" وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ . ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ " (المؤمنون:12 -13 ).


هذه الآيات القرآنية الثلاث جاءت في أوائل سورة المؤمنون‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ وعدد آياتها ثماني عشرة ومائة‏(118)‏ بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم الكريم لإشادتها بالمؤمنين من خلق الله المكلَّفين‏,‏ وقد استعرضت شيئاً من صفاتهم في مطلعها لتقول‏ :‏ " قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ . الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ . وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ . وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ . وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ . إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ . فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ العَادُونَ . وَالَّذِينَ هُمْ لآمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ . وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ . أُوْلَئِكَ هُمُ الوَارِثُونَ . الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ "   (‏ المؤمنون‏:1‏ ـ‏11)‏.
وهذا الدستور الأخلاقي الرفيع أُتبع باستعراض عدد من آيات الله في الخلق للدلالة على ألوهيته‏,‏ وربوبيته‏,‏ ووحدانيته المطلقة فوق جميع خلقه‏,‏ وطلاقة قدرته في إبداع الخلق‏,‏ وجاء في مقدمة ذلك خلق الإنسان من سلالة من طين‏,‏ ثم جعله نطفة في قرار مكين‏,‏ وتتابع الآيات وصف مراحل الجنين البشري في أطواره المتعاقبة من النطفة إلى العلقة، فالمضغة، فالعظام، وكسوتها باللحم‏ ـ‏ العضلات‏ ـ ثم إنشائه خلقاً آخر "‏ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ "
(المؤمنون:11) .‏
ثم تنتقل الآيات إلى الحديث عن الموت وحتميته‏,‏ وعن البعث وضرورته‏,‏ وآيات الخلق شاهدة للخالق العظيم بقدرته على البعث‏,‏ والحساب والجزاء‏,‏ وإخلاد الناس إما في الجنة أبداً‏,‏ أو في النار أبدا‏ًً .‏
وبعد ذلك استعرضت الآيات قصص عدد من أنبياء الله منهم نوح‏,‏ وهود‏,‏ وصالح‏,‏ وموسى‏,‏ وهارون‏,‏ وعيسى ابن مريم ـ‏ على نبينا وعليهم جميعا من الله السلام ـ مؤكدة وحدة رسالة السماء‏,‏ والأخوة بين الأنبياء‏,‏ وأن دعوتهم جميعا كانت إلى عبادة الله ـ تعالى‏ ـ‏ وحده‏ (‏ بغير شريك‏,‏ ولا شبيه‏,‏ ولا منازع‏,‏ ولا صاحبة ولا ولد)؛‏ لأن هذه كلها من صفات المخلوقين، والله الخالق منزه عن جميع صفات خلقه‏,‏ وأن منطق التوحيد الذي أمروا بتبليغه إلى أممهم كان واحدا‏ : "‏ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ "
(المؤمنون:32)،‏ ولكن للأسف الشديد انصرف أغلب هذه الأقوام عن رسل ربهم‏,‏ وقاوموهم‏,‏ وحاربوا أتباعهم‏,‏ وحتى هؤلاء الأتباع سرعان ما اختلفوا فيما بينهم‏,‏ وابتدعوا في دينهم‏,‏ وحرَّفوا رسالات ربهم حتى أخرجوها عن إطارها الرباني‏,‏ وأفقدوها القدرة على هدايتهم، فضلَّوا وأضلوا‏,‏ وغرقوا إلى آذانهم في الدنيا وشهواتها ظانين أن ما يمدهم الله‏ ـ تعالى ـ‏ به من مال وبنين هو خير لهم‏,‏ وفي ذلك يقول الحق ـ‏ تبارك وتعالى ـ :‏ " فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ . فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ . أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ . نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الخَيْرَاتِ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ " ‏(‏ المؤمنون‏:53‏ ـ‏56)‏ .

ثم تعاود الآيات إلى إضافة عدد آخر من صفات المؤمنين فتقول ‏:‏
" إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ . وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ . وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ . وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ . أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ . وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ "‏ ‏(‏المؤمنون‏:57‏ ـ‏62)‏ .
وبالمقابل تعاود السورة الكريمة إلى ذكر عدد من صفات الكفار والمشركين ممثلين في كفار ومشركي قريش‏,‏ ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين‏,‏ عارضة جانباً مما سوف يعانون منه من حسرة وندم يوم القيامة فتقول‏: ‏
"بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِّنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِّن دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ . حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ . لاَ تَجْأَرُوا اليَوْمَ إِنَّكُم مِّنَّا لاَ تُنصَرُونَ . قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ . مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِراً تَهْجُرُونَ . أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ أَمْ جَاءَهُم مَّا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأَوَّلِينَ . أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُوَلَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ . أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُم بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ . وَلَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ . أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ . وَإِنَّكَ لَتَدْعُوَهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ . وَإِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ "‏ ‏‏(‏ المؤمنون‏:63‏ ـ‏74)‏ .
وترد السورة الكريمة على كلٍ من منكري البعث والمتطاولين على وحي السماء‏,‏ وخلصت إلى تنزيه الذات الإلهية عن كل وصف لا يليق بجلال الله‏,‏ فتقول‏ :‏
" مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ . عَالِمِ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ‏"‏(‏المؤمنون‏:92,91)‏ .
وبعد ذلك تنتقل الآيات إلى وصف صورة من إكرام المؤمنين الصالحين، وذل الكافرين والمشركين والظالمين في ساعات الاحتضار وعند البعث وبعد الحساب فتقول‏ :‏
" حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ المَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ . لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ . فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ . فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ . وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ . تَلْفَحُ وَجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ . أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ . قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ . رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ . قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ . إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ . فَاتَّخَذْتُمُوَهُمْ سِخْرِياًّ حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ . إِنِّي جَزَيْتُهُمُ اليَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الفَائِزُونَ "‏ (‏ المؤمنون‏:99‏ ـ‏111)‏ .
وبعد هذه المقارنة بين موقف المؤمنين الذين يطلبون المغفرة والرحمة من رب العالمين‏,‏ وموقف كلٍ من الكفار والمشركين الذين يقفون من المؤمنين موقف السخرية والاستهزاء في الدنيا‏,‏ تشير الآيات إلى مصير هؤلاء وأولئك في الآخرة، وقد انتقم الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ من الكفار والمشركين‏,‏ وجزى المؤمنين بأن جعلهم الفائزين ‏.‏
وتختتم السورة الكريمة بالتأكيد على أن البشر لم يُخلقوا عبثا‏,‏ وأنهم راجعون حتماً إلى الله الملك الحق الذي لا إله إلا هو رب العرش الكريم‏,‏ وبإعادة استنكار شرك المشركين الذين أنذرتهم بعقاب الله الشديد‏,‏ ونعتتهم بالكافرين‏,‏ وقضت بعدم فلاحهم أبدا‏ًً,‏ وفي المقابل وجَّهت الآيات خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ، ومن ورائه جميع المؤمنين ببعثته الشريفة إلى يوم الدين ـ أن يطلب كلٌ منهم المغفرة والرحمة من الله الذي هو خير الراحمين‏,‏ وفي ذلك يقول الحق ـ تبارك وتعالى‏ ـ :‏
" أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ . فَتَعَالَى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ . وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الكَافِرُونَ . وَقُل رَّبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ "‏ (‏ المؤمنون‏:115‏ ـ‏118)‏ .


من ركائز العقيدة في سورة المؤمنون :
‏(1)‏ الإيمان
بالله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ وبملائكته‏,‏ وكتبه‏,‏ ورسله‏,‏ واليوم الآخر‏,‏ وبأن الجنة حق‏,‏ وأن النار حق‏,‏ وبأنه لن يرث الجنة خلوداً إلا المؤمنين الذين عددت السورة الكريمة بضعاً من صفاتهم، ولذلك سميت باسمهم ‏.‏
‏(2)‏
اليقين بأن الله ـ‏ تعالى ـ‏ قد خلق الإنسان من سلالة من طين‏,‏ وقدر مراحله الجنينية مرحلة بعد أخرى حتى تتم تسويته في خلقته الكاملة‏,‏ وأن له بعد هذه الحياة الموت‏,‏ ثم عليه من بعد الموت البعث والحساب؛ لأن الإنسان لم يُخلق عبثا‏ًً,‏ وأنه حتماً عائد إلى خالقه ليجزيه على عمله في الحياة الدنيا ‏.‏
‏(3)‏ التصديق بأن الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ هو خالق السماوات السبع والأرضين السبع وما فيهن‏,‏ وأنه‏ ـ‏ سبحانه ـ‏ منزل الماء بقدر من السماء‏ ‏فأسكنه في الأرض‏,‏ وأنه ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ قادر على الذهاب به وإفنائه‏,‏ وأنه منشئ الزروع‏,‏ ومبدع الأنعام، وخالق كل شيء ‏.‏
‏(4)‏ الإيمان بوحدة رسالة السماء‏,‏ وبالأخوة بين الأنبياء‏,‏ وبدعوتهم الواحدة إلى توحيد الخالق ـ سبحانه وتعالى ـ وتنزيهه عن كل وصف لا يليق بجلاله‏ .‏
‏(5)‏ اليقين بأن الله‏ ـ‏ تعالى ـ هو عالم الغيب والشهادة‏,‏ وأنه‏ ـ سبحانه‏ ـ هو خير الرازقين‏,‏ وأنه هو الذي يحيي ويميت‏,‏ وأن له اختلاف الليل والنهار‏,‏ وأنه هو رب العرش الكريم‏,‏ وأن الشرك به كفر‏,‏ وأنه لا يفلح الكافرون ‏.‏
‏(6)‏ التسليم بأنه لا عودة بعد الموت إلا في يوم البعث‏؛‏ لأن الأموات من ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون‏,‏ وبأنه عند نفخة الصور الأولى يُصعق كل حي‏,‏ وعند النفخة الثانية يُبعث كل ميت ‏.‏
‏(7)‏ الإيمان بأن من ثقُلت موازينهم في حساب الآخرة فأولئك هم المفلحون‏,‏ وبأن من خفت موازينهم فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون ‏.‏


من الإشارات الكونية في سورة المؤمنون :
‏(1)‏ الإشارة إلى خلق الإنسان من سلالة من طين‏,‏ ووصف مراحل الجنين البشري المتتالية بدقة بالغة في زمن لم يتوفر فيه أي من وسائل التكبير أو الكشف ‏.‏
‏(2)‏ التأكيد على خلق السماوات السبع وما بينها من طرائق ‏(‏ فواصل‏)‏ .
‏(3)‏ ذكر إنزال الماء من السماء بقدر وإسكانه في الأرض، مما يؤكد على حقيقة أن أصل الماء المخزون في صخور القشرة الأرضية هو ماء المطر، وهي حقيقة لم تدرك إلا في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي‏ .‏
‏(4)‏
الإشارة إلى الارتباط الوثيق بين إنزال الماء من السماء وإخراج النبات من الأرض‏,‏ وإنشاء جنات من نخيل وأعناب وغير ذلك من أشجار الفواكه والثمار ونباتات المحاصيل المختلفة ‏.‏
‏(5)‏ وصف شجرة الزيتون بأنها تنبت بالدُّهن وصبغ للآكلين‏,‏ والإشارة إلى شجر الزيتون الذي ينبت في طور سيناء بصفة خاصة ‏.‏
‏(6)‏
الإشارة إلى أن في خلق الأنعام عبرة للمعتبرين‏,‏ وأن فيما يخرج من بطونها من لبن‏,‏ وما يؤكل منها من لحم‏,‏ وفي اتخاذها وسيلة للركوب والحمل في البر كما تتخذ الفلك في البحر‏,‏ وفي غير ذلك من منافعها الكثيرة لآيات للمتدبرين ‏.‏
‏(7)‏ ذكر حاسة السمع قبل كلٍ من الأبصار والأفئدة‏,‏ والدراسات العلمية في العقود المتأخرة تؤكد على سبق حاسة السمع لجميع الحواس الأخرى في تخلقها‏ .‏
‏(8)‏ الإشارة الضمنية الرقيقة بتعبير اختلاف الليل والنهار إلى حقيقة كروية الأرض ودورانها حول محورها أمام الشمس ‏.‏
‏(9)‏
ذكر عدد من أنبياء الله وتفاعل أقوامهم معهم بدقة بالغة تؤكد دراسات الآثار صدق كل ما جاء فيها‏,‏ منهم نوح‏,‏ وموسى وهارون‏,‏ وعيسى بن مريم ـ على نبينا وعليهم من الله السلام‏ ـ وغير ذلك كثير ممن تمت الإشارة اليهم بصورة مجملة، ولا تزال آثارهم شاهدة على صدق ما روت آيات سورة المؤمنون عنهم ‏.‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة خاصة بها، ولذلك فسوف أقصر حديثي هنا على النقطة الأولى من القائمة السابقة‏ .‏


من الدلالات العلمية للآيات الثلاث :
أولا‏ًً :‏ في قوله ـ تعالى ـ ‏:‏
"وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ ‏" :‏ (المؤمنون‏:12):‏
يشبه تركيب جسم الإنسان في مجموعه التركيب الكيميائي لتراب الأرض المختلط بالماء ـ‏ أي الطين‏ ـ مع زيادة واضحة في عناصر الأكسجين‏,‏ والهيدروجين‏,‏ والكربون‏,‏ والفوسفور في جسم الإنسان‏,‏ وذلك لغلبة الماء فيه‏(54%‏ إلى أكثر من‏70%)،‏ ولاستفادة النبات الذي يتغذى عليه الإنسان بغاز ثاني أكسيد الكربون المستمَد من الجو في بناء سلاسل الغذاء حول ذرة الكربون (‏ الكربوهيدرات‏),‏ ولقدرة كل الخلايا الحية ‏ـ النباتية‏,‏ والحيوانية‏,‏ والإنسية‏ ـ‏ على تركيز الفوسفور ومركباته‏ .‏
ويتكون طين الأرض في غالبيته من المعادن الصلصالية التي تتركب أساساً من سليكات الألومنيوم المميَّأة‏,‏ وتشمل عدداً من المعادن التي تزيد على العشرة‏,‏ والتي تختلف عن بعضها البعض باختلاف كلٍ من درجات التميُّؤ ونسب كلٍ من الألومنيوم والسيليكون‏,‏ أو باختلاف العناصر المضافة ، ومن أهمها كلٌ من المغنيسيوم والبوتاسيوم‏ .‏ وكثيراً مايختلط بالمعادن الصلصالية المكونة للتربة أو للطين نسب متفاوتة من حبات الرمل‏ (‏ الكوارتز‏)‏، والفلسبار، وصفائح الميكا‏,‏ وأكاسيد الحديد‏,‏ وبعض المعادن الثقيلة‏,‏ بالإضافة إلى شيء من الرماد البركاني‏,‏ ودقائق الأملاح‏,‏ والجير ‏(‏ الكلس‏)‏ ، ودقائق الرماد الناتج عن مختلف عمليات الاحتراق‏,‏ وحبوب اللقاح وغيرها من بقايا النبات‏,‏ والبكتيريا وغيرها من الأحياء وبقاياها‏,‏ وبعض آثار الغبار الكوني وبقايا الشهب‏ وغيرها‏,‏ مما يجعل من مكونات طين الأرض شيئاً شبيهاً بمكونات جسم الإنسان‏ .‏
وتراب الأرض من الرواسب الفُتاتية الناعمة الحبيبات التي تقل أقطار حبيباتها عن‏256/1‏ من الملليمتر‏,‏ وإن اختلطت به بعض حبيبات الغرين‏(16/1‏ مم إلى‏256/1‏ مم‏)‏ والرمل‏(4/1‏ مم إلى‏16/1‏ مم‏)،‏ وهذه النعومة في حبيبات التربة تجعل مساميتها تتراوح بين‏70%‏ و‏80%‏، فتمتليء هذه المسام بالماء والهواء‏,‏ وبأيونات ودقائق العناصر والمركبات المختلفة التي توجد في الحالة الغروية‏,‏ ولعل ذلك هو المقصود من قول ربنا‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ : ‏" وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ ‏"
‏(‏المؤمنون‏:12) .‏
وهذه الحقيقة كما تنطبق على الإنسان الأول أبينا آدم‏ ـ‏ عليه السلام ـ تنطبق على جميع نسله الذين كانوا في صلبه لحظة خلقه‏,‏ والذين ورث كل فرد منهم شيئاً من هذا التراب الأوَّلي، ‏وهذا الشيء الموروث من الأب الأول ينمو على دماء أمه وهو في بطنها‏,‏ ودماؤها مستمدة من غذائها المستمد أصلاً من عناصر الأرض‏,‏ ثم بعد ولادته يُفطم على لبن أمه‏,‏ أو على لبن غيرها من المُرضِعات، أو على ألبان الحيوانات المباحة، وكل ذلك مستمد أصلاً من تراب الأرض‏,‏ وبعد فطامه يتغذى الطفل على كلٍ من نبات الأرض‏,‏ وعلي المباحات من المنتجات الحيوانية، وكلها مستمدة أصلا من عناصر الأرض‏,‏ ومن هنا كانت الإشارة القرآنية الكريمة التي يقول فيها ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ : ‏‏" وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ ‏" (المؤمنون:12) إشارة معجزة لما فيها من حقائق علمية لم تتضح لأصحاب العلوم المكتسبة إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين ـ أي بعد تنزل القرآن الكريم بأكثر من ثلاثة عشر قرنا‏ًً .‏

ثانيا‏ًً :‏ في قوله ـ تعالى‏ ـ :‏ "ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ " (المؤمنون:13) :
بسبب استطالة الزمن بين الخلق من سلالة من طين‏,‏ والخلق من نطفة في قرار مكين استخدم القرآن الكريم حرف العطف‏ (‏ ثم‏)‏ الذي يدل على الترتيب مع التراخي ‏.‏و‏(‏ النطفة‏)‏ في اللغة هي القليل من الماء الذي يعدل قطرة أو بضع قطرات، وجمعها‏(‏ نطف‏)‏ و‏(‏نطاف‏),‏ وقد استخدمها القرآن الكريم للتعبير عن خلية التكاثر ‏
(
Gamete)‏ سواء كانت مؤنثة‏(Ovum‏ أو مذكرة‏ (Sperm)‏، وذلك في اثنتي عشرة آية قرآنية كريمة هي‏:(‏ النحل‏/4,‏ الكهف‏/37، الحج‏/5،‏ المؤمنون‏/14,13,‏ فاطر‏/11,‏ يس‏/77,‏ غافر‏/67,‏ النجم‏/46,‏ القيامة‏/37,‏ الإنسان‏/2,‏ وعبس‏/19) .‏وقد سمَّى القرآن الكريم اتحاد النطفتين التكاثريتين ـ الذكرية والأنثوية ـ باسم النطفة الأمشاج ـ أي المختلطة ‏(Zygote)‏ ـ في الآية الثانية من سورة الإنسان‏,‏ وهو أول تعبير علمي دقيق عن تخلِّق الجنين باتحاد النطفتين الذكرية والأنثوية‏,‏ وانطلاقاً من ذلك جاء قول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ حين سئل‏:‏ مم يخلق الإنسان؟ فأجاب‏ : ...‏ " من كلٍ يخلق من نطفة الرجل ومن نطفة المرأة " ‏(‏ مسند الإمام أحمد بن حنبل‏)‏ وهي حقيقة لم يتوصل العلم المكتسب إلى معرفتها إلا في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي‏ (1775‏ م‏/1186‏ هـ‏) .‏
وبالتقاء النطفتين الذكرية والأنثوية تتكون النطفة الأمشاج
‏(
Zygote)‏ التي يتكامل فيها عدد الصبغيات المحدد للنوع البشري(46‏ صبغيا في‏23‏ زوجا منها‏22‏ تحمل الصفات الجسدية‏,‏ وزوج يحمل الصفات الجنسية وهما‏(x+x)‏ في الأنثي‏,(x+y)‏ في الذكر) .‏

ويتم إخصاب النطفة المؤنثة‏ (‏ البييضه‏)‏ ـ في الغالب ـ بنطفة ذكرية واحدة‏ ـ‏ أي بحيوان منوي واحد‏ ـ‏ وفي ذلك يقول المصطفى ‏ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ :‏
" ما من كل الماء يكون الولد. "‏ (أخرجه مسلم وأحمد) .
وبعد إتمام عملية الإخصاب تبدأ النطفة الأمشاج بالانقسام السريع إلى خلايا أصغر فأصغر حتى تتحول إلى كتلة كروية من الخلايا الأرومية تعرف باسم التويتة‏(
Morula),‏ ثم تتمايز إلى طبقتين‏:‏ خارجية وداخلية مكونة ما يعرف باسم الكيسة الأرومية‏(Blastocyst)‏ التي تبدأ في الانغراس بجدار الرحم مع اليوم السادس من تاريخ الإخصاب وحتى اليوم الرابع عشر‏,‏ وتعرف هذه المرحلة باسم مرحلة الغرس أو الحرث ‏(Implantation)‏ ، وتستغرق أسبوعاً كاملاً حتى يتم انغراس النطفة الأمشاج عديدة الانقسامات في جدار الرحم فتنقل من طور النطفة إلى طور العلقة‏ .‏
وطول النطفة يتراوح بين‏1‏
,0 مم إلى‏68‏,0 مم‏,‏ ووصف كلٌ من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة لهذا الطور الدقيق جداً في زمن لم يكن متوافراً فيه أية وسيلة من وسائل التكبير أو الكشف‏,‏ ووصفه بأنه ناتج عن إخصاب النطفتين المذكرة والمؤنثة يعتبر سبقاً علمياً لم يتوصل اليه العلم المكتسب إلا في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي ـ أي بعد تنزل القرآن الكريم بأكثر من أحد عشر قرناً ‏.‏
وبما أن الآيات الثلاث‏(12‏ ـ‏14)‏ من سورة المؤمنون التي نحن بصددها تتحدث عن الأطوار المتتالية في تكون الجنين الإنساني فمن المنطقي أن يكون التعبير‏"‏نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ "‏ (المؤمنون:13) يقصد به النطقة الأمشاج داخل الرحم الذي جعله الله ـ‏ تعالى‏ ـ مستقراً لها يأويها ويغذيها‏(‏ على الرغم من أن من طبيعة جسم الإنسان أن يطرد أي جسم غريب يزرع فيه‏),‏ وجعله مكيناً بوضعه في وسط جسم الأنثى‏,‏ وفي مركز من الحوض العظمي‏,‏ وبإحاطته بالعضلات والأربطة والأغشية التي تثبته بقوة في جسم المرأة‏,‏ وتثبت الجنين به على مدى تسعة أشهر كاملة أو حول ذلك‏,‏ وقد وهب الله‏ ـ تعالى‏ ـ الرحم القدرة على الاستجابة لنمو الجنين بالتمدد المستمر مع زيادة الجنين في الحجم‏,‏ وأحاط هذا المخلوق الناشيء بكلٍ من السائل الأمنيوسي‏,‏ والغشاء الأمنيوسي المندمج بالمشيمة‏,‏ وعضلات الرحم السميكة، ثم جدار البطن، وبذلك جعله ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ‏ قراراً مكيناً للنطفة الأمشاج حتى تنمو إلى الجنين الكامل‏ ،‏ وهذا إجماع المفسرين والأطباء المختصين إلى عصرنا الراهن استناداً إلى قول ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :‏
"...‏ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ‏..."
(‏ الحج‏:5)‏.
وقوله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ :" أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ . فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ . إِلَى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ . قَدَرْنَا فَنِعْمَ القَادِرُونَ "(‏المرسلات‏:20‏ ـ‏23)‏.
وقد اقترح الأستاذ الدكتور كريم حسنين في كتابه المُعَنْوَن ( دورة حياة الإنسان بين العلم والقرآن ) أن يكون المقصود بالقرار المكين هو غدة التناسل في الإنسان
‏(
Gonad),‏ ولا أرى خلافاً يستدعي الجدل في ذلك‏؛‏ لأنه إذا كان المقصود بالنطفة في هذه الآية الكريمة النطفة الأمشاج كما يدل على ذلك سياق الآيات، فقرارها المكين هو الرحم بلا جدال‏,‏ وإذا كان المقصود هو النطفة المجردة بمعنى خلية التكاثر الذكرية أو الأنثوية فقرارها المكين هو غدد التناسل في كلٍ من الذكر والأنثى‏ .‏
ويبقى وصف القرآن الكريم للمكانين بالقرار المكين سبقاً علمياً لم يصل اليه العلم المكتسب إلا بعد أكثر من عشرة قرون كاملة على أقل تقدير .

ثالثاً ‏:‏ في قوله ـ تعالى ـ " ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً ‏... " (المؤمنون:14):‏
لطول الفترة الزمنية من لحظة الإخصاب إلى تمام تعلق الكيسة الأرومية‏ ـ النطفة الأمشاج المنقسمة إلى أقسام كثيرة ـ‏ والتي تصل إلى الأسبوعين ـ‏ من اليوم الأول إلى الرابع عشر‏ ـ‏ استخدم القرآن الكريم حرف العطف‏(‏ ثم‏)‏ الذي يدل على الترتيب مع التراخي ‏.‏
ففي خلال أسبوعين من بدء الإخصاب تتم عملية تعلق الكيسة الأرومية بجدار الرحم بواسطة المشيمة البدائية التي تتحول فيما بعد إلى الحبل السري،‏ وباطراد النمو‏,‏ وتعدد الخلايا‏,‏ وبدء تكون الأجهزة ـ‏ وفي مقدمتها الجهاز العصبي ممثلاً بالحبل الظهري‏,‏ والجهاز الدوري الابتدائي ممثلاً بأنابيب القلب وحزمة من الأوردة والشرايين‏ ـيستطيل الجنين في نهاية الأسبوع الثالث ـ من اليوم الحادي والعشرين إلى اليوم الخامس والعشرين من عمره ـ ليأخذ شكل دودة العلق ‏
(
Leech)‏ في هيأتها‏,‏ وفي تعلقها بجسم العائل‏,‏ وفي تغذيتها على دم الحيوان العائل الذي تعلق به ‏.‏ وعلى ذلك فإن الوصف القرآني لهذا الطور من أطوار جنين الإنسان بتعبير‏ (‏ العلقة‏)‏ في زمن لم يكن متوافراً فيه أية وسيلة من وسائل التكبير أو الكشف لطور يتراوح طوله بين ‏7,.‏ مم و‏3,5‏ مم يعتبر أمراً معجزاً حقاً ‏.‏

رابعا‏ًً:‏ في قوله ـ تعالى ـ ‏: " ...‏ فَخَلَقْنَا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا المُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا العِظَامَ لَحْماً ‏... " (الموؤمنون:14) :‏
هذه مراحل ثلاث في تطور الجنين البشري‏,‏ ميزها القرآن الكريم وربطها مع بعضها البعض بحرف العطف‏(‏ ف‏)‏ الذي يدل على الترتيب مع التعقيب والاشتراك‏؛ وذلك لتتابعها المرحلة تلو الأخرى في تعاقب سريع على النحو التالي ‏:‏
‏(1)‏ تحول العلقة إلى مضغة‏ :‏
يستمر طور العلقة من نهاية الأسبوع الثاني إلى ما قبل نهاية الأسبوع الرابع من عمر الجنين‏ ـ‏ أي من اليوم الخامس عشر إلى الخامس والعشرين‏ ـ‏ وفي منتصف الأسبوع الرابع من عمر الجنين ـ‏ أي في حدود اليوم الرابع والعشرين إلى السادس والعشرين من بدء الإخصاب‏ ـ‏ تنتقل العلقة إلى طور جديد سمَّاه القرآن الكريم باسم المضغة ، وذلك ببدء ظهور عدد من الفلقات عليها تعرف باسم الكتل البدنية‏(Somites)‏، والتي تبدأ بفلقة واحدة ثم تتزايد في العدد حتى تصل إلى ما بين‏40‏ و‏45‏ فلقة‏,‏ وذلك مع تمام الأسبوع الرابع وبدايات الأسبوع الخامس من عمر الجنين‏ ـ‏ أي في اليوم الثامن والعشرين إلى الثلاثين من تاريخ الإخصاب‏ .‏
ونظراً إلى تعدد تلك الكتل البدنية فإن الجنين يبدو كأنه قطعة صغيرة من اللحم الممضوغ بقيت عليها طبعات أسنان الماضغ واضحة، كما تبقى مطبوعة على قطعة من العلك الممضوغ ‏.‏
ومع استمرار نمو المضغة تبدو فلقاتها في تغير مستمر في أشكالها وأحجامها ومواضعها‏,‏ ويصحب ذلك التغير شيء من الانتفاخ والتغضن والتثني تماماً، كما يحدث مع قطعة العلك الممضوغة مع تكرار مضغها ‏.‏ ومن هنا كان الإعجاز القرآني في تسمية تلك المرحلة الدقيقة‏(‏ والتي لا يتعدى طولها واحد سم في نهاية تلك المرحلة‏)‏ باسم المضغة‏,‏ والمضغة لغة هي القطعة من اللحم قدر ما يمضغ‏,‏ أو التي مضغت ولاكتها الأسنان تاركة طبعاتها عليها‏ .‏
‏(2)‏ تحول المضغة إلى العظام‏ :‏
يستمر طور المضغة من نهاية الأسبوع الرابع إلى نهاية الأسبوع السادس من عمر الجنين‏ ـ‏ أي من حوالي اليوم السادس والعشرين إلى اليوم الثاني والأربعين من تاريخ الإخصاب‏ ـ‏ ثم ينتقل إلى طور آخر سماه القرآن الكريم باسم طور العظام ، ويتم في خلال الأسبوع السابع من عمر الجنين‏ ـ في حدود الأيام‏43‏ إلى‏49‏ من تاريخ الإخصاب‏ ـ‏ وفي هذه الفترة يبدأ انتشار الهيكل العظمي للجنين، وذلك بالتكلس التدريجي للغضاريف التي تم تكونها في مرحلة المضغة حول عدد من المنابت العضوية‏،‏ وبتكون العظام يبدأ الجنين‏(‏ الذي يتراوح طوله بين‏14‏ مم و‏20‏مم‏),‏ في تحقيق استقامة جذعه‏,‏ وبروز أطراف أصابعه‏,‏ وظهور حويصلات مخه‏,‏ وفي ذلك يقول المصطفى‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ :‏ " إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله اليها ملكا فصورها‏,‏ وخلق سمعها وبصرها‏,‏ وعظامها‏,‏ ولحمها‏,‏ وجلدها‏ ... "   (‏ أخرجه كل من الأئمة مسلم‏,‏ أبو داود‏,‏ والطبراني‏) .‏
‏(3)‏ كسوة العظام باللحم‏ :‏
بعد اكتمال تحول المضغة إلى عظام في نهاية الأسبوع السابع من عمر الجنين تبدأ عملية كسوة العظام باللحم ـ‏ العضلات ‏ ـ والجلد ‏ في خلال الأسبوع الثامن‏ ـ من اليوم الخمسين إلى السادس والخمسين بعد الإخصاب‏ ـ ويكون طول الجنين في هذه المرحلة بين‏22‏ مم‏,31‏ مم‏.‏ وتنشأ خلايا العضلات عادة من الطبقة المتوسطة للمضغة، وتخرج من بين فلقاتها، ولذلك فإنها تنشأ مجزأة‏,‏ وتنتقل بعيداً عن منطقة الفلقات، ثم تنمو وتتصل مع بعضها البعض مكونة أعداداً من الخيوط والألياف ـ الأنابيب العضلية ـ التي تنتظم بالتدريج في حزم مميزة تتصل بغشاء العظام مكونة النسيج العضلي الذي يكسوها‏,‏ والذي يتميز إلى كلٍ من الجهاز العضلي للظهر‏,‏ والجهاز العضلي للبطن والصدر والرأس والأطراف، ويزود كلاً منها بفرع من العصب الشوكي ‏.‏

خامساً ‏:‏ في قوله ـ تعالى ـ ‏: "...‏ ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ ‏"(المؤمنون:14) :‏
بدءاً من الأسبوع التاسع من عمر الجنين تأخذ صفاته الجسدية والشخصية في التمايز بتمايز كل أعضاء وأجهزة الجسم التي تنشط للعمل مع بعضها البعض في تناسق عجيب‏,‏ وقد كسيت العظام باللحم ـ‏ العضلات ـ‏ والجلد‏,‏ ويطلق القرآن الكريم على هذه المرحلة اسم مرحلة النشأة، وتمتد من اليوم السابع والخمسين إلى نهاية فترة الحمل في الأسبوع الثامن والثلاثين ‏(‏ حول اليوم السادس والستين بعد المائتين‏),‏ ويتراوح طول الجنين فيها بين‏33‏ مم‏,500‏ مم ‏.‏
وفي هذه المرحلة يبدأ النمو بطيئاً ويستمر بهذا البطء حتى بداية الأسبوع الثاني عشر‏,‏ ثم تتسارع معدلات النمو في الحجم والتغير في الشكل، فتتحرك العينان إلى مقدمة الوجه‏,‏ وتنتقل الأذنان من الرقبة إلى الرأس‏,‏ ويستطيل الطرفان السفليان بشكل ملحوظ‏ .‏
ولتطاول المدة بين كسوة العظام باللحم وبين إنشاء الجنين‏ "‏ خَلْقاً آخَرَ "‏ استخدم القرآن الكريم حرف العطف ‏(‏ ثم‏)‏ الذي يفيد الترتيب مع التراخي ‏.‏
هذه المراحل المتتالية في خلق جنين الإنسان لا يعرف علم الأجنة في قمة من قممه اليوم لأي منها اسماً محددا‏ًً,‏ ولا وصفاً محددا‏ًً,‏ ولا يميزها إلا بأيام العمر‏،‏ وسبق القرآن الكريم بوصفها وتسميتها‏‏ في مراحلها المتتالية بهذه الدقة العلمية المذهلة‏,‏ وبهذا الشمول والكمال في زمن لم يكن متوافراً فيه أيٌ من وسائل التكبير أو الكشف المستخدمة اليوم، مما يقطع بأن القرآن الكريم لا يمكن أن يكون صناعة بشرية‏,‏ بل هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ وحفظه بعهده في نفس لغة وحيه‏ ـ اللغة العربية‏ ـ‏ على مدى الأربعة عشر قرناً الماضية، وإلى أن يرث الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ الأرض ومن عليها، حتى يكون حجة على الناس كافة إلى يوم الدين‏,‏ كما يشهد ذلك للنبي والرسول الخاتم الذي تلقى القرآن الكريم بالنبوة وبالرسالة‏.‏ وبأنه كان دوماً موصولاً بالوحي، ومعلَّماً من قبل خالق السماوات والأرض‏,‏ فصلِ اللهم وسلِّم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه‏,‏ ومن تبع هداه ، ودعا بدعوته إلى يوم الدين
. والحمد لله رب العالمين ‏.‏