" وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ المَصِيرُ " (‏ لقمان‏:14)‏.


هـذا النص القرآني الكريم جاء في خواتيم النصف الأول من سورة لقمان‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ وآياتها أربع وثلاثون‏(34)‏ بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها مرتين إلى لقمان الحكيم‏,‏ وهو شخصية لايعرف المؤرخون كثيراً عنها‏,‏ فقد قيل عنه إنه من أصول نوبية‏,‏ أو سودانية‏,‏ أو حبشية‏,‏ أوعبرية‏,‏ والله ـ تعالى ـ أعلم بحقيقته‏ .‏
وغالبية الذين كتبوا عن لقمان الحكيم يجمعون على أنه لم يكن نبياً‏,‏ وقليلون هم الذين يرجِّحون نبوته لذكر القرآن الكريم له بالاسم مرتين‏,‏ ولتسمية هذه السورة المباركة باسمه‏ .‏ وعلى الرغم من عدم الإجماع على نبوته أو على عروبته، إلا أن هناك إجماعاً على أنه كان من بقايا الأحناف في زمانه‏,‏ وذلك لما اشتهر به من التوحيد الخالص لله ـ تعالى ـ ونبذ للشرك والمشركين‏,‏ وما عرف عنه من الحكمة وحسن الخطاب‏,‏ ومن الدعوة إلى مكارم الأخلاق التي أوردت هذه السورة الكريمة طرفاً منها في مقام نصيحة لقمان لابنه ‏.‏

ويدور المحور الرئيسي لهذه السورة المباركة حول قضية العقيدة الإسلامية‏,‏ ومن ركائزها الإيمان بالله ـ تعالى ـ رباً واحداً أحدا‏ًً,‏ لا شريك له في ملكه‏,‏ ولامنازع له في سلطانه‏,‏ ولاشبيه له من خلقه‏,‏ وتنزيهه ـ سبحانه وتعالى ـ عن الصاحبة والولد، وعن كل وصف لايليق بجلاله‏,‏ والإيمان بحقيقة الوحي‏,‏ والنبوة‏,‏ والرسالة‏,‏ واليقين بحتمية البعث‏,‏ والحساب‏,‏ والجزاء‏,‏ والجنة‏,‏ والنار‏,‏ والتسليم بأن الله ـ تعالى ـ هو رب هذا الكون ومليكه ، ورب كل شيء‏,‏ والتصديق بشمول علم الله ‏,‏ وباستحقاقه وحده بالعبادة ‏.‏


ومن ركائز الدين التي دعت إليها سورة لقمان:
الالتزام بمكارم الأخلاق، وفي مقدمتها بر الوالدين‏,‏ ومنها النهي عن الاستعلاء الكاذب‏,‏ والاغترار بالنفس‏,‏ والتكبر على الخلق‏,‏ والاختيال والعجب بالذات‏,‏ والتفاخر بالمكاسب المادية الزائلة‏,‏ ومنها الاقتصاد في المشي‏,‏ والغض من الصوت ، والإحسان إلى الخلق‏,‏ واليقين بأن الله ـ تعالى ـ هو الحق‏,‏ وأن ما يدعو إليه المشركون من دونه هو الباطل‏,‏ وأن الله هو العلي الكبير‏.‏ وبشرت السورة المحسنين بالنعيم المقيم‏,‏ وأنذرت الكافرين بالعذاب الأليم ‏.‏
وختمت سورة لقمان بالإشارة إلى ما استأثر الله ـ‏ تعالى ـ‏ بعلمه من أمور الغيب التي لاسبيل للإنسان في الوصول إلى علم شيء منها‏ .‏
هذا‏‏ وقد استشهدت السورة الكريمة في سياق ذلك بعدد من الآيات الكونية الدالة على طلاقة القدرة الإلهية المبدعة في الخلق‏,‏ والشاهدة للخالق‏ ـ سبحانه وتعالى ـ‏ بالألوهية‏,‏ والربوبية‏,‏ والوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه‏,‏ والشاهدة له ـ‏ تبارك اسمه‏ ـ بأنه كما خلق فإنه قادر على إفناء خلقه‏,‏ وعلى إعادة بعثه وحسابه وجزائه، إن خيراً فخير‏,‏ وإن شراً فشر ‏.‏

عرض موجز لسورة لقمان :
تبدأ سورة لقمان بثلاثة من الحروف الهجائية المقطعة، هي (الم) التي تكررت في مطلع ست من سور القرآن الكريم ‏(‏ هي‏:‏ البقرة‏,‏ آل عمران‏,‏ العنكبوت‏,‏ الروم‏,‏ لقمان‏,‏ والسجدة‏),‏ وجاءت بإضافة الحرف ‏(‏ ص‏)‏ في مطلع سورة الأعراف‏ (‏ المص‏),‏ وبإضافة الحرف (‏ ر‏)‏ في مطلع سورة الرعد‏(‏المر‏)،‏ وقد قيل في هذه المقطعات بأنها رموز إلى كلمات أو معان أو أعداد معينة‏,‏ أو أنها أسماء للسور التي جاءت في أوائلها‏,‏ أو هي من قبيل التحدي للعرب بالقرآن الكريم الذي لم تتجاوز حروفه حروف لغتهم‏,‏ وعلى الرغم من ذلك فقد عجزوا ـ وسوف يظلون عاجزين ـ عن الإتيان بشيء من مثله‏,‏ وقد قيل في هذه الحروف الهجائية المقطعة أنها من وسائل قرع الأسماع والقلوب كي تتنبه لتلقي القرآن الكريم من قبيل استهلالات العرب‏,‏ أي أنها مجرد فواتح للسور‏,‏ أو أن كل حرف منها يدل على كلمة محددة المعنى الذي يستخرج من مضمون السورة‏,‏ أو أنها من دلائل نبوة سيدنا محمد‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ ومن الشهادات على صدق رسالته‏,‏ بسبب نطقه بأسماء الحروف ـ وهو الأمي ـ‏ والأمي ينطق بأصوات الحروف ولايعرف أسماءها‏,‏ أو أنها تجمع بين كل هذه الأقوال وغيرها‏,‏ أو أنها من أسرار القرآن الكريم التي لم يأذن الله ـ‏ تعالى‏ ـ‏ بعد بالكشف عن مدلولاتها، والله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ أعلم بمضمونها‏ .‏
وبعد هذا الاستهلال مباشرة جاء الثناء على القرآن الكريم وعلى المؤمنين به، وذلك بقول الحق‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ :
" الـم . تِلْكَ آيَاتُ الكِتَابِ الحَكِيمِ . هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ . الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ . أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ "‏ (‏لقمان‏:1‏ـ‏5)‏ .
ثم عرجت الآيات إلى استنكار من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم‏,‏ ويتخذها هزواً ليضل الناس عن طاعة الله ويصرفهم عن التمسك بآداب دينه‏,‏ وقد قيل في لهو الحديث إنه كل ما كان ملهياً عن سبيل الله من وسائل الترفيه الحرام، مثل التمثيل الفاضح‏,‏ والغناء الماجن الذي تتجاوز فيه حدود الأدب‏,‏ ومشاهدته أو الاستماع إليه ‏.‏
وروي ابن عباس‏ ـ‏ رضي الله عنهما‏ ـأن هذه الآية الكريمة كانت قد نزلت في رجل من كفار قريش اشترى جارية مغنية‏,‏ وكان حريصاً على أن يصرف أوقات الناس في الاستماع إليها‏,‏ وكان إذا تليت عليه آيات القرآن الكريم انصرف عنها مستكبراً متعاليا‏ًً,‏ ومتغطرساً مجافياً، كأن أذنيه قد أصيبتا بالصمم الثقيل فلم يسمعها‏ .‏
وتطالب الآيات خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ كما تطالب كل متبع لهديه من بعده أن يبشر هذا اللاهي وأشباهه بالعذاب الأليم في الدنيا، وبالعذاب المهين في الآخرة‏ .‏
وفي المقابل تؤكد الآيات الكريمة في سورة لقمان أن الذين آمنوا ببعثة النبي الخاتم والرسول الخاتم وبرسالته‏,‏ وعملوا الصالحات فإن لهم جنات النعيم خالدين فيها أبداً‏,‏ وأن هذا هو وعد الله الحق الذي لا يخلف، والله هو العزيز الحكيم‏ .‏
واستشهدت السورة الكريمة بعدد من آيات الله الكونية الدالة على طلاقة قدرته المبدعة في الخلق‏,‏ ثم تخاطب الناس جميعاً بقوله‏ ـ عز من قائل ـ
:‏" هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ "  (‏لقمان‏:11) .‏
ثم أثنت الآيات على لقمان الحكيم‏,‏ أن آتاه الله الحكمة‏,‏ والحكمة تقتضي الوضاءة في الفهم‏,‏ والفقه في الدين‏,‏ والإصابة في الحكم‏,‏ ومن صميمها أن يكون العبد شاكراً لأنعم الله‏,‏ فبالشكر تدوم النعم‏,‏ ويجزل الثواب من الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ وفي ذلك تقول ‏:
" وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ  "   (‏ لقمان‏:12) .‏
ومن سمات حكمة لقمان نهي ابنه ـ وهو يعظه ـ عن الشرك بالله الذي وصفه بأنه من أخطر صور ظلم الإنسان لنفسه ‏.‏
وتوصي الآيات الأبناء ببر الوالدين، مستشهدة بحمل الأم لجنينها وهناً على وهن‏ ـ‏ أي ضعفاً على ضعف ـ ورعايته بعد ميلاده حتى يفطم بعد عامين‏,‏ وهذا مما يستوجب الشكر لله ـ‏ تعالى‏ ـ‏ على الخلقة والرعاية الإلهية طيلة مدة الحمل حتى يخرج الصغير حياً من بطن أمه‏,‏ والشكر للوالدين على تحملهما ما رافق ذلك الحمل والوضع من مشاق‏,‏ وفي ذلك يقول ربنا ـ ‏تبارك وتعالى‏ ـ :
" وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ المَصِيرُ "    (‏ لقمان‏:14)‏ .
وحتى في حالة ايمان الابن وكفر الوالدين أو شركهما بالله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ فإن الآيات توصي الابن بعدم طاعتهما في أمر الاعتقاد‏,‏ وبطاعتهما فيما سواه من أمور الدنيا التي لا تحمِّله تبعة أو مسئولية أمام الله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ وأن يتبع سبيل من تطهر من أدران الكفر والشرك حتى يسعد في الحياة الدنيا برضاء الله‏,‏ وينجو في الآخرة من عذابه‏,‏ والرجوع إليه أمر حتمي بعد هذه الحياة ليخبر كلاً بما عمل ويجازيه عليه . وفي ذلك يقول ربنا ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :‏  
" وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ‏ " ‏ ‏(‏لقمان‏:15)‏ .
وقيل أن هذه الآية الكريمة نزلت في الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص‏ ـ‏ رضي الله عنه ـ‏ وذلك لأنه لما أسلم قالت له أمه جميلة، وكان أحب ولدها إليها‏,‏ وكان باراً بها ‏:‏ ياسعد‏ .‏ ماهذا الدين الذي أحدثته؟ فوالله لا يظلني سقف بيت من الفح والريح‏,‏ ولا آكل ولا أشرب حتى تدع دينك هذا وترجع إلى ما كنت عليه أو أموت فتُعَيَّر بي‏,‏ ويقال‏:‏ يا قاتل أمه‏,‏ فقال لها‏:‏ لا تفعلي يا أماه فإني لا أدع ديني هذا لشيء إلى ماكنت عليه‏ ،‏ فأبى سعد أن يوافقها‏,‏ وصبرت هي ثلاثة أيام لم تأكل ولم تشرب ولم تستظل بظل حتى خُشِيَ عليها‏,‏ فلما رأى منها ذلك قال لها‏:‏ تعلمين والله يا أماه‏,‏ لو كانت لك مائة نفس‏,‏ فخرجت نفساً نفساً‏,‏ ماتركت ديني هذا لشيء‏,‏ إن شئت فكلي‏,‏ وإن شئت فلا تأكلي‏,‏ فلما رأت ذلك منه أكلت‏,‏ فأنزلت هذه الآية الكريمة في سعد وأمه‏,‏ وتمام الآية نزل في أبي بكر الصديق ـ‏ رضي الله عنه وأرضاه‏ ـ وقد كان سبباً في هداية سعد بن أبي وقاص إلى الإسلام ‏.‏

ثم تعاود الآيات استكمال وصايا لقمان الحكيم لابنه وهو يعظه، مؤكداً إحاطة علم الله بكل شيء‏,‏ وأنه هو اللطيف الخبير‏,‏ ويوصيه بإقامة الصلاة‏,‏ وبالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر‏,‏ وبالصبر على المكاره‏,‏ وبعدم التكبر على الخلق أو الاستعلاء عليهم‏,‏ أو الزهو والتباهي والافتخار والخيلاء‏,‏ والعجب بالذات؛ لأن الله ـ تعالى ـ لا يحب ذلك‏,‏ ولذلك يوصيه بالاقتصاد في المشي‏,‏ وبغض الصوت‏,‏ وفي ذلك تقول الآيات على لسانه ‏:‏
" يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ . يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ المُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ . وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ . وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ "‏ ‏ ‏(‏لقمان‏:16‏ـ‏19) .‏
وتعاود الآيات إلى تذكير الناس بأن الله ـ تعالى ـ قد سخر لهم ما في السماوات وما في الأرض‏,‏ وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة‏,‏ وعلى الرغم من ذلك فإن منهم من يجادل في وحدانية الله الخالق ـ سبحانه وتعالى ـ‏ ومن يتشكك في ضرورة الخضوع لجلاله بالطاعة والعبادة‏,‏ من غير علم من الله‏,‏ ولابرهان منطقي على ما يدعيه من أقوال‏,‏ وفي ذلك يقول الله‏ ـ وهو أحكم القائلين‏ ـ :
" أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ . وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَ لَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوَهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ " ‏(‏لقمان‏:21,20) .‏
وتؤكد الآيات بأن الناجي في الدنيا والآخرة هو من يسلم وجهه لله‏ ـ تعالى ـ‏ وحده‏,‏ مقرِّاً لجلاله بالألوهية والربوبية والوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه‏,‏ متقرِّباً إليه بالإيمان الكامل‏,‏ والطاعة التامة‏,‏ منفِّذاً لأوامره‏,‏ ومجتنباً لنواهيه‏,‏ ومتذلِّلاً له بالعبودية الكاملة‏,‏ مؤمناً بأن نهاية كل شيء إليه‏,‏ ومصير كل الخلائق إليه ، وفي ذلك يقول ربنا ـ‏ تبارك وتعالى ـ :
" وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ "       (‏ لقمان‏:22) .‏
ثم تتوجه الآيات بالخطاب إلى رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ بألا يحزن لكفر الكافرين‏؛‏ لأن الخلق جميعهم راجعون إلى الله ـ‏ تعالى ـ‏ العليم بذات الصدور‏,‏ وتتوعدهم الآيات بأن إمهالهم في الدنيا بمتاعها القليل سوف يتبعه العذاب الشديد في الآخرة، والخطاب موصول لأتباع هذا النبي الخاتم إلى يوم الدين‏،‏ ألا يحزنوا لكفر الكافرين‏,‏ ولتطاول خفافيش الظلام منهم الذين يتسترون خلف شاشات شبكة المعلومات الدولية‏ (‏الشبكة العنكبوتية‏)‏ لينفثوا سمومهم الحاقدة‏,‏ وجهلهم الفاضح‏,‏ وشركهم الكريه‏,‏ وحقدهم على الإسلام وكتابه‏,‏ وعلى خاتم أنبياء الله ورسله ـ صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين ـ فعقاب الله يتهددهم بوعده ووعيده‏ " ‏ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ‏ "  
(يوسف:21) .‏

وتؤكد الآيات لرسول الله‏ ـ ‏صلى الله عليه وسلم‏ ـ أنه لو سئل الكافرون عن خالق السماوات والأرض لأجابوا بالقطع بأنه هو الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ وتأمره بحمد الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ على نعمة الإسلام الذي لايرتضي ربنا‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ‏ من عباده ديناً سواه‏,‏ خاصة وأن أكثر الناس لايدركون فضل هذا الدين على غيره من الأديان‏,‏ وفي ذلك يقول ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ مخاطباً خاتم أنبيائه ورسله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ :
" وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ . نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ . وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ " ‏  ‏(‏لقمان‏:23‏ ـ‏25) .‏
وتؤكد الآيات مرة أخرى أن جميع ما في السماوات والأرض هو ملك لله‏ ـ تعالى ـ‏ الغني عن جميع خلقه، المحمود في السماوات والأرض‏,‏ وتعظيماً للقرآن الكريم تؤكد أن كلمات الله فيه لاتنفد أبداً مهما حاول المفسرون‏، ‏واجتهد الكاتبون‏.‏ وتقرر أن خلق الناس وموتهم ثم بعثهم من اليسر على الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ كخلق نفس واحدة‏,‏ وأن من صفات الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ أنه السميع البصير ‏.‏
وعاودت الآيات الاستشهاد بعدد آخر من الآيات الكونية على طلاقة القدرة الإلهية المبدعة في الخلق والإفناء والبعث‏,‏ وعلى أن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ خبير بما يعمل كل واحد من خلقه‏,‏ وأنه ـ‏ تبارك اسمه ـ‏ هو الحق‏,‏ وأنه هو العلي الكبير، وأن كل ما يدعون من دونه هو الباطل‏ .‏

وتستعرض الآيات جانباً من طبائع النفس البشرية غير المؤمنة‏,‏ ومن ذلك أنها تلجأ إلى الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ في ساعات الضيق والشدة‏,‏ وتلهو عن طاعته في أوقات الرخاء والسعة‏,‏ وضربت لذلك مثلاً بالإقلاع في المياه المتلاطمة للبحار والمحيطات، والذي تارة يسلم الواقعون فيها برحمة من الله وفضل‏,‏ وتارة تغشاهم تلك الأمواج المتلاطمة فيلجأ الراكبون في البحر إلى الله‏ وحده‏,‏ وينسون كل من أشركوهم في عبادته‏,‏ حتى إذا أنجاهم الله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ إلى البر برحمته وفضله، فمنهم من يقر بالفضل لله‏ ـ تعالى ـ‏ ومنهم من يجحد ذلك كفراً بنعمة الله عليه ‏.‏
وتختتم سورة لقمان بآيتين كريمتين تدعوان الناس جميعاً إلى تقوى الله‏,‏ وإلى خشية أهوال يوم القيامة، حيث لايغني والد عن ولده‏,‏ ولامولود عن والده شيئا‏,‏ ووعد الله‏ ـ‏ سبحانه ـ‏ بذلك هو الحق‏,‏ وعليه فلا يجوز لعاقل أن يغتر بالدنيا الفانية‏,‏ أو أن يستهويه الشيطان بالانصراف عن طاعة الله الذي عنده علم الغيب كله‏,‏ ولا يعلمه سواه؛ لأنه‏ ـ‏ تعالى ـ‏ هو العليم بكل شيء‏,‏ والخبير في كل أمر‏,‏ وفي ذلك تقول الآيات‏ :" يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الغَرُورُ . إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ "‏ 
     ‏ ‏(‏لقمان‏:34,33) .‏


من ركائز العقيدة في سورة لقمان :
‏(1)‏ الإيمان بأن آيات القرآن الكريم هي كلام الله الموحى بها إلى خاتم أنبيائه ورسله ـ‏ صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏ ـ‏ وأن القرآن هو الكتاب الحكيم الذي جعله الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ هدى ورحمة للمحسنين‏,‏ وأن كلماته لا تنفد أبداً مهما حاول تفسيرها المفسرون‏,‏ وكتب عنها الكاتبون‏ .‏
‏(2)‏ اليقين بأن إقامة الصلاة‏,‏ وإيتاء الزكاة ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر‏,‏ والصبر في سبيل القيام بذلك والدعوة إليه هو من عزائم الأمور‏,‏ ومن الهداية الربانية التي تقود صاحبها إلى الفلاح في الدنيا والنجاة في الآخرة‏,‏ وإلى الاستمساك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها ‏.‏
‏(3)‏ التصديق بأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم‏,‏ خالدين فيها أبدا‏ًً ،‏ كما وعد رب العالمين‏,‏ ووعده الحق‏,‏ وهو العزيز الحكيم‏,‏ وأن من كفر فعليه كفره‏,‏ وأن مآله إلى جهنم وبئس المصير‏,‏ حتى لو تمتع بشيء من زينة الحياة الدنيا‏,‏ ومتاعها القليل‏؛ وذلك لأن الله ـ‏ تعالى‏ ـ سوف يضطره إلى عذاب غليظ " يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ . إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ‏ " (الشعراء:88ـ89) .
‏(4)‏ الإيمان بأن الله ـ‏ تعالى‏ـ‏ هو خالق كل شيء‏,‏ بما في ذلك السماوات القائمة بغير عمد مرئية‏,‏ والأرض التي ألقى فيها رواسي كي لا تميد بما عليها من الخلق‏,‏ وبث فيها من كل دابة‏,‏ وأنزل من السماء ماء فأنبت فيها من كل زوج كريم‏,‏ وأن غير الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ لا يخلق شيئا‏ًً,‏ وأن الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ هو الذي سخر للناس ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه‏,‏ وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة‏,‏ وأنه هو الغني الحميد‏,‏ واللطيف الخبير‏,‏ الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماوات‏,‏ ومن هنا كان الشكر لله‏ ـ تعالى‏ ـ واجب على المخلوقين جميعا‏ًً .‏
‏(5)‏ التصديق بأن الشرك بالله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ هو من أخطر درجات ظلم النفس؛ لأن مآله وخيم‏,‏ وأن الشيطان للإنسان عدو مبين‏,‏ يدعوه دوماً إلى عذاب السعير ‏.‏
‏(6)‏ الإيمان بحتمية الآخرة‏,‏ بل بضرورتها‏,‏ وبما فيها من بعث وحساب وخلود، إما في الجنة أبداً، أو في النار أبدا‏ًً,‏ وأن فيها لا يجزي والد عن ولده‏,‏ ولا مولود هو جاز عن والده شيئا‏ .‏
‏(7)‏ الإيمان بالغيوب المطلقة التي لا يعلمها إلا الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ ومنها علم الساعة‏,‏ ونزول الغيث‏,‏ وعلم ما في الأرحام‏,‏ وما تكسب كل نفس في مستقبل عمرها‏,‏ وبأي أرض تموت‏ .‏


من مكارم الأخلاق في سورة لقمان :
‏(1)‏ تحريم كل صور اللهو الماجن الذي تتجاوز فيه حدود الأدب‏,‏ والاحتشام‏,‏ والذوق السليم‏,‏ فيخدش الحياء‏,‏ ويدمر الأخلاق‏,‏ ويفسد سلوكيات الناس‏,‏ ويُضل عن سبيل الله‏,‏ ويجعل من الناس من يتخذ الحياة هزواً، والأصل فيها أن تؤخذ مأخذ الجد‏ .‏
‏(2)‏ بر الوالدين‏,‏ وإن كانا كافرين أو مشركين‏ .
‏(3)‏ التأسِّي بالصالحين‏,‏ والحرص على مصاحبتهم ‏.‏
(4)‏ النهي عن التكبر على الخلق‏,‏ وعن الاستعلاء في الأرض؛ لأن الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ لا يحب كل مختال فخور‏,‏ ومن هنا كانت الدعوة إلى القصد في المشي‏,‏ والغض من الصوت‏,‏ والتذكير بأن أنكر الأصوات هي تلك الحادة‏ المرتفعة النبرة كصوت الحمير ‏.‏
‏(5)‏ التأكيد على قيمة العقل في الحكم على الأشياء التي لا يجدي فيها مجرد الميراث كالدين‏,‏ واستنكار مخالفة أوامر الله ـ تعالى ـ بالخوض في المعاصي في أوقات الرخاء والسعة‏,‏ واللجوء إليه في ساعات الأزمات والضيق‏ .‏


من الدلالات العلمية للنص الكريم:
أولا‏ًً:‏ في قوله ـ تعالى ـ : "‏ وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ ‏" (لقمان:14) :
في هذا النص القرآني الكريم لمحة إعجازية مبهرة، تتلخص في توصية الإنسان بوالديه‏,‏ وهي توصية تكررت في القرآن الكريم لمرات عديدة‏,‏ كما تكررت في أحاديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏ ولم ترد توصية الوالدين بالولد إلا في حالات نادرة ، مثل الحالة الشاذة التي سادت الجزيرة العربية أيام الجاهلية الأولى، وتجسدت في عادة وأد البنات‏,‏ أو بعض حالات الفقر الشديد أو الخشية منه‏؛‏ وذلك لأن الفطرة التي فطر الله ـ تعالى ـ العباد عليها تتكفل برعاية الوالدين لوليدهما الذي يريان فيه ذواتهما، وهو بضعة منهما‏ .‏
ويريان فيه ضعف الإنسان وحاجته إلى رعاية من هو أقدر منه‏,‏ كما يريان قوتهما في هزاله وضعفه‏,‏ ويريان شخصيتهما في تدرج نمائه، حتى يصبح امتداداً لهما‏,‏ ووارثاً لقدر من صفات كل واحد منهما‏,‏ وأملاً لهما يحققان فيه ما لم يتمكن كلٌ منهما من تحقيقه‏,‏ وعوناً لهما في شيخوختهما وضعف قوتهما، إن أمهلهما الأجل حتى يبلغا ذلك‏.‏
وانطلاقاً من كل هذه المشاعر الفطرية النبيلة التي أودعها الخالق العظيم قلوب الآباء والأمهات، فإننا نجدهم يبذلون من النفس والجهد والمال‏,‏ ومن كل ما يملكون من عزيز وغالٍ من أجل حسن التربية لأبنائهم بسعادة وغبطة لا يشوبهما ملل ولا سأم، مهما كان في ذلك من مشاق‏؛‏ لأن الفطرة التي أودعها الله ـ تعالى ـ قلوب الآباء قد تكفلت بذلك دون حاجة إلى وصية‏ .‏
أما الأبناء فبمجرد بلوغهم يبدأ تركيزهم على ذواتهم‏,‏ والخوف من مستقبلهم مما قد يستوعب كل تفكيرهم‏,‏ وبمجرد زواجهم وإنجابهم يتجهون بكل عواطفهم إلى أزواجهم وذراريهم‏,‏ ومن هنا كانوا في أمس الحاجة إلى التذكير المستمر بفضل والديهم عليهم‏,‏ وبالجهد الذي بذله كل والدين في رعاية كل مولود لهما وتنشئته حتى وصل إلى ما وصل إليه من شباب وفتوة وقوة‏,‏ ومن علم وأخلاق وقيم وتجارب صقلته وهذبت من نفسه‏,‏ وزادت من إمكاناته‏,‏ ومن قدراته على التعامل مع حياته‏.‏
ويبقي الأبناء في حاجة إلى هذا التذكير خاصة اذا كان الأجل قد امتد بوالديهم ـ أحدهما أو كلاهما ـ إلى أرذل العمر وما فيه من شيخوخة وضعف وحاجة إلى الرعاية والعناية والحنو والعطف ليسد الأبناء شيئا مما طوقهم به الآباء على مدى سنوات الحمل والرضاع والفطام والتنشئة‏,‏ ومن هنا كانت توصية الانسان بوالديه ومضة تربوية ونفسية بالغة الدقة وبالغة الإعجاز في آن واحد‏.‏

ثانيا‏:‏ في قوله ـ تعالى ـ‏ :‏     "‏ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ " (لقمان:14) :
يعيش جنين الإنسان في بطن أمه فترة تتراوح بين الستة والتسعة شهور قمرية معتمداً على جسدها اعتماداً كليا‏ًً,‏ مستمداً جميع احتياجاته الغذائية والتنفسية والمناعية من دمها، وذلك مثل الأحماض الأمينية‏,‏ والمواد البروتينية، والكربوهيدراتية، والفيتامينات‏,‏ والهرمونات‏,‏ والأملاح‏,‏ والأوكسجين‏,‏ وخلايا المناعة وغيرها‏,‏ وتستقبل الأم الحامل من جنينها كل السموم التي يفرزها جسمه ، مثل البولينا‏,‏ وثاني أكسيد الكربون وغيرهما ‏.‏ومن الثابت أن الأم الحامل تضحي لجنينها بكامل احتياجاته على حساب احتياجاتها هي، ولو أدى ذلك إلى فقد دمها وإمراضها‏,‏ ولذلك قال رب العالمين‏ : "‏ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ " .‏
ومن الأعراض التي تطرأ على جسد الحامل اضطراب الجهاز الهضمي المصاحب عادة بالقيء‏,‏ والغثيان‏,‏ وسوء الهضم‏,‏ والحموضة الزائدة‏,‏ ونقص الشهية‏,‏ والرغبة الشديدة في بعض الأطعمة الخاصة أو المواد الغريبة التي يحتاجها هذا الجسد‏(‏ أو ما يطلق عليه اسم الوحم‏),‏ هذا بالإضافة إلى ضغط الرحم على كلٍ من المعدة والكبد ـ خاصة في الشهور الأخيرة من الحمل ـ‏ وما يتحمله كلٌُ من القلب وأوردة وشرايين الجهاز الدوري من جهد زائد لأجل ضخ الدم إلى كلٍ من جسم الأم وجسم الجنين، فيرتفع ما يضخه القلب من‏(6500‏ لتر‏/‏ يومياً‏)‏ قبل الحمل إلى‏(15000‏ لتر‏/‏ يوميا‏)‏ بعد الحمل‏،‏ وقد يؤدي ذلك إلى إجهاد عضلة القلب‏,‏ وإلى اضطراب ضغط الدم‏,‏ أو إلى تمدد الأوردة وتعرجها‏(‏ مرض دوالي الأرجل والأقدام‏) .‏ كذلك فإن تزايد نمو الجنين في شهوره الأخيرة يؤدي إلى مزيد من الضغط على كلٍ من الحجاب الحاجز والرئتين، مما يعوق عملية التنفس‏ .‏
وكثرة إفراز الهرمونات المتعلقة بعملية الحمل قد يزيد كمية الماء المختزن في الجسم، ويظهر على هيئة تورم القدمين‏,‏ كما قد يؤدي إلى الاضطراب في وظائف عدد من الغدد الصماء، مثل الغدة الدرقية في جسم الأم الحامل‏ .‏
وقد تصاب بعض الحوامل بشيء من لين العظام أو هشاشتها لنقص الكالسيوم في جسمها ؛ نظراً لسحب الجنين لكميات زائدة من كالسيوم دم الأم أثناء تكون عظام جسده‏ .‏ ومع مصاحبة ذلك لشيء من زيادة وزن الأم‏(‏ حوالي عشرة كيلو جرامات في المتوسط‏)‏ يوضح جانباً مما تكابده الأم الحامل من مشاق في حالات الحمل الطبيعي‏,‏ وتتضاعف هذه المشاق أضعافاً كثيرة في حالات حمل التوائم‏,‏ أو الحمل خارج الرحم، مما يعرف باسم الحمل غير الطبيعي‏،‏ والذي قد يؤدي إلى وفاة كلٍ من الجنين والأم معا‏ًً .‏

وإذا أضفنا إلى هذه الصعوبات الجسدية ما تكابده الأم الحامل من معاناة نفسية تتأرجح بها بين الرجاء والخوف‏,‏ والتفاؤل والتشاؤم‏,‏ والفرح والحزن‏,‏ والاطمئنان والقلق‏,‏ أدركنا حاجتها وسط هذه الأمواج المتلاطمة من الوهن الجسدي والحساسية الشديدة‏,‏ وسرعة التأثر والانفعال‏,‏ والمشاعر المتضاربة إلى العناية الشديدة من المحيطين بها‏,‏ وإلى غمرها بمزيد من العطف والحنان الذي قد لا تجده في أغلب الأحوال‏,‏ ومن ذلك يتضح لنا بجلاء روعة التعبير القرآني الذي يقول فيه ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ : 
"‏ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ " أي ضعفاً على ضعف بازدياد ثقل الحمل إلى الميلاد، وذلك لايتم إلا بمشقة شديدة‏،‏ يتضح جانب من هذه المشقة بإدراك حقيقة أنه باكتمال الشهر الثالث من حياة الجنين‏, فانه يبدأ باتخاذ وضع خاص داخل رحم أمه‏,‏ يكون فيه رأسه إلى أسفل‏,‏ ومؤخرته إلى أعلى، ويتم ذلك بانقباض عام في كل جذعه وأطرافه على بعضها البعض‏,‏ فينحني الجنين برأسه في اتجاه ركبتيه‏,‏ ويثني ركبتيه في اتجاه رأسه مع جعل وجهه في اتجاه ظهر أمه‏,‏ حتى إذا جاءت لحظة الميلاد كان أول ما يخرج منه رأسه‏,‏ وبخروجه يسهل خروج باقي جسده وسائر أطرافه‏,‏ وتمثل الولادة الطبيعية بخروج الرأس أولا أيسر عمليات الوضع‏,‏ الا أن هناك العديد من حالات الوضع غير الطبيعية والمتعسرة‏,‏ ويسبق الوضع آلام الطلق التي قد تفوق في شدتها أية آلام أخرى تتعرض لها الأم الحامل طيلة مدة حملها‏,‏ وقد تنتهي عملية الوضع في بعض الأحوال بوفاة الأم أو الجنين، أو بوفاتهما معاً‏ .‏
وقد تضطر الحامل إلى الولادة غير الطبيعية بالشفط أو باستخدام بعض الآلات الخاصة ـ مثل الجفت‏ ـ‏ أو حتى بعملية جراحية لشق البطن تعرف باسم العملية القيصرية‏,‏ وإلى غير ذلك من المخاطر‏.‏
وعلى الرغم من أن التطور الطبي قد تمكن من خفض نسبة تلك المخاطر إلا أنه لم يتمكن بعد من القضاء عليها‏,‏ فلاتزال حمى النفاس منتشرة بين كثير من الوالدات‏,‏ ولا تزال حالات تسمم الحوامل وإصابتهن بالعديد من الأمراض الجسدية والنفسية من الأمور الشائعة ـ خاصة في المجتمعات المتخلفة علمياً وتقنيا‏ًً ـ‏ وتكفي في ذلك الإشارة إلى ضخامة حجم المولود بالنسبة إلى ضيق عنق الرحم‏,‏ ولولا رحمة الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ ودقة تقديره بتهيئة الجهاز التناسلي للمرأة الحامل بهيئة خاصة تعينه على إفراز العديد من الهرمونات التي توسع عنق الرحم، وتجعله على استقامة مع الرحم ذاته‏,‏ والتي ترخي كلاً من عظام الحوض وعضلاته لتيسير عملية الولادة وخروج المولود الجديد إلى عالم الحياة الدنيا بشيء من اليسر، لكانت عملية الولادة أمراً مستحيلاً ‏.‏
كما تكفي في ذلك الإشارة إلى ما تتعرض له الوالدة من آلام أثناء عملية المخاض ومن بعده‏,‏ ومن ذلك ما تشعر به من إجهاد شديد وقشعريرة بعد الولادة مباشرة‏,‏ ثم ارتفاع في درجة الحرارة وما تتعرض له من انخفاض في ضغط الدم‏,‏ واضطراب في النبض‏,‏ وتعرض لإمكانية سقوط الرحم وإلى غير ذلك من الأمراض التي قد تصيبها والمعاناة التي قد تصاحب تلك الأمراض حتى تشفى ‏.‏
وتكفي في ذلك الاشارة أيضاً إلى ما تتعرض له الوالدة من نزيف دموي طيلة فترة النفاس‏,‏ والتي قد تمتد من لحظة إلى ستين يوما‏ًً(‏ بمتوسط يقدر بحوالي الأربعين يوما‏),‏ وذلك لسقوط المشيمة مع المولود‏,‏ وتركها للأوعية الدموية التي كانت تصل بينها وبين جدار الرحم مفتوحة تنزف كالجروح النازفة‏,‏ ولولا رحمة الله‏ ـ تعالى‏ ـ بالوالدة‏,‏ تلك الرحمة التي هيأت لها إفراز العديد من الهرمونات التي تعين الرحم على الانقباض انقباضاً شديداً بعد الولادة مباشرة، لنزفت النفساء حتى الموت ‏.‏ وهذا الانقباض يعود بوزن الرحم‏ (‏ بدون محتوياته‏)‏ من حوالي الكيلو جرام قبل الولادة مباشرة إلى حوالي الخمسين جراماً فقط في نهاية فترة النفاس‏,‏ ويعود جدار الرحم من خمسة سنتيمترات إلى أقل من سنتيمتر واحد في السُمْك‏,‏ وتستمر التغيرات في جدار الرحم‏,‏ وفي بطانته حتى يعود إلى هيأته قبل الحمل عبر سلسلة من المعاناة الحقيقية التي تتحملها الأم الوالدة بالكثير من الصبر والاحتمال‏ ،‏ ولذلك قال ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ :
" حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ ‏",‏ وقال المصطفى‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ للرجل الذي حمل أمه على ظهره يطوف بها البيت الحرام وهي على ظهره‏, ثم سأله قائلا‏:‏ يارسول الله‏:‏ هل قضيت حقها؟ فقال له رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ :‏ " لا‏,‏ ولا بزفرة واحدة "(رواه الحافظ أبوبكر البزار بإسناده عن بريدة عن أبيه‏) ,‏ والزفرة ـ وجمعها زفرات‏ ـ هي واحدة‏(‏ الزفير‏)‏ بمعنى إدخال النفس إلى الرئتين‏,‏ وعكسها‏(‏ الشهيق‏) .‏ وتشجع الوالدة أثناء الوضع على التنفس بطريقة خاصة تعينها على تحمل الطلق‏ .‏ ويقال‏:(‏ إزدفر‏)‏ فلان كذا إذا تحمله بمشقة، فترددت فيه نفسه‏,‏ وقيل للإماء الحاملات للماء‏(‏ زوافر‏)‏ لما يتعرضن له أثناء ذلك من مشقة‏ .‏

ثالثاً‏:‏ في قوله ـ تعالى ـ ‏: "‏ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ " (لقمان:14) :
‏ درج الناس على الاعتقاد بأن مدة حمل الجنين البشري هي في حدود تسعة شهور قمرية‏ (‏ أي‏266‏ يوما‏)‏ ولكن القرآن الكريم جاء فيه قول ربنا ـ تبارك وتعالى ـ‏: " وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً ‏" (‏ الأحقاف‏:15)‏.     
 وقوله‏ ـ عز من قائل ـ ‏:    
" وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ ‏"     (‏ لقمان‏:14).‏
ومعنى هذين النصين القرآنيين الكريمين أن أقل مدة للحمل هي ستة أشهر قمرية كاملة‏(‏ أي‏177‏ يوما‏)،‏ وهو ما أثبتته دراسات علم الأجنة مؤخراً ‏.‏ وسبق القرآن الكريم بالإشارة إلى هذه الحقيقة العلمية يؤكد ربانية هذا الكتاب الكريم‏,‏ وصدق الرسول الخاتم الذي تلقاه ـ صلى الله عليه وسلم  ـ ‏ومما يحتمله النصان القرآنيان الكريمان أيضاً أن فطام الوليد يمكن أن يتم في فترة تتراوح بين‏21‏ شهراً قمرياً‏,24‏ شهراً قمرياً حسب مدة حمله ‏.‏
وكما أورد الأخ الدكتور مجاهد أبو المجد الأستاذ بكلية الطب بجامعة المنصورة، فإن الدراسات الطبية الحديثة قد أثبتت أنه كلما اقتربت مدة الرضاعة الطبيعية‏(‏ من الأم أو المرضعة‏)‏ من عامين قمريين قلَّ تركيز الأجسام المناعية الضارة بخلايا البنكرياس المتخصصة في إفراز مادة الإنسولين‏,‏ وكلما قل مجموع مدتي الحمل والرضاعة عن ثلاثين شهراً قمريا‏ًً,‏ أو استبدلت الرضاعة الطبيعية بألبان الحيوانات سواء كانت مصنعة أو غير مصنعة ، كلما زاد تركيز الأجسام المناعية الضارة في جسم الطفل ‏.‏

هذه الحقائق العلمية لم تكن معروفة في زمن الوحي‏,‏ ولا لقرون عديدة من بعده‏,‏ وورودها في كتاب الله بهذه الدقة والإحاطة‏,‏ وبهذا الشمول‏‏ والكمال‏,‏ لمما يقطع لكل ذي بصيرة بأن القرآن الكريم لا يمكن أن يكون صناعة بشرية‏,‏ بل هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ وحفظه بعهده الذي قطعه على ذاته العلية ، ولم يقطعه لرسالة أخرى من قبل أبدا‏ًً,‏ وحفظه في نفس لغة وحية ـ اللغة العربية ـ ‏ وحفظه حفظاً كاملاً على مدى الأربعة عشر قرناً الماضية‏,‏ وتعهد بذلك إلى أن يشاء ـ سبحانه وتعالى ‏.‏
فالحمد لله على نعمة الإسلام‏,‏ والحمد لله على نعمة القرآن‏,‏ والحمد لله على بعثة خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي ختم الله ببعثته النبوات‏,‏ وبرسالته جميع الرسالات السماوية‏,‏ وأتمها وأكملها في القرآن الكريم‏,‏ وفي هدى هذا النبي والرسول الخاتم . فصلِ اللهم وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه، ومن تبع هداه، ودعا بدعوته إلى يوم الدين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ‏.