" وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ " (المؤمنون:18).


هذه الآية الكريمة جاءت في نهاية السدس الأول من سورة ‏(‏المؤمنون‏),‏ وهي سورة مكية‏,‏ وآياتها مائة وثماني عشرة آية‏,‏ ويدور محورها الرئيسي حول قضية الإيمان‏,‏ وصفات المؤمنين‏,‏ ودلالات ومؤشرات ذلك‏,‏ ومقارنته بأضداده من الكفر بالله أو الشرك به‏ .‏ وقد استهلت السورة الكريمة بإثبات الفلاح للمؤمنين‏,‏ واستعراض جانب من صفاتهم‏,‏ وإثبات ميراث جنات الفردوس لهم خالدين فيها أبدا‏ًً,‏ وتابعت بالإشارة إلى عدد من آيات الله في الأنفس والآفاق‏,‏ تشهد له ـ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ بكمال الألوهية‏,‏ والربوبية‏,‏ والوحدانية‏,‏ وبطلاقة القدرة المبدعة في الخلق مما يثبت له‏ ـ سبحانه‏ ـ‏ القدرة على الإفناء والبعث‏,‏ وقد كانا دوماً من حجج الكافرين والمتشككين والمعاندين ‏.‏
واستمرت سورة‏ (‏المؤمنون‏)‏ بعد ذلك في تأكيد حقيقة الإيمان كما دعا إليها رسل الله أجمعين ، ومنهم الصفوة من لدن سيدنا نوح‏ ـ عليه السلام‏ ـ‏ إلى خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد بن عبد الله‏ ـ‏ صلى الله وسلم عليه وعليهم أجمعين ـ وعرضت السورة لشيء من قصص هؤلاء الأنبياء والمرسلين ـ صلوات الله وسلامه عليهم أجمعون‏ ـ الذين حملوا لأممهم الأمر الإلهي بالإيمان بالله ـ تعالى‏ ـ‏ رباً‏,‏ وتوحيده‏,‏ وتنزيهه عن كل ما لا يليق بجلاله‏,‏ والخضوع له بالطاعة والعبادة، والحرص على المطعم الحلال الطيب‏,‏ والعمل الصالح المفيد‏,‏ وتأكيد وحدة الإنسانية‏,‏ ووحدة الدين‏,‏ هذه الإنسانية التي خالقها واحد‏,‏ وأصلها واحد‏,‏ ودينها واحد‏,‏ وإلى هذا الخالق العظيم الذي له ملك السماوات والأرض ومن فيهن، يرجع الجميع ويعودون ليحاسبوا على أعمالهم في حياتهم الدنيا بالإحسان إحسانا‏ًً,‏ وبالإساءة عقاباً أو غفراناً حسب مشيئة رب العالمين وأمره ‏.‏

وتابعت السورة الكريمة باستعراض عدد من شبهات المكذبين لدين الله الحق‏,‏ الضالين عن هدايته‏,‏ المحاربين لرسله وأنبيائه وأوليائه إلى الحد الذي يدفع الرسل والأنبياء‏‏ والأولياء إلى الاستنصار بربهم، فيُهلك الله المكذبين ‏(‏ أمثال الصهاينة المجرمين الذين يعيثون اليوم فساداً في أرض فلسطين‏,‏ بدعم من الإدارة الأمريكية الفاجرة الكافرة‏,‏ وصمت من بقية المشركين والكافرين والمتخاذلين‏) ,‏ ومن سنن الله التي لا تتوقف‏ ولا تتخلف أن يهلك المكذبين الكافرين الفجرة‏,‏ وأن ينجِّي عباده المؤمنين‏,‏ كما سيحدث إن شاء الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ على أرض فلسطين‏,‏ وفي كل أرض محاصرة‏ ,‏ وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ‏.‏
وتمضي السورة في استعراض اختلاف الناس بعد الرسل‏,‏ مؤكدة مرة أخرى وحدة الرسالة السماوية‏,‏ ووحدة الجنس البشري‏ ,‏ وإن افترقوا إلى مؤمن وكافر ‏.‏
وتكرر ذكر شيء من صفات كلٍ من هاتين المجموعتين من البشر‏ ,‏ وتشير إلى مصير كل منهم في الآخرة ‏,‏ وتؤكد أن المدد لنفر من الكافرين والمشركين في هذه الحياة الدنيا هو من قبيل استدراجهم‏,‏ وليس دليل خير فيهم ‏,‏ فالمدد بالمال والبنين ‏,‏ والعلو الكاذب في الأرض‏ ـ‏ كما هو الحال مع كلٍ من الأمريكيين والصهاينة الغاصبين ـ لا يمكن أن يكون الا غضباً من الله ـ تعالى ـ عليهم من قبيل استدراجهم حتى إذا أخذهم لم يفلتهم ـ إن شاء الله تعالى‏ .‏
وتستنكر سورة‏ (‏المؤمنون‏)‏ المواقف المعادية من المشركين لرسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ في القديم، كما تستنكره في الحديث دون أدنى مبرر واحد‏,‏ وتشير إلى تعلل المشركين والكافرين بتشككهم في إمكانية البعث بعد الموت لجهلهم بطلاقة القدرة الإلهية‏,‏ وقياسهم على الله‏ ‏ ـ‏ ظلماً ـ بمعايير الناس ‏.‏
وتسأل سورة ‏(‏المؤمنون‏)‏ الناس عدداً من الأسئلة المنطقية حتى يجيبوا بفطرتهم‏,‏ وينطقوا    ما يؤكد تفرد الله‏ ـ تعالى ـ بالألوهية‏,‏ والربوبية والوحدانية‏,‏ وأنه ـ تعالى ـ قيُّوم السماوات والأرض ومن فيهن‏,‏ المنزه عن الشريك والصاحبة والولد، وأنه ـ‏ تعالى ـ بيده ملكوت كل شيء‏,‏ وهو الذي يجير ولايجار عليه ‏.‏
ويأمر الله ـ تعالى‏ ـ رسوله الكريم في هذه السورة المباركة‏ ـ‏ والأمر بالتالي لكل المسلمين ـ‏ أن يدفع بالتي هي أحسن‏,‏ وأن يستعيذ بالله من همزات الشياطين ‏.‏
وتختتم السورة بمشهد من مشاهد الآخرة، يهان فيه كل كافر ومشرك‏,‏ ويؤاخذ على مواقفه الخاطئة في الدنيا‏,‏ وتنتهي بإقرار التوحيد الخالص لله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ وبالتوجيه بضرورة طلب الرحمة والمغفرة منه؛ لأنه ـ‏ تعالى‏ ـ هو أرحم الراحمين‏ .‏
والإشارات الكونية التي استشهدت بها سورة ‏(‏المؤمنون‏)‏ على ما ورد فيها من إشارات عديدة منها ما يلي‏ :‏
‏(1)‏ خلق السماوات والأرض بالحق ‏.‏ ‏
(2)‏ اختلاف الليل والنهار‏.‏
‏(3)‏ إنزال الماء من السماء بقدر وإسكانه في الأرض ‏.
‏ ‏(4)‏ خلق الحياة بمختلف صورها‏ .‏
(5)‏ خلق الإنسان بمراحله المختلفة‏ ـ‏ الجنينية وما بعد الجنين ـ‏ حتى يكتمل خلقه‏,‏ ويتم ميلاده‏,‏ ويستمر في مراحل نموه حتى وفاته‏,‏ ثم بعثه وحسابه‏,‏ وخلوده في حياة أبدية مقبلة إما في الجنة أبداً أو في النار أبدا‏ًً .‏
‏(6)‏ خلق السمع والبصر والأفئدة للإنسان‏,‏ وبث جنسه في مختلف بقاع الأرض‏ .‏
‏(7)‏ تبادل الموت والحياة‏
.‏

أقوال المفسرين :
دورة الماء حول الارض في تفسير قوله‏ ـ تعالى‏ ـ :
" وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ " ‏   (‏المؤمنون‏:18) .‏
ذكر ابن كثير ـ‏ يرحمه الله‏ ـ‏ ما نصه ‏:‏ يذكر الله ـ تعالى ـ نعمه على عبيده التي لا تعد ولا تحصى في إنزاله القطر من السماء بقدر ‏ـ‏ أي بحسب الحاجة ـ‏ لا كثيراً فيفسد الأرض والعمران‏,‏ ولا قليلاً فلا يكفي الزرع والثمار‏,‏ بل بقدر الحاجة إليه من السقي والشرب والانتفاع به‏ .‏ فسبحان اللطيف الخبير الغفور‏,‏ وقوله‏:
"‏ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ " أي جعلنا الماء إذا نزل من السحاب يخلد في الأرض‏,‏ وجعلنا في الأرض قابلية إليه‏,‏ تشربه‏,‏ ويتغذى به ما فيها من الحب والنوى‏ . وقوله‏: "‏ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ ‏"‏ أي‏:‏ لو شئنا ألا تمطر لفعلنا‏,‏ ولو شئنا أذى لصرفناه عنكم إلى السباخ والبراري والقفار لفعلنا‏,‏ ولو شئنا لجعلناه أجاجاً لا ينتفع به لشرب ولا لسقيا لفعلنا‏,‏ ولو شئنا لجعلناه إذا نزل فيها يغور إلى مدى لا تصلون إليه ولا تنتفعون به لفعلنا‏,‏ ولكن بلطفه ورحمته ينزل عليكم المطر من السحاب عذباً فراتاً زلالا‏ًً,‏ فيسكنه في الأرض‏,‏ ويسلكه ينابيع في الأرض‏,‏ فيفتح العيون والأنهار‏,‏ ويسقي به الزروع والثمار‏,‏ تشربون منه ودوابكم وأنعامكم‏,‏ وتغتسلون منه‏,‏ وتتطهرون به وتتنظفون‏,‏ فله الحمد والمنة‏ .‏ (انتهى قول المفسر)

وجاء في باقي التفاسير كلام مشابه تماماً لما ذكره ابن كثير‏,‏ فيما عدا المنتخب في تفسير القرآن الكريم ـ جزى الله كاتبيه خيرا‏ًً ـ‏ والذي أشار في هامشه إلى شيء من ارتباط هذه الآية الكريمة بدورة الماء حول الأرض وأضاف‏ :‏ وتشير هذه الآية إلى الحكمة العالية في توزيع الماء بقدر أي‏:‏ بتقدير لائق حكيم‏,‏ لاستجلاب المنافع ودفع المضار‏..‏ ثم معنى آخر للآية الكريمة يفيد أن مشيئة الخالق ـ جل وعلا ـ اقتضت أن تسكن في الأرض كمية معلومة من المياه في محيطاتها وبحارها تكفي لحدوث التوازن الحراري المناسب في هذا الكوكب‏,‏ وعدم وجود فروق عظيمة بين درجات حرارة الصيف والشتاء لا تلائم الحياة‏,‏ كما في بعض الكواكب والتوابع كالقمر‏...‏ كما أن مياه الأرض أنزلت بقدر معلوم‏,‏ لا يزيد فيغطي كل سطحها‏,‏ ولا يقل فيقصر دون ري الجزء البري منها‏ . (انتهى قول المفسر)
وفي الحقيقة أن هذا السبق القرآني بالإشارة إلى أن أصل الماء الذي يمكن أن يستفيد به الإنسان من تحت سطح الأرض هو ماء المطر، يعتبر جانباً من جوانب الإعجاز العلمي في كتاب الله؛‏ لأن السائد عن ذلك الماء تحت السطحي في كل الحضارات السابقة على البعثة المحمدية ـ على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم ـ‏ من مثل الحضارة اليونانية القديمة أنه مندفع إلى داخل القارات من ماء البحار والمحيطات عبر هوة سحيقة تخيلوها وأسموها تاتار‏
(Tatare) .أما أرسطو فقد افترض أن بخار ماء التربة يتكاثف في التجاويف، وقد استمرت هذه الافتراضات الخاصة سائدة حتى النصف الأخير من القرن التاسع عشر الميلادي ‏(1877‏ م‏),‏ ولم تتبلور العلاقة بين ماء المطر والماء تحت سطح الأرض إلا أخيراً جداً مع بدايات القرن العشرين‏,‏ وإن كان برنارد باليسي‏ (Bernard (Palissy‏ ، قد أشار إلى شيء من ذلك في أواخر القرن السادس عشر الميلادي ‏(1580‏ م‏)‏ ، وكذلك ديكارت في منتصف القرن الثامن عشر الميلادي ‏.


دلالة الآية الكريمة في ضوء المعارف العلمية المكتسبة :
الماء سائل شفاف‏,‏ وهو في نقائه لا لون له ولا طعم ولا رائحة‏,‏ ويتركب جزيء الماء من ذرتين من الهيدروجين وذرة من الأكسجين‏,‏ وترتبط هذه الذرات الثلاث مع بعضها البعض برابطتين تساهميتين تشكلان زاوية مقدارها ‏105‏ درجات‏,‏ مماجعل لجزيء الماء قطبين كهربيين، يحمل احدهما شحنة موجبة، والآخر شحنة سالبة ‏.‏
والماء من أهم ضرورات الحياة‏,‏ فبدونه لا تقوم‏,‏ ولذلك كان خلق الحياة الباكرة في الماء‏,‏ وظلت الحياة في الماء منذ ‏3,8‏ بليون سنة مضت وإلى يومنا الراهن‏,‏ وحتى يرث الله الأرض ومن عليها‏,‏ بينما لا يتعدى عمر الحياة الأرضية على اليابسة أربعمائة مليون سنة‏ .‏ وأجساد الكائنات الحية كلها يغلب على تركيبها الماء الذي تتراوح نسبته في جسم الإنسان بين ‏93%‏ بالنسبة للجنين في أشهره الأولى ‏(‏الثلاثة إلى الأربعة أشهر الأولى من حياة الجنين‏)‏ إلى ‏71%‏ في الإنسان البالغ‏,‏ هذا بالإضافة إلى أن جميع الأنشطة الحياتية ، مثل عمليات تصنيع الغذاء‏,‏ وهضمه‏,‏ وتمثيله‏,‏ وإخراجه‏,‏ وعمليات الأكسدة والاختزال‏,‏ والانقسام‏,‏ والنمو‏,‏ والتكاثر‏,‏ وغيرها لا يمكن لها أن تتم في غيبة الماء‏,‏ فالنبات على سبيل المثال يأخذ غذاءه من التربة عن طريق العناصر والمركبات الذائبة في ماء التربة ، والذي يمتصه ومحاليله بواسطة الشعيرات الجذرية‏,‏ وترتفع هذه العصارة الغذائية في الأوعية الخشبية للنبات بالقدرة التي أعطاها الله ـ تعالى ـ للماء على الارتفاع بالخاصية الشعرية‏,‏ وقدرته على خاصية التوتر السطحي‏,‏ كذلك فان عمليات التمثيل الضوئي لا يمكن أن تتم في غيبة الماء‏,‏ وبعد الاستفادة بالقدر الكافي من الماء في بناء خلاياه وأزهاره وثماره يطلق النبات الماء الزائد عن حاجته إلى الجو بعمليات عديدة منها النتح والتبخر ‏.‏
وبالمثل، فإن كلاً من الإنسان والحيوان يأخذ القدر اللازم له من الماء عن طريق الطعام والشراب‏,‏ ويفقد الزائد منه عن حاجته بواسطة العديد من العمليات ، مثل التنفس‏,‏ والعرق‏,‏ والدموع‏,‏ والاخراج‏,‏ وغيرها من الافرازات الجسدية‏ .‏

من الصفات الطبيعية المميزة للماء :
من الصفات الطبيعية التي خص الله‏ ـ تعالى ـ‏ بها الماء، والتي جعل لها أهمية قصوى للحياة مايلي‏ :‏
‏(1)البناء الجزيئي ذو القطبية المزدوجة‏:‏ يتكون جزيء الماء من ذرتي هيدروجين تحملان شحنة كهربية موجبة، وترتبطان بذرة أكسجين تحمل شحنة كهربية سالبة بواسطة رابطتين تساهميتين تشكلان زاوية مقدارها‏105‏ درجات، وهذا البناء الجزيئي المميز جعل للماء من الصفات الطبيعية والكيميائية ما يميزه عن غيره من السوائل والمركبات الهيدروجينية‏ .‏
‏(2)‏ درجتا التجمد والغليان‏:‏ يتجمد الماء عند درجة‏4‏ مئوية‏,‏ ويغلي عند درجة مائة مئوية‏,‏ ولهاتين الخاصيتين أهمية قصوى لاستمرارية الحياة، إذ يبقى الماء سائلاً في درجات حرارة أجساد كل الكائنات الحية، لتساعد على إتمام جميع الأنشطة الحيوية ـ ومنها التغذية‏,‏ وتمثيل الغذاء ونقله إلى الخلايا والأنسجة المختلفة ـ وإتمام عملية الأكسدة والاختزال، وإخراج الفضلات والنمو والتكاثر وغيرها ‏.‏
‏(3)‏ الحرارة النوعية‏:‏ ويقصد بها كمية الحرارة اللازمة لرفع درجة حرارة جرام واحد من الماء عند درجة‏4‏ مئوية بمقدار درجة مئوية واحدة‏،‏ وهي حرارة نوعية مرتفعة، مما يمكن جسم الإنسان وأجساد غيره من الكائنات الحية من مقاومة التغيرات الجوية المختلفة بدرجة كبيرة‏ .‏
‏(4)‏ الحرارة الكامنة‏:‏ والحرارة الكامنة لتبخر الماء هي الحرارة اللازمة لتبخير جرام واحد من الماء دون أن تتغير درجة حرارته‏,‏ وتبلغ‏540‏ سعراً حراريا‏ًً,‏ وكذلك فإن الحرارة الكامنة لانصهار الماء المتجمد‏ ـ‏ الجليد‏ ـ‏ أي‏:‏ كمية الحرارة اللازمة لصهر جرام واحد منه دون أن تتغير درجة حرارته تبلغ ‏80‏ سعراً حراريا‏ًً .‏
وارتفاع قيم الحرارة الكامنة للماء يكسبه مقاومة كبيرة في التحول من الحالة الصلبة إلى السائلة إلى الغازية‏,‏ وهذه الخاصية تجعل من الماء واحداً من أفضل السوائل المستخدمة في إطفاء الحرائق، إذ يستهلك كمية كبيرة من الحرارة‏‏ من الوسط الذي يحترق قبل أن ترتفع درجة حرارته‏,‏ مما يعين على خفض درجة الحرارة، وإلى إطفاء الحرائق‏ .‏
‏(5)‏ اللزوجة والتوتر السطحي ‏:‏ وتعرف لزوجة السائل بمقاومته للحركة‏,‏ أما التوتر السطحي فهو خاصية من خصائص السوائل الساكنة‏,‏ وفيه يكون السطح الحر للسائل مشدوداً ليأخذ أقل مساحة ممكنة‏,‏ ويتميز الماء بلزوجة عالية نسبياً بسبب انجذاب جزيئاته إلى بعض بفعل الرابطة الهيدروجينية، وتزيد هذه اللزوجة بانخفاض درجة حرارة الماء لزيادة قرب جزيئات الماء من بعضها البعض حتى درجة ‏4‏ مئوية حين تبدأ في التباعد‏,‏ وتتسبب الرابطة الهيدروجينية في زيادة التوتر السطحي للماء مقارنة بالسوائل الشبيهة‏ .‏
وهاتان الخاصيتان تساعدان على مزيد من التماسك بين مواد الخلية الحية‏,‏ وعلى إكساب الخلايا شكلها الخاص، وتساعدان على امتصاص العصارة الغذائية بواسطة الشعيرات الجذرية، وعلى رفعها مقاومة الجاذبية الأرضية إلى الفروع والأوراق وحتى القمم النامية في أعلى النبات بارتفاع يفوق الارتفاع الذي يحدثه الضغط الجوي‏ ـ حوالي عشرة أمتار ـ‏ ويعين على ذلك فقدان الماء من الأوراق بواسطة عمليات النتح والتبخر، حيث يصل الضغط المائي أضعاف الضغط الجوي ـ وان كان ذلك يختلف حسب نوع النبات وظروفه البيئية ـ وذلك لكي يستمر ارتفاع العصارة الغذائية من الشعيرات الجذرية عبر السيقان والفروع إلى الأوراق والزهور والثمار ‏.‏
وتساعد لزوجة الماء وتوتره السطحي أيضاً على إبطاء عملية فقدان الماء من الأوراق عبر ثغورها‏,‏ ومن أجساد الإنسان والحيوان عبر مسام الجلد‏,‏ وإذا خرج الماء الزائد يبقى على سطح كلٍ من الأوراق والجلد برهة، حيث يتبخر فيبردهما ويكسبهما شيئاً من الرطوبة في الجو الحار‏ .‏
وتساعد خاصيتا اللزوجة والتوتر السطحي المرتفعتان نسبياً في الماء في حماية السفن والبواخر المحمَّلة بالأحمال الثقيلة من الغوص في الأعماق، وذلك بدفعها إلى أعلى وزيادة قدرتها على الطفو.
‏(6)‏ قلة كثافة الماء عند تجمده ‏:‏ من الثابت علمياً أن قوة الرابطة الهيدروجينية تتلاشى بين جزيئات الماء بارتفاع درجة حرارته ، مما يجعل جزيئات الماء منفردة في حالة التبخر‏,‏ ومزدوجة أو ثلاثية في حالة السيولة حسب درجة الحرارة‏,‏ وفي حالة رباعية في حالة الجليد الرخو‏ (Snow) ، وفي حالة ثمانية في حالة الجليد الصلب‏(Ice) ، وفي الحالة الأخيرة يزداد الحيز المكاني الذي تشغله ثماني جزيئات، مما يقلل من كثافة الجليد، وهي خاصية ينفرد بها الماء؛ لأنها لازمة لحياة الكائنات الحية في المناطق المتجمدة‏ .‏

من الصفات الكيميائية المميزة للماء :
نظراً لتركيبه الجزيئي الفريد فإن الماء يتميز بعدد من الصفات الكيميائية الفريدة‏,‏ ومن الصفات الكيميائية المميزة التي خص الله ـ تعالى ـ بها الماء ما يلي‏:‏
‏(1)‏ مقاومة جزيء الماء للتحلل إلى ذراته‏ :‏ فنظراً للرابطة الهيدروجينية القوية لجزيء الماء‏,‏ ولوجود الذرات في داخل الجزيء بشكل مائل، فإن هذا الجزيء يصعب تحلله إلى ذراته إلا بنسب ضئيلة ‏(11%)‏، وفي درجات حرارة مرتفعة ‏(2700‏ درجة مئوية‏),‏ وهذه الخاصية تعين المحاليل الحيوية المختلفة على البقاء في أجساد الكائنات الحية ‏.‏
‏(2)‏ قدرة الماء الفائقة على إذابة العديد من المواد الصلبة والسائلة والغازية ‏:‏ إن البناء الجزيئي للماء بميل ذراته‏,‏ وثنائية قطبيته‏,‏ وروابطه الهيدروجينية ، جعلت من الماء أعظم مذيب يعرفه الإنسان، خاصة بالنسبة للمواد المؤينة ، مثل الأملاح، والقواعد، والأحماض ، ولذلك أطلق عليه اسم المذيب العالمي‏ .‏
ويذيب الماء ثاني أكسيد الكربون مكوناً حمض الكربون، بينما يذوب الأكسجين في الماء متخللاً جزيئاته‏,‏ وفي الحالة الأولى تسهل عملية نقل ثاني أكسيد الكربون للاستفادة به في عملية التمثيل الضوئي التي تقوم حياة النباتات عليها‏,‏ كما تسهل عملية التخلص منه في كلٍ من الإنسان والحيوان والنبات‏,‏ وفي الحالة الثانية يعتبر ذوبان الأكسجين في الماء من ضرورات الحياة للاستفادة به في عمليات التنفس بالنسبة للكائنات التي تعيش في الماء ‏.‏

‏(3)‏ قدرة الماء على الأكسدة والاختزال ‏:‏ يدخل الماء في العديد من عمليات الأكسدة والاختزال‏,‏ وفي الأولى تفقد العناصر إليكتروناً أو أكثر‏,‏ بينما تكسب ذلك في الثانية‏,‏ وهي عمليات أساسية في تفتيت الصخور‏,‏ وتكوين التربة، وتركيز الخامات‏,‏ وإعداد الغذاء لكلٍ من النبات والحيوان والإنسان‏,‏ وفي أكسدة الدم واختزاله‏,‏ والدم يتكون أساساً من الماء‏ .‏
‏(4)‏ قدرة الماء الفائقة على التفاعل مع المركبات‏ :‏ يتحد الماء مع أكاسيد الفلزات مكوناً إيدروكسيداتها ، ومطلِقاً الحرارة‏,‏ ومع أكاسيد اللافلزات مكوناً أحماضا‏ًً,‏ وهي عمليات مهمة في تفتيت صخور الأرض‏,‏ وتكوين التربة‏,‏ وتكوين العديد من الثروات الأرضية وتركيزها‏ .‏
‏(5)‏ قدرة الماء المحدودة على التأين ‏:‏ يتأين الماء بصعوبة إلى أيون الهيدروكسيل السالب‏,‏ وأيون الهيدروجين الموجب‏,‏ ويساعد هذا التأين على إتمام العديد من العمليات الكيمائية اللازمة لاستمرارية الحياة‏ .‏
‏(6)‏ قدرة الماء على تصديع التربة وشقها‏ :‏ تتكون التربة أساساً من المعادن الصلصالية‏,‏ وهذه تتكون من صفائح رقيقة جداً، أعطاها الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ القدرة على التشبع بالماء‏ ت‏ التميؤ‏ ـ‏ فتتمدد إلى عشرات مرات أطوالها‏,‏ ويؤدي ذلك إلى تباعد أسطحها عن بعضها البعض‏,‏ فتهتز وتربو إلى أعلى‏,‏ وترق رقة شديدة حتى تنشق لتفسح طريقاً سهلاً للسويقة الطرية المنبثقة من داخل البذرة النابتة‏,‏ ولولا هذه الخاصية ما أنبتت الأرض‏,‏ ولا كانت صالحة للعمران . وتتمدد صفائح الصلصال بالتميؤ لحملها شحنات كهربية سالبة على أسطحها‏ تمكنها من الاتحاد مع الشحنات الموجبة على جزيء الماء مما يؤدي إلى جذب تلك الصفائح متباعدة عن بعضها البعض‏،‏ والعكس من ذلك يحدث عند الجفاف، حيث تتلاشى الروابط الكهربية بين شحنات صفائح الصلصال وشحنات جزيء الماء عند جفافه فتتشقق الأرض لشقوق سداسية أو قريبة من السداسية، مما يعين على شيء من تهوية التربة



توزيع الماء الأرضي :
يعتبر كوكب الأرض أغنى كواكب المجموعة الشمسية بالماء، ولذا يسميه علماء الأرض باسم الكوكب المائي أو الكوكب الأزرق‏,‏ وتقدر كمية الماء الأرضي بحوالي‏1337‏ مليون كيلو متر مكعب‏,‏ ويوجد في الحالات السائلة والغازية والصلبة موزعاً في البحار والمحيطات‏,‏ والبحيرات والأنهار والجداول‏,‏ وغيرها من المجاري المائية‏,‏ كما يوجد على هيئة جليد فوق القطبين وعلى قمم الجبال‏,‏ وعلى هيئة مخزون مائي تحت سطح الأرض‏,‏ كما يوجد على هيئة قدر من الرطوبة في كلٍ من التربة والغلاف الغازي للأرض‏, ‏ويغطي الماء السائل أكثر قليلاً من‏71%‏ من مساحة الأرض‏,‏ بينما يغطي الجليد نحو‏9%‏ من مساحتها، ويتعذر في الطبيعة وجود ماء نقي تماما‏ًً,‏ غير أن ماء الأمطار والثلوج المتساقطة تعد من أنقى حالات الماء الطبيعي‏,‏ ولكنه ما إن يصل إلى سطح الأرض حتى يبدأ في إذابة جزء من أملاح صخورها، ويتوزع الماء الأرضي على النحو التالي ‏:‏
دورة الماء حول الأرض :
ثبت أخيراً أن كل الماء الموجود على سطح الأرض قد اندفع إلى سطحها أصلاً من داخل الأرض عبر ثورات البراكين‏,‏ وقد سبق القرآن الكريم بثلاثة عشر قرناً على الأقل بالإشارة إلى تلك الحقيقة التي يصفها الحق ـ تبارك وتعالى‏ ـ في محكم كتابه بقوله‏ ـ‏ عز من قائل‏ ـ :‏ " وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا . أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا "‏ (‏النازعات‏:30‏ ـ‏31)‏ .وعندما بدأ هذا البخار في التصاعد من فوهات البراكين إلى الغلاف الغازي للأرض وجد أن الله‏ ـ تعالى ـ قد هيأ له سطحاً بارداً يتكثف عليه في الأجزاء العليا من نطاق التغيرات الجوية ـ‏ نطاق الرجع ـ ‏والذي يتميز بتبرده مع الارتفاع حتى تصل درجة حرارته إلى ستين درجة مئوية تحت الصفر فوق خط الاستواء‏,‏ وذلك اساساً نتيجة للبعد عن سطح الأرض الذي يمتص حرارة الشمس ويعيد إشعاعها إلى غلافها الغازي ‏.‏ وعند انخفاض درجة حرارة الهواء المحمَّل ببخار الماء مع الارتفاع فوق مستوى سطح البحر، فإن رطوبته النسبية ترتفع نظراً لانخفاض كثافته، وبالتالي انخفاض ضغطه‏,‏ وعندما تبلغ رطوبته النسبية‏100%‏، فإن ضغطه يساوي ضغط بخار الماء‏,‏ وتسمى درجة الحرارة تلك باسم نقطة الندى ‏(Dew Point)‏ أو درجة حرارة التشبع ببخار الماء‏ .‏
وانخفاض درجة حرارة الهواء المشبع ببخار الماء بارتفاعه في نطاق التغيرات الجوية إلى ما دون نقطة الندى، يؤدي مباشرة إلى تكثف قطرات الماء منه وانفصالها عنه، فتتكون السحب، وهي مجموعة من قطيرات الماء المتناهية الضآلة في الحجم (‏نحو عشرة ميكرون في القطر‏),‏ وتبدأ في التكون ابتداءاً  من‏2‏ كيلو متر فوق مستوى سطح البحر إلى نحو‏8‏ كيلو مترات فوق مستوى سطح البحر أو أكثر من ذلك ‏.‏

والهواء المحمَّل ببخار الماء يتبرد بارتفاعه إلى المستويات العليا من نطاق التغيرات الجوية‏ (7‏ إلى‏16‏ كيلو مترا فوق مستوى سطح البحر‏)‏ ، أو باصطدامه بقمم الجبال الشاهقة‏,‏ أو بالتقائه مع موجة هوائية باردة ‏.‏

والهواء الجاف يتبرد بمعدل عشر درجات مئوية لكل كيلو متر ارتفاعاً فوق مستوى سطح البحر‏,‏ ويتناقص هذا المعدل إلى ست درجات مئوية مع كل كيلو متر ارتفاع في حالة الهواء الرطب‏؛‏ نظراً لتأثير الحرارة الكافية على تبخر جزء من الماء المحمول مع الهواء الرطب، هذا بالإضافة إلى أن ارتفاع الهواء إلى اعلى يؤدي إلى تمدده لوجوده تحت ضغط منخفض‏,‏ ويؤدي هذا التمدد إلى مزيد من الانخفاض في درجة الحرارة تبعاً لقوانين تمدد الغازات‏ .‏
بالإضافة إلى انخفاض درجة حرارة الهواء المشبَّع ببخار الماء إلى مادون درجة الندى، فإن سقوط ماء المطر يتطلب تكون نويات من البرد‏(‏الثلج‏)‏ ، أو وجود بعض هباءات من الغبار ، أو الأملاح القابلة للذوبان في الماء، وهذه تسهم في مزيد من تجميع قطيرات الماء إلى بعضها البعض، وبالتالي تؤدي إلى هطول الأمطار لعجز الهواء عن حمل القطيرات الكبيرة الحجم نسبياً من الماء‏ (‏من عشري ملليمتر إلى نصف ملليمتر في القطر‏)‏، فتبدأ بالتساقط على الأرض بفعل الجاذبية
.
وبسقوط الماء على سطح الأرض‏,‏ وعودته إليها ليجري على سطحها سيولاً جارفة‏,‏ تفتت الصخور‏,‏ وتشق الفجاج والسبل‏,‏ وتكون الأودية ومجاري الأنهار والجداول‏,‏ وتكون التربة‏,‏ وتركز عدداً من ثروات الأرض‏,‏ ثم تفيض إلى المنخفضات مكونة البحيرات‏,‏ والبحار والمحيطات‏,‏ كما يتجمد جزء من هذا الماء على هيئة طبقات الجليد فوق قطبي الأرض‏,‏ وفي قمم الجبال العالية‏,‏ ويتسرب بعض هذا الماء كذلك غير ظاهر ‏(‏منكشف‏)‏ الطبقات المسامية والمنفذة إلى تحت سطح الأرض‏ على هيئة عدد من التجمعات المائية المختزنة في صخور القشرة الأرضية‏,‏ ويبقى بعضه عالقاً بالتربة على هيئة رطوبة، أو بالغلاف الغازي للأرض على هيئة بخار الماء‏ .‏
ومن هنا بدأت دورة الماء حول الأرض في ثبات واستقرار يشهدان لله الخالق بطلاقة القدرة‏,‏ وعظيم الصنعة‏,‏ وإتقان الخلق‏,‏ فبفعل حرارة الشمس يتبخر سنويا‏380.000ً‏ كيلو متر مكعب من الماء من الأرض إلى الجزء السفلي من غلافها الغازي‏,‏ منها‏320.000‏ كيلو متر مكعب يتبخر من أسطح البحار والمحيطات‏,‏ ويتبخر الباقي‏ (60.000‏ كيلو متر مكعب‏)‏ من أسطح اليابسة ‏(‏من الأنهار وغيرها من المجاري المائية‏,‏ ومن البحيرات‏,‏ ومن النتح والبخر من أسطح النباتات‏,‏ وتنفس كل من الإنسان والحيوان‏,‏ والبخر من الخزانات المائية تحت سطح الأرض‏,‏ ومن رطوبة التربة)‏,‏ وهذا البخار المائي تحمله الرياح وترفعه إلى الأجزاء العليا من نطاق التغيرات الجوية‏ (7‏ ـ‏16‏ كم فوق مستوى سطح البحر‏)‏، حيث يتكثف ما به من بخار الماء ويعود مرة أخرى إلى الأرض مطرا‏ًً,‏ أو ثلجا‏ًً,‏ أو بردا‏ًً,‏ أو ضباباً أو ندى‏,‏ ليعاود الكرة مرة أخرى ليتم دورة الماء حول الأرض ‏.‏
ومن سمات أحكام تلك الدورة أن مجموع كمية المطر النازلة على أسطح البحار والمحيطات سنويا‏ًً (284.000‏ كيلو متر مكعب‏)‏ يقل عما يتبخر منها بحوالي‏36.000‏ كم‏3,‏ ومجموع كمية المطر الساقطة على اليابسة سنويا‏ًً (96.000‏ كم‏3)‏ تزيد بنفس الكمية‏(36.000‏ كم‏3) عن مجموع كمية البخر من سطح اليابسة‏ (60.000‏ كم‏3)‏، وهذه الزيادة تفيض إلى البحار والمحيطات حتى يبقى سطح الماء بها ثابتاً في الفترة الزمنية الواحدة‏,‏ ولولا دورة الماء حول الأرض لفسد كل ماء الأرض‏,‏ ولتعرض كوكبنا لحرارة قاتلة بالنهار‏,‏ ولبرودة مجمِّدة بالليل‏ .‏
خزانات الماء تحت سطح الأرض‏ :
تنقسم خزانات الماء تحت سطح الأرض إلى نوعين رئيسيين كما يلي ‏:‏
‏(1)‏ خزانات ماء مالح أو شديد الملوحة‏:‏ وهذا الماء محتبس بين مسام الصخور الرسوبية المتجمعة في البحار القديمة التي كانت تغمر مساحات كبيرة من يابسة اليوم وانحسرت عنها‏,‏ وبقي هذا الماء المالح ـ بل الشديد الملوحة في بعض الأحيان ـ محصوراً بين حبيبات تلك الصخور الترسيبية القديمة لملايين السنين، حيث تزداد ملوحته باستمرار لتعرضه لشيء من التفاعلات الكيميائية ‏(‏م مثل إذابة المزيد من الأملاح‏)‏، والفيزيائية‏(‏مثل البخر‏) .‏
وهذاالماء المالح عادة ما يوجد على أعماق بعيدة نسبياً من سطح الأرض‏,‏ ومن أمثلته الماء المصاحب للنفط في مكامنه ‏.‏
‏(2)‏ خزانات ماء قليل الملوحة إلى متوسط الملوحة‏ :‏وهو ماء متجمع من ماء المطر النازل من السماء ‏(‏بمتوسط ملوحة دون‏20‏ جزءاً في المليون‏)‏ على طبقات من الصخور المسامية والمنفذة، فيتحرك ماء المطر فيها بفعل الجاذبية الأرضية أولاً متجهاً إلى الأسفل ـ أي‏:‏ إلى مستويات أدنى من سطح الأرض ـ حيث تزداد ملوحته بالتدريج‏,‏ وتستمر هذه الحركة الرأسية للماء حتى تتضاءل المسامية والنفاذية‏,‏ وهنا يبدأ ماء المطر في التحرك جانبياً فوق طبقات قليلة المسامية والنفاذية‏ (‏أو عديمتهما‏)‏ لتكون خزاناً مائياً تحت سطح الأرض‏,‏ وإن كانت الطبقات مائلة فإن الماء يتحرك في اتجاه ميل الطبقات حتى يصل إلى الماء المالح المحصور بين حبيبات الرسوبيات التي تجمعت في البحار القديمة السابقة التي انحسرت عن الأرض منذ ملايين السنين‏,‏ فيتجمع الماء القليل الملوحة طافياً فوق الماء المالح والشديد الملوحة للفرق بين كثافة الماءين ‏.‏
ولولا مسامية ونفاذية بعض صخور الأرض‏,‏ ما تجمع ماء المطر‏,‏ ولا أُسكن في الأرض‏,‏ ولولا التغيرات الرأسية والجانبية في كلٍ من المسامية والنفاذية، ما أمكن خزن أي من ماء المطر‏,‏ ولا أمكن إسكانه في صخور الأرض على هيئة مكامن مائية لآلاف بل لعشرات الآلاف من السنين، إن لم يكن لملايين السنين في بعض الأحوال‏,‏ حتى يستفيد به أجيال من الخلق خزنه الله‏ ـ تعالى ـ‏ لهم بعلمه وقدرته وحكمته‏ .
ولولا حفظ هذه المكامن المائية من أخطار الحركات الأرضية ،مثل الخسوف والتصدعات الأرضية‏,‏ والثورات البركانية‏,‏ والمتداخلات النارية، ما بقيت تلك المكامن المائية بل دمرت بالكامل‏,‏ ولذلك قال ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :‏
"...‏ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ "     ‏(‏المؤمنون‏:18)‏.
وقال‏ ـ‏ عز من قائل ـ :‏ "قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاءٍ مَّعِينٍ "    (‏الملك‏:30) .‏
وقد يغور الماء المخزون في صخور القشرة الأرضية بتكون الصدوع والخسوف الأرضية‏,‏ كما قد يغور بالضخ المفرط الزائد عن معدل تدفق الماء إلى البئر‏,‏ وفي الحالتين لا يحفظ الماء في صخور الأرض أو يعوضه إذا غار الا رب العالمين‏ .‏
ويخرج الماء من تحت سطح الأرض بقوة وعنف إذا كان واقعاً تحت ضغوط عالية‏,‏ وقد يخرج بطريقة طبيعية على هيئة العيون والينابيع الطبيعية‏‏ التي قد تشارك في تغذية بعض الأنهار أو البحيرات، ولكن إذا كان الماء تحت سطح الأرض تحت ضغوط منخفضة فإنه لا يمكن الوصول إليه إلا بتشقق الأرض عنه، أو بالحفر عليه‏ .‏
ويصف القرآن الكريم هاتين الحالتين بقول الحق ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :"..‏ وَإِنَّ مِنَ الحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ المَاءُ ‏..." (‏البقرة‏:74) .‏وتتراوح مسامية الصخور الخازنة للماء تحت سطح الأرض بين‏20%‏ و‏30%‏ ، وإن تدنت في بعض الحالات إلى‏5%‏ أو زادت إلى‏60%,‏ وتختلف درجة اتصال هذه الفراغات مع بعضها البعض باختلاف الصخور‏,‏ وتعرف هذه الخاصية باسم النفاذية‏,‏ ويستدل بها على قدرة الصخور في إنفاذ السوائل من خلالها‏,‏ علماً بأن حركة السوائل في الصخور بطيئة بصفة عامة‏ ,‏ وإن كانت في حركة دائبة ‏.‏

ولولا هذا الإعداد المتقن لصخور الأرض‏,‏ وتمايزها في مساميتها ونفاذيتها‏ ,‏ وظهور تلك الطبقات المنفذة على سطح الأرض‏,‏ وتبادلها مع طبقات مصمتة أو غير منفذة‏,‏ ولولا الإحكام الشديد في دورة الماء حول الأرض‏,‏ ولولا إخراج هذا الماء أصلاً من داخل الأرض ما أمكن لهذا الكوكب أن يكون صالحاً للحياة من أي شكل ولون‏,‏ ولذلك يمنُّ علينا ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ‏ بقوله ‏ـ عز من قائل‏ ـ :‏ " وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ "  (‏المؤمنون‏:18). ‏
وهي حقائق تشهد للقرآن الكريم بأنه كلام الله الخالق ‏,‏ كما تشهد للنبي الخاتم الذي تلقاه بالنبوة وبالرسالة ‏؛‏ لأنه لم يكن لأحد في زمن البعثة المحمدية الشريفة، ولا لقرون متطاولة من بعدها إلمام بأي من تلك الحقائق ‏.‏ فسبحان منزل القرآن بعلمه‏ ,‏ والصلاة والسلام على خاتم أنبيائه ورسله‏ ,‏ وعلى كل من تبع هداه، ودعا بدعوته ‏,‏ واستنَّ بسنته‏ . والحمد لله رب العالمين‏ .‏