" خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا " (الزمر‏:6 ).


هــذه الأية الكريمة جاءت في الثمن الأول من سورة الزمر ‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ وعدد آياتها‏75‏ بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود الاشارة فيها إلى أن الناس يومَ القيامة سوف يُقسَّمون إلى زُمَر من أهل الجنة‏,‏ وزُمَر من أهل النار‏ ـ أي إلى جماعات جماعات‏ ـ فيساق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زُمَراً‏,‏ ويساق الذين كفروا إلى جهنم زُمَرَاً ‏.‏
ويدور المحور الرئيسي لهذه السورة الكريمة حول فضل القرآن الكريم‏,‏ وتعظيم التوحيد لله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ والأمر به‏,‏ وتحقير الشرك به ـ سبحانه وتعالى ‏ـ ,‏ والنهي عنه‏,‏ والتأكيد أن الشرك يحبط الأعمال‏,‏ ويجعل الواقع في وحله من الخاسرين في الدنيا والآخرة‏ ،‏ كما تركز السورة الكريمة على حقيقة الآخرة‏,‏ وتصور لنا عدداً من مشاهدها‏,‏ مؤكدة أن الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ لا يغفر أن يشرك به‏,‏ ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء من عباده‏ .‏ وتمتدح السورةُ المؤمنين‏,‏ وتذكر طرفاً من إكرام الله ـ‏ تعالى‏ ـ‏ لهم‏,‏ وتذم الكفار والمشركين‏,‏ وتذكر طرفاً من عقابهم‏,‏ وتشير إلى شيء من طبائع النفس الإنسانية‏,‏ وتلمح إلى عدد من الآيات الكونية الدالة على طلاقة القدرة الإلهية المبدعة في الخلق، والشاهدة على حتمية البعث وضرورته، وقدرة الخالق‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ عليه‏,‏ وتضرب عدداً من الأمثال للناس‏,‏ موجهة الخطاب بين الحين والآخر إلى خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ .‏

وتبدأ سورة الزمر بتأكيد الحقيقة الواقعة أن القرآن الكريم هو تنزيل من الله العزيز الحكيم‏,‏ أنزله إلى خاتم أنبيائه ورسله‏ بالحق المبين الذي أمره بعبادة الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ وحده مخلصاً له الدين ـ وهو الاسلام العظيم ـ ذلك الدين الخالص لله وحده‏,‏ بغير شريك، ولاشبيه‏,‏ ولا منازع‏ ,‏ ولا صاحبة‏ ,‏ ولا ولد‏ ؛‏ لأن هذه كلها من صفات المخلوقين ‏,‏ والله ‏ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ منزه عن صفات خلقه أجمعين‏,‏ وعلى ذلك يكون الشرك بالله كذباً عليه ـ‏ سبحانه‏ ـ‏ وكفراً به‏,‏ والله لا يهدي من هو كاذب كفار‏,‏ ولذلك تنفي الآيات في سورة الزمر ـ كما تنفي في غيرها من سورالقرآن الكريم ـ كل دعاوى المبطلين بنسبة الولد إليه‏ ـ‏ تعالى الله عن ذلك علوَّاً كبيرا‏ًً .‏
ثم تستعرض سورة الزمر عدداً من الآيات الكونية الشاهدة لله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ بأنه خالق الكون‏,‏ وإلهه‏,‏ وربه‏,‏ ومليكه‏,‏ مؤكدة أن الله ـ‏ تعالى‏ ـ يرضى من عباده الشكر على نعمه‏,‏ ولا يرضى منهم الكفر‏,‏ فإن كفروا فإن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ غني عن العالمين‏,‏ وتقرر أن نفساً لاتحمل إثم أخرى‏,‏ وتؤكد أن إلى الله مرجع الجميع‏,‏ " فينبئهم بما كانوا يعملون‏ ‏
" إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ "‏ أي بما تكنه القلوب التي في الصدور ‏.‏
وتقارن الآيات بين حال كلٍ من الكافرين والمشركين، وبين الذين يرجون رحمة الله، ويحذرون الآخرة‏,‏ فيجتهدون في العبادة آناء الليل وأطراف النهار‏,‏ وتقرر أنه لا يستوي الذين يعلمون والذين لايعلمون‏,‏ وأنه لايتذكر إلا أولو الألباب ‏.‏
وتوجه الآيات الخطاب إلى خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ أن يطالب الذين آمنوا من عباد الله بتقوى الله‏,‏ مؤكداً أن للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة‏,‏ وأنه لا يجوز للمؤمن بالله أن يقبل الظلم أبدا‏ًً,‏ فأرض الله واسعة‏,‏ وأن الصبر على مجاهدة الظلم والظالمين من أعظم القربات إلى رب العالمين‏,‏ وأن الصابرين يوفَّوْن أجورهم بغير حساب‏,‏ وتطالبه الآيات‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ أن يقول للناس كافة‏ :‏
" قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ . وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ المُسْلِمِينَ . قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ . قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِينِي . فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ قُلْ إِنَّ الخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ أَلاَ ذَلِكَ هُوَ الخُسْرَانُ المُبِينُ "   (‏ الزمر‏:11‏ ـ‏15)‏ .
وتعاود الأيات المقارنة بين عذاب الخاسرين من الكفار والمشركين يوم القيامة‏,‏ وبين نعيم الذين اجتنبوا الطاغوت‏,‏ وأنابوا إلى الله من أولي الألباب الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه‏,‏ مؤكدة أن الذي شرح الله صدره للإسلام فأصبح على نور من ربه يختلف حاله تماماً عن الذين اعرضوا عن دين الله‏,‏ فضلوا ضلالاً بعيدا‏ًً،ً‏ وأصبحت قلوبهم قاسية إلى الحد الذي لا يحركها ذكر الله‏,‏ ولا النظر في آياته العديدة في أنفسهم وفي الآفاق من حولهم‏ .‏
ثم تعاود الآيات إبراز قدر القرآن الكريم عند رب العالمين‏,‏ وذلك بقول الحق‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ :‏
" اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ " (‏ الزمر‏:23)‏ .
وتقارن سورة الزمر للمرة الثالثة بين مصائر الصالحين والطالحين يوم القيامة‏,‏ كما تشير إلى عقاب المكذبين من الأمم السابقة بالخزي في الدنيا وبالعذاب في الآخرة‏,‏ وتضرب للناس الأمثال بقول ربنا ـ تبارك وتعالى ـ :‏ " وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ . قُرْآناً عَرَبِياًّ غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ "  (‏ الزمر‏:27, 28)‏ .
ومن هذه الأمثال ـ ولله المثل الأعلى ـ تشبيه المشرك برجل مملوك لعدد من الشركاء المتنازعين فيه‏,‏ وتشبيه الموحد لله برجل ملكيته خالصة لفرد واحد‏,‏ وواضح الأمر أنهما لا يستويان مثلا‏ًً,‏ فالحمد لله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ الذي أقام الحجة على عباده، وإن كان أكثرهم لا يعلمون ‏.‏
وتخاطب الآيات خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـبحقائق الموت والبعث والحساب‏,‏ وذلك بقول ربنا ـ تبارك وتعالى ـ له ‏:‏
" إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ . ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ " ‏ (‏ الزمر‏:30, 31)‏ .
وتقرر الآيات أن من كذب على الله فنسب إليه ما لا يليق بجلاله‏,‏ أو كذب بالحق الذي أوحاه الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ إلى انبيائه ورسله‏,‏ والذي أتمه‏,‏ وأكمله‏,‏ وحفظه في بعثة خاتمهم أجمعين، فإنه قد ظلم نفسه؛ لأن مثواه سيكون في جهنم وبئس المصير؛ وهي مثوي الكافرين‏,‏ أما الذين صدقوا الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ وصدقوا بما أنزله على خاتم انبيائه ورسله، فأولئك هم المتقون‏,‏ المحسنون الذين لهم عند ربهم مايشاءون ‏.‏
وتؤكد سورة الزمر أن الله ـ‏ تعالى ـ‏ هو الذي يكفي خاتم انبيائه ورسله‏ ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏ ويكفي المؤمنين برسالته من بعده كل ما يواجهون من تحديات الكفار والمشركين‏,‏ فكفار قريش ومشركوها كانوا يتوعدون رسول الله‏ ـ صلوات الله وسلامه عليه‏ ـ‏ بأصنامهم وأوثانهم التي عبدوها من دون الله‏,‏ فدمرها الله ـ‏ تعالى‏ ـ‏ ودمرهم‏.‏ والله يهدي من يشاء ممن قد اختار الهداية على الضلالة‏,‏ ويضل من يشاء ممن قد اختار الضلالة على الهدى‏,‏ وفي ذلك يقول الحق ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :‏
" وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ . وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انتِقَامٍ "(‏الزمر‏:36, 37)‏.
وفي النهي عن الشرك والتحقير من شأنه مرة أخرى تخاطب الآيات خاتم الأنبياء والمرسلين ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ‏ يقول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ :‏
" وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ المُتَوَكِّلُونَ . قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ . مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ "     (‏الزمر‏: 38، 40)‏ .
وفي التأكيد مرة ثالثة على قدر القرآن الكريم عند رب العالمين‏,‏ وفي قدرته على هداية الخلق أجمعين تعاود الآيات توجيه الخطاب إلى خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ بقول الحق ـ تبارك وتعالى‏ ـ :‏ " إِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِم  بِوَكِيلٍ " ‏  (‏ الزمر‏:41)‏ .
وتنعي الآيات على المشركين اتخاذهم شفعاء يتقربون بهم إلى الله‏,‏ وهم يعلمون حق العلم أن هؤلاء الشفعاء لا يملكون شيئاً ولا يعقلون‏,‏ ولذلك تؤكد أن الشفاعة لله وحده‏,‏ لا ينالها أحد إلا برضاه‏,‏ وهو وحده الذي له ملك السماوات والأرض‏,‏ وهو الذي سوف يرجع الخلق جميعهم إليه، فيحاسبهم على أعمالهم‏ .‏
وتنتقد الآيات المشركين لأنهم إذا ذكر الله وحده ـ دون ذكر الذين أشركوهم في عبادته زوراً وبهتاناً ـ انقبضت قلوبهم‏,‏ وإذا ذكر شركاؤهم الذين أشركوهم في عبادة الله بغير حق، فإنهم ـ لكفرهم ـ يستبشرون‏,‏ وفي ذلك يأمر القرآن الكريم خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ أن يقول‏:‏
" قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ " (‏ الزمر‏:46) .
وتعاود الآيات التحذير من الظلم بمختلف أبعاده‏,‏ وأشكاله‏,‏ وصوره، ومنها ظلم النفس بإغراقها في دياجير المعاصي، ومن أشنعها الكفر بالله أو الشرك به‏,‏ وظلم الآخرين باغتيالهم‏,‏ أو اغتيال حقوقهم‏,‏ أو ممتلكاتهم‏,‏ أو أعراضهم‏,‏ أو حرياتهم، وفي ذلك يحذر الحق ـ تبارك وتعالى‏ ـ ‏الواقعين في الظلم من سوء العاقبة فيقول‏ ـ‏ عز من قائل‏ ـ :‏
" وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ العَذَابِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ . وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ " (‏ الزمر‏:47‏، ‏48) .
وتتحدث الآيات مرة ثانية عن جانب من جوانب النفس الإنسانية فتقول ‏:‏
" فَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ . قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ . فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُم بُمُعْجِزِينَ . أَوَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ " ‏   (‏ الزمر‏:49‏ ـ‏52) .
وتحذر الآيات من قنوط الذين أسرفوا في المعاصي من رحمة الله‏,‏ ومن التكذيب بالرسالة الخاتمة والرسول الخاتم‏,‏ ومن الاستكبار على الحق‏,‏ وتدعو إلى سرعة التوبة والإنابة إلى الله، وذلك بقول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ‏ موجهاً الخطاب إلى خاتم أنبيائه ورسله ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ :‏
" قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ . وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ . وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ . أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ . أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ المُتَّقِينَ . أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى العَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ المُحْسِنِينَ . بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الكَافِرِينَ " ‏  (‏ الزمر‏:53‏ ـ‏59)‏ .
وتعرض الآيات لمشهد من مشاهد يوم القيامة يقول فيه الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ :‏
" وَيَوْمَ القِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وَجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ . وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لاَ يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ "  ‏(‏ الزمر‏:60‏ ـ‏61)‏ .
ومعنى هاتين الآيتين الكريمتين أن الذين كذبوا على الله فنسبوا إليه من الصفات ما لا يليق بجلاله‏ ـ‏ كالصاحبة أو الولد‏ ـ سوف يأتون يوم القيامة ووجوههم مسودة من الكذب على الله في الدنيا‏,‏ ثم يلقون في نار جهنم وبئس مثوى المكذبين بالحق‏,‏ المتكبرين على الله ـ‏ تعالى‏ ـ ورسله‏,‏ والمتعالين على أتباع الحق وجنده، بينما ينجي الله الذين اتقوه في الدنيا بفوزهم بالجنة‏,‏ لا يمسهم السوء، ولا يغشاهم شيء من الحزن الذي يغشى الكفار والمشركين يومَ الفزع الأكبر ‏.‏
ثم تؤكد الآيات أن الله ـ‏ تعالى ـ‏ هو خالق كل شيء‏,‏ وأنه على كل شيء وكيل‏,‏ وأن له ـ وحده ـ تصريف أمور السماوات والأرض‏,‏ ولذلك فإن الكافرين بالله وآياته المنظورة والمقروءة هم بالقطع الخاسرون في الدنيا والآخرة‏ .‏
وتعاود الآيات لوم المشركين على شركهم، واستنكار ذلك منهم‏,‏ وتوجه الخطاب إلى رسول الله ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ أن يقول لهم ‏:‏
" قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الجَاهِلُونَ . وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ . بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ "   ‏(‏ الزمر‏:64‏ ـ‏66)‏ .
وتؤكد الآيات أن الذين كفروا بالله ـ‏ تعالى‏ ـ أو أشركوا به‏ لم يعظموه التعظيم الذي يليق بجلاله، وأنهم سوف يرون جانباً من قدر الألوهية يومَ القيامة‏,‏ والأرض جميعاً قبضته‏,‏ والسماوات مطويات بيمينه .‏
وبعد ذلك تشير الآيات إلى نفخة الصور‏,‏ وما يتبعها من موت من في السماوات والأرض إلا من شاء الله‏,‏ ثم ينفخ فيه أخرى فإذا الجميع قائمون من قبورهم‏,‏ وفي هذا اليوم ـ يوم الفزع الأكبر،‏ وكل واحد منتظر مصيره ـ تشرق الأرض بنور ربها‏,‏ ويوضع الكتاب‏,‏ ويحضر النبيون والشهداء ليشهدوا على أممهم‏,‏ فيفصل الله بين الخلائق بالحق‏,‏ ويعطي كل نفس حقها جزاء ما عملت‏ "
وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ " .‏
ثم تصور الآيات أحوال الخلائق في ختام الحساب الإلهي بقول الحق ـ تبارك وتعالى ـ :‏
" وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذَابِ عَلَى الكَافِرِينَ . قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى المُتَكَبِّرِينَ . وَسِيقَ الَذينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ . وَقَالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ العَامِلِينَ "  (‏ الزمر‏:71‏ ـ‏74)‏ .
وتختتم سورة الزمر بتصوير مشهد آخر من مشاهد يوم الحساب يجسد الخشوع لله، يقول فيه الحق ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :‏ " وَتَرَى المَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ العَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ " ( ‏الزمر‏:75) .

الإشارات الكونية في سورة الزمر :
في سياق الاستشهاد على طلاقة القدرة الالهية في إبداع الخلق‏,‏ والاستدلال من ذلك على وحدانية الخالق ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ وعلى حتمية البعث وإمكانيته وضرورته، جاء في سورة الزمر عدد من الإشارات إلى الكون وبعض مكوناته وظواهره يمكن إيجازها فيما يلي‏ :‏
(1) وصف عملية خلق السماوات والأرض بأنها تمت بالحق ، أي حسب قوانين وسنن منضبطة تشهد لخالقها ـ سبحانه وتعالى ـ بأنه الحق‏ .‏
(2)‏ الإشارة الضمنية الرقيقة إلى كروية الأرض‏,‏ وإلى دورانها حول محورها أمام الشمس‏,‏ وإلى جريها في مدارها حول الشمس، وجري كلٍ من الشمس والقمر‏ـ‏ وبالتالي كل أجرام السماء‏ ـ‏ إلى أجل مسمى‏,‏ مما يشير إلى حتمية الآخرة‏ .‏
(3) التأكيد على خلق البشر كلهم من نفس واحدة‏ .‏
(4) ذكر عملية إنزال ثمانية أزواج من الأنعام‏ .‏ والإنزال هنا قد يشير إلى إنزال الشفرة الوراثية الخاصة بكلٍ منها‏ .‏
(5)‏ الإشارة إلى خلق جنين الإنسان في ظلمات ثلاث ‏.‏
(6)التأكيد على عدم مساواة الذين يعلمون والذين لا يعلمون‏,‏ وأن الذين يتدبرون ويفهمون ويتذكرون هم أولو الألباب والنُّهَى‏ .‏
(7) الإشارة إلى أن أصل الماء تحت سطح الأرض هو ماء المطر الذي يسلكه ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ ينابيع في الأرض‏,‏ ثم يخرج به زروعاً مختلفة الأنواع والألوان‏,‏ ثم بعد النضج ييبس الزرع ويجف بعد نضارته‏,‏ ويصفر لونه‏,‏ ثم يتحطم ويصبح فتاتاً متكسراً‏,‏ إشارة إلى دورة الحياة‏,‏ والموت في كل شيء‏ .‏
(8)‏ الإشارة إلى مفارقة الروح للجسد في حالتي النوم والممات‏,‏ ثم يعاد إرسالها للنائم لحظة يقظته‏,‏ وإمساكها عن جسد الميت لحظة وفاته‏ . ‏
(9)‏ التأكيد على أن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ هوخالق كل شيء‏,‏ وأنه على كل شيء وكيل ‏.‏
(10)الإشارة إلى أن الأرض سوف تكون في قبضة الخالق‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ يوم القيامة‏,‏ وأن السماوات سوف تكون مطويات بيمينه، إشارة إلى أنه‏ ـ عالى ـرب كل شيء ومليكه‏,‏ وأنه صاحب الإرادة المطلقة في خلقه‏ ‏
(11)‏ التأكيد على أن الأرض في الآخرة سوف تشرق بنور ربها كما أشرقت أرض الدنيا بنوره ـ سبحانه وتعالى‏ ‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة خاصة بها‏,‏ ولذلك فسوف أقصر حديثي هنا على النقطة الثالثة في القائمة السابقة،والتي جاءت في الآية السادسة من سورة الزمر‏,‏ ولكن قبل الشروع في ذلك لابد من استعراض سريع لأقوال عدد من المفسرين في شرح دلالة هذه الآية المباركة .‏

من أقوال المفسرين:
في تفسير قوله‏ ـ تعالى‏ ـ " خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ... " (‏ الزمر‏6)‏
- ذكر ابن كثير‏ ـ‏ رحمه الله ـ‏ ما مختصره‏ :‏ أي خلقكم مع اختلاف أجناسكم، وأصنافكم، وألسنتكم، وألوانكم . ‏"‏ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ "‏
وهو آدم ـ عليه الصلاة والسلام ـ‏" ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ‏"‏ وهي حواء ـ عليها السلام ـ كقوله ـ تعالى ـ ‏:" يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً" (النساء:1) .(انتهى قول المفسر)
- وجاء في الظلال‏ ـ‏ رحم الله كاتبها برحمته الواسعة‏ ـ ما نصه ‏: ..‏ وحين يتأمل الإنسان في نفسه‏,‏ نفسه هذه التي لم يخلقها‏,‏ والتي لا يعلم عن خلقها إلا ما يقصه الله عليه‏,‏ وهي نفس واحدة‏,‏ ذات طبيعة واحدة‏,‏ وذات خصائص واحدة‏,‏ خصائص تميزها عن بقية الخلائق‏,‏ كما أنها تجمع كل أفرادها في إطار تلك الخصائص‏،‏ فالنفس الإنسانية واحدة في جميع الملايين المنبثين في الأرض في جميع الأجيال وفي جميع البقاع ‏، وزوجها كذلك منها‏,‏ فالمرأة تلتقي مع الرجل في عموم الخصائص البشرية رغم كل اختلاف في تفصيلات هذه الخصائص ، مما يشي بوحدة التصميم الأساسي لهذا الكائن البشري ـ الذكر والأنثى ـ ووحدة الإرادة المبدعة لهذه النفس الواحدة بشقيها‏ .‏ (انتهى قول المفسر)
-‏ وذكر بقية المفسرين كلاماً مشابهاً لا أرى حاجة إلى تكرار سرده ‏.



من الدلالات العلمية للنص الكريم :
أولاً‏:‏ في قوله ـ تعالى ـ ‏:‏ " خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ " :‏
عرف الناس منذ القدم حقيقة توارث الصفات عن الوالدين في الإنسان‏ وفي غيره من الكائنات الحية التي تتكاثر بالتزاوج‏,‏ ولكن آلية هذا التوارث لم تفهم حتى استطاع النمساوي جريجور مندل(
Gregor Mendel)‏ أن يضع لها تصوراً مبدئياً في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي‏(1865‏ ـ‏1869‏ م‏)‏ من خلال عدد من الملاحظات والتجارب التي أجراها على نبات البازلاء، استخلص منها أن انتقال الصفات من جيل إلى آخر يتم عبر عدد من العوامل المتناهية في الضآلة عرفت فيما بعد باسم المورثات أو حاملات الوراثة ‏(Genes) .‏
وبقيت المورثات إلى أوائل القرن العشرين مجرد رموز تستخدم في محاولات تفسير عمليات التنوع في الخلق حتى استطاع الأمريكي مورجان‏(
Thomas Hunt Morgan)‏ في سنة‏(1912‏ م‏)‏ إثبات أن لها وجوداً فعلياً على جسيمات خيطية متناهية في الضآلة توجد بداخل نواة الخلية الحية‏,‏ وتعرف باسم الصبغيات، أو الجسيمات الصبغية‏(Chromosomes)‏ لقدرتها الفائقة على اكتساب الصبغة التي تضاف إلى الخلية الحية والتلون بها‏ .‏

ومن خلال دراسته للصبغيات في خلايا جسم الإنسان تعرَّف‏(‏ مورجان‏)‏ على الصبغي المختص بالتكاثر‏
Reproduction) Chromosome)‏ ، واقترح فكرة التخطيط الوراثي للكائنات الحية، بمعنى رسم خرائط تفصيلية للصبغيات ولما تحمله من المورثات ‏.‏
وفي سنة‏(1955‏ م‏)‏ تمكن كلٌ من الأمريكي جيمس واطسون‏
James Watson) والبريطاني فرانسيس كريك‏Francis Crick))من التعرف على التركيب الجزيئي للحمض النووي الريبي المنقوص الأكسيجين ‏(or Acid Deoxyribonucleic DNA)‏ الذي تتكون منه الصبغيات‏,‏ وتكتب بمكوناته الشفرة الوراثية‏,‏ وهو مركب كيميائي شديد التعقيد‏,‏ وقابل للتكسر كيميائياً ليعطي حمص الفوسفوريك‏,‏ وعدداً من السكريات‏,‏ والقواعد النيتروجينية‏ .‏
وظلت دراسات الوراثة تتكامل في تسارع مبهر حتى تم الإعلان في‏26/6/2000 م‏(‏ الموافق‏24/3/1421 هـ‏)‏ عن الانتهاء من قراءة مبدئية للشفرة الوراثية للإنسان‏,‏ وبتاريخ 14/4/2003 م ‏(‏الموافق12/2/1424هـ‏)‏ أعلنت منظمة الشراكة الدولية لدراسة ترتيب بناء الشفرة الوراثية للإنسان ‏(
The International Human Genome Sequencing Consortium)‏ إكمال مشروع قراءة الشفرة الوراثية للإنسان بنجاح‏ .‏
ويتكون الصبغي من شريط طويل من لفائف الحلزون المزدوج للحمض النووي الريبي غير المؤكسد‏(
DNA)‏، والمرتبط بعدد من البروتينات‏،‏ ويبلغ قطر هذا الحلزون واحداً من نصف المليون من الملليمتر‏,‏ ويبلغ سُمْك جداره واحداً من خمسين مليوناً من الملليمتر‏,‏ ويبلغ حجمه واحداً من المليون من الملليمتر المكعب، وإذا تم فرده فإن طوله يبلغ حوالي الأربعة سنتيمترات‏,‏ بمعنى أنه إذا تم فرد أشرطة الحمض النووي في ستة وأربعين صبغياً موجودة في نواة خلية واحدة من الخلايا العادية البانية لجسم الإنسان‏,‏ وتم رصها بجوار بعضها البعض، فإن طولها يبلغ حوالي المترين‏(4‏ سم‏46=184‏ سم‏),‏ وإذا تم ذلك بالنسبة لمجموع الصبغيات الموجودة في ألف مليون مليون خلية توجد في المتوسط في جسم الفرد الواحد من البشر، فإن طولها يزيد على المسافة بين الأرض والشمس، والمقدرة بحوالي المائة والخمسين مليوناً من الكيلو مترات ‏.‏
ويقسم كل واحد من الصبغيات‏(
Chromosomes)‏ على طوله بعدد من العلامات المميزة إلى وحدات طولية يحمل كلٌ منها عدداً من المورثات‏(Genes)‏ يقدر بحوالي المائة مورث في كل وحدة طولية‏,‏ وهذه المورثات تحمل صفات الخلية الحية وصفات الجسد الذي يحتويها‏,‏ وتكتب هذه الصفات بعدد من الشفرات المصغرة، أو الشفيرات‏(Codons)‏ يتكون كلٌ منها من ثلاث نويدات‏(Nucleotids),‏ وتتكون كل نويدة من زوج من القواعد النيتروجينية‏(A pair of Nitrogenous Basesor Base Pairs)‏ المرتبطة برباط وسطي دقيق‏,‏ وتستند كل قاعدة من هذه القواعد النيتروجينية في جهتها الخارجية إلى جزيئين : أحدهما من السكر، والآخر من الفوسفات في نظام محكم دقيق تكون فيه جزيئات السكر والفوسفات جدارين متقابلين تنتشر بينهما أزواج القواعد النيتروجينية على هيئة درجات السلم الخشبي في علاقات تبادلية منضبطة تحدد الصفات الوراثية للكائن الحي‏ .
ومن الأمور المبهرة حقاً أن هذه القواعد النيتروجينية هي أربعة قواعد فقط تكتب الشفرة الوراثية بتبادلاتها لجميع البشر ممن سبقونا من أول الخلق إلى البلايين المعاصرة‏,‏ وإلى الذين سوف يلحقون بنا، والذين سوف يستمرون من بعدنا ـ إن شاء الله‏ ـ‏ إلى يوم البعث‏,‏ ولكل فرد منهم بصمته الوراثية المميزة‏,‏ وصفاته الشخصية المحددة التي لا تتكرر في غيره‏ .‏
والشفرة الوراثية في الواحدة من الخلايا العادية من خلايا جسد الإنسان تحمل‏18,6‏ بليون جزيء من القواعد النيتروجينية‏,‏ والسكر‏,‏ والفوسفات‏,‏ موزعة بالتساوي بين هذه المجموعات الثلاث‏(6,2‏ بليون جزيء لكلٍ منها‏),‏ وتنقسم هذه البلايين من الجزيئات إلى‏3,1‏ بليون نويدة‏(
Nucleotide)‏ يتكون كلٌ منها من ستة جزيئات، ثنتان منها من القواعد النيتروجينية‏,‏ وثنتان من السكر، ومثلهما من الفوسفات‏ .‏ وتتوزع هذه النويدات في أكثر قليلاً من بليون شفيرة‏(Codon)‏، تتكون كلٌ منها من ثلاث نويدات‏,‏ ومن الشفيرات تتكون المورثات التي تنتشر على طول‏46‏ صبغياً توجد في نواة كل خلية من خلايا جسم الإنسان ما عدا خلايا التكاثر‏ ـ‏ كل من البييضة والحيوان المنوي ـ التي يحتوي كلٌ منها على نصف عدد الصبيغات‏ ـ‏ أي‏23‏ صبغيا فقط‏ ـ‏ حتى يتكاملا بالاتحاد إلى‏46‏ صبغيا في النطفة الأمشاج التي تكون بذرة الجنين ‏.‏
وجزيء الحمض النووي الريبي المنقوص الأكسيجين‏(
DNA)‏ الذي تنبني منه الصبغيات يتكون من لفائف دقيقة جدا يتركب كل منها من سلميات من القواعد النيتروجينية ملتحمة في الوسط ومستندة إلى جدارين من جزيئات السكر والفوسفات‏,‏ وتلتف هاتان السلسلتان على بعضهما حول محور وهمي بشكل حلزوني مطوي طيا شديدا يعرف باسم الرقائق الحلزونية المزدوجة الجدار للحمض النووي‏ (Double Helix DNA Strands) .‏
ومن طلاقة القدرة الإلهية المبدعة في الخلق أن الله ـ تعالى‏ ـ‏ قد أعطى هذه الرقائق الحلزونية المزدوجة الجدار القدرة على الانفلاق نصفين وتكملة كل شق إلى رقيقة حلزونية كاملة بنفس دقة ترتيب الجزيئات الكيميائية فيها، وذلك قبل سويعات من انقسام الخلية‏،‏ ويتم ذلك بدقة فائقة حسب البصمة الوراثية السائدة في الخلية‏ .‏
وإذا عدنا بعملية الانقسام في الشفرة الوراثية إلى الوراء مع الزمن، فإن بلايين الشفرات الوراثية التي تملأ أجساد أكثر من ستة مليارات من البشر الذين يملأون جنبات الأرض اليوم تلتقي مع بلايين الشفرات في أجساد من عاشوا قبلنا‏,‏ وماتوا ومن سوف يأتون من بعدنا إلى قيام الساعة‏,‏ يلتقي كل ذلك في شفرة وراثية واحدة كانت في صلب رجل واحد هو أبونا آدم‏ ـ عليه السلام‏ ـ‏ ولذلك قال‏ ـ‏ تعالى‏ ـ :‏
" خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ
وَاحِدَةٍ "  ‏ ‏ (‏ الزمر‏:6)‏ .
وهو تعبير معجز في زمن لم يكن لأحد من الخلق أدنى إلمام بعلم الوراثة الذي أثبت لنا هذه الحقيقة في منتصف القرن العشرين ‏.‏
أما هذه النفس الواحدة فيصف ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ خلقها وذريتها التي كانت في صلبها لحظة الخلق، وذلك في عدد من آيات القرآن الكريم منها قوله‏ ـ‏ عز من قائل‏ ـ :‏
‏(1)" الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ
وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ "‏ (‏ السجدة‏:7) .‏
(2)" إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ "‏ (‏ ص‏:71) .
(3)‏ " وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ "‏      (‏ المؤمنون‏:12) .‏
(4)" وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ "  (‏ الروم‏:20)‏ .
(5) " إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ " (‏الصافات‏:11)‏ .
(6)‏ " وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَأٍ مَّسْنُونٍ "  (‏ الحجر‏:26)‏ .
(7)" خَلَقَ الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ "      ‏(‏الرحمن‏:14) .‏
(8)‏ " مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى "  (‏ طه‏:55)‏ .
(9) " وَاللَّهُ أَنْبَتَكُم مِّنَ الأَرْضِ نَبَاتاً . ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً "  (‏ نوح‏:17، 18)‏ .
(10)‏ " مَا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ "   (‏ لقمان‏:28)‏ .
(11)" لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ " (‏ التين‏:4) .
وفي التأكيد على خلق أبينا آدم ـ‏ عليه السلام‏ ـ‏ من تراب الأرض، قال رسول الله‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ :‏ " إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض‏,‏ فجاء بنو آدم على قدر الأرض ‏:‏ جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك‏,‏ والخبيث والطيب وبين ذلك "‏ (‏ وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد عن أبي موسي الأشعري‏,‏ كما أخرجه كلٌ من الإمامين أبي داود والترمذي عن عوف الأعرابي وقال الترمذي‏:‏ حديث حسن صحيح‏) .‏
هذه النصوص من القرآن الكريم، ومن السنة النبوية المطهرة نصوص واضحة الدلالة‏,‏ ثابتة النص‏,‏ مؤكدة السند، لا تحتمل التأويل ولا التحوير‏,‏ ومنكرها ينكر معلوماً من الدين بالضرورة‏,‏ وحكم ذلك معروف وجازم وقاطع عند أهل العلم ‏.‏
وقد حاول نفر من غير المتخصصين‏,‏ البعيدين كل البعد عن العلوم الكونية وتخصصاتها‏,‏ والمنهزمين نفسياً أمام الحضارة الغربية‏,‏ والمنبهرين ببهرجتها ، حاولوا تأويل تلك النصوص في تعسف واضح‏,‏ وتكلف غير مبرر‏,‏ وجهل بأبسط قواعد العلوم كي يبرزوها عنوة بما يتلاءم وفرضية التطور العضوي التي أسقطها العلم بمعطياته الكلية كما أسلفنا في مقالنا رقم‏ (139)‏ بهذه الجريدة الغراء‏ .‏
وأحيل هؤلاء المفتونين باللغات الأجنبية التي يتشدقون دوماً بمعرفتها ـ بمناسبة وبغير مناسبة ـ إلى ما حوت من محاولات الدهريين لصرف الأنظار عن الخالق إلى الطبيعة‏,‏ وعن الخلق المحكم الدقيق إلى العشوائية والصدفة؛‏ لأنهم لايؤمنون بإله‏,‏ ولا بوحي‏,‏ ولا ببعث‏,‏ ولا بحساب‏,‏ ولا بجنة ، ولا نار‏,‏ فيحاولون ربط خلق الإنسان ـ ذلك المخلوق المكرم ـ بغيره من الخلق الحيواني السابق في وجوده‏,‏ في محاولات يائسة لا يقرها العلم ذاته، بل أثبت زيفها في أكثر من حادثة ، مثل حادثة بلتدون‏(
Piltdown)‏ الشهيرة وهي من أحقر فضائح الدهريين، إن كان الداروينيون الجدد في بلادنا لايعرفونها‏ .
وباستكبار غيرمبرر وضعوا لفظ‏(‏ البشر‏)‏ الذي افترضوا ـ بلا أدنى دليل ـ أنهم كانوا بلا سمع ولا بصر ولا فؤاد ـ‏ عقل‏‏ ـ كمرحلة انتقالية بين الإنسان وما قبله من حيوانات بدلاً من أن يضعوا القرود وأشباه القرود ‏.‏
وهؤلاء المفتونون بالغرب ومعطياته ادعوا لهم بالهداية، وأطالبهم بالتوبة العاجلة قبل الموت‏ . ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ‏.

ثانيا‏ًً:‏ في قوله ـ تعالى ـ ‏:" ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا " :‏
في كتابه المنشور سنة ‏1993‏ م والمُعَنْوَن‏(
Vanished Worlds)‏ ذكر روي ليمون ‏(Roy Lemon)‏ أن الدراسات المتأخرة في علم الأحياء الجزيئي قد أثبتت أنه يمكن تتبع السلالات الأحيائية بواسطة الحمض النووي الريبي المنزوع الأكسيجين للمتقدرات والمعروف باسم‏(The Mitochondrial-DNA)‏ . والمتقدرات هي جسيمات أو عضيات‏ (Organelles)‏ غشائية التكوين، شديدة الضآلة‏,‏ عظيمة الفائدة، تسبح في سائل الخلية ، وتقوم بتحويل غذائها إلى الطاقة التي تحتاجها كل مكونات الخلية في نشاطها‏‏ ومحتواها من الـ‏(DNA‏ لا يورث إلا من الأم فقط‏,‏ ولا يدخل في عملية اختلاط مورثات الأبوين أثناء إخصاب البييضة‏,‏ وبذلك يمكن تتبع جميع الإناث اللائي يملأن جنبات الأرض اليوم‏,‏ واللائي جئن من قبلنا‏,‏ واللائي سوف يأتين من بعدنا إلى قيام الساعة‏,‏ يمكن تتبع كل هؤلاء إلى الأم الأولى ـ‏ أمنا حواء عليها السلام‏ ـ من خلال الحمض النووي المتقدري الموجود في خلاياهن ‏.‏
أما خلق هذه الأم الأولى، فقد تم بمعجزة لا تقل في تعاظم شأنها عن خلق أبينا آدم ـ عليه السلام ـ من تراب، وفي صلبه جميع نسله‏.‏
أما كيف تم ذلك؟ فلا نملك إلا نصوص القرآن الكريم، والأحاديث النبوية الشريفة‏,‏ والقرآن الكريم يقول لنا فيه ربنا ـ تبارك وتعالى‏ ـ :‏
‏(1)‏
" يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً " (‏ النساء‏:1)‏ .
(2)‏ " هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا "  (‏ الأعراف‏:189) .
(3)‏ " خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا "    (‏ الزمر‏:6) .

وأحاديث رسول الله ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ‏ منها الحديث الصحيح الذي أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن أبي هريرة مرفوعاً إلى النبي ـ‏ عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم‏ ـ‏ يقرر فيه أن أمنا حواء‏ ـ عليها السلام‏ ـ‏ خُلِقَت من ضلع آدم‏ . وهذا الحديث الشريف يتفق في المعنى مع الآيات السابقة دون أدنى تأويل أو تحريف‏ .‏
وقضايا الخلق بأبعادها الثلاثة‏ ـ‏ خلق الكون‏,‏ خلق الحياة‏,‏ وخلق الإنسان ـ قضايا غيبية غيبة كاملة‏,‏ لم يشهدها أيٌ من الإنس أو الجن‏,‏ ولكن الله‏ ـ تعالى‏ ـ من رحمته بنا قد ترك لنا في صخور الأرض، وفي صفحة السماء من الشواهد الحسية ما يمكن أن يعين الإنسان بإمكاناته البشرية المحدودة على الوصول فيها إلى شيء من التصور الصحيح إذا استهدى بهداية الخالق‏ ـ سبحانه وتعالى‏ ـ في محكم كتابه‏,‏ وفي أحاديث خاتم أنبيائه ورسله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ ووظف عقله، وحسه في إدراك ذلك‏,‏ ولكن إذا أنكر الإنسان الهداية الربانية‏,‏ أو تجاهلها‏,‏ أو حاول التطاول عليها بغير علم، دخل في نفق مظلم يصعب عليه الخروج منه إلى لحظة الموت‏ .‏
ولذلك فإن في قول ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :
" خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا " (‏ الزمر‏:6) سبق علمي يشهد للقرآن الكريم بأنه معجز حقاً‏؛‏ لنزوله بمثل هذه الحقائق العلمية البالغة الدقة في زمن لم يكن لأحد من الخلق إدراك لها أو إلمام بها‏,‏ ويشهد للنبي الخاتم والرسول الخاتم الذي تلقى القرآن الكريم بالنبوة وبالرسالة‏,‏ وبأنه ‏ـ‏ صلى الله عليه وسلم ‏ـ‏ كان موصولاً بالوحي‏ ,‏ ومُعلَّماً من قبل خالق السماوات والأرض‏ .‏
ويبقى في النصوص القرآنية الكريمة‏,‏ والأحاديث النبوية الشريفة التي اقتطفنا شيئاً منها في هذا المقال ‏,‏ وفي التحليل العلمي الذي أوردنا جانباً منه هنا وفي خمسة عشر مقالاً سابقاً في هذه الجريدة الغراء ، يبقى في كل ذلك مايرد لأصحاب العقول التائهة ‏,‏ وأصحاب الأبصار الزائغة شيئاً من الرشد، فيتوبون إلى الله قبل فوات الأوان‏ ,‏ ويسقطون شيئاً من الكبر الكاذب والغرور القاتل الذي أوقعهم فيما وقعوا فيه من كبوات وعثرات‏ ,‏ والله هو الموفق والمستعان‏ ,‏ وهو‏ ـ تعالى‏ ـ الهادي إلى سواء السبيل . وآخر دعوانا أن الحمد لله ر
ب العالمين‏ .‏