المفسر)
وجاء في صفوة البيان لمعاني القرآن لفضيلة المفتي الأكبر الشيخ محمد حسنين مخلوف ‏ـ رحمه الله رحمة واسعة‏ ـ‏ ما نصه‏: "‏ فَرَشْنَاهَا " مهدناها كالفراش للاستقرار عليها‏ ."‏ فَنِعْمَ المَاهِدُون ‏"‏ المسوُّون المصلحون‏ . (انتهى قول المفسر)‏
وجاء في المنتخب في تفسير القرآن الكريم‏ ـ‏ جزى الله كل من شارك في إخراجه خير الجزاء‏ ـ‏ ما نصه‏ :‏ والأرض بسطناها‏,‏ فنعم المهيئون لها نحن كالمهاد ‏. (انتهى قول المفسر)
‏‏ وذكر صاحب صفوة التفاسير‏ ـ‏ جزاه الله خيراً‏ ـ‏ ما نصه‏ :" وَالأَرْضَ فَرَشْنَاهَا " أي والأرض مهدناها لتستقروا عليها‏,‏ وبسطناها لكم ومددنا فيها لتنتفعوا بها بالطرقات‏,‏ وأنواع المزروعات‏,‏ ولا ينافي ذلك كرويتها‏,‏ فذلك أمر مقطوع به‏,‏ فإنها مع كرويتها واسعة ممتدة‏,‏ فيها السهول الفسيحة والبقاع الواسعة‏,‏ مع الجبال والهضاب، ولهذا قال ـ تعالى ـ ‏: "‏ فَنِعْمَ المَاهِدُون ‏" أي فنعم الباسطون الموسعون لها نحن‏,‏ وصيغة الجمع للتعظيم ‏... (انتهى قول المفسر)‏



بسط الأرض وتمهيدها في العلوم الحديثة:
أولاً ‏:‏ تضاريس الأرض الحالية:
تقدر مساحة سطح الأرض الحالية بحوالي ‏510‏ ملايين كيلو متر مربع‏,‏ منها ‏149‏ مليون كيلو متر مربع يابسة تمثل حوالي 29%‏ من مساحة سطح الأرض‏,‏ و‏361‏ مليون كيلو متر مربع مسطحات مائية تمثل الباقي من مساحة سطح الأرض‏ ـ71% ـ ومن هذه النسبة الأخيرة أرصفة قارية تعتبر الجزء المغمور بالمياه من حواف القارات، وتقدر مساحتها بحوالي ‏173.6‏ مليون كيلو متر مربع‏ .‏ وكلٌ من سطح اليابسة وقيعان البحار والمحيطات ليس تام الأستواء، ولكنها متعرجة في تضاريس متباينة للغاية‏,‏ فعلى اليابسة هناك سلاسل الجبال ذات القمم السامقة‏,‏ وهناك التلال متوسطة الارتفاع‏,‏ وهناك الروابي‏,‏ والهضاب‏,‏ والسهول‏,‏والمنخفضات الأرضية المتباينة ‏. وفي المسطحات المائية هناك البحار الضحلة والبحيرات‏,‏ كما أن هناك البحار العميقة والمحيطات، والتي تتدرج فيها الأعماق من الأرصفة القارية إلى المنحدرات القارية ثم إلى أعماق وأغوار قيعان المحيطات ‏.‏
ويقدر ارتفاع أعلى قمة على سطح اليابسة‏ ـ‏ وهي قمة جبل إفرست بسلسلة جبال الهيمالايا ـ‏ بأقل قليلاً من تسعة كيلو مترات‏ (8848‏ مترا‏ًً)‏ بينما يقدر منسوب أخفض نقطة على سطح اليابسة‏ ـ‏ وهي في حوض البحر الميت‏ ـ‏ بحوالي أربعمائة متر تحت مستوى سطح البحر‏,‏ وحتى قاع البحر الميت الذي تصل أعمق أجزائه إلى حوالي ثمانمائة متر تحت مستوى سطح البحر يعتبر جزءاً من اليابسة؛ لأنه بحر مغلق‏ .
ويصل منسوب أعمق أغوار المحيطات ـ وهو غور ماريانا في قاع المحيط الهادي بالقرب من جزر الفلبين ـ‏ إلى حوالي الأحد عشر كيلو مترا‏ًً (11.033‏ متر‏) . وبذلك يصل الفرق بين أعلى وأخفض نقطتين على سطح الأرض إلى أقل قليلاً من العشرين كيلو متراً ‏(19.881‏ متر‏),‏ وبنسبة ذلك إلى نصف قطر الأرض‏ ـ‏ المقدر بحوالي‏6371‏ كيلو مترا‏ًً ـ‏ فإن نسبته لا تكاد تتعدى 0.3% . ويقدر متوسط منسوب سطح اليابسة بحوالي‏840‏ متراً فوق مستوى سطح البحر‏,‏ بينما يقدر متوسط أعماق البحار والمحيطات بحوالي الأربعة كيلو مترات‏ (3729‏ مترا ـ‏4500‏ متر تحت مستوى سطح الماء‏) .
وتضاريس الأرض الحالية هي نتيجة صراع طويل بين العمليات الداخلية البانية ، والعمليات الخارجية الهدمية، والتي استغرقت حوالي الخمسة بلايين من السنين ‏.‏

ثانياً‏:‏ الاتزان الأرضي:
لما كان سطح الأرض في توازن تام مع تباين تضاريسه‏,‏ فلابد وأن هذا التباين في التضاريس يعوضه تباين في كثافة الصخور المكونة لكل شكل من أشكال هذه التضاريس‏,‏ فالمرتفعات على اليابسة لابد وأن يغلب على تكوينها صخور كثافتها أقل من كثافة الصخور المكونة للمنخفضات من حولها‏,‏ ومن ثم فلابد وأن يكون لتلك المرتفعات امتدادات من صخورها الخفيفة نسبياًً في داخل الصخور الأعلى كثافة المحيطة بها‏,‏ ومن هنا كان الاستنتاج الصحيح بأن كل مرتفع أرضي فوق مستوى سطح البحر له امتدادات في داخل الغلاف الصخري للأرض يتناسب مع ارتفاعه‏,‏ وأن كل جبل من الجبال له جذور عميقة من مكوناته الخفيفة تخترق الغلاف الصخري للأرض لتطفو في نطاق الضعف الأراضي، حيث تحكمها قوانين الطفو المعروفة كما تحكم أي جسم طاف في مياه البحار والمحيطات ، مثل جبال الجليد والسفن ‏.
وهذه الامتدادات الداخلية للجبال تتراوح من ‏10‏ إلى ‏15‏ ضعف الارتفاع فوق مستوى سطح البحر؛ وذلك بناءاً على كثافة صخورها‏,‏ وكثافة الوسط الغائرة فيه‏,‏ ومنسوب ارتفاعها‏,‏ وكلما برت عوامل التحات والتجوية والتعرية من قمم الجبال فإنها ترتفع إلى أعلى للمحافظة على ظاهرة الاتزان الأرضي‏,‏ وتظل عملية الارتفاع إلى أعلى مستمرة حتى تخرج جذور الجبل من نطاق الضعف الأرضي بالكامل‏,‏ وهنا يتوقف الجبل عن الارتفاع‏,‏ وتظل عمليات التجوية والتحات والتعرية مستمرة حتى تكشف تلك الجذور‏,‏ وبها من خيرات الله في الأرض ما لا يمكن أن يتكون إلا تحت مثل تلك الظروف العالية من الضغط والحرارة ، والتي لاتتوفر إلا في جذور الجبال‏ .‏

ثالثا‏ًً :‏ بدايات تكون تضاريس سطح الأرض :
تشير الدراسات الحديثة للأرض إلى أن هذا الكوكب بدأ على هيئة كومة من الرماد الذي ليس فيه شيء أثقل من السيليكون‏,‏ ثم رُجم بوابل من النيازك الحديدية التي تحركت إلى قلبه بحكم كثافتها العالية، فانصهرت وساعدت على صهر كومة الرماد تلك‏,‏ وعلى تمايزها إلى سبع أرضين ‏:‏ لب صلب داخلي اغلبه الحديد والنيكل‏,‏ يليه إلى الخارج لب سائل يغلب على تركيبه أيضاً الحديد والنيكل‏,‏ ثم أربعة أوشحة متمايزة تقل كثافتها، كما تتناقص نسبة الحديد فيها باستمرار من الداخل إلى الخارج‏,‏ ثم الغلاف الصخري للأرض‏ .
ومع تبرد قشرة الأرض وتيبسها‏,‏ ومع بدء الأنشطة البركانية العنيفة فيها تصاعدت الغازات والأبخرة التي كونت غلافيها الغازي والمائي‏,‏ كما تصاعدت الطفوح والحمم والفتات الصخرية البركانية التي جددت الغلاف الصخري للأرض ‏ـ مرحلة دحو الأرض‏ ـ‏ وبتكون الغلاف المائي للأرض أُحيط كوكبنا بمحيط غامر غطى سطحه بالكامل‏,‏ وتحت مياه هذا المحيط الغامر بدأت عمليات التصدع في تمزيق قاعه إلى عدد من الألواح التي بدأت في التحرك متباعدة عن بعضها البعض، أو متصادمة مع بعضها البعض، أو منزلقة عبر بعضها البعض في حركية ‏(‏ديناميكية‏)‏ ساعدها دوران الأرض حول محورها‏,‏ وتدفق الصهارة الصخرية والحمم البركانية عبر صدوع القاع‏ في هذا المحيط الغامر‏,‏ وتيارات الحمل في نطاق الضعف الأرضي من تحتها‏,‏ وبنمو تلك الجزر البركانية، والتحامها مع بعضها تكونت القارة الأم التي طفت بصخورها الخفيفة نسبياً فوق قاع المحيط الغامر المكون أساساً من الصخور البازلتية الأعلى كثافة‏ .
وبتكرر تصادم الألواح الصخرية المختلفة المكونة لقاع المحيط الغامر بكتلة القارة الأم، تكونت السلاسل الجبلية التي أُلصقت بحواف تلك القارة بالتدريج مضيفة إلى مساحتها مساحات جديدة باستمرار‏,‏ ومبطئة لحركتها التي بدأت سريعة وعنيفة بشكل ملحوظ ‏. وبارتفاع درجات الحرارة تحت أحزمة محددة من الكتلة القارية الأولى بفعل التحلل النووي للعناصر المشعة فيها‏,‏ وتكون ما يسمى بالنقاط الحارة‏,‏ وبدفع تيارات الحمل في نطاق الضعف الأرضي من تحتها تفتتت تلك القارة الأم إلى عدد من القارات‏,‏ وبدأت الحركات الداخلية للأرض في دفع تلك القارات للتباعد عن، أو للتقارب من بعضها البعض‏,‏ وكذلك في دفع الألواح الصخرية المكونة لقيعان المحيطات متباعدة عن بعضها البعض لتحقق ظاهرة توسع قيعان البحار والمحيطات‏,‏ وتجدد مادتها باستمرار‏,‏ وللتصادم مع مايقابلها من الألواح الصخرية المكونة لكتل القارات لتضيف إليها مزيداً من السلاسل الجبلية باستمرار‏,‏ ولا تتوقف هذه الحركات الأرضية العنيفة إلا باصطدام قارتين بعد تلاشي قاع المحيط الذي كان يفصل بينهما تحت إحدى القارتين‏,‏ وباصطدامهما تتكون أعلى السلاسل الجبلية كما حدث عند اصطدام الهند بالقارة الآسيوية‏ - الأوروبية‏ .
‏ وكما ينغلق محيط من المحيطات باصطدام قارتين كانتا مفصولتين عن بعضهما البعض بمياهه‏,‏ قد تنقسم قارة من القارات بواسطة تصدع في أحد أجزائها، يتحول إلى انهدام على هيئة واد خسيف، أو غور عميق من أغوار الأرض تنشط فيه عملية الهبوط إلى ما دون منسوب المياه في البحار والمحيطات المجاورة ، فتندفع مياهها إلى هذا الغور محولة إياه إلى بحر طولي شبيه بالبحر الأحمر‏,‏ تنشط فيه عملية اتساع القاع حتى تحوله إلى محيط ‏. وهذه الدورة من دورات الحركات الأرضية تسمى دورة المحيط والقارة، والتي قد يتحول بواسطتها المحيط إلى قارة ، أو يتلاشى بالكامل تحت إحدى القارات‏,‏ وقد تنقسم القارة‏ إلى قارتين بتكون بحر طولي فيها يظل يتسع حتى يصل إلى حجم المحيط‏ .

 رابعا‏ًً:‏ دورات تغير شكل الارض:
بهذا المفهوم لنشأة محيطات وقارات الأرض، والذي يعرف باسم مفهوم تحرك ألواح الغلاف الصخري للأرض، ثبت أن القارات تبدأ بسلاسل من الجبال‏‏ شديدة الوعورة‏,‏ قاسية التضاريس‏,‏ لاتصلح لزراعة‏‏ ولا لصناعة ولا لانتقال‏‏ ولا لعمران‏,‏ ثم يسخر الله ـ تعالى ـ عمليات التجويه المختلفة‏,‏ وعمليات الحت، والنقل، والتعرية، والترسيب بواسطة كلٍ من الرياح ، والمياه الجارية ، والمجالد، والجاذبية الأرضية في تفتيت وتعرية التضاريس من الأطواف‏,‏ والمنظومات والسلاسل، والأحزمة الجبلية، ومجموعاتها المعقدة‏,‏ وتحويلها إلى تلال متوسطة الارتفاع يتم بريها إلى سهول منبسطة مع الزمن‏,‏ كما يتم شقها بواسطة أودية عميقة تجري فيها الأنهار‏,‏ وتحمل رسوبياتها إلى السهول والمنخفضات، وفي النهاية إلى قيعان البحار والمحيطات، مكونة دالات عملاقة تتقدم على حساب البحار التي تصب فيها‏,‏ وهنا تنتهي دورة تعرية سطح الأرض وتبدأ دورة الصخور وغيرها من الدورات التي لعبت ـ ولاتزال تلعب ـ أدواراً هامة في تسوية سطح الأرض وتمهيدها‏,‏ وشق السبل فيها، وتكوين التربة اللازمة للزراعة وللإنبات‏,‏ وتركيز العديد من الثروات المعدنية‏,‏ وتزويد البحار والمحيطات بالاملاح اللازمة لحفظ مياهها من الفساد‏,‏ ولتوفير البيئات المتعددة لبلايين الكائنات الحية التي تحيا فيها‏,‏ والقادرة على ترسيب سُمك هائل من أملاح وصخور المتبخرات منها عند تبخرها أو تبخيرها‏,‏ وبصفة عامة تبدا دورات عديدة لجعل الأرض صالحة للعمران ‏.‏
وقد استمرت عمليات تشكيل سطح الأرض بواسطة العمليات الخارجية الأصل من التجوية والنقل والتآكل ‏ـ ‏التحات‏ ـ‏ والتي تجمع كلها تحت مسمى التعرية ـ أي تعرية الصخور ـ بنقل حطامها الناتج عن عمليات التجوية والتحات إلى مكان آخر لتبقى الصخور مكشوفة تعاني من تلك العمليات من جديد‏,‏ حتى تتحول المنطقة شديدة التضاريس إلى سهل تحاتي ‏.‏ ويكمل عمليات التعرية عمليات الترسب ، بمعنى توضع الفتات الصخري الناتج عن عمليات التعرية إما في مكان مؤقت، أو في مكان تستقر فيه لتكون مختلف أنواع الرسوبيات، ومن ثم الصخور الرسوبية،‏ وعملية الترسب هذه إما أن تتم بطريقة ميكانيكية، أو بطريقة كيميائية‏,‏ أو بتدخل الكائنات الحية بعد خلقها على سطح الأرض ‏.‏
كذلك فإن العمليات الداخلية مثل الهزات الأرضية‏,‏ والثورانات البركانية ، وغيرها من حركات الصهارات الصخرية‏,‏ والحركات البانية للجبال تلعب دوراً هاماً في إعداد سطح الأرض لدورة تضاريسية جديدة، تتعرض لعوامل التعرية المختلفة حتى يتم تمهيد سطح الأرض وبسطه‏,‏ وشق الفجاج والسبل فيه‏,‏ وتكون المجاري المائية والبحيرات الداخلية والأغوار والمنخفضات الأخرى فيه‏,‏ وتظل الأرض يتبادلها البناء والهدم‏‏ في دورات متتالية تسمى باسم (دورات شكل الأرض أو دورات التحات‏) .

خامسا‏ًً:‏ عودة الاتزان الارضي‏:‏
لما كانت ظاهرة الاتزان الأرضي تختل بفعل عوامل التعرية‏,‏ كما تختل بترسب كميات كبيرة من الفتات الصخري الناتج عنها فوق مناطق أخرى من سطح الأرض‏,‏ فإن قوى الجاذبية الأرضية تلعب دورها في إعادة التوازن من جديد‏,‏ فعندما تنخفض القشرة الأرضية عند تعرضها لأحمال زائدة، فإن ذلك ينتج عن تحرك وزن مكافئ من الصهارة الصخرية في نطاق الضعف الأرضي تحت نفس المنطقة إلى المناطق التي بريت صخورها، فتؤدي إلى رفعها‏,‏ وتسمى العملية الأولى بالتضاغط الأرضي‏,‏ والثانية بالارتداد التضاغطي‏,‏ وبذلك تستمر عمليات الاتزان الأرضي مواكبة لعمليات التعرية باستمرار طوال دورات البناء والتحات‏ .‏ وبذلك يُغطى الغلاف الصخري للأرض بغلالة مختلفة السُمك من التربة الصلصالية أو الغرينية أو الرملية أو غيرها من الرواسب الصخرية المفروطة ، مثل الرمال، والحصباء، والحصى‏ .‏
ويتباين سُمك التربة بتباين نوع الصخور‏,‏ وتضاريس الأرض‏,‏ والظروف المناخية السائدة فيها‏,‏ وعوامل التعرية المؤثرة عليها من رياح أو مياه جارية‏,‏ أو مجالد أو بحار ومحيطات، وتتوقف عمليات التعرية عندما يصل سطح الأرض إلى مستوى سطح البحر، والذي يعرف باسم مستوى القاعدة، وإذا تغير منسوب هذا المستوى إما بارتفاع اليابسة أو بانخفاض منسوب سطح البحر‏,‏ فإن عوامل التعرية تنشط من جديد حتى يصل مستوى سطح الأرض إلى مستوى القاعدة الجديد‏,‏ وعلى العكس من ذلك ، فإنه إذا ارتفع منسوب الماء في البحار والمحيطات دون اختلاف في منسوب الأرض‏,‏ توقفت عوامل التعرية عند خط القاعدة الجديد‏,‏ وقد تؤدي عمليات تسوية سطح الأرض إلى طغيان مياه البحار على أجزاء من اليابسة، كما تؤدي عمليات بناء سطح الأرض إلى انحساره عنها مما كان له أعظم الأثر في تهيئة الأرض لاستقبال الحياة‏ .‏

وظلت تضاريس الأرض تتعاورها عمليات البناء والهدم منذ اللحظة الأولى لنشأتها إلى يومنا الراهن‏,‏ وإلى أن يرث الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ الأرض ومن عليها‏,‏ بمعنى تكون الجزر البركانية في أواسط المحيطات ونموها إلى قارات صغيرة أو شبه القارات‏,‏ ثم اصطدامها والتحامها مع بعضها البعض على هيئة قارة أو عدد من القارات، يبدأ كلٌ منها بالنمو، بإضافة سلاسل جبلية إلى حوافها حتى تصل إلى أقصى حجم لها‏,‏ ثم تتقارب تلك القارات من بعضها البعض حتى تلتحم في النهاية لتكون قارة واحدة‏,‏ ثم تعاود هذه القارة التفتت إلى عدد من القارات التي تبدأ في التباعد عن بعضها البعض، تاركة بينها محيطات جديدة‏,‏ ثم تبدأ قيعان المحيطات الجديدة في التصدع وممارسة عملية اتساع وتجديد في الصخور المكونة لها‏,‏ فتصطدم قيعان المحيطات بالقارات المقابلة مكونة عدداً من السلاسل الجبلية التي تضاف إلى حواف القارات، فتنمو وتندفع بالتدريج مع هذا النمو إلى قلب القارة، حيث تكون عوامل التعرية قد برتها وحولتها إلى ما يسمى بالدروع القديمة‏ ـ‏ الرواسخ‏ ـ‏ وتكون سلاسل جبلية جديدة قد تكونت عند حافة القارة‏,‏ وهكذا تتحول المحيطات إلى قارات‏,‏ وتتفتت القارات لتفصلها بحار طولية تتسع بالتدريج لتتحول إلى محيطات جديدة في دورة القارة ‏-‏ المحيط‏,‏ والتي تؤكد لنا أن أرضنا التي بدأت بمحيط غامر تحولت إلى قارة جبلية شديدة التلاحم والوعورة‏,‏ ثم تعرضت عبر ملايين السنين لعوامل الهدم الخارجية من رياح، ومياه جارية، ومجالد ، وعمليات المد والجزر، وأعمال الكائنات الحية‏ (‏منذ خلقها‏)‏ التي سوت تلك التضاريس، وشقت فيها السبل والمجاري المائية والسهول والوديان ، وكونت التربة التي تنتشر على هيئة غطاء رقيق للصخور، وفي السهول والمنخفضات، وفي قيعان البحار والمحيطات ‏. ‏
ويظل هذا الصراع بين عوامل الهدم الخارجية لتضاريس الأرض حتى تصل بها إلى منسوب سطح البحر، أو إلى مستوى قريب من ذلك حين يتوقف الصراع‏,‏ أو تتدخل عوامل البناء الداخلية، فتعيد رفع تضاريس الأرض فيبدأ الصراع من جديد‏ .‏ وفي دورات تكون القارات وتبادلها مع المحيطات‏,‏ ودورات البناء والهدم على سطح القارات ، تتكون السهول الخصبة‏,‏ والتربة الغنية‏,‏ والصخور الرسوبية المختلفة التي تحوي في أحشائها الكثير من الخيرات الأرضية، مثل النفط‏,‏ والغاز الطبيعي‏,‏ والفحم‏,‏ والمياه تحت السطحية‏,‏ وركازات العديد من المعادن الاقتصادية التي يمكن أن تتكون أثناء عمليات الترسب أو بواسطتها‏ ,‏ ولولا ذلك كله ما أنبتت الأرض، ولا كانت صالحة للعمران‏ . ومعدلات تجمع الرسوبيات تتباين تبايناً شديداًً بتباين نوع الراسب المتكون‏,‏ والعوامل المساعدة على ترسبه‏,‏ وقد وجد أن ذلك يتراوح بين المائة والمائتي سنة لتجمع السنتيمتر الواحد من سُمك الطبقات المترسبة‏,‏ بينما تتراوح معدلات التعرية بين ثلاث سنوات وثلاثمائة سنة لإزالة سنتيمتر واحد من كتلة الصخور‏,‏ وهذا يعني أن عمليات تسوية سطح الأرض حتى أصبح صالحاً للعمران قد استهلكت من الطاقة والوقت ما لا تستطيع البشرية مجتمعة عبر عصور وجودها على سطح هذا الكوكب‏,‏ وبكل ما جمعت من ثروات أن تقوم بالوفاء بتكلفته‏,‏
ومن هنا يمنُّ علينا ربنا‏ ـ ‏تبارك وتعالى‏ ـ بقوله‏ ـ‏ عز من قائل‏ ـ‏ :" وَالأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ المَاهِدُونَ ‏"(‏الذاريات‏:48) .
وهذه الحقائق لم تصل إلى علم الانسان إلا في القرنين الأخيرين‏,‏ وفي العقود المتأخرة منهما‏,‏ ولم تتبلور أمام أنظار العلماء إلا منذ عقود قليلة‏,‏ وورودها في كتاب الله الذي أنزل من قبل ألف وأربعمائة من السنين هو شهادة حق على أن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق‏,‏ وأن النبي الخاتم الذي تلقاه كان موصولاً بالوحي، ومعلَّماً من قبل خالق السماوات والأرض‏ .
‏ فصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه، ومن تبع هداه، ودعا بدعوته إلى يوم الدين . والحمد لله رب العالمين‏ .