" وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراً " (الفرقان‏:53).


هـذه الآية الكريمة جاءت في مطلع الثلث الأخير من سورة الفرقان‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ وآياتها سبع وسبعون‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم الكريم‏ ـ الفرقان ـ‏ وهو اسم من أسماء القرآن العظيم‏؛ لكونه فارقاً بين الحق والباطل‏ .‏ويدور المحور الرئيسي للسورة حول قضية العقيدة الإسلامية‏,‏ ومن ركائزها‏:‏ تنزيه الله‏ ـ‏ تعالى ـ عن كل وصف لا يليق بجلاله ، مثل نسبة الولد ـ زوراً ـ إليه‏,‏ والادعاء الباطل بوجود شركاء له في ملكه‏,‏ والهروب من الاعتراف بالحقيقة الجلية أنه ـ تعالى ـ خالق كل شيء بتقدير دقيق‏,‏ وحكمة بالغة‏,‏ وأن له‏ ـ‏ وحده‏ ـ ملك السماوات والأرض دون شريك‏,‏ ولا شبيه‏,‏ ولا منازع‏,‏ وهي من صفات الألوهية الحقة‏ .‏
وتبدأ سورة الفرقان بتمجيد الله وتعظيمه‏,‏ وبالتأكيد على أنه ـ‏ تعالى‏ ـ هو الذي أنزل القرآن الكريم على خاتم أنبيائه ورسله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ فارقاً بين الحق والباطل ليكون نذيراً للعالمين‏,‏ في كل وقت وفي كل حين‏ ،‏ وتنعي السورة الكريمة على الذين كفروا إنكارهم لتلك الحقيقة القائمة‏,‏ وتطاولهم على كلٍ من كتاب الله وخاتم الأنبياء والمرسلين‏,‏ وإنكارهم ليوم الدين‏,‏ وترد عليهم بقول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :‏
" قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً "   ‏(‏الفرقان‏:6) .
كذلك تنعي عليهم تعنتهم بالاعتراض على بشرية خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ وعلى محدودية حظه من المال‏,‏ وعلى تنزل القرآن منجَّماً‏,‏ وقد أنزل كل من الكتب السابقة دفعة واحدة ،‏ وتطاولهم بطلب الرسالة السماوية من الملائكة مباشرة‏ ،‏ أو طلب رؤية الله جهرة حتى يؤمنوا به‏,‏ وهي صورة من صور الصلف الكافر الذي لا يفهم لمدلولات كلٍ من الألوهية والنبوة والرسالة‏‏ حقيقة ولا معنىً صحيحاً .
وتعرض السورة الكريمة لشيء من مشاهد الآخرة‏,‏ ولعذاب الكافرين في نار جهنم‏,‏ وتقارن بين هذا العذاب المهين‏,‏ وبين تكريم الله للمتقين في جنات النعيم‏ .
كما تعرض لمصارع المكذبين في عدد من الأمم السابقة على هذه الأرض‏,‏ وإلى شيء من مصائرهم يوم القيامة‏,‏ وندمهم على ما قد فرطوا فيه من حقوق الله وحقوق عباده‏,‏ وعلى انصرافهم عن اتباع الرسول الخاتم والنبي الخاتم‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ وتوليهم لأهل الكفر والشرك والضلال‏,‏ اتباعاً لغواية الشيطان‏‏ ولغواية الغاوين من بني الإنسان‏,‏ وعبادة لهوى النفس الذي يُعمِي ويُصِمُّ عن رؤية الحق‏,‏ وعن الاستماع إلى حجيته ومنطقه فيهوى ذلك بالإنسان إلى ما دون مستوى البهائم‏ .‏
ويشكو المصطفى ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ إلى ربه هجر قومه للقرآن الكريم‏,‏ وهذه الشكوى كما كانت قائمة في زمن النبوة تظل قائمة في كل زمان يُهجر فيه القرآن‏,‏ ويُقصى عن مناط الحكم والتشريع‏ .
وتعرج سورة الفرقان إلى تخفيف الأمر عن رسول الله‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ بتذكيره بأن كافة الأنبياء والمرسلين من قبله قد جُوبهوا من قبل أهل الكفر والضلال بعداوة شديدة‏,‏ وبالتأكيد له على أن الله ـ‏ تعالى ـ‏ عالم بذلك‏,‏ مطِّلع عليه‏,‏ ومُجَازٍ به‏,‏ وتوصيه بالصبر والمصابرة‏,‏ وبمجاهدة الكافرين بما في القرآن العظيم من حق أَبْلَج‏,‏ وتعينه على ذلك بأمره بالتوكل على الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ الحي الذي لا يموت‏,‏ وبالتسبيح دوماً بحمده‏,‏ وتعيد إلى ذاكرته ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ أن دوره هو دور البشير النذير‏ .
وتقرر السورة الكريمة أن من صلف الكافرين وتطاولهم وضلالهم إنكار الله الخالق‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ وعبادة دونه ما لا ينفعهم ولا يضرهم‏,‏ وفي ذلك يقول الحق ـ‏ تبارك وتعالى ـ :‏
" وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُهُمْ وَلاَ يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيراً "    (‏الفرقان‏:55) ‏.
ويقول‏ ـ عز من قائل ـ : ‏
"وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُوراً "   (‏ الفرقان‏:60) .‏
وفي المقابل تنتقل السورة الكريمة إلى استعراض عدد من صفات عباد الرحمن‏‏ في مقارنة رائعة بين صفات أهل الحق وصفات أهل الباطل‏,‏ مؤكدة جزاء الصالحين بالخلود في جنات النعيم في حفاوة وتكريم من الله وملائكته‏,‏ وتنتهي بتأكيد هوان البشرية كلها على الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ لولا تلك الطائفة القليلة من عباده الصالحين الذين يعرفون معنى الألوهية والربوبية الحقة لجلال الله الخالق‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ فيجأرون بالدعاء له طلباً لرحمته ورضوانه‏,‏ أما الغالبية الساحقة من البشر الذين كفروا بالله‏,‏ أو أشركوا به ما لم ينزل به سلطانا‏ًً,‏ واتبعوا الشهوات فسوف يَلْقَوْن غَيَّاً‏؛‏ لأن الله‏ ـ تعالى ـ‏ قد تعهد أن يجزيهم بسوء أعمالهم جزاء ملزما‏ًً .‏

وفي معرض الاستشهاد على صدق ما جاء بهذه السورة المباركة وردت الإشارة إلى العديد من الآيات الكونية التي منها ‏:‏
‏(1)‏ أن الله‏ ـ‏ تعالى ـ هو خالق كل شيء ، ومقدِّره تقديراً وفق علمه وحكمته وقدرته‏,‏ وأنه‏ ـ تعالى‏ ـ‏ هو الذي يعلم السر في السماوات والأرض‏ .‏
‏(2)‏ تشقق السماء بالغمام من بدايات انهيار النظام الكوني‏ .‏
‏(3)‏ الإشارة إلى دوران الأرض حول محورها بمد الظل وقبضه‏ .‏
‏(4)‏ تخصيص الليل للنوم والراحة‏,‏ وتخصيص النهار لليقظة والجري وراء المعايش ‏.‏
‏(5)‏
أن الله ـ تعالى‏ ـ‏ هو الذي يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته‏,‏ وأنه‏ ـ سبحانه وتعالى‏ ـ هو الذي ينزل من السماء ماء طهوراً ليحيي به أرضا ميتة‏,‏ ويسقيه مما خلق أنعاماً وأناسيَّ كثيرا‏ًً .‏
‏(6)‏ أن الله ـ‏ تعالى ـ‏ ‏ "...‏ هُوَ الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراً " (الفرقان:53) .‏
‏(7)‏ أن
الله ـ‏ تعالى‏ ـ‏  " ... هُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ المَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً ‏....‏ " (الفرقان:54) .
‏(8)‏
أن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام‏ (‏ أي ست مراحل متتالية‏) .‏
‏(9) أن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ هو "..‏ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً " (الفرقان:61) .
(10) أن الله ـ‏ تعالى‏ ـ‏ ‏" ...‏ هُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً ‏... "‏ (الفرقان:62)، وهي إشارة ضمنية رقيقة إلى حقيقة دوران الأرض حول محورها أمام الشمس ‏.‏
وكل آية من هذه الآيات الكونية العشر تحتاج إلى مناقشة موضوعية خاصة بها‏,‏ ولما كان المقام لا يتسع، لذلك أجدني مضطراً لقصر الحديث هنا على آية واحدة منها، ألا وهي الآية الثالثة والخمسون المشار إليها هنا في النقطة السادسة أعلاه‏,‏ التي تصف التقاء ماء النهر العذب الفرات بماء البحر الملح الأجاج‏ . وقبل الولوج في ذلك أرى لزاماً على أن أعرض لعدد من أقوال المفسرين السابقين في شرح هذه الآية الكريمة‏,‏ ولشرح دلالات الغريب من ألفاظها على مسامع أهل عصرنا الذي نسي كثير من العرب فيه لغتهم الأم، ولغة كتاب دينهم العظيم‏ .‏

في تفسير الآية الكريمة التي يقول فيها ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ :‏ "وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراً  "‏  (‏ الفرقان‏:53)‏ .ذكرابن كثير ـ‏ يرحمه الله‏ ـ ما نصه‏ :...‏ وقوله ـ تعالى ـ‏ : "‏ وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ "‏ أي خلق الماءين الحلو والمالح‏,‏ فالحلو كالأنهار والعيون والآبار ‏.‏ قاله ابن جريج واختاره‏,‏ وهذا المعنى لا شك فيه‏,‏ فإنه ليس في الوجود بحر ساكن وهو عذب فرات‏,‏ والله ـ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ إنما أخبر بالواقع لينبه العباد إلى نعمه عليهم ليشكروه‏,‏ فالبحر العذب فرقه الله ـ تعالى ـ بين خلقه لاحتياجهم إليه أنهاراً أو عيوناً في كل أرض‏‏ بحسب حاجتهم وكفايتهم لأنفسهم وأراضيهم‏ .‏ وقوله تعالى: " ‏وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ "‏ أي مالح‏,‏ مر‏,‏ زعاف لا يُستَسَاغ‏,‏ وذلك كالبحار المعروفة في المشارق والمغارب‏,‏ البحر المحيط وبحر فارس، وبحر الصين والهند، وبحر الروم، وبحر الخزر‏,‏ وما شاكلها وشابهها من البحار الساكنة التي لا تجري‏,‏ ولكن تموج وتضطرب وتلتطم في زمن الشتاء وشدة الرياح‏,‏ ومنها ما فيه مد وجزر‏,‏ ففي أول كل شهر يحصل منها مد وفيض‏,‏ فإذا شرع الشهر في النقصان جزرت حتى ترجع إلى غايتها الأولى‏,‏ فأجرى الله‏‏‏ ـ وهو ذو القدرة التامة ـ العادة بذلك‏، فكل هذه البحار الساكنة خلقها الله‏ ـ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ مالحة لئلا يحصل بسببها نتن الهواء‏,‏ فيفسد الوجود بذلك‏,‏ ولئلا تجوي الأرض بما يموت فيها من الحيوان‏,‏ ولما كان ماؤها ملحاً كان هواؤها صحيحاً وميتتها طيبة ‏.

ولهذا قال رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ‏ وقد سئل عن ماء البحر‏:‏ أنتوضأ به؟
فقال‏: "‏ هو الطهور ماؤه‏,‏ الحل ميتته‏ "
‏ (رواه مسلم).
وقوله تعالى‏: "وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً " أي بين العذب والمالح‏ .‏ وبرزخاً أي حاجزاً وهو اليبس من الأرض ."‏ وَحِجْراً مَّحْجُوراً "‏ أي مانعاً من أن يصل أحدهما إلى الآخر ، كقوله ـ تعالى ـ ‏: "‏ مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ . بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ "  (الرحمن:19 –20) .
وقوله ـ تعالى ـ ‏:"‏ وَجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ " (النمل:61) . (انتهى قول المفسر)
وجاء في تفسير الجلالين‏ ـ‏ رحم الله كاتبيه‏ ـ‏ ما نصه ‏:
"‏ وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ "‏ أرسلهما متجاورين . ‏"‏ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ " شديد العذوبة .‏" ‏وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ " شديد الملوحة . " وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً ‏"‏ حاجزاً لا يختلط أحدهما بالآخر . "‏ وَحِجْراً مَّحْجُوراً ‏" ستراً ممنوعاً به اختلاطهما‏ . (انتهى قول المفسر)
وجاء في تفسير الظلال ـ‏ رحم الله كاتبه‏ ـ ما نصه‏ :...‏ وهو الذي ترك البحرين‏,‏ الفرات العذب، والملح المر‏ يجريان ويلتقيان‏,‏ فلا يختلطان ولا يمتزجان‏,‏ إنما يكون بينهما برزخ وحاجز من طبيعتهما التي فطرها الله‏، فمجاري الأنهار غالباً أعلى من سطح البحر‏,‏ ومن ثم فالنهر العذب هو الذي يصب في البحر الملح‏,‏ ولا يقع العكس إلا شذوذا‏ًً,‏ وبهذا التقدير الدقيق لا يطغى البحر ـ وهو أضخم وأغزرـ على النهر الذي منه الحياة للناس والأنعام والنبات‏,‏ ولا يكون هذا التقدير مصادفة عابرة، وهو يطرد هذا الاطراد‏،‏ إنما يتم بإرادة الخالق الذي أنشأ هذا الكون لغاية تحققها نواميسه في دقة وإحكام‏ .
وقد روعي في نواميس هذا الكون ألا تطغى مياه المحيطات الملحة لا على الأنهار ولا على اليابسة حتى في حالات المد والجزر التي تحدث من جاذبية القمر للماء الذي على سطح الأرض‏,‏ ويرتفع بها الماء ارتفاعاً عظيماً .‏ (انتهى قول المفسر)
وجاء في صفوة البيان لمعاني القرآن‏ ـ‏ رحم الله كاتبه ـ ما نصه‏ :
"‏ مَرَجَ البَحْرَيْنِ ‏..."‏ أرسل البحرين‏، العذب والملح في مجاريهما متجاورين،‏ كما ترسل الخيل في المرج‏ .‏ يقال‏:‏ مرج الدابة يمرجها‏,‏ أرسلها ترعى ‏.‏ أو خلطهما فأمرج أحدهما في الآخر وأفاضه فيه‏‏ ، من المرج وأصله الخلط ‏.‏ يقال‏:‏ مرج أمرهم يمرج‏,‏ اختلط ،‏ ومنه قيل للمرعى ‏:‏ مرج‏‏ لاجتماع أخلاط من الدواب فيه‏ .‏
‏"‏ عَذْبٌ فُرَاتٌ "‏
شديد العذوبة‏,‏ مائل إلى الحلاوة ، وهو ماء الأنهار ، وسمي فراتاً لأنه يفرت العطش‏,‏ أي يقطعه ويكسره‏ . "‏ مِلْحٌ أُجَاجٌ "‏ شديد الملوحة والمرارة‏,‏ وهو ماء البحار‏،‏ سمي أجاجاً من الأجيج، وهو تلهب النار‏؛‏ لأن شربه يزيد العطش ‏. "‏ بَرْزَخاً ‏" حاجزاً عظيماً من الأرض‏,‏ يمنع بغي أحدهما على الآخر‏لحفظ حياة الإنسان والنبات‏ ،‏ كما قال تعالى‏: " بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ ‏" . "‏ وَحِجْراً مَّحْجُوراً ‏" أي وجعل كل واحد منهما حراماً مُحرَّماً على الآخر أن يفسده ، والمراد‏:‏ لزوم كل منهما صفته‏،‏ فلا ينقلب العذب في مكانه ملحاً ، ولا الملح في مكانه عذبا‏ًً .‏ (انتهى قول المفسر)
وذكر أصحاب المنتخب في تفسير القرآن الكريم‏ ـ جزاهم الله خيراً ـ‏ ما نصه‏:‏ والله هو الذي أجري البحرين‏،‏ البحر العذب والبحر الملح‏,‏ وجعل المجرى لكلٍ واحد يجاور المجرى الآخر‏,‏ ومع ذلك لا يختلطان‏,‏ نعمة ورحمة بالناس‏ . (انتهى قول المفسر)‏
وجاء في تعليق الخبراء العلميين بالهامش ما يلي‏ :..‏ قد تشير هذه الآية إلى نعمة الله على عباده بعدم اختلاط الماء الملح المتسرب من البحار في الصخور القريبة من الشاطئ بالماء العذب المتسرب إليها من البر اختلاطاً تاماً، بل إنهما يلتقيان مجرد تلاقٍ يطفو العذب منها فوق الملح كأن بينهما برزخاً يمنع بغي أحدهما على الآخر‏ . " وَحِجْراً مَّحْجُوراً "‏
أي حاجزاً خفياً مستوراً لا نراه ‏.‏
وليس هذا فقط بل إن هناك قانوناً ثابتاً يحكم هذه العلاقة ويتحكم فيها لمصلحة البشر ممن يسكنون في تلك المناطق وتتوقف حياتهم على توافر الماء العذب‏,‏ فقد ثبت أن طبقة الماء العذب العليا يزداد سمكها مع زيادة الارتفاع عن منسوب البحر بعلاقة منتظمة ، حتى إنه يمكن حساب العمق الأقصى للماء العذب الذي يمكن الوصول إليه، فهو يساوي قدر الفرق بين منسوب الأرض ومنسوب البحر أربعين مرة‏ . (انتهى قول المعلق)‏
وجاء في صفوة التفاسير‏ ـ‏ جزى الله كاتبه خير الجزاء‏ ـ ما نصه‏ :
"‏ وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ ‏ "‏ أي هو ـ تعالى ـ بقدرته خلَّى وأرسل البحرين متجاورين متلاصقين، بحيث لا يتمازجان . ‏"‏ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ ‏"‏ أي شديد العذوبة، قاطع للعطش من فرط عذوبته‏ . " وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ " أي بليغ الملوحة‏,‏ مر شديد المرارة .‏"‏ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً ‏"‏ أي جعل بينهما حاجزاً من قدرته، لا يغلب أحدهما على الآخر . ‏"‏ وَحِجْراً مَّحْجُوراً "‏ أي ومنعاً من وصول أثر أحدهما إلى الآخر وامتزاجه به‏ . (انتهى قول المفسر)‏

الدلالات اللفظية لبعض كلمات الآية الكريمة :
‏(1) "‏مَرَجَ ‏":‏ ذكرت معاجم اللغة‏ ـ‏ كمعجم ابن فارس ـ أن الميم‏,‏ والراء‏,‏ والجيم أصل صحيح يدل على المجيء والذهاب والاضطراب‏,‏ وقالوا‏: (‏ مرج‏)‏ الخاتم في الإصبع أي قلق واضطرب لاتساعه عن حجم الإصبع‏،‏ ومنه قيل‏:(‏ مرجت‏)‏ أمانات القوم وعهودهم أي اضطربت واختلطت‏ . و‏(‏مرج‏)‏ الأمر اختلط‏,‏ ومنه الهرج والمرج ،‏ وأمر‏(‏ مريج‏)‏ أي مختلط .‏ و‏(‏المَرْج‏)‏ في اللغة هو مرعى الدواب‏,‏ أي الأرض التي يكثر فيها النبات فتمرج فيه الدواب وتختلط‏ ، ولذلك قيل‏:(‏ مرج‏)‏ الدابة و‏(‏أمرجها‏)‏ أي أرسلها ترعى وتختلط بغيرها من الحيوانات في المرعى فـ‏(‏مرجت‏)؛‏ لأن أصل‏(‏ المَرْج‏)‏ هو الخلط . و‏(‏المروج‏)‏ هو الاختلاط ،‏ وقوله‏ ـ‏ تعالى ـ :"‏ مَرَجَ البَحْرَيْنِ "‏ أي أفاض أحدهما بالآخر‏,‏ وجعلهما يختلطان دون امتزاج كامل أي دون أن يلتبس أحدهما بالآخر التباساً كاملاً .‏
و‏(‏مارج‏)‏ من نار أي‏:‏ لهب من نيران مختلطة لا دخان لها ‏.‏
‏(2) "عَذْبٌ فُرَاتٌ‏":‏ الماء‏(‏ العذب‏)‏ هو الماء الطيب المذاق‏,‏ و‏(‏الفرات‏)‏ هو الشديد العذوبة،‏ والبحر العذب الفرات هو النهر لشدة عذوبة مائه ‏.‏
‏(3) "‏ مِلْحٌ أُجَاجٌ":‏ الماء‏ (‏ الملح الأجاج‏)‏ هو‏‏ الماء شديد الملوحة والمرارة‏ ، وما كان من الماء‏(‏ ملحاً أجاجا‏ًً)‏ هو ماء البحر على اختلاف درجات ملوحته .
يقال‏: (‏ ملَّح‏)‏ القِدْر أي‏:‏ طرح فيها الملح بقدر‏,‏ و‏(‏أَمْلَحَهَا‏)‏ أي‏:‏ أفسدها بالملح‏,‏ و‏(‏مَلَّحَهَا تمليحاً‏)‏ مثله‏ .‏
ويقال‏:(‏ مَلُحَ‏)‏ الماء‏(‏ بالفتح والضم‏)‏ فهو ماء‏(‏ مَلِح‏)،‏ وقليب‏(‏ مليح‏)‏ أي‏:‏ ماؤه قليل الملوحة‏;‏ و‏(‏الملاحة‏)‏ منبت الملح‏;‏ و‏(‏المِمْلحة‏)(‏ بكسر الميم‏)‏ ما يجعل فيه‏(‏ الملح‏) . و‏(‏الملَّاح‏)‏ صاحب السفينة‏ .
ويقال‏:(‏ أجَّج‏)‏ النار:‏ أي‏ زادها اشتعالاً وتلهُّباً‏؛ لأن‏(‏ الأَجَجَ‏)‏ هو تلهب النيران‏,‏ من‏(‏ أجَّت‏)‏ النار‏(‏ تؤجُّ‏)(‏ أجيجا‏ًً)‏ و‏(‏أُجُوجَاً‏) .‏ و‏(‏أججها‏)‏ غيرها‏(‏ فأتجَّت‏)‏ و‏(‏تأجَّجت‏),‏ وسمي الماء الشديد الملوحة‏(‏ بالأجاج‏)‏ لأنه يحرق مِعَى الإنسان إذا شربه من شدة ملوحته‏ .‏
‏(4) "‏ برزخ‏":(‏ البرزخ‏)‏ هو الحاجز والحد بين الشيئين،‏ وهو أيضاً ما بين الدنيا والآخرة من وقت الموت إلى البعث‏,‏ فمن مات فقد دخل البرزخ‏ .‏ وفي تفسير قوله‏ ـ تعالى‏ ـ :" وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً ‏... "‏ (الفرقان:53) قال عدد من المفسرين هو حاجز من الأرض‏,‏ وقال البعض الآخر هو حاجز أو حائل أو مانع من قدرة الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ لا يراه أحد من الناس‏ .‏
‏(5)" الحجر المحجور‏" :‏ هو الحرام المحرَّم‏ .‏ و‏(‏الحجر‏)(‏ بكسر الحاء وضمها وفتحها‏)‏ هو المنع والتضييق ‏.‏ يقال‏: (‏ حَجَرَ‏)‏ القاضي عليه أي‏:‏ منعه عن التصرف في ماله، و‏(‏حَِجر‏)‏ الإنسان‏(‏ بكسر الحاء وفتحها‏)‏ واحد‏(‏ الحجور‏),‏ ويقال‏: (‏ احتجر حجرة‏)‏ أي‏:‏ اتخذها مسكناً‏,‏ والجمع‏(‏ حُجُر‏),‏ و‏(‏حُجُرَات‏) .‏
و‏(‏الحجر‏)‏ أيضا هو العقل؛ لأنه يحجر صاحبه ويمنعه من الجري وراء شهواته والتهافت على ما لا ينبغي له‏,‏ ويضبطه ويقهره على ذلك ‏.‏



الدلالة العلمية للآية الكريمة :
تطلق لفظة ‏(‏ البحر‏)‏ في اللغة العربية على كلٍ من النهر ذي الماء العذب‏,‏ والبحر ذي الماء المالح‏ ، ولولا أن الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ قد صمم الأنهار لتفيض من تضاريس القارات المرتفعة فوق مستوى سطح البحر، فتلقي بمائها العذب وبماتحمله من رسوبيات في هذا الخضم المالح‏,‏ ولولا هذا النظام المحكم والمبهر في ترتيب مستويات كلٍ من اليابسة وقيعان البحار والمحيطات لطغى ماء البحر المالح على اليابسة بما فيها من ماء عذب‏,‏ وأفسدها إفساداً كاملاً‏,‏ ودمر كل صور الحياة فيها،‏ وليس هذا من قبيل الخيال العلمي‏,فقد مرت على الأرض فترات عديدة طغت البحار فيها على اليابسة إلى مسافات تزيد على حدودها الحالية بمئات من الكيلو مترات‏,‏ وذلك بارتفاع منسوب الماء في البحار والمحيطات‏,‏ بل إن الأرض قد بدأت بمحيط غامر لسطحها‏ غمراً كاملاً,‏ ثم بدأت اليابسة في التكون بفعل الأنشطة البركانية المندفعة من قاع ذلك المحيط الغامر على هيئة جزيرة بركانية ظلت تنمو حتى كونت القارة الأم‏‏ التي بدأت في التفتت إلى مكوناتها الحالية من القارات السبع منذ نحو مائتي مليون سنة مضت .
ومع استمرار نشاط الحركات الداخلية للأرض‏,‏ وانعكاس ذلك على تحرك ألواح غلافها الصخري‏,‏ وما صاحبه من هزات أرضية‏,‏ وثورات بركانية، ومتداخلات نارية‏,‏ تكونت السلاسل الجبلية التي أعطت سطح الأرض تضاريسه الشامخة‏,‏ ولولا تلك التضاريس ما كان من الممكن فصل الماء العذب عن الماء المالح أبدا‏ًً .‏
ومع دورة الماء حول الأرض ـ التي تحركها بتدبير من الله‏ ـ‏ كلٌ من حرارة الشمس‏,‏ وتصريف الرياح‏,‏ وإزجاء السحب‏,‏ والتأليف بينها‏,‏ وبسطها أو ركمها‏,‏ وتكثف قطرات الماء فيها‏,‏ وإنزال المطر أو البرد أو الثلج منها بإذن الله‏,‏ وحيثما شاء وبالقدر المقسوم، تشكل سطح الأرض‏,‏ وشقت الفجاج والسبل‏,‏ وسالت الأنهار والجداول‏,‏ وتدفق الماء في الأودية‏,‏ ودارت دورات عديدة على سطح الأرض‏,‏ ولولا ذلك لفسد ماء الأرض منذ اللحظة الأولى لخروجه من داخلها‏ .
دورة الماء حول الأرض:
تبخر أشعة الشمس سنوياً بتقدير من الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ ما مجموعه‏(380.000)‏ كيلو متر مكعب من الماء من أسطح كلٍ من البحار والمحيطات‏(320.000‏ كيلو متر مكعب‏),‏ ومن اليابسة بما عليها من مسطحات مائية وجليد‏ وكائنات‏(60.000‏ كيلو متر مكعب‏),‏ وهذا القدر من بخار الماء يتكثف في نطاق التغيرات المناخية‏ ـ نطاق الرجع‏ ـ الذي يشكل الجزء السفلي من الغلاف الغازي للأرض ، فيعود إليها مطراً أو ثلجاً أو بَرَدَا‏ًًَ،(284.000‏ كم‏3‏ منها تنزل على البحار والمحيطات‏,‏ و‏96.000‏كم‏3‏ تنزل على اليابسة‏)،‏ والفارق وقدره‏(36.000‏ كم‏3)‏ من الماء يفيض من اليابسة إلى البحار والمحيطات سنوياً حاملاً معه ملايين الأطنان من الأملاح وفتات الصخور‏,‏ وبذلك تكون الأنهار من وسائط النقل الرئيسية التي تنقل نواتج كلٍ من عمليات التجوية والتحات والتعرية من اليابسة إلى أحواض البحار والمحيطات، حيث تترسب الرواسب بتتابعات سميكة تتجمع فوق كلٍ من الرصيف القاري وقيعان المحيطات العميقة‏,‏ كما قد تتجمع فوق قيعان البحيرات‏ .
وجزء من هذه الرواسب يترسب على طول مجرى النهر بفعل عدد من العمليات النهرية ‏.‏

تكون دالات الأنهار:
تتكون دلتات الأنهار‏‏ والرواسب الدلتاوية نتيجة التفاعل بين كلٍ من العمليات النهرية والعمليات الساحلية‏ .
ولكل نهر حوض لتصريف مائه يعرف باسم حوض المصرف‏
(Drainage Basin) ، أو منطقة اصطياد المطر ‏(Catchment Area) ، أو منطقة المجرى، ويمر النظام النهري بمراحل من الشباب‏,‏ والنضج‏,‏ والشيخوخة‏,‏ ويرسِّب قدراً من حمولته في مجراه بما يعرف باسم مجموعة رواسب القناة ‏(Channel Deposits) ، ورواسب الشرف النهرية ‏(Levee Deposits)، ورواسب سهل الفيضان أو الرقة ‏(Flood Plain Deposits)، ورواسب المستنقعات (Swamp Deposits) ، وتُجمع كلها تحت مسمى رواسب فوق الضفة (Overbank Deposits) .‏
وعموماً تتجمع رسوبيات الدلتا فوق الأرصفة القارية الضحلة الواسعة عند التقاء ماء النهر بماء البحر‏,‏ وتنتج عن ذلك التجمع رواسب على هيئة مخروطية تتكون أساساً مما يحمله النهر ويلقي به عند مصبه في البحر، فيترسب جزء منه فوق اليابسة ويتجمع الباقي تحت سطح الماء‏ .
وتعتبر دلتا النهر وسطاً انتقالياً بين ماء النهر العذب‏,‏ وماء البحر المالح‏,‏ وتحتوي عدداً كبيراً من بيئات الترسيب المتباينة التي يتجاوز عددها الاثنتي عشرة بيئة ‏.‏

وكلما كانت كمية الرسوبيات التي يلقيها النهر عند مصبه أكبر من قدرة كلٍ من تيارات المد والجزر‏,‏ والأمواج والتيارات البحرية الموازية للشاطئ على إزالته‏،‏ وتلعب التراكيب الجيولوجية الكبيرة‏ (‏ مثل حركة ألواح الغلاف الصخري للأرض‏)‏ دوراً بارزاً في ذلك‏ .‏
عوامل تحكم نشاط النهر على منطقة مصبه:
عند مصبات الأنهار عادة ما يضعف أثر كلٍ من ظاهرتي المد والجزر‏,‏ وشدة الأمواج والتيارات البحرية، فتسود قوى ثلاث أخرى، هي‏:‏ القصور الذاتي‏(‏ أو قوة واستمرارية تدفق تيار الماء في النهر‏),‏ وقدر الاحتكاك بالرسوبيات في قاع مجرى النهر‏,‏ وطفو الماء العذب فوق سطح الماء المالح ‏.
وتبقى عوامل أخرى مساعدة ، مثل معدلات تدفق الماء وسرعة تياره‏,‏ وعمق الماء في مجرى النهر‏,‏ وكتلة الرسوبيات التي يحملها ماء النهر،‏ ففي ظل زيادة سرعة تدفق تيار الماء في مجرى النهر‏,‏ وعمق الحوض البحري الذي يصب فيه‏,‏ وتدني الفارق في كثافة الماءين الملتقيين يسود القصور الذاتي، فيندفع ماء النهر إلى البحر بشدة على هيئة نفاثات دوارة تعزل ماء النهر عن ماء البحر وتؤخر اختلاطهما وامتزاجهما حتى تضعف معدلات تدفق الماء، فيبدأ الامتزاج على حواف كتلة الماء العذب مكوناً ماء قليل الملوحة يفصل ماء النهر عن ماء البحر باستمرار ‏.
وفي كثير من الأنهار يؤدي نقل كميات كبيرة من نواتج عمليات التعرية على هيئة الرسوبيات المحمولة مع ماء النهر إلى ترسيبها في منطقة مصبه، مما يرفع منسوب قاع منطقة المصب ويجعل سُمْك الماء فيها قليلاً ، خاصة في المنطقة بعد المصب مباشرة، مما يؤدي إلى جعلها أعلى من منسوب قاع مجرى النهر‏,‏ وتظل هذه المنطقة تنمو باستمرار نتيجة لاندفاع الماء من النهر على هيئة تيار نفاث يحتك بالرسوبيات المتجمعة فوق قاعه‏ وفي منطقة مصبه حتى يبني برزخاً من تلك الرسوبيات عمودياً على اتجاه تدفق النهر، فيحول دون امتزاج مائه مع ماء البحر امتزاجاً كاملاً لوجود هذا البرزخ من الرسوبيات، ولتكون ماء قليل الملوحة على حواف طبقة الماء العذب الرقيقة الطافية فوق الماء المالح ‏.
ويؤدي بناء هذا البرزخ الرسوبي إلى تفرع مجرى النهر إلى فرعين‏ (‏ أو أكثر‏)‏، كل واحد منهما على جانبي البرزخ نظراً لتباطؤ تدفق الماء نتيجة لضحالة المجرى وشدة احتكاك الماء بقاعه أثناء جريانه‏،‏ وقد يؤدي ذلك إلى زيادة نمو البرزخ على هيئة حاجز وسطي كبير أو تكرار ترسب أعداد من تلك البرازخ‏ .
ولما كانت كثافة الماء العذب‏ (‏ في حدود جرام واحد‏/‏ سم‏3)‏ أقل من كثافة الماء المالح‏(‏ في حدود‏1.026‏ إلى‏1.028‏ جرام‏/‏ سم‏3)‏، فإن الماء العذب يطفو فوق سطح الماء المالح على الرغم مما يحمله من رسوبيات‏,‏ ويسمى هذا التدفق المائي باسم التدفق المتباين الكثافة‏ ، ويظل الماء العذب طافياً فوق الماء المالح حتى تتمكن كلٌ من تيارات المد والجزر‏,‏ والأمواج والتيارات البحرية من المزج بين حواف هذه الطبقة الرقيقة من الماء العذب والماء المالح، مكونة ماءاً قليل الملوحة يفصل بينهما‏,‏ وهنا يتأثر تدفق الماء العذب بكلٍ من قوة الاستمرار في الاندفاع‏ ـ‏ القصور الذاتي ـ‏ وشدة الاحتكاك بقاع المجرى‏,‏ وفرق الكثافة بين الماءين العذب والمالح ‏.
وفي حالة الأنهار ذات التدفق العالي للماء‏,‏ أو عند فيضاناتها يكون التدفق الطافي للماء العذب فوق سطح الماء المالح هو السمة الغالبة لتدفق ماء تلك الأنهار، ويزداد الاحتكاك برسوبيات القاع، مما يؤدي إلى تجمع كم هائل من الرسوبيات أمام مصب النهر على هيئة سدود نهرية مستقيمة وموازية لمجرى النهر تحت الماء في منطقة المصب‏ تحيط بالماء العذب من الجهتين، فاصلة إياه عن الماء المالح فتعينه بذلك على مزيد من الاندفاع في داخل البحر ‏.

كذلك تبني الرسوبيات سداً هائلاً في مواجهة مجرى النهر يعرف باسم حاجز توزيع الماء في مصب النهر (Distributary-Mouth Bar)‏ يتراوح عرضه بين أربعة وستة أضعاف عرض مجرى النهر‏ . وهذا الحاجز يفصل الماء قليل الملوحة‏ (‏ المتكون نتيجة لمزج جزء من ماء النهر العذب مع ماء البحر الملح‏)‏ عن الماء العذب‏ .‏ ويتكرر تكون أمثال هذا الحاجز عدة مرات على مسافات متباعدة من مصب النهر حتى تتكون منطقة تعرف باسم منطقة توزيع ماء النهر تعمل على مزيد من الفصل بين الأنواع الثلاثة من الماء الموجود في مصبات الأنهار، وهي‏:‏ الماء العذب‏,‏ والماء قليل الملوحة‏,‏ والماء الملح‏ .
وعلى ذلك فإن جميع النظم النهرية التي تصب في بحار تتميز بتداخلات معقدة بين كلٍ من العمليات النهرية والبحرية‏ ـ‏ منها عمليات المد والجزر ـ‏ التي تعمل على اختلاط الماءين مكونة ماءاً متوسط الملوحة يفصل بين هذين الماءين، خاصة في حالة التدفقات النهرية الضعيفة‏,‏ وتزداد عمليات الخلط بين ماء النهر وماء البحر كلما توغلنا داخل البحر حتى يتحول الماء إلى الطبيعة البحرية الكاملة تاركاً وراءه مراحل من الماء القليل الملوحة تعمل كفاصل بين الماءين‏ .‏

كذلك تساعد عمليات المد والجزر على تجميع الرسوبيات التي يلقي بها النهر على هيئة حواجز رسوبية على مسافات من مصب النهر‏,‏ ومتصلة بفم النهر بواسطة حواجز طولية موازية لاتجاه تدفق النهر تحول دون امتزاج مائه بماء البحر‏ .‏
وفي الحالات التي يسود فيها دور عمليات المد والجزر سيادة واضحة، يُلاحَظ أن مجرى النهر يتسع عند مصبه اتساعاً كبيراً على هيئة الدلتا التي تعترضها تلال من رسوبيات النهر تعمل كذلك على عزل مائه عن ماء البحر ‏.‏

وهذه الحواجز الرسوبية الطولية والهلالية الشكل المعترضة لمجرى النهر‏,‏ وكذلك الشرف النهرية الموازية لمجراه، والمندفعة من فم النهر إلى داخل البحر تساعد كلها على عزل ماء النهر العذب عن ماء البحر المحيط لأطول فترة ممكنة‏,‏ ثم يتكون بينهما نطاق من الماء قليل الملوحة يزيد من عملية الفصل تلك‏ .
‏ وكلٌ من الماء العذب والماء المالح له من صفاته الطبيعية والكيميائية ما يمكِّنه من البقاء منفصلاً انفصالاً كاملاً عن الآخر على الرغم من التقاء حدودهما عند مصب النهر‏,‏ وذلك بتكوين برزخ من الرسوبيات أمام فوهة النهر ومن حوله‏,‏ ويؤدي ذلك إلى تفرع الماء العذب إلى فرعين أو فروع من حوله‏,‏ يتدفق منهما أو منها الماء العذب مكوناً طبقة رقيقة طافية فوق الماء الملح‏,‏ وتختلط به عند حوافها مكونة حزاماً من الماء قليل الملوحة، وذلك بفعل تيارات المد والجزر‏,‏ والتيارات والأمواج البحرية المختلفة‏,‏ ويعمل هذا الحزام من الماء القليل الملوحة على مزيد من الفصل بين المائين العذب والملح‏,‏ ولكل بيئة من هذه البيئات الثلاث ‏(‏ الماء العذب‏,‏ والماء قليل الملوحة والماء الملح‏)‏ أنواع خاصة من أنواع الأحياء المائية المحدودة بحدود بيئتها‏,‏ وأنواع خاصة من الرسوبيات التي تترسب منها‏,‏ وبذلك تكون أنواع الحياة في الماء القليل الملوحة مقصورة على تلك البيئة‏,‏ ومحجورة فيها‏,‏ أي لا تستطيع الخروج منها وإلا هلكت‏,‏ كما أن كل مجموعة من أنواع الحياة في البيئتين الأخريين لا تستطيع دخول الماء القليل الملوحة وإلا هلكت‏,‏ فيما عدا أعداد قليلة جداً منها تستطيع العبور فيها دون بقاء طويل‏,‏ ومن هنا كان هذا الماء القليل الملوحة حجراً على الحياة الخاصة به‏,‏ ومحجوراً على الحياة في البيئتين الأخريين من حوله‏ .‏

وهذه حقائق لم يدركها الإنسان إلا في العقـود المتأخرة من القرن العشرين‏,‏ وورودها في كتاب الله الذي أُنزل من قبل ألف وأربعمائة سنة‏,‏ مما يقطع بأن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق‏,‏ ويجزم بنبوة هذا النبي الخاتم ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ .‏
 فسبحان الذي أنزل قوله الحق‏ :‏
"وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراً . "   (الفرقان:53).
وقال ‏:‏ "وَمَا يَسْتَوِي البَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِياًّ وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا .... "  (فاطر:12) .

وصلِ اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً‏ .‏