" إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ‏ " (التوبة:36)


هذه الآية الكريمة جاءت في الثلث الأول من سورة التوبة‏ ,‏ وهي سورة مدنية‏ ,‏ آياتها‏129 ,‏ وهي من أواخر ما نزل علي خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله عليه وسلم‏);‏ وهي السورة الوحيدة من سور القرآن الكريم التي لم تستفتح بالبسملة‏ ,‏ لاستفتاحها بتبرؤ الله ورسوله من عهود المشركين بعد أن نقضوها‏ ,‏ وتبرؤهما منهم‏ ,‏ ومن نجسهم عقابا لهم علي شركهم بالله سبحانه وتعالي‏ .‏
ويدور المحور الرئيسي للسورة حول التشريع الإسلامي بصفة عامة‏ ,‏ وما يخص علاقات المسلمين بغيرهم من الأمم بصفة خاصة‏ .‏
وتؤكد هذه السورة الكريمة علي فريضة الجهاد الإسلامي‏ ,‏ وتنعي علي المتثاقلين عنه‏;‏ وتجرم النفاق والمنافقين‏ ,‏ وتفضح دخائل نفوسهم‏ ,‏ ووضيع تصرفاتهم‏ ,‏ وحقيقة نياتهم وحيلهم‏ ,‏ وتحذر المؤمنين من مكائدهم‏;‏ كما تشير إلى ظاهرة تعدد المستويات الإيمانية في كل مجتمع من المجتمعات البشرية‏ ,‏ وتقرر طبيعة البيعة مع الله علي الجهاد في سبيله بالمال والنفس‏ ,‏ من أجل إعلاء دينه وإقامة عدله في الأرض وتشجب التقاعس عن ذلك مهما كانت قوة الكافرين والمشركين لأن الله تعالى  قد تعهد بنصر عباده المؤمنين‏ ,‏ والله تعالى  لا يخلف وعده‏ .‏
وحددت السورة الكريمة المصارف الشرعية للزكاة‏;‏ وتساءلت ‏:‏
" أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِداً فِيهَا ذَلِكَ الخِزْيُ العَظِيمُ " ‏(التوبة‏:63)‏ .
وأوردت هذا القرار الجازم‏ :" وَعَدَ اللَّهُ المُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ " (التوبة‏68)‏ .
وذكرت السورة بعدد من الأمم السابقة‏ :
" أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ " (التوبة‏:70)‏ .
وفي المقابل تعرض السورة الكريمة لجانب من صفات المؤمنين فتقول :
" وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ " (التوبة‏:71) .
وختمت سورة التوبة بآيتين كريمتين وجهت الخطاب في أولاهما إلى كفار قريش ـ و من بعدهم خطاب إلى الناس كافة ـ يقول لهم فيه ربنا تبارك وتعالى‏ :‏ " لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ " ‏(‏التوبة‏:128)‏ .
ثم توجهت السورة في آخر آية منها بالخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فيه ربنا تقدست أسماؤه ‏:‏ " فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ " (‏التوبة‏:129) .
وهو خطاب لكل مسلم يحمل لواء الدعوة إلى دين الله في مواجهة طواغيت الأرض من العصاة المتجبرين‏ ,‏ ومن الكفار والمشركين إلى يوم الدين‏ .‏

من أقوال المفسرين :
في تفسير قوله تعالى ‏:‏
" إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا المُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ " (التوبة‏:36)‏ .
ذكر ابن كثير رحمه الله ما نصه‏:‏ عن أبي بكرة أن النبي ‏(‏صلى الله عليه وسلم‏)‏ خطب في حجته فقال‏:‏ ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض‏ ,‏ السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم‏ ,‏ ثلاث متواليات‏:‏ ذو القعدة‏ ,‏ وذو الحجة‏ ,‏ والمحرم‏ ,‏ ورجب مضر الذي بين جمادي وشعبان‏ , (والحديث رواه الإمام أحمد وأخرجه البخاري في التفسير بتمامه‏) .‏
وعن ابن عمر قال‏ :‏ خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بمني في أوسط أيام التشريق فقال‏:‏
أيها الناس إن الزمان قد استدار فهو اليوم كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض‏ ,‏ وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم أولهن رجب مضر بين جمادي وشعبان‏ ,‏ وذو القعدة‏ ,‏ وذو الحجة والمحرم‏ . أخرجه ابن جوير وابن مردويه‏ .‏
وقال سعيد بن منصور عن ابن عباس في قوله‏: (منها أربعة حرم‏)‏ قال‏:‏ محرم‏ ,‏ ورجب‏ ,‏ وذو القعدة‏ ,‏ وذو الحجة‏ ,‏ وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث‏: (إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض‏)‏ تقرير منه صلوات الله وسلامه عليه‏ ,‏ وتثبيت للأمر علي ما جعله الله في أول الأمر من غير تقديم ولا تأخير ولا زيادة ولا نقص‏ ,‏ ولا نسيء ولا تبديل‏ ,‏ كما قال في تحريم مكة‏: (إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض فهو حرام بحرمة الله تعالى  إلى يوم القيامة‏) ,‏ وهكذا قال ههنا‏: (إن الزمان قد استدار كهيأته يوم خلق الله السماوات والأرض‏)‏ أي الأمر اليوم شرعا كما ابتدع الله ذلك في كتابه يوم خلق السماوات والأرض‏ . . .‏ أي أنه اتفق أن حج رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ في تلك السنة كان في ذي الحجة‏ ,‏ وأن العرب قد كانت نسأت النسيء يحجون في كثير من السنين ـ بل أكثرها ـ في غير ذي الحجة‏ .‏
وقوله تعالي‏: (منها أربعة حرم‏)‏ فهذا مما كانت العرب أيضا في الجاهلية تحرمه‏ وإنما كانت الأشهر المحرمة أربعة‏:‏ ثلاثة سرد‏ ,‏ وواحد فرد‏ ,‏ لأجل أداء مناسك الحج والعمرة‏ ,‏ فحرم قبل أشهر الحج شهر وهو ذو القعدة‏ ,‏ لأنهم يقعدون فيه عن القتال‏ ,‏ وحرم شهر ذي الحجة لأنهم يوقعون فيه الحج‏ ,‏ ويشتغلون فيه بأداء المناسك‏ ,‏ وحرم بعده شهر آخر وهو المحرم ليرجعوا فيه إلى أقصي بلادهم آمنين‏ ,‏ وحرم رجب في وسط الحول لأجل زيارة البيت والاعتمار به لمن يقدم إليه من أقصي جزيرة العرب فيزوره ثم يعود لوطنه فيه آمنا‏ .‏
وقوله‏: (ذلك الدين القيم‏)‏ أي هذا هو الشرع المستقيم من امتثال أمر الله فيما جعل من الأشهر الحرم والحذو بها علي ما سبق في كتاب الله الأول‏ ,‏ قال تعالي‏: (فلا تظلموا فيهن أنفسكم‏)‏ أي في هذه الأشهر المحرمة لأنها أشد وأبلغ في الإثم من غيرها‏ . . . .‏ وقوله‏:(‏وقاتلوا المشركين كافة‏)‏ أي جميعكم‏ (كما يقاتلونكم كافة‏)‏ أي جميعا‏ (واعلموا أن الله مع المتقين‏) .‏وفي كل من تفسير الجلالين‏ ,‏ والظلال‏ ,‏ وصفوة البيان لمعاني القرآن‏ ,‏ والمنتخب في تفسير القرآن الكريم‏ ,‏ وصفوة التفاسير‏ ,‏ جزي الله كاتبيها خيرا‏ ,‏ جاء كلام مشابه بتباين في طول السرد أو قصره‏ ,‏ ولذلك لا داعي لتكراره هنا‏ .‏

هذه الآية الكريمة تتحدث عن عدة الشهور في سنة من سني الأرض لأن الخطاب القرآني موجه لنا ـ نحن أهل الأرض ـ ولأن كل جرم من أجرام السماء له أزمنته الخاصة به من السنين‏ ,‏ والشهور‏ ,‏ والأسابيع‏ ,‏ والأيام‏ ,‏ وإذا كان الجرم جسما معتما كان له أيضا ليله ونهاره‏ ,‏ ويتضح هذا التباين في أزمنة كل جرم من أجرام السماء بالتباين بين أزمنة أجرام مجموعتنا الشمسية الذي بيانه كما يلي‏:‏
- سنة الشمس‏:225‏ مليون سنة من سني الأرض‏ .‏
- سنة عطارد‏=0 .24‏ من السنة الأرضية‏(=88‏ يوما من أيام الأرض‏) .‏
- سنة الزهرة‏=0 .70‏ من السنة الأرضية‏(=255‏ يوما من أيام الأرض‏) .‏
-‏ سنة الأرض‏=1‏ سنة أرضية‏(=365 .25‏ يوم من أيام الأرض‏) .‏
‏-‏ سنة المريخ‏=1 .88‏ سنة أرضية‏(=686 .67‏ يوم من أيام الأرض‏) .‏
- سنة المشتري‏=11 .86‏ سنة أرضية‏(=4332‏ يوما من أيام الأرض‏) .‏
- سنة زحل‏=29 .46‏ سنة أرضية‏(=10760 .27‏ يوما من أيام الأرض‏) .‏
- سنة يورانوس‏=84 .02‏ سنة أرضية‏(=30688 .31‏ يوم من أيام الأرض‏) .‏
- سنة نبتيون‏=164 .80‏ سنة أرضية‏(=60193 .20‏ يوم من أيام الأرض‏) .‏
- سنة بلوتو‏=247 .70‏ سنة أرضية‏(=90472 .40‏ يوما من أيام الأرض‏) .‏
وهذا التباين في أزمنة كل جرم من أجرام مجموعتنا الشمسية‏ ,‏ بل كل جرم من أجرام السماء يؤكد علي نسبية كل شيء في وجودنا‏ ,‏ حتى يبقي العلم‏ ,‏ الحقيقي‏ ,‏ المطلق‏ ,‏ الكامل‏ ,‏ المحيط لخالق هذا الكون وحده‏ ,‏ الذي هو فوق الخلق كله‏ ,‏ فوق المادة والطاقة وأضدادهما‏ ,‏ وفوق المكان والزمان بمختلف أشكالهما وأبعادهما
" لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ " ‏(الشورى‏:11)‏ .

وعلى الرغم من إيماننا بمحدودية علمنا فإننا ندرك أن من صور تسخير ما في السماوات‏ ,‏ وما في الأرض لهذا الإنسان الضعيف‏ ,‏ المحدود القدرات‏ ,‏ والحواس أن يمكنه ربه تبارك وتعالى من الوصول إلى شيء من الحق في صفحة السماء علي تعاظم أبعادها مما يشهد للخالق سبحانه وتعالى بالألوهية والربوبية‏ ,‏ والوحدانية‏ ,‏ بغير شريك ولا شبيه ولا منازع‏ .‏ والخطاب الإلهي‏ :‏ إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم‏ . كما يشمل سنة الأرض لابد أن له دلالة كونية مهمة منطلقة من أن الأرض في مركز الكون حسبما جاء في العديد من الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة‏ .‏

مركزية الأرض بالنسبة إلى الكون ‏:‏
يمكن استنتاج مركزية الأرض بالنسبة إلى السماوات من الإشارات التالية ‏:‏
‏(1)‏ يشير القرآن الكريم‏ ,‏ كما تشير الأحاديث النبوية الشريفة في مئات المواضع إلى السماوات والأرض‏ ,‏ فقد جاءت لفظة السماء في القرآن الكريم بالإفراد والجمع في ثلاثمائة وعشرة مواضع‏ ,‏ منها مائة وعشرون مرة بالإفراد‏ ,‏ ومائة وتسعون مرة بالجمع‏ .‏
كذلك جاءت الإشارة إلى الأرض في القرآن الكريم في أربعمائة وواحد وستين موضعا منها ما يشير إلى الكوكب ككل‏ ,‏ ومنها ما يشير إلى كتل القارات التي نحيا عليها‏ ,‏ وما بها من صخور‏ ,‏ ومنها ما يشير إلى قطاع التربة الذي يغطي صخور الأرض‏ ,‏ وفي معظم هذه الآيات نجد المقابلة القرآنية الصريحة بين الأرض ـ علي ضآلة حجمها بالنسبة إلى بقية الكون ـ والسماء ـ علي ضخامة أبعادها‏ ,‏ وقطر الجزء المرئي من السماء الدنيا يقدر بأربعة وعشرين ألف مليون سنة ضوئية ـ وهذه المقابلة لا يمكن أن تقوم إلا إذا كان للأرض وضع متميز بالنسبة إلى السماء الدنيا‏ .‏
(2)‏ في احدي وعشرين آية قرآنية كريمة جاء ذكر الوصف الإلهي‏ (السماوات والأرض وما بينهما‏)‏ وهذه البينية لا يمكن أن تتم إلا إذا كانت الأرض في مركز الكون‏) .
(3)‏ جاء في سورة الرحمن قول الحق تبارك وتعالى‏ :‏
" يَا مَعْشَرَ الجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ " (‏الرحمن‏:33)‏ .
وقطر أي شكل هندسي هو الخط الواصل بين طرفيه مرورا بمركزه‏ ,‏ فإذا كانت أقطار السماوات والأرض واحدة‏ ,‏ فلا بد أن تكون الأرض في مركز الكون‏ .‏
(4)‏ في أغلب الحضارات القديمة اعتبرت الأرض مركزا للكون‏ ,‏ وكل المعارف الصحيحة في تلك الحضارات ـ خاصة في القضايا الغيبية‏ ,‏ هي بالقطع من وحي السماء‏ ,‏ أو من بقايا ما قاله ربنا تبارك وتعالى ‏:‏
" وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا " (البقرة‏:31) ‏.
(5)‏ تبدو السماء للناظر إليها من أي مكان علي سطح الأرض وكأنها كرة شاسعة الأبعاد تحيط بالأرض من كل جانب‏ ,‏ ولذلك يسميها الفلكيون باسم الكرة السماوية ويرسمونها دائما بجعل كوكب الأرض مركزا لها‏ ,‏ ومع توزيع أجرام السماء علي سطح تلك الكرة السماوية‏ .‏
(6)‏ روي كل من الإمام الهروي في غريب الحديث‏(362/3) ,‏ والإمام الزمخشري في الفائق في غريب الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله‏:‏ كانت الكعبة خشعة علي الماء فدحيت منها الأرض والخشعة الأكمة الصغيرة‏ ,‏ والعلم يثبت اليوم توسط الكعبة المشرفة لليابسة‏ ,‏ كما يثبت أن الأرض مرت في مرحلة من مراحل إعدادها لاستقبال الحياة بفترة كانت مغمورة غمرا كاملا بالماء‏ ,‏ ولم تكن هناك يابسة‏ ,‏ ثم فجر الله تعالى  قاع هذا المحيط الغامر بثورة بركانية من تحت الماء فكونت أول جزيرة بركانية في العالم‏ ,‏ ثم دحيت بقية اليابسة حول هذه الجزيرة لتكون قارة وحيدة اسمها‏:‏ القارة الأم أو
(Pangaea) ,‏ ثم تفتت هذه القارة الأم إلى القارات السبع الحالية التي تتوسطها الكعبة المشرفة اليوم كما توسطتها في جميع مراحل نموها‏ .‏
(7)‏ كذلك روي مجاهد عن رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ قوله‏:‏ إن الحرم حرم مناء من السماوات السبع والأرضين السبع‏ ,‏ ولفظة مناء معناها قصده‏ ,‏ وفي حذاه‏ ,‏ يقال‏:‏ داري منا دار فلان أي في مقابلتها‏ ,‏ ومعني هذا الحديث الشريف أن الكعبة المشرفة هي مركز اليابسة في الأرض الأولي‏ ,‏ ومن تحتها ست أرضين‏ ,‏ وأن هذه الأرضين السبع محاطة إحاطة كاملة بالسماوات السبع‏ ,‏ وعلي ذلك فإن الكعبة المشرفة هي مركز مركز الكون‏ .‏
وتأكيدا لذلك قال المصطفي صلى الله عليه وسلم‏:‏ البيت المعمور مناء مكة‏ ,‏ وسأل جمعا من الصحابة بقوله الشريف‏:‏ أتدرون ما البيت المعمور؟ قالوا‏:‏ الله ورسوله أعلم‏ ,‏ قال‏ (صلى الله عليه وسلم‏) :‏ هو بيت في السماء السابعة‏ ,‏ علي حيال الكعبة تماما حتى لو خــر لخر فوقها‏ .
كل ذلك يؤكد موقع الكعبة المشرفة من الكون كله‏ ,‏ كما يشير إلى توسط الأرض للكون‏ ,‏ ومن هنا كان لسنة الأرض المكونة من اثني عشر شهرا معني كونيا لم يدركه العلم المكتسب وتتضح دلالته من قول الحق تبارك وتعالى ‏:‏
" إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ " (التوبة:36) .

 



ما هو الشهر القمري ؟‏:‏
يعرف الشهر لغة بأنه مدة مشهورة بإهلال الهلال‏ ,‏وقيل‏:‏ الشهر القمر‏ ,‏ سمي بذلك لشهرته وظهوره‏;‏ وقيل‏:‏ هو العدد المعروف من الأيام‏ ,‏ يشهر بالقمر‏ ,‏ وفيه علامة ابتدائه وانتهائه‏;‏ والجمع أشهر وشهور‏;‏ والعرب تقول‏:‏ رأيت الشهر‏ ,‏ أي‏:‏ رأيت هلاله‏ .‏
وقال الإمام الرازي‏:‏ وأما الشهر فهو عبارة عن حركة القمر من نقطة معينة من فلكه الخاص إلى أن يعود إلى تلك النقطة‏ .
هذا‏‏ وقد ذكرت لفظة الشهر بالإفراد في القرآن الكريم اثنتي عشرة مرة‏ ,‏ جاء نصفها تماما بالصيغة المعرفة الشهر‏ ,‏ والنصف الآخر بالصيغة غير المعرفة شهر أو شهرا‏ .‏
كما جاءت الإشارة إلى الشهر بالتثنية شهرين مرتين‏ ,‏ وبالجمع سبع مرات‏ ,‏ إحداها بالصيغة المعرفة الشهور‏ ,‏ والباقي بالصيغة غير المعرفة أشهر‏ .‏
ويعرف الشهر القمري فلكيا بأنه دورة القمر حول الأرض‏ ,‏ منسوبة إلى موقع الشمس في صفحة السماء‏ ,‏ وهي دورة معقدة يدخل فيها دوران القمر حول الأرض‏ ,‏ ودورانه مع الأرض حول الشمس‏ ,‏ ومع باقي أفراد المجموعة الشمسية حول مركز المجرة‏ ,‏ وما فوق ذلك من حركات لا يعلمها إلا الله تعالى‏ .‏
ولتباين سرعة كل دورة من هذه الدورات في جريها الحقيقي‏ ,‏ وفي حركاتها الظاهرية التي نراها بها من علي سطح الأرض فإن الحركة الظاهرية للشمس تبدو لنا أسرع من الحركة الظاهرية للقمر‏ ,‏ وإن كان لكل منهما مداره المحدد الخاص به‏ .‏
ونتيجة لهذه الحركات المتعددة فإن القمر يمر بين الأرض والشمس فيكون وجهه المنير في اتجاه الشمس‏ ,‏ ووجه المظلم في اتجاه الأرض‏ ,‏ وتسمي هذه المرحلة باسم مرحلة المحاق أو مرحلة الاقتران‏;‏ وبمجرد خروج القمر عن هذا الوضع يبدأ أهل الأرض في رؤية حافته المنيرة التي تؤذن بميلاد شهر قمري جديد‏ .‏
وبتواصل دوران القمر حول الأرض تزداد مساحة الجزء المنير من سطحه المواجه لنا فيتحرك من الهلال الوليد إلى الهلال المتنامي‏ ,‏ إلى التربيع الأول‏ ,‏ إلى الأحدب المتنامي إلى البدر الكامل‏ ,‏ ثم تبدأ مساحة الجزء المنير من سطح القمر المواجه لنا في التناقص التدريجي حتى المحاق‏ ,‏ ويمر خلال فترة التناقص تلك بمراحل الأحدب المتناقص‏ ,‏ ثم التربيع الثاني‏ ,‏ ثم الهلال المتناقص إلى المحاق ليختتم شهرا قمريا‏ ,‏ ويؤذن بميلاد شهر جديد مع هلال وليد جديد‏ .‏
والقمر يدور حول نفسه‏ ,‏ وحول الأرض بنفس السرعة المتوسطة المقدرة بنحو كيلومتر واحد في الثانية‏ ,‏ فيواجه الأرض دائما بوجه واحد‏ , ,‏ وبذلك يصبح يوم القمر شهرا قمريا كاملا نصفه ليل‏ ,‏ ونصفه نهار‏ ,‏ وتفصل بين هذين النصفين دائرة قريبة من الدائرة العظمي تعرف باسم دائرة النور‏ ,‏ كما تفصل بين ما يرى وما لا يرى من سطح القمر دائرة أخري تعرف باسم دائرة الرؤية‏;‏ وهاتان الدائرتان تنطبقان في مرحلتي البدر الكامل‏ (الاستقبال‏) ,‏ والمحاق‏ (الاقتران أو الاجتماع‏) ,‏ وتتقاطعان بزوايا مختلفة في المراحل المتوسطة بين هذين الحدين‏;‏ وتنشأ عن تطابقهما وتقاطعهما الأشكال المختلفة لوجه القمر المواجه للأرض‏:‏من المحاق إلى البدر الكامل‏ ,‏ ومنه إلى المحاق الذي يليه‏ .‏ فعند تطابق دائرتي النور والرؤية في وضع الاقتران يكون القمر في المحاق‏ ,‏ وفي وضع الاستقبال يكون القمر في البدر الكامل‏ ,‏ وعند تقاطع هاتين الدائرتين فإننا نري جزءا من نصف القمر المنير‏ ,‏ وجزءا من نصفه المظلم‏ ,‏ ويبقي القمر في مرحلة الهلال المتنامي الذي يزداد حجمه بالتدريج حتى يصل إلى مرحلة التربيع الأول في اليوم السابع من الشهر القمري‏ ,‏ ثم إلى مرحلة الأحدب المتنامي بعد مضي أحد عشر يوما من بدء الشهر القمري‏ ,‏ ويصل إلى البدر الكامل بعد مضي أربعة عشر يوما أو نحوها من بداية الشهر القمري‏ ,‏ ويصل إلى مرحلة الأحدب المتناقص بعد انقضاء أربعة أيام تقريبا علي مرحلة البدر‏ ,‏ وبعد مضي‏22‏ يوما تقريبا من الشهر القمري يصل إلى مرحلة التربيع الثاني‏ ,‏ وفي الأيام الثلاثة التي تلي التربيع الثاني يصل القمر إلى مرحلة الهلال المتناقص‏ ,‏ وفي آخر يوم من الشهر القمري يكون القمر قد أصبح بين الأرض والشمس علي استقامة واحدة فيدخل في مرحلة الإظلام الكامل أو المحاق‏ ,‏ والمراحل الرئيسية في هذه الدورة التربيع الأول‏ ,‏ البدر الكامل‏ ,‏ التربيع الثاني‏ ,‏ المحاق التي يستمر كل منها قرابة الأيام السبعة كانت أساس تقسيم الشهر القمري إلى أربعة أسابيع‏ .‏
وفي دورة القمر حول الأرض فإنه يمر عبر برج من بروج السماء الاثنى عشر في كل شهر حتى يعود إلى البرج الذي بدأ به مع فروق تقدر بنحو‏11‏ يوما‏ ,‏ وبذلك تتحدد سنة كاملة‏ .‏
كذلك يمر القمر في كل ليلة بمكان معين من البرج الشهري‏ ,‏ وينسب هذا المكان إلى عدد من النجوم التي تبدو ظاهريا أنها قريبة من القمر‏ ,‏ وتعرف هذه المواقع باسم منازل القمر أي أماكن وجود القمر في كل ليلة من ليالي الشهر القمري بالنسبة إلى نجم معين أو مجموعة نجمية محددة‏;‏ وعدد هذه المنازل ثمانية وعشرون منزلا بعدد الليالي التي يري فيها القمر‏ ,‏ ومتوسط مدة كل منها‏13‏ يوما بالنسبة إلى السنة الشمسية‏ .‏

ما هي السنة القمرية؟ :
تعرف السنة القمرية بالفترة الزمنية التي يتم فيها القمر اثنتي عشرة دورة كاملة حول الأرض‏;‏ وتستغرق هذه الفترة‏(354 .37‏ يوم‏)‏ لأن متوسط عدد الأيام في كل شهر قمري هو نحو‏(29 .53‏ يوم‏) ,‏ ولما كانت كسور الأيام لا تدخل في حساب الشهور‏ ,‏ ولا في حساب السنين اعتبرت السنة القمرية مساوية للرقم الصحيح‏(354‏ يوما‏) ,‏ وتعرف بالسنة القمرية البسيطة‏ ,‏ وتتجمع الكسور لتتم يوما كاملا مرة كل ثلاث سنوات تقريبا تصبح مدة السنة القمرية فيها‏(355‏ يوما‏) ,‏ وتعرف باسم السنة القمرية الكبيسة‏ ,‏ وتظهر‏11‏ مرة في كل‏30‏ سنة تقريبا‏ .‏
والتعبير اللغوي سنة مستمد من‏ (سنا‏) , (سنيو‏) ,‏ بمعني دار يدور حتى يعود إلى مكانه الأول‏ ,‏ وكذلك تعبير الحول مستمد من حال يحول‏ ,‏ وهو بنفس المعني‏ ,‏ كما أن السنة هي أول السن‏ .‏

ما هي السنة الشمسية؟‏:‏
السنة الشمسية تحددها دورة كاملة للأرض حول الشمس‏ ,‏ وتقسم هذه السنة بواسطة بروج السماء الاثنى عشر إلى اثنا عشر شهرا‏ ,‏ كما يمكن أن تقسم بواسطة اثنتي عشرة دورة كاملة للقمر حول الأرض بفرق يقدر بنحو الأحد عشر يوما‏ ,‏ وهو الفرق بين السنتين الشمسية والقمرية‏ ,‏ لأن السنة الشمسية يقدر زمنها بنحو‏365 .25‏ يوم‏ ,‏ بينما يقدر زمن السنة القمرية بنحو‏354‏ يوما‏ .‏
ما هو الشهر الشمسي؟‏:‏
يقوم حساب الشهور الشمسية أساسا علي مراقبة بروج السماء الاثنى عشر الرئيسية‏ ,‏ وهذه البروج هي تجمعات من النجوم تمر بها الأرض في دورتها السنوية حول الشمس‏ ,‏ وتبدو هذه البروج من فوق سطح الأرض بأشكال محددة تميز برجا عن الآخر‏;‏ ودائرة البروج هي مسار الشمس السنوي بين النجوم كما يظهر لنا من علي سطح الأرض‏;‏ وهي في حركتها الظاهرية لنا تبدو وكأنها تمر باثني عشر برجا تسمي باسم منازل الشمس‏ ,‏ وتبقي في كل واحد منها نحو الشهر‏ ,‏ ثم تعود في نهاية السنة الشمسية إلى البرج الذي بدأت منه‏ ,‏ وهكذا دواليك‏ .‏ وهذه البروج هي‏ :‏ الجدي‏ ,‏ الدلو‏ ,‏ الحوت‏ ,‏ الحمل‏ ,‏ الثور‏ ,‏ الجوزاء‏ ,‏ السرطان‏ ,‏ الأسد‏ ,‏ العذراء‏ ,‏ الميزان‏ ,‏ العقرب‏ ,‏ والقوس‏;‏ مبتدئين بالأول من شهر يناير‏ ,‏ ومنتهين بشهر ديسمبر تقريبا‏ ,‏ وإن سميت تلك البروج بأسماء مختلفة في الدول المختلفة‏ .‏

الشهور في القرآن الكريم هي الشهور القمرية
الآية القرآنية الكريمة التي نحن بصددها تؤكد أن الشهر المقصود في القرآن الكريم هو الشهر القمري‏ ,‏ وكذلك العديد من الآيات الأخرى في كتاب الله‏ ,‏ والشهور القمرية عرفتها أغلب الحضارات القديمة كما استخدمها العرب قبل بعثة خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله عليه وسلم‏) ,‏ وكان هذا من بقايا وحي السماء الذي توارثوه عن كل من نبي الله إبراهيم وولده إسماعيل‏ (علي نبينا وعليهما من الله السلام‏) .‏
ويؤكد هذا أن جميع التكاليف الشرعية قد ربطها الشارع الحكيم بالأهلة‏;‏ وعلي ذلك فإن السنة المعتبرة في الإسلام هي السنة القمرية‏ ,‏ وأن الشهور المعتبرة هي الشهور القمرية‏ .‏
كذلك كان من تراث النبوة أن العرب قبل بعثة خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏كانوا يعظمون الأشهر الحرم‏ ,‏ وهي ذو القعدة‏ ,‏ وذو الحجة‏ ,‏ والمحرم‏ ,‏ ورجب حتى في زمن شركهم وجاهليتهم‏ .‏ ومعروف شرعا أن المعصية في هذه الشهور تلقي عقابا من الله أشد‏ ,‏ كما أن الطاعة تلقي أجرا أعظم وثوابا أكثر من بقية شهور السنة‏ ,‏ وعلي المسلمين اليوم إدراك ذلك ومتابعته كي تتعزز مكانة هذه الأشهر الحرم في قلوبهم وعقولهم فتتحقق الحكمة من قول ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) :‏
" ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ " (التوبة:36) .
ويأتي بعد ذلك أن القمر هو أقرب أجرام السماء إلينا‏ ,‏ وحركاته هي أكثر حركات أي جرم من الأجرام الكونية وضوحا لنا‏ ,‏ وضبط الأزمنة به أحكم من ضبطها بأي وسيلة كونية أخرى‏ .‏
وتبقي الحكمة الإلهية واضحة جلية بوجود هذا الفارق الزمني الطفيف بين السنتين الشمسية والقمرية حتى لا ترتبط العبادات الشرعية بظروف مناخية محددة علي مدار الزمن‏ ,‏ بل تتحرك مع فصول السنة ومناخاتها المتباينة‏ ,‏ فتؤدى في كل من الحر والقمر‏ ,‏ وفي طول أي من النهار والليل أو قصره‏ ,‏ ومع ذلك فلا يوجد ما يمنع من اعتبار كل من الشهور القمرية والسنة القمرية جنبا إلى جنب مع السنة الشمسية التي تحددها دورة الأرض حول الشمس دورة كاملة في كل اثنتي عشرة دورة كاملة للقمر حول الأرض‏ ,‏ مع حساب الفارق المقدر بأحد عشر يوما بينهما‏ ,‏ بدلا من استخدام أسماء الشهور الميلادية‏ ,‏ وأغلبها من الوثنيات القديمة‏ .‏
وبذلك تكون السنة الإسلامية شمسية‏/‏قمرية تحدد السنة فيها دورة كاملة للأرض حول الشمس‏ ,‏ وتقسم هذه السنة إلى اثني عشر شهرا دورة القمر حول الأرض في اثنتي عشرة دورة كاملة مع حساب الفوارق‏ .‏

من أوجه الإعجاز العلمي في الآية الكريمة
بتحديد الآية الكريمة التي نحن بصددها عدة الشهور عند الله باثني عشر شهرا تحديد للسنة القمرية كما هو تحديد للسنة الشمسية فكلاهما مكون من هذا العدد من الشهور علي الرغم من تأكيد القرآن الكريم علي الشهور القمرية ومن ثم علي السنة القمرية‏ .‏
وسنة أي كوكب هي الفترة الزمنية التي يستغرقها ليتم دورة كاملة حول النجم الذي يتبعه‏ ,‏ وهو يجري في مدار محدد حول ذلك النجم‏ ,‏ وبمتوسط سرعة محدد كذلك‏ .‏ ويحدد سنة الكوكب‏ ,‏ كما يحدد متوسط سرعة جريانه عاملان ضابطان مهمان‏:‏ هما طول مدار الكوكب حول النجم ويحدده متوسط نصف قطر هذا المدار‏ ,‏ وكتلة الكوكب بالنسبة إلى كتلة النجم وكلاهما مرتبط بقوة الجاذبية بين كل من النجم والكوكب الذي يدور حوله‏ .‏
ومدار كل الأجرام المعروفة لنا مثل مدار كل من القمر حول الأرض‏ ,‏ والأرض حول الشمس هو مدار إهليلجي‏ (بيضاوي‏)‏ الشكل‏ ,‏ علي شكل القطع الناقص‏ ,‏ ومن قوانين الحركة في مدار القطع الناقص خضوع السرعة المحيطية لقانون تكافؤ المساحات مع الزمن‏ ,‏ وهذا القانون يحتم اختلاف مقدار السرعة علي طول المحيط‏ ,‏ فعندما يقترب القمر من الأرض‏ ,‏ أو يقتربان معا من الشمس لابد من أن تزداد سرعة كل منهما المحيطية حتى تزداد بالتبعية قوة الطرد المركزي علي كل منهما‏ ,‏ وإلا انهار هذا النظام بالكامل بارتطام القمر بالأرض‏ ,‏ أو باندفاعهما معا إلى سعير الشمس‏ .‏
وبالمقابل فعندما يبتعد القمر في مداره عن الأرض‏ ,‏ أو يبتعدان معا عن الشمس‏ ,‏ فإن السرعة المحيطية لكل منهما لابد وأن تتناقص بنسب محددة حتى تقل قوة الطرد المركزي لكل منهما‏ ,‏ وإلا انفلت القمر من عقال جاذبية الأرض‏ ,‏ أو انفلتا معا من عقال جاذبية الشمس فيضيعان في فسحة الكون‏ .‏
والإشارة القرآنية الكريمة إلى ثبات عدة الشهور باثني عشر شهرا منذ خلق الله السماوات والأرض تأكيد ضمني علي انضباط كتل‏ ,‏ وأحجام‏ ,‏ وأبعاد وسرعات الأرض‏ ,‏ وجميع أجرام السماء منذ اللحظة الأولي للخلق‏ ,‏ وإلى أن يرث الله تعالى  الأرض ومن عليها‏ ,‏ وإلا لانهار بناء الكون‏ .‏ وفي انضباط هذه المسافات ضبط لكميات الطاقة التي تصل من النجم إلى كل كوكب يدور في فلكه مثل الأرض‏ ,‏ ولو زادت كمية الطاقة التي تصلنا من الشمس‏ ,‏ ولو قليلا لاحرقتنا ولأحرقت كل ما حولنا‏ ,‏ ولو قلت قليلا لجمدتنا‏ ,‏ وجمدت كل شيء حولنا‏ .‏
ولذلك يشير القرآن الكريم إلى هذه الحقائق التي لم تدرك إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين‏ .‏كما يشير في مقام آخر إلى أن أولي بوادر إنهاء النظام الكوني هو انفلات القمر من عقال جاذبية الأرض‏ ,‏ ووقوعه في جحيم الشمس‏ ,‏ فقال عز من قائل‏:‏ وجمع الشمس والقمر ‏ ,‏ وقد ثبت أن بوادر ذلك قد ظهرت في قدر من التباعد بين القمر والأرض ‏ .
فسبحان الذي أنزل القرآن الكريم أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله‏ ,‏ ليكون للعالمين نذيرا‏ ,‏ والصلاة والسلام علي خاتم الأنبياء والمرسلين الذي تلقاه‏ ,‏ والحمد لله رب العالمين ‏ .‏