".... وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ ...." (الفتح-29).


هذا النص القرآني المعجز جاء في ختام سورة الفتح، وهي سورة مدنية‏,‏ وآياتها تسع وعشرون بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم لاستهلالها بذكر ذلك الفتح المبين الذي يسره الله‏ ـ تعالى‏ ـ لخاتم أنبيائه ورسله‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ وهو صلح الحديبية الذي رأى فيه غالبية المسلمين تنازلاً لكفار مكة حتى قال عمر بن الخطاب‏ ـ‏ رضي الله عنه وأرضاه‏ ـ‏ لرسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ : " أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَهُمْ عَلَى الْبَاطِلِ ؟ أَلَيْسَ قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلَاهُمْ فِي النَّارِ ؟ قَالَ :بَلَى . قَالَ : فَفِيمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا وَنَرْجِعُ وَلَمَّا يَحْكُمِ اللَّهُ بَيْنَنَا . فَقَالَ : يَا ابْنَ الْخَطَّابِ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَلَنْ يُضَيِّعَنِي اللَّهُ أَبَدًا " . (رواه البخاري)
وحينما نزلت هذه السورة المباركة بقول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ:‏ " إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً... "‏
َقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :‏ أَيْ رَسُولَ اللَّهِ أوَفَتْحٌ هُوَ ؟ قَالَ :"أَيْ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنَّهُ لَفَتْحٌ .‏ "
وذلك لأن صلح الحديبية كان مناسبة تهيأ بها للمسلمين الاجتماع بعدد كبير من القبائل‏,‏ ودعوتهم إلى الإسلام‏,‏ وتبيان فضائل هذا الدين السماوي الخاتم القائم على التوحيد الخالص لله الخالق‏‏ بغير شريك‏,‏ ولا شبيه‏,‏ ولا منازع‏,‏ ولا صاحبة‏,‏ ولا ولد,‏ وتنزيهه ـ سبحانه وتعالى ـ عن كل وصف لا يليق بجلاله‏,‏ وعبادته‏ ـ‏ سبحانه ـ بما أمر‏,‏ وطاعته في حسن القيام بواجبات الاستخلاف في الأرض‏,‏ بعمارتها وإقامة عدل الله فيها‏,‏ كما تهيأ للمسلمين بهذا الصلح فرصة لكشف تعصب مشركي قريش في محاولتهم صد رسول الله‏ ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏ وجميع من أسلم معه عن المسجد الحرام على مدى ست سنوات متواصلة من هجرته الشريفة إلى المدينة المنورة وحتى يوم الحديبية‏,‏ وتحريم الدخول إلى مكة المكرمة عليهم‏,‏ تعنتا‏ًً,‏ واستفزازا‏ًً,‏ ومخالفة للتقاليد المتبعة في زمانهم‏,‏ انطلاقاً من حميَّتهم الجاهلية‏,‏ حتى في الأشهر الحرم التي ما انفك العرب عن تعظيمها حتى في أزمنة جاهليتهم وشركهم بالله‏,‏ وهنا اتضح لكل أهل الجزيرة العربية سماحة الاسلام‏,‏ ونبل أتباعه‏,‏ وتعنت الكفر وأهله في جاهلية عمياء ‏.‏
وفي السنة السادسة من الهجرة رأى رسول الله‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ فيما يرى النائم أنه يدخل الكعبة المشرفة ومعه جمع من المسلمين محلِّقين رؤوسهم ومقصرين‏,‏ لا يخافون‏..,‏ ورؤيا الأنبياء حق‏,‏ فخرج في شهر ذي القعدة من نفس السنة معتمرا‏ًً,‏ لا يريد قتالاً مع المشركين‏,‏ في ألف وأربعمائة من المهاجرين والأنصار‏,‏ واستنفر من حوله من أهل البادية ليخرجوا معه حتى وصل إلى موقع يعرف باسم ثنية المرار، فبركت فيه ناقته‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ فقال الناس‏:‏ خَلَأَتْ الناقة ‏ـ ‏أي حرنت‏ ـ فقال‏ ـ عليه الصلاة والسلام‏ـ:"‏ِمَا خَلَأَتْ وَمَا هُوَ لَهَا بِخُلُقٍ وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ عَنْ مَكَّةَ . وَاللَّهِ لَا تَدْعُونِي قُرَيْشٌ الْيَوْمَ إِلَى خُطَّةٍ يَسْأَلُونِي فِيهَا صِلَةَ الرَّحِمِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا"‏ (رواه أحمد بن حنبل).
وفي رواية للبخاري جاء قوله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ:"والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يغظمون فيها حرمات الله تعالى إلا أعطيتهم إياها‏ ",‏ ثم واصل المصطفى‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ ومن معه المسير في طريقهم حتى وصلوا إلى الحديبية‏,‏ ولكن قريشاً أبت السماح لهم بدخول مكة عليهم‏,‏ فبعث إليهم رسول الله‏ ـ صلوات الله وسلامه عليه‏ ـ‏ عثمان بن عفان‏ ـ‏ رضي الله عنه وأرضاه‏ ـ‏ برسالة منه أنه لا يريد قتالاً، ولكن يريد أداء العمرة‏,‏ فاعتقلته قريش بعد أن بلغ رسالة الرسول الكريم‏,‏ وبعد أن قال له زعماء قريش‏:‏ إن شئت أن تطوف بالبيت فافعل‏,‏ فرد عليهم قائلا‏:‏ ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ وشاع أن عثمان بن عفان قد قتل‏,‏ فقال المصطفى ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ :‏"لا نبرح حتى نناجز القوم "‏,‏ ثم دعا الناس إلى البيعة تحت الشجرة، فكانت البيعة التي عرفت باسم بيعة الرضوان ‏. ‏ ولكن جاء ما يؤكد أن إشاعة مقتل عثمان بن عفان باطلة‏,‏ واصطلح المسلمون والمشركون على وضع الحرب‏,‏ واشترطوا شروطاً لذلك في وثيقة سميت باسم وثيقة صلح الحديبية‏,‏ تنازل فيها رسول الله‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ عن عدد من حقوقه حقناً لدماء الناس‏,‏ ويقيناً من الله‏ ـ تعالى ـ‏ أنه‏ ـ‏ سبحانه‏ ـ‏ سوف يجعل من وراء هذا الصلح فتحاً قريبا‏ًً,‏ واشترط الصلح على أن من أراد الدخول في حلف رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ من قبائل العرب فهو آمن‏,‏ ومن أراد الدخول في حلف قريش فهو آمن‏,‏ فدخلت قبيلة خزاعة في حلف المصطفى ـ‏ عليه الصلاة والسلام ـ ودخلت قبيلة بكر في حلف مشركي قريش ‏.‏
 وقد احترم المسلمون نصوص صلح الحديبية‏,‏ والتزموا بجميع بنوده‏,‏ ولكن قريشاً نقضته بنصرها قبيلة بكر الموالية لها على قبيلة خزاعة الموالية لرسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ مما دعاه‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ إلى اتخاذ قراره التاريخي بفتح مكة المكرمة‏,‏ فتحرَّك جيش المسلمين في حدود الثامن إلى العاشر من رمضان من السنة الثامنة للهجرة من المدينة المنورة قاصداً مكة المكرمة‏,‏ وقد بلغ عدد جنوده عشرة آلاف مقاتل‏,‏ وأمر رسول الله ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ جنده ألا يقاتلوا أو يسفكوا دماً إلا إذا أكرهوا على ذلك إكراهاً‏,‏ وذلك توقيراً لحرمة مكة المكرمة‏,‏ ودخل الرسول الخاتم مكة المكرمة ومعه لواء أبيض‏,‏ وعلى رأسه الشريف عمامة سوداء‏,‏ وهو راكب على ناقته القصواء‏,‏ يقرأ سورة الفتح‏,‏ خافض الرأس تواضعاً لله‏ ـ تعالى‏ ـ وشكراً له‏ ـ سبحانه‏ ـ أن فتح الله عليه أم القرى‏,‏ مهبط الوحي‏,‏ وأرض البيت الحرام ليدخلها والمسلمون معه آمنين مطمئين‏,‏ لا يخافون‏,‏ تماماً كما جاء في رؤياه‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ فطهروا البيت من الأصنام‏,‏ وطافوا به‏,‏ والرسول‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ يردد قوله الشريف‏:‏"لا إله إلا الله وحده لا شريك له‏,‏ صدق وعده‏,‏ ونصر عبده‏,‏ وأعز جنده ، وهزم الأحزاب وحده " ثم تلا الآية الكريمة :‏ "‏ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ "‏ (‏الحجرات‏:13)‏ .
وعلى ذلك فإن سورة الفتح قد نزلت في السنة السادسة من الهجرة‏,‏ عقب صلح الحديبية مباشرة‏,‏ ورسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ مع صحابته الكرام عائداً من الحديبية إلى المدينة المنورة‏,‏ ولذلك تناولت هذه السورة الكريمة تفاصيل هذا الصلح بكل ملابساته‏ .
‏ ويروى عن رسول الله‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ قوله صبيحة نزول هذه السورة المباركة‏:"نزل عليَّ البارحة سورة هي أحب إلى من الدنيا ومافيها" ‏: " إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً‏ "
(رواه كل من البخاري والنسائي والترمذي‏) .‏
وتبدأ سورة الفتح بتوجيه الخطاب إلى خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏ مطمئنة نفسه الشريفة على صدق ما ألهمه ربه‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ وعلى حتمية تحقيقه في أقرب وقت‏,‏ وإن رأى جميع الحضور تقريباً خطورة ما قدموا من تنازلات لمشركي قريش‏,‏ مع استفزازاتهم العديدة للمسلمين‏,‏ ولكن اليقين الذي ملأ قلب المصطفى ـ‏ عليه أفضل الصلاة وأزكي التسليم ـ‏ بحتمية تحقيق وعد ربه جعله لا يُستفز‏,‏ برغم كل التجاوزات التي اقترفها مشركو قريش‏,‏ وكل الاشتراطات التي اشترطوها انطلاقاً من استكبارهم في الأرض‏,‏ وحميَّتهم الجاهلية‏ . وفي ذلك يقول ربنا‏ ـ تبارك وتعالى ـ‏ مخاطباً خاتم أنبيائه ورسله ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ‏ في مطلع سورة الفتح ‏: " إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً .‏ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً ‏. وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً ‏
"    (‏الفتح‏:1‏ ـ‏3)‏ .
ثم تستمر الآيات في تأكيد حقيقة أن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـهو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيماناً على إيمانهم‏,‏ فالإيمان يزيد وينقص‏,‏ وأنه‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ يبشر المؤمنين بالمغفرة والثواب‏,‏ وبالعون بجنود من عنده ـ تبارك اسمه‏ ـ‏ وأن لله جنود السماوات والأرض‏,‏ وما يعلم جنود ربك إلا هو‏,‏ وأنه‏ ـ‏ تعالى‏ ـ هو العليم الحكيم‏,‏ وأنه هو العزيز الحليم‏ .‏ وبعد ذلك تتحدث الآيات عن جزاء كلٍ من المؤمنين والمؤمنات‏,‏ وعما أعد الله ـ‏ سبحانه‏ ـ من عذاب وعقاب لكلٍ من المنافقين والمنافقات‏,‏ والمشركين والمشركات الذين يعبدون مع الله إلهاً آخر‏,‏ مؤكدة أن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ قد أنزل في قلوب عباده المؤمنين الطمأنينة إلى الحق ليزدادوا إيماناً‏,‏ وأن جزاء ذلك جنات النعيم‏‏ بعد التكفير عن سيئاتهم‏,‏ بينما جزاء النفاق والشرك وسوء الظن بالله‏ هو صب غضبه ولعناته عليهم‏,‏ ثم عذاب جهنم وساءت مصيرا‏ًً .‏
ومرة أخرى تعاود السورة الكريمة توجيه الخطاب إلى النبي الخاتم‏,‏ والرسول الخاتم‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ‏ وذلك بقول الحق‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ له‏ :‏ "إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً
"‏   (‏الفتح‏:8)‏أي شاهداً على أمته وعلى الخلائق أجمعين‏,‏ ومبشراً للمؤمنين‏,‏ ونذيراً للكافرين‏,‏ والمشركين‏,‏ والمنافقين‏,‏ وتنقل الآيات الخطاب مباشرة إلى المؤمنين بقول الحق‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ :" لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً "‏  (‏الفتح‏:9)‏.
ويرجع الخطاب بسرعة مرة أخرى إلى رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ‏ ليشيد ببيعة الرضوان‏,‏ ويبشر الموفين بها بعظيم الأجر من الله‏,‏ ويحذر من نقضها‏؛ لأن الآيات تعتبرها بيعة لله‏ ـ تعالى‏ ـ الذي يقول فيها‏ ـ‏ عز من قائل ـ :‏ " إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ‏"‏‏   (‏الفتح‏:10).
‏وتنعي الآيات في سورة الفتح بعد ذلك على المنافقين من الأعراب الذين تخلفوا عن الخروج مع رسول الله ‏ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ واعتذروا بأعذار كاذبة‏,‏ ظناً بأنه لن يكون من المنتصرين‏,‏ وعلى الرغم من ذلك فهم يطلبون منه‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ الاستغفار لهم‏,‏ ويرجون نصيباً من الغنائم التي حققها‏,‏ والله خبير بما يعملون‏,‏ وقد أعد نار جهنم للكافرين والمشركين والمنافقين الذين لا يؤمنون بالله ورسوله‏,‏ وفي ذلك يقول الحق ـ‏ تبارك وتعالى ـ :
" وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً ‏
"     (‏الفتح‏:14) .‏
وتخاطب الآيات القرآنية الكريمة في سورة الفتح هؤلاء المخلَّفين بأنهم سيدعون إلى الجهاد في سبيل الله مرة أخرى، فإن تخلفوا فسوف يعذبهم الله عذاباً أليماً ‏:‏ " قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً " 
    ‏‏ (‏الفتح‏:16)‏.
ثم تقرر الآيات أنه لا حرج على المعذورين إذا تخلفوا عن الجهاد في سبيل الله من أمثال كلٍ من الأعمى‏,‏ والأعرج‏,‏ والمريض فتقول ‏:‏ "
لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى المَرِيضِ حَرَجٌ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً‏"قد رضي عنهم‏,‏ وأنزل السكينة على قلوبهم‏,‏ وتجلى عليهم بالذود عنهم‏,‏ وتثبيته إياهم‏,‏ وبشرياته لهم بفتح قريب لمكة المكرمة‏,‏ وبالفيء عليهم بمغانم كثيرة يأخذونها؛ لأنه هو العزيز الحكيم ‏.‏ ومن هذه المغانم كف أيدي الكافرين عنهم‏,‏ وجعل ذلك آية لهم‏,‏ وهدايتهم إلى الصراط المستقيم والله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ على كل شيء قدير ‏.‏
وتؤكد الآيات أن الكافرين لو قاتلوا المؤمنين فلن يجدوا لهم ولياً ولا نصيرا‏ًً,‏ وهذه هي سنة من سنن الله ‏ـ‏ تعالى ـ‏ التي أجراها على الأمم من قبل‏,‏ وسنن الله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ لا تتبدل ولا تتغير أبداً إلا بإذنه‏,‏ وقد تحققت بشريات الله للمؤمنين في سورة الفتح بدخولهم مكة المكرمة بعد ذلك دون قتال‏,‏ وبسيادة الإسلام للجزيرة العربية كلها بعد ذلك‏,‏ وهيمنة هذا الدين الخاتم على الدين كله بأمر الله وتدبيره‏,‏ وهو تكريم من الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ لرسول الله الخاتم‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ وللذين أسلموا معه واتبعوه على صراط مستقيم‏,‏ وهو‏ ـ‏ سبحانه ـ البصير بأعمال العباد‏,‏ المطَّلع على قلوبهم‏,‏ والعارف بنواياهم‏,‏ وهو في نفس الوقت انتقام من مشركي قريش الذين صدوا المؤمنين عن المسجد الحرام يوم الحديبية‏,‏ أي قبل ذلك بعامين إثنين‏,‏ وفي ذلك ينطق التنزيل بقول الحق ـ تبارك وتعالى ـ :"‏ وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً ‏ . هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوَهُمْ أَن تَطَؤُوَهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً‏ . إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى المُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيما‏ "
‏(‏الفتح‏:24-26)‏.
والآيات تتحدث عن حميَّة الجاهلية التي دفعت كفار ومشركي قريش إلى منع رسول الله ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ‏ ومن معه من المؤمنين من دخول مكة المكرمة لأداء العمرة‏,‏ وغضب المؤمنون لذلك، وثارت ثائرتهم لولا أن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ قد أنزل سكينته على رسوله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ وعلى الذين آمنوا معه‏,‏ وألزمهم كلمة التقوى‏.‏ وقد صدق الله رؤيا رسوله ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ فقال‏ ـ‏ عز من قائل‏ ـ : "‏
لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً "  (‏الفتح‏:27)‏.
وتختتم سورة الفتح بالتأكيد على نبوة ورسالة خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ والتي أنكرها كثير من الكفار والمشركين والمنافقين عبر التاريخ‏,‏ وسوف يظل الضالون من البشر ينكرونها إلى يوم الدين‏,‏ ولكن يؤكدها الله ‏ بشهادة منه‏ وبقوله‏ ـ‏ وهو أحكم القائلين‏ ـ :‏ " هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً "‏    (‏الفتح‏:28)‏ويؤكد ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ‏ شهادته الإلهية بأنه‏ ‏ قد أنزل صفة خاتم أنبيائه ورسله‏ ـ‏ صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين ـ وصفه الذين آمنوا معه فيما أنزل من كتب ومنها كل من التوراة والإنجيل فقال‏ ـ عز من قائل‏ ـ :‏ " مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وَجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً "  (‏الفتح‏:29)‏.



من الإشارات الكونية في سورة الفتح :
يدور المحور الرئيسي لسورة الفتح حول صلح الحديبية بتفاصيله‏,‏ وملابساته‏,‏ والدروس المستفادة منه التي يجب على المسلمين في كل عصر وجيل أن يتعلموها‏,‏ وعلى الرغم من ذلك فقد جاء في هذه السورة المباركة عدد من حقائق الوجود ، ومن الإشارات الكونية التي يمكن سردها في النقاط التالية‏ :‏
‏(1)‏ فمن حقائق الوجود‏‏ أن" وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ "‏ وجاءت الإشارة إلى هذه الحقيقة مرتين في سورة الفتح‏ (‏في الآيتين الرابعة والسابعة‏) .
‏ ومن جنود السماوات والأرض الملائكة‏,‏ والصالحون من الإنس والجن‏,‏ والظواهر الكونية المختلفة‏,‏ مثل حركات كلٍ من الأرض وأجرام السماء‏,‏ والرجم بالنيازك والشهب‏,‏ وتبادل كلٍ من الليل والنهار‏,‏ وتعاقب الفصول‏,‏ وحدوث الرعد والبرق‏,‏ وتصريف الرياح‏,‏ والسحاب المسخر بين السماء والأرض‏,‏ وهطول الأمطار‏,‏ وجريان الماء وخزنه‏,‏ والهزات الأرضية‏,‏ والثورانات البركانية‏,‏ والعواصف والأعاصير الهوائية والبحرية‏,‏ وغيرها ‏.‏وهذه الظواهر الطبيعية كلها من جند الله‏,‏ وفهم العلماء لميكانيكية حدوثها لا يخرجها عن هذا الإطار أبداً‏,‏ فالله ـ‏ تعالى‏ ـ هو الذي يسخرها عقاباً للمذنبين‏,‏ وابتلاءاً للصالحين‏,‏ وعبرة للناجين‏ .‏

(2)‏ ومن
الحقائق المطلقة‏ ‏أن" وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ " ، وقد جاءت الإشارة إلى تلك الحقيقة في الآية الرابعة عشرة من سورة الفتح وفي عشرات الآيات القرآنية الأخرى‏؛ وذلك لأنه لا يمكن لعاقل أن يتصور هذا الكون بغير خالق وصاحب ومالك‏,‏ له من القدرة والعلم والحكمة ما مكنه من إبداعه على غير مثال‏,‏ فالكون المادي لا يمكن أن يكون قد أوجد ذاته بنفسه‏,‏ أو أن يكون قد وُجد بمحض الصدفة‏؛ لأنه محكوم بقدر هائل من القوانين والسنن التي لا تتبدل ولا تتغير، والصدفة أعجز من تحقيق ذلك‏ .‏ وعلى ذلك فلابد من وجود خالق عظيم للكون‏,‏ لا شريك له في ملكه‏,‏ ولا منازع له في سلطانه‏,‏ ولا شبيه له من خلقه ‏.‏
‏(3)‏ أن سنن الله في الكون ثابتة لا تتبدل ولا تتحول ولا تتغير إلا بإذنه وحده‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ وقد أشارت سورة الفتح إلى هذه الحقيقة في الآية الثالثة والعشرين بقول الحق‏ ـ تبارك وتعالى ـ :‏ ‏" .......‏ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً ‏"‏ (‏الفتح‏:23)‏.
‏(4)‏ الإشارة إلى شيء من صفات النبي الخاتم والرسول الخاتم‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ ومن صفات الذين آمنوا معه في كلٍ من التوراة والإنجيل‏ .‏
‏(5)‏ تشبيه قلة عدد المسلمين حول رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ حين بدأ بدعوته المباركة، ثم تزايد أعدادهم بالتدريج حول هذه الرسالة السماوية الخاتمة بإحدى طرق التكاثر في النبات، وهو التكاثر بالأشطاء أي البراعم التي تنمو عند المنطقة الفاصلة بين الجذر والساق‏,‏ وعملية التكاثر بالأشطاء لم تعرف في مجال علم النبات إلا أخيرا‏ًً,‏ والتشبيه بها في كتاب أُنزل من قبل ألف وأربعمائة سنة‏ على نبي أمي‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ وفي أمة كانت غالبيتها الساحقة من الأميين‏,‏ وفي أرض صحراوية قاحلة له من الدلالات ما له عند كل ذي عقل‏ وبصيرة ونظر‏ .‏ وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة خاصة‏,‏ ولذلك فسوف أقصر الحديث هنا على النقطة الأخيرة فقط وهي التكاثر في بعض النباتات بالأشطاء‏,‏ وقبل الدخول في هذه القضية العلمية البحتة لابد من استعراض سريع لأقوال عدد من المفسرين في شرح هذا الجزء من الآية الأخيرة في سورة الفتح‏ .

من أقوال المفسرين :
في تفسير قوله‏ ـ تعالى‏ ـ :" مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وَجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً ‏
" ‏‏(‏الفتح‏:29)‏ .‏‏ ذكر ابن كثير‏ ـ رحمه الله‏ ـ‏ ما مختصره‏:‏ فإن هذه أمة‏ ـ أي أمة الإسلام‏ ـ معظمة في الكتب المتقدمة‏,‏ وأعظمها وأفضلها أصحاب رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ وقد نوَّه الله ـ تبارك وتعالى ـ بذكرهم‏ في الكتب المنزلة والأخبار المتداولة‏,‏ ولهذا قال ـ سبحانه وتعالى ـ ههنا‏ :"‏ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ" ,‏ ثم قال‏: "‏ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ‏ "‏ أي أفراخه .‏"‏ فَآزَرَهُ‏ " أي شده‏ ." فَاسْتَغْلَظَ‏ "‏أي شب وطال .‏" فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ‏ "أي فكذلك أصحاب رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ آزروه وأيدوه ونصروه‏,‏ فهم معه كالشطء مع الزرع " لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفَّارَ‏ " .‏ (انتهى قول المفسر)
وجاء في بقية التفاسير ‏(‏مثل الجلالين‏,‏ الظلال‏,‏ صفوة البيان‏,‏ المنتخب‏,‏ صفوة التفاسير‏)‏ كلام مشابه لا أرى ضرورة لإعادته ‏.‏

من الدلالات العلمية للنص الكريم :
تشير الآية الكريمة التي نحن بصددها إلى أن مثل رسول الله‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ وصحابته الكرام كما جاء في الإنجيل الذي أنزله الله‏ ـ تعالى ـ على عبده ورسوله عيسى ابن مريم‏ ـ‏ عليهما السلام‏ ـ‏ كبشارة سابقة ببعثة خاتم الأنبياء‏ والمرسلين‏ ـ صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين ـ‏ كان نصه‏ :‏".....‏ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ ..."
يقال ‏(‏شطأ‏)‏ الزرع‏,‏ و‏(‏أشطأ‏)‏ إذا أخرج سيقاناً إضافية من العقد الموجودة على قاعدة ساقه تشبهه تماما‏ًً,‏ بينما الفروع تختلف عن الساق‏,‏ وتخرج من أية منطقة عليه‏ .‏‏(‏فآزره‏)‏ أي أن النبات الأصلى يقوم بإمداد الشطء بالغذاء اللازم لنموه، فقوي ذلك الشطء، ودعم النبتة الأصلية من قاعدتها‏,‏ كما يقال‏ (‏آزرت‏)‏ البناء‏ (‏بالمد والقصر‏)‏ أي قويت أسافله‏ .‏
 وقد ثبت علمياً أن الشطء عند خروجه من الأصل‏ (‏الأم‏)‏ فإنه يعتمد اعتماداً كلياً في تغذيته عليه حتى تتكون عليه ثلاث أوراق خضرية‏,‏ وأربعة أو خمسة جذور، فيبدأ في الاعتماد في تغذيته على ذاته ‏.‏
" فَاسْتَغْلَظَ‏ "‏
أي تحول من الدقة إلى الغلظة‏,‏ وذلك بتقوية جدر خلاياه بإفراز كميات كبيرة من كلٍ من السيليلوز واللجنين‏,‏ وبظهور عدد من العقد المغطاة بأغماد الأوراق‏ ." فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ ‏"‏ أي فاستقام على أصوله‏؛‏ لأن ‏(‏سوق‏)‏ هنا جمع ‏(‏ساق‏)‏، وهذه المرحلة ـ مرحلة الاستواء على السوق ـ تأتي بعد مرحلة الاستغلاظ ن حيث تبدأ الخلايا في الانقسام كي تستطيل المنطقة بين عقدة والتي تليها وتعرف بالسلامية‏,‏ وتظل كل سلامية تدفع بالتي تليها حتى يتم النمو فتستوي السنابل على السوق عندما تصل السوق إلى نهاية مراحل نموها‏ .‏
أما فسائل النخل‏ ـ‏ جمع فسيلة‏ ـ‏ فهي نوعان‏:‏ الأول منهما ينمو على ارتفاع معين من جذع النخلة‏,‏ وليس له مجموع جذري، ويعرف في العامية باسم ‏(‏الراكوب‏)‏ ، والثاني ينمو من قاعدة النخلة‏,‏ ويحتوي على جذور خاصة به‏,‏ ويفصل عن النخلة لاستخدامه في الإكثار من نوعها بزراعته في مكان آخر‏ .‏

والآية القرآنية الكريمة التي نحن بصددها تشير إلى حقيقة علمية من حقائق علم النبات لم تعرف إلا مؤخراً، وهي حقيقة التكاثر في بعض النباتات بالأشطاء‏,‏ أي البراعم التي تنمو عند المنطقة الفاصلة بين الجذر والساق‏,‏ كما يتم في العديد من النباتات الاقتصادية الهامة، مثل القمح والشعير والأرز والذرة الرفيعة‏,‏ وقصب السكر‏,‏ وغيرها من نباتات العائلة النجيلية التي تتميز بالأوراق الشريطية‏,‏ والسيقان الدقيقة القائمة، والمكونة من سلاميات متصلة ببعضها البعض، وبالزهور المركبة على هيئة نورات تنضج مكونة السنابل أو الداليات‏,‏ كما تتميز بالجذور الليفية التي يحمل الكثير منها ريزومات عقدية‏,‏ ويتكاثر أغلبها بالأشطاء التي تكثر من ثمارها‏؛‏ لأن العائلة النجيلية ، وهي من أكبر عائلات النبات‏ ،‏ حيث تضم حوالي‏450‏ جنساً من أجناس النبات‏,‏ وتحوي هذه الأجناس أكثر من سبعة آلاف نوع مختلف‏,‏ ويمثل كل نوع من هذه الأنواع بلايين الأفراد‏,‏ ولذلك تنتشر نباتات هذه العائلة على الأرض لتغطي مساحات هائلة منها‏,‏ تفوق المساحات التي تغطيها أفراد أية عائلة نباتية أخرى .
‏ وتضم العائلة النجيلية أعشاباً حولية أو معمرة‏,‏ وتتميز بسيقان سلامية‏,‏ نحيلة في العادة كما هو الحال في نبات النجيل‏,‏ ولذلك وهبها الله‏ ـ تعالى‏ ـ القدرة على التكاثر بالأشطاء حتى يقوى عودها على مقاومة هبات الريح‏,‏ وعلى الانتصاب فوق قاعدتها‏,‏ وعلى مضاعفة ثمراتها ‏.‏
والأشطاء عبارة عن براعم تنمو عند المنطقة الفاصلة بين الجذر والساق‏,‏ لو ما هو الحال في نبات القمح الذي تتكون جذوره من مجموع أساسي خارج من البذرة النابتة‏,‏ ومجموع عرضي يخرج من البراعم الجانبية‏,‏ وكذلك الساق يتميز إلى ساق أساسي يمثل السويقة المندفعة من داخل البذرة النابتة بعد تمام نمو تلك السويقة‏,‏ والعديد من السيقان العرضية التي تندفع من قاعدة الساق على هيئة عيدان قاعدية تخرج من البراعم الإبطية الموجودة عند العقد القاعدية المزدوجة‏,‏ والنامية على قاعدة الساق الأساسي‏,‏ ولذلك تمر النباتات التي تتكاثر بواسطة الأشطاء بمراحل الإنبات‏,‏ وتكون البادرات‏,‏ ثم مراحل خروج الأشطاء‏,‏ ثم مراحل تكون الأزهار والثمار‏,‏ التي تتضاعف أضعافاً كثيرة بتكون الأشطاء، والتي قد يصل عددها إلى أكثر من ثلاثين في النبتة الواحدة‏ .‏ وبذلك ينبت من الحبة الواحدة مجموعة من السيقان الإاضافية‏ ـ‏ الأشطاء‏ ـ‏ التي تحيط بالساق الأصلى مكونة حزمة مركبة من السيقان المتصلة ببعضها البعض في مجموعة واحدة من الجذور الليفية التي خرجت من حبة قمح واحدة عند إنباتها‏ ـ‏ أي من أصل واحد‏ ـ‏ وهذا الأصل الواحد عبارة عن بادرة واحدة خارجة من بذرة واحدة‏,‏ ولها مجموع جذري واحد‏,‏ وسرعان ما تنمو الأشطاء حتى تصل إلى طول الساق الأصلية تقريبا‏ًً,‏ وتعطي سنابل مثلها‏,‏ بحيث يكون لكل شطء سنبلته الخاصة به‏,‏ وبذلك تنبت الحبة الواحدة من القمح مثلاً عدة نباتات في حزمة واحدة يحمل كل منها سنبلته أو سنابله‏.‏ وسنبلة القمح سنبلة مركبة يحمل فيها المحور عدة سنابل أصغر ـ‏ سنيبلات‏ ـ‏ مرتبة في تبادل على صفين متقابلين‏,‏ وينتهي المحور عادة بسنيبلة طرفية‏، ويتكون في كل سنيبلة حبتان إلى ثلاث حبات من القمح‏,‏ وتحمل السنبلة في المتوسط‏ (15‏ إلى‏20)‏ سنيبلة‏.‏ وتخرج الأشطاء متلاحقة‏,‏ واحداً تلو الآخر‏,‏ ومن هنا كان التعبير هنا بالإفراد‏ " أَخْرَجَ شَطْأَهُ ",
‏ وكان وصف التتابع بحرف العطف‏(‏ ف‏)‏ الذي يدل على الترتيب مع التراخي فقال الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ : "..‏كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ‏... "‏ .
وبتكاثر الأشطاء فإن الساق الأصلى للنبات يحاط بعدد من السيقان الثانوية‏ ـ الأشطاء‏ ـ‏ التي تنمو حوله على هيئة حزمة من الأعواد القائمة تزيد من سمك النبتة الأساسية‏,‏ وتغلظ قطرها‏,‏ وتمكنها من الاستواء منتصبة فوق مجموعها الجذري، فتُزيد من تثبيتها في مهب الريح بشغل مساحة أكبر من الوسط النامية فيه‏,‏ وتُضاعف من غلتها‏,‏ وتبعد الأعشاب الضارة بالحيلولة دون نموها بالقرب من الساق الأساسية والمجموعة الجذرية‏ .‏ أما الفسائل‏ ـ مثل فسائل النخل‏ ـ‏ فإنها تضعف الأم‏,‏ وتقلل من العصارة الغذائية الواصلة إليها خاصة للأنواع التي تنمو على ارتفاع من جذع النخلة‏,‏ بالإضافة إلى أنها تصبح مأوى للآفات والحشرات المختلفة ‏.‏
ويعجب القاريء للقرآن الكريم على هذه الدقة البالغة في اختيار لفظة ‏(‏شطء‏)‏ في الآية الكريمة التي نحن بصددها‏؛ وذلك لأن الأشطاء تختلف اختلافاً كلياً عن الفسائل‏,‏ وعن غيرها من أنواع الخلفات النباتية الأخرى‏,‏ ففي الوقت الذي لا تنفصل فيه الأشطاء عن نباتها الأصلى‏,‏ تنفصل الفسائل وغيرها من أنواع الخلفات النباتية عن أصولها‏,‏ كما يحدث في حالة نخيل البلح‏.‏ وقد أكدت البحوث في علم النبات أن إخراج الأشطاء يحول دون سبات النبتة الأم، والذي عادة ما يحدث أثناء تكون السنابل ‏.‏
والآية الكريمة جاءت في وصف قوة الترابط بين هذا الرسول الخاتم‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ وصحابته الكرام والتي تجسدت في توادهم‏,‏ وتعاطفهم‏,‏ وتراحمهم‏,‏ بدرجة لم يسبق لها مثيل في علاقات الناس ـ أفراداً وجماعات‏ ـ‏ فتشبههم بالأشطاء حول الأصل يشد بعضه بعضاً‏,‏ ويتلقي الكل عن أصل واحد‏,‏ ويتغذى من معين واحد‏,‏ ولم تشبههم بالفسائل لاختلاف دورها اختلافاً كلياً عن دور الأشطاء ، ففي الوقت الذي تتغذى فيه الأشطاء كلها مع الساق الأصلى من مجموع جذري واحد، لا تنفصل عنه أبداً وإلا ماتت‏,‏ فإن الفسائل التي تنمو من قاعدة النخلة تنفصل عن أصولها بإنتاج جذور جانبية عرضية لا تلبث أن تنمو لتصبح مصدراً أساسياً لتغذية الفسيلة التي تستقل فوراً عن أصلها ، وتغدو صالحة للنقل بعيداً عنها لتبدأ حياة مستقلة تماماً عن الأصل الذي جاءت معه‏,‏ والمثل الذي يضع المصطفى‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ حيث بعث‏,‏ وقام وحده بالدعوة إلى دين الله الكامل التام‏,‏ في مقام التشبيه بالزرع المبارك‏,‏ ووضع أصحابه في التفافهم حوله‏,‏ وحبهم له وإخلاصهم ووفائهم لشخصه الكريم‏,‏ واعتمادهم‏ ـ‏ بعد الله تعالى‏ ـ‏ على هديه اعتماداً كاملا‏ًً‏ في مقام التشبيه بالأشطاء النامية حول الزرع المبارك‏,‏ لا يمكن أن يستخدم فيه تعبير الفسيلة التي سرعان ما تنفصل عن أصلها‏,‏ وصحابة رسول الله‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ كانوا ألصق الناس به‏,‏ وأقربهم إليه‏,‏ وظلوا مرتبطين به طيلة حياته الشريفة‏,‏ وبعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى‏,‏ وما من أحد من الصحابة الكرام‏ ـ‏ رضوان الله عليهم‏ ـ‏ ولا من المسلمين عامة إلا ويدعو الله ـ تعالى ـ أن يحييَه على سنة هذا الرسول الخاتم‏,‏ وأن يميته على ملَّته‏,‏ وأن يحشره في زمرته‏,‏ وأن يجمعه به في الفردوس الأعلى إن شاء الله‏ . وليس أدل على ذلك من وصف عروة بن مسعود الثقفي ـ قبل إسلامه ـ حب الصحابة لرسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ وقد جاءه موفداً من قريش يوم الحديبية‏,‏ فعاد ليقول لهم‏:‏ يامعشر قريش‏,‏ إني جئت كسرى في ملكه‏,‏ وقيصر في ملكه‏,‏ والنجاشي في ملكه‏,‏ وإني والله ما رأيت ملكاً في قوم قط مثل محمد في أصحابه‏,‏ ولقد رأيت قوماً لا يسلمونه لشيء أبدا‏ًً,‏ فروا رأيكم‏ .
‏ وورود التشبيه بالزرع الذي أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه في مقام وصف موقف الصحابة الكرام من رسول الله‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ من الالتفاف والحب والوفاء والولاء‏‏ والتأييد‏‏ والفداء له‏,‏ مع الانطلاق من منبع واحد لمما يجزم بأن القرآن الكريم لا يمكن أن يكون صناعة بشرية؛ لأنه لم يكن لأحد من الخلق إدراك للفرق بين الشطء والفرع والفسيلة من قبل أربعة عشر قرنا‏ًً,‏ ولا من قبل قرن واحد من الزمان‏,‏ وهذا لمما يشهد بالنبوة والرسالة للنبي والرسول الخاتم الذي تلقاه‏,‏ فصلاة الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه‏,‏ ودعا بدعوته إلى يوم الدين‏,‏ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏ .