" وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً ...... " ‏(الأحقاف:15).


هذا النص القرآني المعجز جاء قبل منتصف سورة الأحقاف بقليل‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ وآياتها خمس وثلاثون بعد البسملة‏,‏ وسميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلى الأحقاف التي كانت قبيلة عاد قد أقامت بها منازلها‏,‏ والأحقاف ـ‏ جمع حقاف التي هي جمع حقف ـ‏ والحقف هو ما استطال من الكثبان الرملية واعوج‏,‏ والأحقاف هي من رمال الجزء الجنوبي الشرقي من الربع الخالي بين كلٍ من حضرموت وعمان وباقي أجزاء الجزيرة العربية ‏.‏
وقبيلة عاد ـ ‏قوم نبي الله هود على نبينا وعليه من الله السلام ـ‏ كانوا من أشد الناس ـ في زمانهم ـ قوة ومن أكثرهم ثراءاً وترفا‏ًً,‏ وبدلاً من شكر الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ على نعمه‏,‏ والخضوع لجلاله بالطاعة والعبادة‏,‏ عصوا رسول الله إليهم‏,‏ وكفروا بنعم الله عليهم‏,‏ وأشركوا في عبادته ما لم ينزل به سلطانا‏ًً,‏ وسخروا من وعيد الله لهم‏,‏ فأرسل عليهم ريحاً صرصراً عاتية فيها عذاب أليم، فدمرتهم وقضت عليهم‏,‏ ونجَّى الله ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ نبيه هوداً والذين آمنوا معه‏ .‏ وافتتحت سورة الأحقاف بحرفين من الفواتح الهجائية هما‏(‏ حم‏)‏، وقد تكررا بمفردهما ست مرات في القرآن الكريم‏,‏ ومرة سابعة بإضافة ثلاثة حروف أخرى‏"حـم .‏ عسق‏ " ، وتعرف هذه السور في مجموعها باسم الحواميم، وتشمل سور غافر‏,‏ فصلت‏,‏ الشورى‏,‏ الزخرف‏,‏ الدخان‏,‏ الجاثية‏,‏ والأحقاف‏,‏ وأرقامها في المصحف الشريف‏ (40‏ ـ‏46) .‏
والفواتح الهجائية افتتحت بها تسع وعشرون سورة من سور القرآن الكريم‏,‏ وقيل فيها أنها قد تكون رموزاً إلى معانٍ أو أعداد معينة في السورة التي استهلت بها‏,‏ وقد تكون أسماءاً لتلك السور‏,‏ أو قد تكون صورة من صور التحدي للعرب وإثبات عجزهم عن الإتيان بشيء مثل القرآن الكريم ، وهو لم يجاوز حروف لغتهم‏,‏ وقد تكون وسيلة من وسائل قرع الأسماع والقلوب كي تتنبَّه لتلقي كلام رب العالمين‏,‏ كما أنها دليل ناصع على صدق نبوة سيدنا محمد‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ وذلك لنطقه بأسماء الحروف ـ وهو الأمي ـ ومن الثابت أن الأمي ينطق بأصوات الحروف ولا يعرف أسماءها ‏.‏ وقد يكون كل ذلك وغيره من أسرار تلك الفواتح الهجائية‏ .

 وبعد هذا الاستفتاح جاء التأكيد على أن القرآن الكريم مُنزَّل بالوحي من لدن رب العالمين‏ :‏
"تَنزِيلُ الكِتَابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ ‏"   (‏ الأحقاف‏:2) ‏.
وأن هذا الإله العظيم وصف ذاته العلية بالعزة التي لا ترام‏,‏ والغالبة على الوجود كله‏,‏ وبالحكمة البالغة في الأقوال والأفعال‏,‏ والظاهرة في خلقه ظهور العيان لكل ذي بصر وبصيرة‏,‏ ومن ذلك خلق السماوات والأرض وما بينهما على نواميس ثابتة‏,‏ وإلى آماد محددة تؤكد حتمية الآخرة على الرغم من إعراض الكافرين عن إنذار الله ـ تعالى ـ‏ لهم بها‏,‏ وفي ذلك يقول ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :
"‏ قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ " (‏ الأحقاف‏: ‏4) .‏
وتستنكر الآيات شرك المشركين بالله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ وضلالهم بدعاء معبودات غافلة عنهم‏,‏ لا تسمع دعاءهم ولا تستجيب لهم‏,‏ ولا تملك من أمرهم شيئاً‏,‏ وتتنكر لهم يوم القيامة‏,‏ ولعبادتهم الخاطئة‏,‏ وتقف منهم موقف الاستهجان والمعاداة والإنكار ‏. ‏وهؤلاء الكفار والمشركون إذا تتلى عليهم آيات القرآن الكريم قالوا ـ من فجرهم ـ هذا سحر مبين‏,‏ أو تطاولوا على خاتم الأنبياء والمرسلين بالادعاء الباطل أنه كتب القرآن الكريم‏,‏ وافترى نسبته إلى رب العالمين‏ ـ‏ نزَّهه الله تعالى عن ذلك وزاد من تشريف قدره‏ ـ‏ كما لو كان هو أول رسل الله‏,‏ وفي ذلك تقول الآيات‏ :
" أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلاَ تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئاً هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ . قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ .  قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ ‏"  (‏ الأحقاف‏:8‏ ـ‏10)‏ .
والآية العاشرة تشير إلى عبد الله بن سلام‏ ـ‏ رضي الله عنه‏ ـ وكان من أحبار يهود يثرب فمنَّ الله‏ ـ‏ تعالى ـ عليه بالإسلام، وشهد بوجود صفة المصطفى ‏ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ فيما بقي بين أيدي اليهود من كتابات‏ .‏ وتشير الآية الحادية عشرة إلى أن الكافرين والمشركين من استعلائهم وكبرهم وصلفهم يدعون أنه لو كان ما جاء به سيدنا محمد‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ حقاً ما سبق الفقراء والمستضعفون في مجتمعاتهم إلى الإيمان به، مشيرين إلى أنهم هم أصحاب السيادة والذكاء ورجاحة العقل‏,‏ ويضيفون إلى هذا الكبر صلفاً آخر مؤدَّاه أنهم ما داموا هم لم يهتدوا به ـ وهم كبراء القوم ووجوهه ـ فلابد من الطعن فيه ـ زوراً ـ بوصفه أنه كذب من أساطير الأولين‏ .‏

وتأكيداً لحقيقة الوحي السماوي الذي استمر من آدم إلى محمد‏ ـ صلى الله وسلم وبارك على أنبياء الله ورسله أجمعين‏ ـ‏ تقول الآيات‏ :‏

" وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَاماً وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَاناً عَرَبِياًّ لِّيُنذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ ‏"  (‏ الأحقاف‏:12)‏ .
وفي المقابل تمتدح الآيات المؤمنين بالله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ الموحدين لجلاله‏,‏ المستقيمين في حياتهم على منهجه فتقول ‏:‏
 " إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ . أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏" ‏  (‏الأحقاف‏:14,13)‏ .
ثم تنتقل الآيات إلى توصية كل إنسان بالإحسان إلى والديه فتقول ‏:
‏" وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ . أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ "    (‏ الأحقاف‏:16,15) .‏
وفي المقابل تصف الآيات نموذجاً للانحراف والضلال والفسوق بالكافر العاق لوالديه المؤمنين الذي قال لهما حين دعواه إلى الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر متضجراً منهما‏,‏ ومنكراً عليهما دعوتهما‏ :‏" أُفٍّ لَّكُمَا ‏"
.‏ أتعدانني بالبعث بعد الموت‏,‏ وقد مضت الأمم من قبلي ولم يبعث من القبور أحد‏..!!‏ ووالداه يستغيثان الله إشفاقاً عليه من فداحة كفره قائلين له ‏:‏ هلكت إن لم تؤمن؛‏ لأن وعد الله بالبعث حق، فيرد مكابراً ‏...‏ ما هذا إلا أساطير الأولين، وترد الآيات عليه وعلى أمثاله من الضالين لتقول‏ :
‏" أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الجِنِّ وَالإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ . وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ .‏ وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ ‏" (‏ الأحقاف‏:18‏ ـ‏20) .
  

ومن قبيل تثبيت الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ لخاتم أنبيائه ورسل في وجه المُكذِّبين لبعثته الشريفة‏,‏ وإنذار كفار قريش وتذكيرهم بالأمم التي أهلكها الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ من حولهم، تنقلنا الآيات الثماني التالية ـ‏ من‏21‏ إلى‏28 ـ‏ بسرعة خاطفة إلى قصة سيدنا هود ـ‏ على نبينا وعليه من الله السلام‏ ـ مع قومه ـ‏ قوم عاد ـ‏ الذين سكنوا منطقة الأحقاف‏,‏ فدعاهم إلى الإيمان بالله، وبملائكته‏,‏ وكتبه‏,‏ ورسله‏,‏ واليوم الآخر‏,‏ وحذرهم نبيهم من الكفر بالله أو الشرك به‏,‏ وأنذرهم بأهوال البعث بعد الموت‏,‏ والعرض الأكبر أمام الله ـسبحانه وتعالى‏ ـ والحساب‏,‏ والميزان‏,‏ والصراط‏,‏ وبحتمية العودة إلى الله‏,‏ والخلود في الحياة الآخرة إما في الجنة أبدا‏ًً,‏ أو في النار أبداً‏,‏ ولم يكن في زمانه نذير لهم من الله ـ‏ تعالى‏ ـ غيره‏,‏ وقد مضت الرسل من قبله‏,‏ فكذبوه‏,‏ وأنكروا عليه قوله‏,‏ وسخروا من إنذاره‏,‏ فدمرهم الله‏ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ بريح فيها عذاب أليم‏,‏ وفي ذلك تقول الآيات ‏: 
 " وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ .‏ قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ . قَالَ إِنَّمَا العِلْمُ عِندَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ . فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏"  (‏ الأحقاف‏:21‏ ـ‏24)‏ .
ومع استمرار الحديث عن قوم عاد ينتقل الخطاب إلى كفار قريش ليقول لهم رب العزة والجلال، مُنبِّهاً من أخطار الشرك بالله‏,‏ ومُنذِراً بعقاب الأمم من حولهم‏ :‏
" وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ .وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُم مِّنَ القُرَى وَصَرَّفْنَا الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ .فَلَوْلاَ نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبَاناً آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ " (‏الأحقاف‏:26‏ ـ28).                                                               
ثم تنقلنا الآيات في سورة الأحقاف نقلة أخرى سريعة إلى أحد عوالم الغيب، وهو عالم الجن، وهم خلق مُكلَّفون‏,‏ ولكننا لا نراهم‏,‏ منهم المؤمنون ومنهم الكافرون‏,‏ ولذلك تحركت قلوبهم بالاستماع إلى تلاوة من القرآن الكريم‏,‏ وفي ذلك توبيخ لكفار قريش الذين كذبوا رسول الله ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ بعد أن كانوا قد نعتوه بالصادق الأمين‏,‏ وكفروا بالقرآن الكريم‏,‏ وجحدوا أنه منزل من رب العالمين ‏,‏ وقد عجزوا عن معارضته‏,‏ وهم أهل اللسان العربي الذي نزل به هذا الكتاب العظيم‏,‏ وتنكروا لرسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ وهو من دمهم ولحمهم‏,‏ وسليل أشرافهم‏,‏ وآمنت به طائفة من الجن وهم ليسوا من جنسه‏,‏ وفي ذلك توجه الآيات الخطاب إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ فتقول‏ :
" وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ . قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ . يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . وَمَن لاَّ يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ "  (‏الأحقاف‏:29‏_32).
وتستشهد الآيات في ختام سورة الأحقاف بخلق السماوات والأرض على طلاقة القدرة الإلهية في تحقيق البعث بعد الموت‏,‏ وتهدد الكافرين بيوم عرضهم على النار‏,‏ وتوصي خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ بالصبر كما صبر أسلافه من أولي العزم من الرسل مؤكدة قصر الحياة الدنيا فتقول‏:
‏" أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ المَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا العَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ . فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ القَوْمُ الفَاسِقُونَ "‏ (‏ الأحقاف‏:33‏ ـ‏35) .‏


من ركائز العقيدة في سورة الأحقاف :
‏(1)‏ الإيمان بالله ,‏ وبملائكته‏,‏ وكتبه‏,‏ ورسله‏,‏ واليوم الآخر‏,‏ وبأنه‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ هو العزيز الحكيم‏,‏ الغفور الرحيم‏,‏ الخالق‏,‏ الباريء المصور‏,‏ الواحد الأحد‏,‏ الفرد الصمد‏,‏ الذي لم يلد‏,‏ ولم يولد‏,‏ ولم يكن له كفواً أحد‏,‏ وأن الشرك به كفر به‏؛ لأنه ـ‏ تعالى‏ ـ‏ ليس له شريك‏,‏ ولا شبيه‏,‏ ولا منازع‏,‏ ولا صاحبة‏,‏ ولا ولد ‏.‏
‏(2)‏ اليقين بأن القرآن الكريم هو كتاب منزل من لدن رب العالمين على قلب خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ هداية لأهل الأرض أجمعين‏,‏ وأن هذا النبي الخاتم والرسول الخاتم لا يتتبع إلا ما يوحى إليه به ‏.
‏(3)‏ التسليم بخلق السماوات والأرض وما بينهما‏,‏ وأن هذا الخلق قد تم بالحق وإلى أجل مسمى‏,‏ وإن أنكر الكافرون حتمية البعث وضرورته‏ .
‏(4)‏ التصديق بالبشارات العديدة بمقدم خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ والموجودة بين ما بقي من حق عند بعض أهل الكتاب ‏.‏
‏(5)‏ الإيمان بأن بر الوالدين من صميم الدين‏,‏ ومن وصايا رب العالمين لعباده أجمعين‏,‏ وأن عقوقهما من الكبائر ومن أسباب الخسران في الدنيا والآخرة‏ .‏ ‏
(6)‏ اليقين بأن من حقوق الله على العباد التوبة من الذنوب، والشكر على النعم‏,‏ وأن من أفضل أدعية العباد الدعاء بصلاح كلٍ من الأعمال والذرِّية‏ .‏
(7)‏ التصديق بعوالم الغيب، ومنهم الملائكة، وهم خلق من نور مُسخَّرون‏,‏ والجن وهم خلق من نار مكلفون مُخيَّرون‏ .‏
‏(8)‏ التسليم بأن من لا يجب داعي الله فليس بمُعجِز في الأرض‏,‏ وليس له من دون الله أولياء ‏.‏
‏(9)‏ الإيمان بحقيقة كلٍ من الجنة والنار‏,‏ وبالخلود في الحياة الآخرة‏,‏ وبأنه لا يهلك إلا القوم الفاسقون ‏.‏


من الإشارات الكونية في سورة الأحقاف :
‏(1)‏ الإشارة إلى خلق السماوات والأرض بالحق وأجل مسمى‏,‏ وهذه البينية تشير إلى مركزية الأرض من السماوات، وهو ما لا تستطيع العلوم المكتسبة إثباته‏ .‏
‏(2)‏ التأكيد على وجود عدد من البشارات بمقدم خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ فيما بقي من حق عند بعض أهل الكتاب ‏.
‏(3)‏ تحديد فترتي الحمل والفصال للوليد بثلاثين شهراً في هذه السورة المباركة ـ سورة الأحقاف ـ‏ وتحديد فترة فصال الوليد في عامين كما جاء في الآية الرابعة عشرة من سورة لقمان‏,‏ وبذلك تكون أقصر مدة للحمل في أنثى الإنسان هي ستة أشهر‏,‏ وهو ما أثبته علم الأجنة مؤخرا‏ًً .
(4)‏ الإشارة إلى قوم عاد‏,‏ وإلى سُكْنَاهم في الأحقاف‏,‏ وإلى نبيهم هود ـ‏ عليه السلام‏ ـ‏ وهو من أنبياء الله الذين لم يرد لهم ذكر عند أهل الكتاب‏,‏ وإلى قصته مع قومه‏,‏ وإلى شيء من صفاتهم‏,‏ وإلى الوسيلة التي دمروا بها‏"‏ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ‏ "‏ . والكشوف الأثرية الحديثة تؤكد صدق ذلك، بينما لم يكن معروفاً عنهم شيء في زمن الوحي ولا لقرون متطاولة من بعده‏,‏ ولا ذكر لهم عند أهل الكتاب‏ .‏
‏(5)‏ الاستشهاد بخلق السماوات والأرض على إمكانية البعث، وعلى أن الله‏ ـ تعالى‏ ، على كل شيء قدير‏ .‏
وكل قضية من هذه القضايا الخمس تحتاج إلى معالجة خاصة بها‏,‏ ولذلك فسوف أقصر حديثي هنا على النقطة الثالثة من القائمة السابقة، والتي جاءت في الآية الخامسة عشرة من سورة الأحقاف .



من أقوال المفسرين :
" وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً " (الأحقاف:15) .
ذكر ابن كثير‏ ـ‏ يرحمه الله‏ ـ‏ مامختصره ‏:....‏ وقال عز وجل ههنا‏:" وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً ‏" ‏ أي أمرناه بالإحسان إليهما والحنو عليهما‏ . "‏ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً ‏" أي قاست بسببه في حال حمله مشقة وتعباً من وحم، وغثيان، وثقل، وكرب إلى غير ذلك‏,‏ مما ينال الحوامل من التعب والمشقة‏ . " ‏وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً ‏ "‏ أي بمشقة أيضا من الطلق وشدته‏ . "‏ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً "، وقد استُدِل بهذه الآية مع التي في لقمان‏ "‏وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ ‏" ,‏ على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر‏,‏ وهو استنباط قوي صحيح‏,‏ وقال ابن عباس ‏:‏ إذا وضعت المرأة لتسعة أشهر كفاه من الرضاع واحد وعشرون شهراً‏,‏ وإذا وضعته لسبعة كفاه من الرضاع ثلاثة وعشرون شهراً‏,‏ وإذا وضعته لستة أشهر فحولين كاملين‏؛‏ لأن الله تعالى يقول ‏:"وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً " . (انتهى قول المفسر) ‏
وجاء في الظلال‏ ـ‏ رحم الله كاتبها برحمته الواسعة ـ‏ ما مختصره‏ :‏
"حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً " ،‏ وتركيب الألفاظ وجرسها يكاد يجسم العناء والجهد والضنى والكلال‏..‏ لكأنها آهة مجهد مكروب، ينوء بعبء ويتنفس بجهد‏,‏ ويلهث بالأنفاس‏!‏ إنها صورة الحمل وبخاصة في أواخر أيامه‏,‏ وصورة الوضع وطلقه وآلامه‏ .‏ ويتقدم علم الأجنة فإذا به يكشف لنا في عملية الحمل عن جسامة التضحية ونبلها في صورة حسية مؤثرة‏..‏ ثم الوضع‏,‏ وهو عملية شاقة‏,‏ ممزقة‏,‏ ولكن آلامها الهائلة كلها لاتقف في وجه الفطرة‏,‏ ولاتنسي الأم حلاوة الثمرة ‏.‏ ثمرة التلبية للفطرة‏,‏ ومنح الحياة نبتة جديدة تعيش‏,‏ وتمتد‏..‏ بينما هي تذوي وتموت‏!‏ ثم الرضاع والرعاية‏، حيث تعطي الأم عصارة لحمها وعظمها‏,‏ وعصارة قلبها وأعصابها في الرعاية ‏،‏ وهي مع هذا وذلك فَرِحَة سعيدة‏,‏ رحيمة ودودة‏,‏ لاتمل أبداً، ولاتكره تعب هذا الوليد‏.‏ وأكبر ماتتطلع إليه من جزاء أن تراه يسلم وينمو،‏ فهذا هو جزاؤها الحبيب الوحيد‏!‏ فأنى يبلغ الانسان في جزاء هذه التضحية‏,‏ مهما يفعل،‏ وهو لايفعل إلا القليل الزهيد؟ وصدق رسول الله ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ وقد جاءه رجل كان في الطواف حاملاً أمه يطوف بها‏,‏ فسأل رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ :هل أديت حقها؟ فأجابه‏: "‏ لا‏,‏ ولا بزفرة واحدة‏ " .‏ (رواه الحافظ أبوبكر البزار ـ بإسناده ـ عن بريدة عن أبيه‏) .‏ (انتهى قول المفسر)
‏‏ وجاء في صفوة البيان لمعاني القرآن‏ ـ‏ رحم الله كاتبها ـ‏ مانصه‏ :
" وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً ‏" ‏ أمرناه أن يحسن إليهما إحساناً‏,‏ ويبرهما بصنوف البر في حياتهما وبعد مماتهما ‏.‏ والإحسان‏:‏ خلاف الإساءة‏,‏ وقُرئ‏ (‏حسناً‏) .‏ نزلت هذه الآية إلى قوله : ‏"‏ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ " ‏ في أبي بكر الصديق ـ رضي الله عنه‏ ـ وهو مثل رفيع في الجمع بين التوحيد والاستقامة في الدين‏ .‏ (انتهى قول المفسر)
‏ وذكر أصحاب المنتخب في تفسير القرآن الكريم ما موجزه‏ :‏  ووصينا الإنسان بوالديه أن يحسن إليهما إحساناً عظيما‏ًً,‏ حملته أمه حملاً ذا مشقة‏,‏ ووضعته وضعاً ذا مشقة‏,‏ ومدة حمله وفصاله ثلاثون شهراً قاست فيها صنوف الآلام ‏.... (انتهى قول المفسر)
وجاء بالهامش مايلي‏ :‏ أقل مدة للحمل ستة أشهر لقوله ـ تعالى ـ :
" وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً ‏ وقوله ـ تعالى :" وفصاله في عامين‏ " ‏، وقوله ـ تعالى ـ :"‏ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ‏" ‏. فبإسقاط مدة الفصال من مدة الحمل والفصال يبقى للحمل ستة أشهر‏،‏ وهذا يتفق مع ماثبت علمياً من أن الطفل إذا ولد لستة أشهر فإنه قابل للحياة ‏.‏ (انتهى قول المعلق)
‏ وجاء في صفوة التفاسير‏ ـ‏ جزى الله كاتبها خيراً ـ مانصه‏ :
" وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً ‏"‏ لمَّا كان رضا الله في رضا الوالدين‏,‏ وسخطه في سخطهما حث ـ تعالى ـ العباد عليه‏,‏ والمعنى أمرنا الانسان أمراً جازماً مؤكداً بالإحسان إلى الوالدين‏‏ ثم بين السبب فقال‏ : " حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً "‏ أي حملته بكره ومشقة، ووضعته بكره ومشقة . ‏"‏ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً " أي و مدة حمله ورضاعه عامان ونصف‏,‏ فهي لا تزال تعاني التعب والمشقة طيلة هذه المدة‏ . (انتهى قول المفسر)
‏‏‏ وجاء في بقية التفاسير كلام مشابه لا أري حاجة إلى تكراره هنا‏ .


 من الإشارات العلمية في النص القرآني الكريم :
أولا‏ًً :‏ في قوله ـ تعالى ـ ‏:‏ " حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً ":
يعيش جنين الإنسان في بطن أمه فترة تتراوح ما بين الستة والتسعة أشهر معتمداً على جسدها اعتماداً كليا‏ًً,‏ مستمداً جميع احتياجاته الغذائية والتنفسية والمناعية من دمها ، ذلك مثل الأحماض الأمينية‏,‏ والمواد البروتينية‏ ـ مثل مكونات خلايا العضلات والجلد والخلايا الدهنية‏ ـ‏ والكربوهيدراتية‏ ـ‏ مثل المواد السكرية كالجلوكوز وغيره‏ ـ‏ والفيتامينات‏,‏ والهرمونات‏,‏ والأملاح ـ‏ مثل الكالسيوم‏,‏  والفوسفور‏,‏ والحديد‏,‏ وغيرها ـ والأوكسجين‏,‏ وخلايا المناعة وغيرها‏,‏ ويأخذ جسم الأم الحامل من جنينها كل السموم التي يفرزها جسمه ـ مثل البولينا‏,‏ وثاني أوكسيد الكربون وغيرهما‏ .‏
ومن الثابت أن جسد الأم الحامل يضحي لجنينها بكامل احتياجاته على حساب احتياجاته هو ولو أدى ذلك إلى فقر دمها وإمراضها‏,‏ ولذلك قال رب العالمين‏:"‏ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً "
  (‏ الأحقاف‏:15)‏.
ومن الأعراض التي تطرأ على جسد الحامل اضطراب الجهاز الهضمي المصاحب عادة بالقيء‏,‏ والغثيان‏,‏ وسوء الهضم‏,‏ والحموضة الزائدة‏,‏ ونقص الشهية‏,‏ والرغبة الشديدة في بعض الأطعمة الخاصة أو المواد الغريبة التي يحتاجها هذا الجسد، بالإضافة إلى ضغط الرحم على كلٍ من المعدة والكبد ـ خاصة في الشهور الأخيرة من الحمل ـ‏ وما يتحمله كلٌ من القلب وأوردة وشرايين الجهاز الدوري من جهد زائد لأجل ضخ الدم إلى جسم الجنين، فيرتفع ما يضخه القلب من ‏(6500‏ لتر‏/‏ يوميا‏ًً)‏ قبل الحمل إلى ‏(15.000‏ لتر يوميا‏ًً)‏ بعد الحمل‏،‏ وقد يؤدي ذلك إلى إجهاد عضلة القلب‏,‏ وإلى اضطراب ضغط الدم‏,‏ أو إلى تمدد الأوردة وتعرجها‏ ـ‏ مرض دوالي الأرجل والأقدام‏  .‏
كذلك فإن تزايد نمو الجنين في شهوره الأخيرة قد يؤدي إلى مزيد من الضغط على كلٍ من الحجاب الحاجز والرئتين، مما يعيق عملية التنفس‏.‏ كما أن كثرة إفراز الهرمونات المتعلقة بعملية الحمل قد يزيد كمية الماء المختزن في الجسم، ويظهر على هيئة تورم القدمين‏,‏ وقد يؤدي إلى الاضطراب في وظائف عدد من الغدد الصماء مثل الغدة الدرقية ‏.‏
وقد تصاب بعض الحوامل بشيء من لين العظام أو هشاشتها لنقص الكالسيوم في جسمها؛ نظراً لسحب الجنين كميات زائدة من كالسيوم دم الأم أثناء تكون عظام جسده‏ .‏ ومع مصاحبة ذلك لشيء من زيادة وزن الأم حوالي عشرة كيلو جرامات في المتوسط يوضح جانباً مما تكابده الأم الحامل من مشاق في حالات الحمل الطبيعي‏,‏ وتتضاعف هذه المشاق أضعافاً كثيرة في حالات حمل التوائم‏,‏ أو الحمل خارج الرحم، مما يعرف باسم الحمل غير الطبيعي‏، والذي قد يؤدي إلى وفاة كلٍ من الجنين والأم معا‏ًً .‏
وإذا أضفنا إلى هذه الصعوبات الجسدية ما تكابده الأم الحامل من معاناة نفسية تتأرجح بها بين الرجاء والخوف‏,‏ والتفاؤل والتشاؤم‏,‏ والفرح والحزن‏,‏ والاطمئنان والقلق‏,‏ وحاجتها ـ وسط هذه الأمواج المتلاطمة من الوهن الجسدي والحساسية الشديدة وسرعة التأثر والانفعال‏,‏ والمشاعر المتضاربة من الاستبشار والتوجس خيفة ـ إلى العناية الشديدة من المحيطين بها‏,‏ وإلى غمرها بمزيد من العطف والحنان الذي قد لا تجده في أغلب الأحوال‏,‏ اتضحت لنا روعة التعبير القرآني الذي يقول فيه ربنا ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ : "‏ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً "‏
أي بمشقة شديدة‏ .‏
و‏(‏الكَرْه‏ُُ)‏ و‏(‏الكُرْهُ‏)‏ واحد‏,‏ وقيل‏(‏ الكُرْهُ)‏ المشقة تنال الإنسان من خارج، فيما يحمل عليه بإكراه‏,‏ و‏(‏الكَرْهُ‏)‏ ما يناله من ذاته وهو يعافه‏,‏ وذلك على ضربين‏,‏ أحدهما‏:‏ ما يعاف من حيث الطبع‏,‏ والثاني‏:‏ ما يعاف من حيث العقل أو الشرع‏.‏ وعلى ذلك فإن‏(‏ الكره‏)‏ بالضم المشقة، وبالفتح الإكراه‏.‏

ثانيا‏ًً :‏ في قوله ـ تعالى ـ ‏:"‏ وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً‏ "
(الأحقاف:15):
باكتمال الشهر الثالث من حياة الجنين فإنه يبدأ في اتخاذ وضع خاص داخل رحم أمه‏,‏ يكون فيه رأسه إلى أسفل‏,‏ ومؤخرته إلى أعلى، ويتم ذلك بانقباض عام في كلٍ من جذعه وأطرافه على بعضها البعض‏,‏ فينحني الجنين برأسه في اتجاه ركبتيه‏,‏ ويثني ركبتيه في اتجاه رأسه مع جعل وجهه في اتجاه ظهر أمه‏,‏ حتى إذا جاءت لحظة الميلاد كان أول ما يخرج منه رأسه‏,‏ وبخروجه يسهل خروج باقي جسده وسائر أطرافه‏,‏ وتمثل الولادة الطبيعية بخروج الرأس أولاً أيسر عمليات الوضع‏,‏ إلا أن هناك العديد من حالات الوضع غير الطبيعية والمتعسرة، ويسبق الوضع الأم الطلق التي قد تفوق في شدتها أية آلام أخرى تتعرض لها الأم الحامل طيلة مدة حملها، وقد تنتهي عملية الوضع في بعض الاحوال بوفاة الأم أو الجنين، أو بوفاتهما معاً ـ لا قدَّر الله ‏.‏
وقد تضطر الحامل إلى الولادة غير الطبيعية بالشفط أو باستخدام بعض الآلات الخاصة‏ ـ مثل الجفت‏ ـ‏ أو حتى بعملية جراحية بشق البطن تعرف باسم العملية القيصرية‏,‏ وإلى غير ذلك من المخاطر‏ .‏ وعلى الرغم من أن التطور الطبي قد تمكن من خفض نسبة تلك المخاطر، إلا أنه لم يتمكن بعد من القضاء عليها‏,‏ فلا تزال حمى النفاس منتشرة بين كثير من الوالدات‏,‏ ولا تزال حالات تسمم الحوامل وإصابتهن بالعديد من الأمراض الجسدية والنفسية من الأمور الشائعة، خاصة في المجتمعات المتخلفة علمياً وتقنيا‏ًً,‏ وتكفي في ذلك الإشارة إلى ضخامة حجم المولود بالنسبة إلى ضيق عنق الرحم‏,‏ ولولا رحمة الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ ودقة تقديره بتهيئة الجهاز التناسلي للمرأة الحامل بهيئة خاصة تعينه على إفراز العديد من الهرمونات التي توسع عنق الرحم، وتجعله على استقامة مع الرحم ذاته‏,‏ والتي ترخي كلاً من عظام الحوض وعضلاته لتيسير عملية الولادة وخروج المولود الجديد إلى عالم الحياة الدنيا بشيء من اليسر، لكانت عملية الولادة أمراً مستحيلا‏ًً .‏
كما تكفي في ذلك الاشارة إلى ما تتعرض له الوالدة من آلام أثناء عملية المخاض ومن بعده‏,‏ ومن ذلك ما تشعر به من إجهاد شديد وقشعريرة بعد الولادة مباشرة‏,‏ ثم ارتفاع في درجة الحرارة‏,‏ وما تتعرض له من انخفاض في ضغط الدم‏,‏ واضطراب في النبض‏,‏ وتعرضها لإمكانية سقوط الرحم، وإلى غير ذلك من الأمراض التي قد تصيبها، والمعاناة التي قد تصاحب تلك الأمراض حتى تشفى وتعود إلى حالتها الطبيعية ‏.‏
وتكفي في ذلك الإشارة أيضاً إلى ما تتعرض له الوالدة من نزيف دموي طيلة فترة النفاس‏,‏ والتي قد تمتد من لحظة إلى ستين يوماً ‏(‏ بمتوسط يقدر بحوالي الأربعين يوما‏ًً)،‏ وذلك لسقوط المشيمة مع المولود‏,‏ وتركها للأوعية الدموية التي كانت تصل بينها وبين جدار الرحم مفتوحة كالجروح النازفة‏,‏ ولولا رحمة الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ بالوالدة‏,‏ تلك الرحمة التي هيأت لها إفراز العديد من الهرمونات التي تعين الرحم على الانقباض انقباضاً شديداً بعد الولادة مباشرة، لنزفت النفساء حتى الموت‏ .‏ وهذا الانقباض يعود بوزن الرحم ـ‏ بدون محتوياته ـ‏ من حوالي الكيلو جرام قبل الولادة مباشرة إلى حوالي الخمسين جراماً فقط نهاية فترة النفاس‏,‏ ويعود بحجمه من سبعة آلاف ميليلتر في المتوسط إلى حوالي المليلترين فقط‏,‏ ويعود بجدار الرحم من خمسة سنتيمترات إلى أقل من سنتيمتر واحد في السُمْك‏,‏ وتستمر التغيرات في جدار الرحم‏ وفي بطانته حتى يعود إلى هيئته قبل الحمل عبر سلسلة من المعاناة الحقيقية التي تتحملها الأم الوالدة بالكثير من الصبر والاحتمال‏ . ‏
ولذلك قال ربنا‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ :
" حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً " (الأحقاف:15).
وقال المصطفى ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ للرجل الذي حمل أمه على ظهره يطوف بها البيت الحرام وهي على ظهره‏,‏ ثم سأله قائلا‏:‏ يا رسول الله‏ . هل قضيت حقها ؟، فقال له رسول الله ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ :‏" لا‏,‏ ولا بزفرة واحدة " (رواه الحافظ أبوبكر البزار ـ بإسناده ـ عن بريدة عن أبيه‏) ‏,‏ والزفرة ‏ ـ‏ وجمعها زفرات‏ ـ‏ هي واحدة‏(‏ الزفير‏)‏، بمعنى إدخال النفس إلى الرئتين‏,‏ وعكسها‏(‏ الشهيق‏)‏ .
وتشجع الوالدة أثناء الوضع على التنفس بطريقة خاصة تعينها على تحمل الطلق ، ويقال‏:(‏ ازدفر‏)‏ فلان كذا إذا تحمله بمشقة فترددت فيه نفسه‏,‏ وقيل للإماء الحاملات للماء‏(‏ زوافر‏)‏ لما يتعرضن له أثناء ذلك من مشقة ‏.‏

ثالثاً ‏:في قوله ـ تعالى ـ ‏: "‏ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً "
(الأحقاف:15):
درج الناس على أن مدة حمل الجنين البشري هي في حدود التسعة شهور قمرية، أو‏ (266)‏ يوماً من لحظة الإخصاب‏,‏ وعلى ذلك اتهموا كل وضع قبل تلك المدة بالزنا‏,‏ كما حدث في الحادثة التي رواها محمد بن اسحاق عن معمر بن عبدالله الجهني قال‏:‏ " تزوج رجل منا امرأة من جهينة‏,‏ فولدت له لتمام ستة أشهر‏,‏ فانطلق زوجها إلى عثمان‏ ـ‏ رضي الله عنه‏ ـ‏ فذكر ذلك له‏,‏ فبعث إليها‏,‏ فلما قامت لتلبس ثيابها بكت أختها‏,‏ فقالت‏ :‏ " مايبكيك ؟‏ .‏ فوالله ما التبس بي أحد من خلق الله ـ تعالى ـ غيره قط‏,‏ فليقضِ الله ـ سبحانه وتعالى ـ فيَّ ما يشاء‏ " . فلما أُتى بها عثمان ـ رضي الله عنه ـ‏ أمر برجمها‏,‏ فبلغ ذلك عليا‏ًً ـ‏ رضي الله عنه‏ ـ‏ فأتاه فقال له‏ :‏ " ماتصنع؟ " ، قال‏ :‏ " ولدت لتمام ستة أشهر، وهل يكون ذلك ؟ " ، فقال له علي‏ ـ‏ رضي الله عنه ـ :‏ " أما تقرأ القرآن ؟ " . قال‏ : "‏ بلى " ‏, قال ‏:‏ " أما سمعت الله‏ ـ‏ عز وجل‏ ـ‏ يقول ‏: " وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً ",‏ وقال‏: "‏ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ "‏ فلم نجده بقي إلا ستة أشهر "‏,‏ فقال عثمان‏ ـ‏ رضي الله عنه ـ :‏ " والله مافطنت بهذا‏ . عليَّ بالمرأة‏ ",‏ فوجدوها قد فُرغ منها‏ .‏ قال‏ :‏ فقال معمر‏ :‏ " فوالله ما الغراب بالغراب‏,‏ ولا البيضة بالبيضة بأشبه منه بأبيه "‏,‏ فلما رآه أبوه قال‏:‏ " أبني .‏ والله لا أشك فيه‏ . "
وجاء علم الأجنة في القرن العشرين ليؤكد لنا على أن أقل مدة للحمل هي ستة أشهر قمرية ـ أي‏177‏ يوماً‏ ـ‏ من لحظة الإخصاب‏,‏ وأن الحميل إذا ولد لستة أشهر فإنه قابل للحياة‏؛ لأن كافة أجهزة وأعضاء جسمه يكون خلقها قد اكتمل مع نهاية الأسبوع الثامن من لحظة الإخصاب ‏ـ ‏أي بعد‏56‏ يوما‏ًً ـ‏ وأن مرحلة انشائه خلقاً آخر تبدأ من اليوم السابع والخمسين من عمر الجنين، وتستمر حتى لحظة ميلاده في فترة تتراوح مابين الستة والتسعة شهور قمرية‏ ـ‏ أي‏177‏ يوما إلى‏266‏ يوماً بعد لحظة الإخصاب‏ ـ‏ تتم خلالها عملية تحديد الملامح الشخصية للحميل‏ .

وسبق القرآن الكريم بتحديد أقل مدة للحمل بستة شهور‏,‏ هذا التحديد الجازم الواضح في أكثر من آية قرآنية كريمة كالتي نحن بصددها لمما يقطع بأن هذا الكتاب الكريم لا يمكن أن يكون صناعة بشرية، بل هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ وحفظه بعهده الذي قطعه على ذاته العلية‏,‏ في نفس لغة وحيه ـ‏ اللغة العربية‏ ـ على مدى الأربعة عشر قرناً الماضية وحتى قيام الساعة، حتى يكون شاهداً على جميع خلقه‏,‏ ومبشرا ونذيرا لهم بعد انقطاع الوحي‏,‏ وختام النبوة‏,‏ وتكامل رسالات السماء كلها فيه .‏ فالحمد لله على نعمه الإسلام‏,‏ والحمد لله على نعمة القرآن‏,‏ والحمد لله على بعثة سيد الآنام‏,‏ سيدنا محمد‏ ـ صلى الله وسلم وبارك عليه ـ وعلى آله وصحبه، ومن تبع هداه‏,‏ ودعا بدعوته إلى يوم الدين‏,‏ وعلى أنبياء الله ورسله أجمعين‏ .‏ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ‏.