" أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ‏" (النمل‏:86)‏.


هذه الآية الكريمة جاءت في خواتيم سورة النمل‏ ,‏ وهي سورة مكية‏ ,‏ وآياتها ثلاث وتسعون ‏(93)‏ بعد البسملة‏ ,‏ وقد سميت بهذا الاسم‏ ,‏ لورود الإشارة فيها إلى (وادي النمل‏)‏ الذي مر به نبي الله سليمان عليه السلام وجنوده‏ ,‏ فنطقت نملة بلغتها الخاصة بها آمرة بقية النمل بالدخول إلى مساكنهم‏ ,‏ محذرة إياهم إن بقوا في أماكنهم أن يحطمهم سليمان وجنوده بأقدامهم أو بحوافر خيولهم وهم لا يشعرون‏ .‏
وتستهل سورة النمل بالحرفين المقطعين‏ (طس‏) .‏ وهذه الفواتح الهجائية استهلت بها تسع وعشرون سورة من سور القرآن الكريم‏ .
وبعد هذا الاستهلال تحفل الآيات بالثناء على القرآن الكريم‏ ,‏ وعلى كل من الرسول الخاتم الذي تلقاه والذين آمنوا به اتبعوه‏ ,‏ وبعد ذلك تستعرض سورة النمل لمحات من سير عدد من رسل الله‏ ,‏ مؤكدة وحدة رسالة السماء‏ ,‏ والأخوة بين الأنبياء‏ ,‏ وكيف تكاملت هذه الرسالة في بعثة الرسول الخاتم صلي الله عليه وسلم‏ .‏
وفي هذا السرد القرآني تعرض سورة النمل جانبا من قصة نبي الله موسى‏ (على نبينا وعليه من الله السلام‏)‏ حين ناجاه ربه سبحانه وتعالى بالبقعة المباركة من أرض سيناء‏ ,‏ وكلفه بإبلاغ رسالته إلى فرعون وقومه‏ ,‏ وأعطاه تسع آيات بينات تشهد له بالنبوة وبالرسالة‏ ,‏ كما تعرض السورة الكريمة إلى تكذيب فرعون وشيعته بتلك الآيات البينات‏ .‏
ثم جاء ذكر كل من نبي الله داود وولده سليمان على نبينا وعليهما من الله السلام في قول ربنا جل وعلا ‏:‏ " وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ . وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الفَضْلُ المُبِينُ . وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الجِنِّ وَالإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ "  (النمل‏:15‏-‏17) .‏

وكان الهدهد من ضمن ما حشر لسليمان من الطير‏ ,‏ ولكن عندما تفقده نبي الله لم يجده‏ ,‏ فتوعده بعذاب شديد‏ ,‏ ثم فاجأه الهدهد بنبأ جاءه به من مملكة سبأ‏ ,‏ بقوله‏ : " أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ . إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ . وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ . أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ . اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ "(النمل‏:22‏-‏26)‏ .
فأرسل نبي الله سليمان الهدهد برسالة منه إلى ملكة سبأ‏ ,‏ وتصف الآيات في سورة النمل ردها حين تلقت الخطاب بقول ربنا تبارك وتعالى :" قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إلى كِتَابٌ كَرِيمٌ . إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنِّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . أَلاَّ تَعْلُوا على وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ "(‏النمل‏:29‏-‏31)‏ .
وبعد مشاورات مع أهل الرأي عندها قامت ملكة سبأ بإرسال هدية إلى سليمان فلم يقبلها‏ ,‏ وتوعدها بالحرب‏ ,‏ وأمر بالإتيان بعرشها فجئ به إليه‏ ,‏ وفي ذلك يقول القرآن الكريم على لسان نبي الله سليمان ‏:" قَالَ يَا أَيُّهَا المَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ . قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ . قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِراًّ عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ " (النمل‏:38‏-‏40) .‏
ثم جاءت ملكة سبأ لملاقاة سليمان‏ (عليه السلام‏)‏ وأسلمت على يديه‏ ,‏ تائبة عن عبادة الشمس قائلة في ضراعة‏ :‏ " رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ " (النمل‏:44) .
وبعد ذلك انتقلت سورة النمل إلى جانب من قصة نبي الله صالح‏ (على نبينا وعليه السلام‏) ,‏ ثم عرجت سورة النمل إلى جانب من قصة نبي الله لوط‏ (عليه السلام‏)‏ وما فيها من صدود الكافرين المفسدين في الأرض من قومه عن دعوته‏ ,‏ وتآمرهم عليه‏ .‏
ثم تستشهد سورة النمل بخمس من الآيات الكونية الدالة على وحدانية الخالق سبحانه وتعالى ‏ ,‏ وكررت بعد كل آية من هذه الآيات هذا الاستفسار التقريري‏ ,‏ التقريعي‏ ,‏ التوبيخي لكل مشرك في هذا الوجود والذي يقول فيه ربنا تبارك وتعالى ‏:" أَإله مَعَ الله‏ " (النمل‏:60) ,‏ ويأتي الجواب في كل مرة صادعا‏ ,‏ صادقا‏ ,‏ عنيفا بقول الحق تبارك اسمه ‏: (بل هم قوم يعدلون‏)‏ أي يميلون عمدا عن الحق الواضح وهو التوحيد الخالص لله تعالى ‏ , (بل أكثرهم لا يعلمون‏)‏ أي‏:‏ جاهلون‏ , (قليلا ما تذكرون‏) ‏ أي‏:‏ ما يعتبرون‏ , (تعالى الله عما يشركون‏) ‏ أي تنزه الله عن شرككم‏ ,‏ و‏ (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين‏)‏ أي‏:‏ لا برهان عندكم على شرككم‏ .‏
وتشير الآيات في سورة النمل إلى واحدة من العلامات الكبرى للساعة‏ ‏ مؤكدة جحود أغلب الناس بآيات الله المقروءة في القرآن الكريم‏ ,‏ والمنظورة في أنفسهم وفي الآفاق من حولهم‏ ,‏ وفي ذلك يقول ربنا تبارك وتعالى‏ :
" وَإِذَا وَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لاَ يُوقِنُونَ "
(النمل‏:82) .
‏ثم تذكر الآيات بيوم البعث وأهواله‏ ,‏ وبعدد من الأحداث المصاحبة له‏ ,‏ كما تصف تمايز الناس فيه إلى محسنين ومسيئين‏ ,‏ وتحدد جزاء كل فريق منهم‏ ,‏ وتنتهي إلى قول الحق تبارك وتعالى على لسان خاتم أنبيائه ورسله صلي الله عليه وسلم بما نصه ‏: ‏" إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ . وَأَنْ أَتْلُوَ القُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ المُنذِرِينَ " (النمل‏:91-92)‏ .
وتختتم سورة النمل بآية تؤكد أن كنوز الحقائق الكونية في القرآن الكريم سوف تكتشف بعد زمن الوحي‏ ,‏ وذلك مع اتساع دائرة المعرفة الإنسانية جيلا بعد جيل‏ ,‏ وأمة بعد أمة‏ ,‏ حتى يشهد كل عاقل في هذا الوجود بصدق القرآن الكريم‏ ,‏ وبصدق الرسول الخاتم الذي تلقاه‏ ,‏ وفي ذلك يوجه ربنا تبارك وتعالى الخطاب إلى خاتم أنبيائه ورسله صلي الله عليه وسلم فيقول مؤكدا مراقبته لكل صغيرة وكبيرة من أعمال عباده: " وَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ " (النمل‏:93) ‏.
وفي هذه الخاتمة إشارة منذ أكثر من أربعة عشر قرنا مضت إلى التقدم العلمي والتقني الذي نعيشه اليوم والذي يعد به المستقبل القريب إن بقي للكون وللإنسان وجود‏ .‏ وما كان لأحد في زمن الوحي ولا لقرون متطاولة من بعده أية إمكانية لاستشراف شيء من ذلك أبدا‏ .‏

من الإشارات الكونية في سورة النمل‏ :‏
(1) تقرير حقيقة الآخرة‏ ,‏ والعلوم المكتسبة تؤكد حدوث الكون وحتمية فنائه بشواهد مادية عديدة.‏
(2) ذكر عالمي الغيب والشهادة‏ ,‏ والعلوم المكتسبة تؤكد أن ما ندركه في صفحة الجزء الذي نعرفه من السماء الدنيا لا يصل إلي‏10%‏ من كم المادة والطاقة فيه مما يؤكد حقيقة عالم الغيب الذي أنكره كثير من المنكرين الجاحدين‏ .

(3) التأكيد على أن كل مخلوق مهما تضاءلت صورته له قدر من الإدراك والوعي‏ ,‏ والإحساس والشعور‏ ,‏ والإيمان الفطري‏ ,‏ والتسبيح غير الإرادي‏ ,‏ والعبادة التسخيرية‏ ,‏ وأن الله تعالى يهب لمن يشاء من عباده شفافية خاصة لإدراك ذلك‏ ,‏ وقدرة على فهمه والتفاعل معه‏ .‏
(4) إثبات نقل عرش ملكة سبأ من أرض اليمن إلى بيت المقدس في أقل من طرفة عين مما يشير إلى سرعات فائقة تقترب من سرعة الضوء‏ ,‏ ومثل هذه السرعات الفائقة لم يعرف إلا في القرن العشرين‏ .‏ ‏5
(5) الإشارة إلى خواء ديار قوم ثمود‏ ,‏ وهي اليوم خربة منذ أن خربها العذاب الذي نزل بالكافرين منهم وقد نجي الله تعالى المؤمنين من بينهم‏ .‏
(6) التأكيد على خلق السماوات والأرض بالحق‏ ,‏ أي حسب قوانين ثابتة لا تتعطل ولا تتخلف ولا تتوقف حتى قيام الساعة‏ ,‏ وهو ما تؤكده الدراسات العلمية‏ .‏ 
(7) الإشارة إلى إنزال الماء من السماء وإلى إثبات كل شيء به‏ ,‏ وإلى أن الله تعالى يبدأ الخلق ثم يعيده‏ ,‏ ويرزق عباده من السماء والأرض‏ .
(8) وصف تصريف الرياح بعلم الله وقدرته وإلى شيء من نتائج ذلك التصريف وآثاره‏ .‏
(9)ذكر العديد من صفات الأرض ومنها أن الله تعالى قد جعلها قرارا‏ ,‏ وجعل خلالها أنهارا‏ ,‏ وجعل لها رواسي‏ ,‏ وجعل بين البحرين حاجزا‏ ,‏ وكلها من الحقائق التي وصلت إليها العلوم المكتسبة في القرنين الماضيين فقط‏ ,‏ ولم يكن لأحد من علم بها قبل ذلك‏ .
‏(10) وصف هداية الله سبحانه وتعالى لعباده في ظلمات البر والبحر بواسطة أضواء كل من النجوم وأنوار القمر وغير ذلك من التوابع‏ .
(11) الإشارة إلى جعل الليل للسكن والراحة ولذلك كان مظلما‏ ,‏ وإلى جعل النهار للكد والكدح والعمل ولذلك كان منيرا مبصرا‏ ,‏ وإلى تبادلهما مما يلمح إلى حقيقة كروية الأرض‏ ,‏ ودورانها حول
محورها أمام الشمس‏ ,‏ في وقت لم يكن أحد من الخلق يعلم ذلك أو يقبله‏ .‏
(12) وصف الجبال بأنها تمر مر السحاب بينما تبدو للناظر إليها وكأنها جامدة راسخة في أماكنها مما يشير أيضا إلى دوران الأرض حول محورها‏ .
‏(13) تقرير أن البشرية في تطورها العلمي سوف تتأكد من صدق كل ما جاء بالقرآن الكريم من إشارات إلى الكون ومكوناته وظواهره‏ ,‏ وإلى كيفيات خلقه وإفنائه وبعثه‏ ,‏ وإلى غير ذلك من الحقائق العلمية‏ ,‏ والتاريخية‏ ,‏ والسلوكية‏ ,‏ والنفسية‏ ,‏ والتربوية وما سواها مما يتردد في ثنايا الرسالة السماوية وهي الدين بركائزه الأربع الأساسية‏:‏ العقيدة والعبادة‏ ,‏ والأخلاق‏ ,‏ والمعاملات ويؤكد على صدق كل ما جاء فيها‏ ,‏ وصدق كل كلمة من حروف وكلمات القرآن الكريم‏ ,‏ وكل ما جاء به من حقائق الغيب المطلق الذي لا سبيل للإنسان في الوصول إليه إلا عن طريق وحي السماء‏ ,‏ وإلى صدق الرسول الخاتم الذي تلقي دين الله في صورته النهائية لتبقي حجة على الناس كافة إلى قيام الساعة‏ .
(14) الإشارة إلى أن الله سبحانه وتعالى قد حرم مكة المكرمة يوم خلق السماوات والأرض‏ ,‏ والعلوم المكتسبة تؤكد تميز هذا الموقع الفريد من الناحيتين الجغرافية والجيولوجية‏ .‏

وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة خاصة بها‏ ,‏ ولذلك فسوف أقصر حديثي هنا على النقطة الحادية عشرة في القائمة السابقة والتي تتعلق بجعل الليل مظلما كي يكون فترة للسكن والراحة‏ ,‏ وجعل النهار منيرا مبصرا كي يكون فترة للكد والكدح والعمل من أجل إعمار الأرض وإقامة شرع الله فيها‏ ,‏ وهو ما حددته الآية السادسة والثمانون من سورة النمل وذلك بخطاب ربنا ـ تبارك وتعالى ـ إلى الكفار والمشركين والطغاة الظالمين منكرا عليهم كفرهم وشركهم وظلمهم ليقول‏ :‏ " أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ " (النمل‏:86) .‏



من الدلالات العلمية للآية الكريمة ‏:‏
الليل والنهار آيتان كونيتان عظيمتان من آيات الله في الخلق تشهدان على دقة بناء الكون‏ ,‏ وعلى انتظام كل حركة فيه‏ ,‏ ومن هذه الحركات دوران الأرض حول محورها أمام الشمس‏ ,‏ وما يستتبعه من تعاقب الليل والنهار على نصفي الأرض بالتدرج وباستمرار إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها‏ .‏
وفي قول ربنا تبارك وتعالى ‏:" أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ‏ " (النمل‏:86) .‏
تأكيد على هذه الحقيقة وإشارة إلى العديد غيرها من حقائق الوجود التي منها ما يلي‏ :‏
أولا ‏:‏ في قوله تعالي ‏:‏
" أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ ‏" (النمل‏:86) .
في هذا النص القرآني الكريم تأكيد على أن الليل خلق للراحة والسكن‏ ,‏ وقد أكدت الدراسات العملية والتحاليل المختبرية حاجة الإنسان إلى النوم وإلا هلك‏ ,‏ كما أكدت أن أصح نوم الإنسان هو في الساعات الأولي من الليل‏ .‏ والإنسان محتاج إلى السكينة بالليل الذي يخلد فيه إلى شيء من الراحة كي يتمكن من استعادة نشاطه البدني والذهني والنفسي والروحي‏ ,‏ ومن استجماع قواه في ذلك كله حتى يتهيأ للنشاط والعمل في النهار التالي ‏ .‏ وقد ثبت علميا أن نوم الليل يجدد النشاط ويقوي الذاكرة‏ ,‏ ويريح اغلب أجهزة الجسم وأن كثرة النوم بالنهار في غير ساعات القيلولة يؤثر على نشاط الدورة الدموية في جسم الإنسان‏ ,‏ ويتهدد عضلاته بالتيبس‏ ,‏ كما يتهدد وزنه بالزيادة المفرطة‏ ,‏ وجسده بالترهل نظرا لتراكم الدهون في أجزاء مختلفة منه‏ ,‏ كما يؤدي إلى شيء من التوتر النفسي والقلق‏ .‏ وربما كان من أسباب ذلك الوفرة الملحوظة في طبقات الجو السفلي للأشعة الكونية الثانوية الناتجة عن ارتطام الأشعة الكونية الأولية بالأجزاء العليا من الغلاف الغازي للأرض‏ ,‏ ووفرة الأشعة فوق البنفسجية القادمة مع أشعة الشمس‏ ,‏ وتناقص النشاط الحيوي للجسد أثناء النوم بصفة عامة‏ .‏
أما بالليل فإن نصف الأرض البعيد عن مواجهة الشمس يحمي من الأشعات الخطرة المنبثقة منها‏ ,‏ كما يحمي بانكماش وتكدس طبقات الحماية المختلفة التي أوجدها ربنا تبارك وتعالى في الغلاف الغازي للأرض لحماية الحياة على سطحها‏ ,‏ ومن أهمها النطق المتأنية ‏(The Ionosphere)‏ نطاق الأوزون (The Ozonosphere)‏ وأحزمة الإشعاع‏ (The Radiation)‏ والنطاق المغناطيسي‏ (The Magnetosphere)‏ والنطاق الخارجي ‏(The Exosphere) .
وانكماش هذه النطق وتكدسها حول نصف الأرض البعيد عن مواجهة الشمس يزيد من قدرة هذه الأحزمة على حماية الجزء المظلم من الأرض في وقت تناقص النشاط الحيوي للجسم تناقصا ملحوظا أثناء النوم‏ .‏ وقد ثبت في تجارب متعددة أن هذه النطق تتمدد أثناء النهار وتنكمش أثناء الليل‏ ,‏ وتصل إلى ذروة تمددها وقت الظهيرة وإلى قمة انكماشها عند المنتصف الفلكي لليل‏ ,‏ لذلك يقضي الإنسان ثلث عمره تقريبا نائما بالليل في أغلب الأحوال‏ .‏

ثانيا‏ :‏ في قوله تعالي‏ :
" وَالنَّهَارَ مُبْصِراً ‏" (النمل‏:86) .
في هذا النص القرآني الكريم يمن علينا ربنا ـ تبارك وتعالى ـ بنور النهار الذي يمكن الخلق من إبصار الأشياء فيه بسهولة ويسر‏ ,‏ وذلك لأن الأصل في الكون الظلام‏ ,‏ وأن النهار عبارة عن طبقة رقيقة جدا من الغلاف الغازي المحيط بنصف الأرض المواجه للشمس‏ .‏ ولا يتعدي سمك طبقة نور النهار مائتي كيلو متر فوق مستوي سطح البحر‏ ,‏ وتري الشمس بعد تجاوز هذه الطبقة قرصا أزرق في صفحة سوداء‏ ,‏ وإذا قورن سمك طبقة النهار‏ (مائتي كيلو متر‏)‏ بطول المسافة بين الأرض والشمس والمقدرة بنحو مائة وخمسين مليون كيلو متر في المتوسط اتضح لنا مدي رقة طبقة النهار‏ .‏
والسبب في ظلمة الكون هو أن الغالبية العظمي من أشعة الشمس والأشعات المنبثقة من غيرها من النجوم هي أشعات غير مرئية بالنسبة لعين الإنسان التي لا تري أيا من أشعة جاما‏ ,‏ ولا الأشعة السينية‏ ,‏ ولا فوق البنفسجية ولا تحت الحمراء ولا أشعة الراديو‏ (الأشعة غير السلكية‏) .‏ فعين الإنسان لا ترى من أشعة الشمس غير حزمة ضئيلة تصدر في عدد من الاطياف المتباينة في أطوال موجاتها وفي سرعات ترددها‏ ,‏ وعندما تصل هذه الأطياف إلى الطبقة الدنيا من الغلاف الغازي المحيط بنصف الأرض المواجه للشمس تختلط ببعضها البعض لتعطي نور النهار المبهج وذلك بتردد انعكاساتها على كل من جزيئات الهواء وما تحمله من قطيرات بخار الماء وهباءات الغبار التي تتركز في طبقات الغلاف الغازي القريبة من سطح الأرض‏ ,‏ وتتضاءل نسبها بالارتفاع التدريجي عن مستوي سطح البحر حتى تكاد تتلاشي بعد مائتي كيلو متر فلا يري نور النهار ‏ .‏ وتجلي نور النهار في المائتي كيلو متر السفلي من الغلاف الغازي المحيط بنصف الكرة الأرضية المواجه للشمس هو من نعم الله الكبرى على خلقه‏ ,‏ وبدونه لا تستقيم الحياة وهذا من دلالات هذا النص القرآني الكريم‏ .

ثالثا‏ :‏ في قوله تعالى‏ :
"‏ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ‏ " (النمل‏:86) .
إن التبادل المنتظم بين الليل المظلم والنهار المنير على نصفي الكرة الأرضية هو من الضرورات اللازمة لاستقامة الحياة على سطح هذه الكوكب‏ ,‏ ولاستمراريتها في الوجود بصورها المختلفة جيلا بعد جيل حتى يرث الله تعالى الأرض ومن عليها‏ .‏ فبهذا التبادل بين الظلام والنور يتم التحكم في كل من درجات الحرارة‏ ,‏ والرطوبة‏ ,‏ وكميات الضوء اللازمة في مختلف البيئات الأرضية ولمختلف ما تحتويه من صور الحياة‏ .
وبهذا التبادل بين الظلام والنور يتم التحكم في العديد من الأنشطة الحيوية وغير الحيوية من مثل التمثيل الضوئي‏ الأبيض‏ (عمليات الاستقلاب‏) ,‏ النتح‏ ,‏ التنفس‏ ,‏ وغيرها‏ ,‏ كما يتم التحكم في توزيع الطاقة الشمسية على مختلف أجزاء سطح الأرض بالنسبة اللازمة لعمرانها ويتم ضبط التركيب الكيمائي للغلاف الغازي المحيط بالأرض‏ ,‏ والتحكم في دورة الماء حول هذا الكوكب وتصريف الرياح على سطحه وفي غلافه الغازي‏ ,‏ وضبط حركة السحب‏ ,‏ كما يتم تفتيت الصخور المكونة لقشرة الأرض وإنتاج كل من التربة الصالحة للإنبات‏ ,‏ والصخور الفتاتية ذات المسامية العالية والقدرة على تمرير وخزن الموائع من مثل المياه الأرضية والغازات الطبيعية والنفط‏ ,‏ ويتم تركيز الخامات الفلزية وغير الفلزية‏ ,‏ وتسوية سطح الأرض‏ ,‏ وشق الفجاج والسبل فيها‏ ,‏ وتكوين الكهوف والغيران والمنخفضات‏ ,‏ وغير ذلك من العمليات والظواهر الأرضية ونتائجها والتي بدونها ما كانت الأرض صالحة للعمران ‏ .‏ هذا بالإضافة إلى أن جميع صور الحياة الأرضية لا تتحمل مواصلة العمل دون راحة وإلا هلكت‏ ,‏ فكل من الإنسان والحيوان والنبات محتاج إلى قدر من الراحة لاستعادة نشاطه من جديد ‏ .‏ وفي التبادل بين ليل مظلم ونهار منير تحديد ليوم الأرض‏ ,‏ وعون للإنسان على إدراك الزمن والتاريخ للأحداث‏ ,‏ وعلى تحديد الأوقات بدقة وانضباط ضرورين لاستقامة حياته على الأرض ولقيامه بمختلف الأعمال والواجبات من أداء للعبادات المفروضة‏ ,‏ ووفاء بمختلف الحقوق والالتزامات والعهود والمعاملات‏ ,‏ وتمييز للماضي عن كل من الحاضر والمستقبل‏ ,‏ وغير ذلك من الأنشطة الإنسانية الواجبة لتحقيق رسالته في هذه الحياة ‏ .‏ هذا بالإضافة إلى أن تبادل الليل والنهار يؤكد كروية الأرض‏ ,‏ وعلى دورانها حول محورها أمام الشمس‏ ,‏ وعلى أن الأصل في الكون هو الظلام ولذلك قدم الليل على النهار في الآية الكريمة التي نحن بصددها وفي العديد غيرها من آيات القرآن الكريم‏ ,‏ وهي حقيقة لم يدركها الإنسان إلا بعد ريادة الفضاء في النصف الثاني من القرن العشرين‏ .‏ وكذلك فإن كلا من كروية الأرض ودورانها حول محورها أمام الشمس كانتا من القضايا المختلف عليها وقت تنزل القرآن الكريم ولقرون عديدة من بعد ذلك ساد فيها الاعتقاد باستواء الأرض وثباتها وجريان الشمس من حولها‏ .‏ وسبق القرآن الكريم بالإشارة إلى هذا الكم من الحقائق العلمية التي جاءت في الآية الكريمة التي نحن بصددها‏ ,‏ وتأكدت في اثنتين وتسعين آية قرآنية جاء فيها ذكر الليل بالإفراد والجمع‏ ,‏ وفي سبع وخمسين موضعا جاء فيها ذكر النهار‏ ,‏ بالإضافة إلى إيراد ألفاظ عديدة لها نفس الدلالة مثل‏ (الصبح‏)‏ و‏ (‏الإصباح‏)‏ و‏(‏بكرة‏)‏ و‏ (‏الفلق‏)‏ و ‏(‏اليوم‏)‏ ومشتقاتها بمعني النهار‏ ,‏ مع ثبات هذه الحقائق وذكر المنة الإلهية بتبادل الليل والنهار‏ ,‏ وبجعل الليل للسكن والراحة‏ ,‏ وجعل النهار للكدح والعمل من أجل إعمار الأرض وإقامة شرع الله فيها‏ ,‏ وما في ذلك من استقامة للحياة الدنيا‏ ,‏ وعون للإنسان على تحديد الزمن‏ ,‏ وعلى التاريخ للأحداث المتتابعة‏ .‏
فالحمد لله على نعمة الإسلام العظيم‏ ,‏ والحمد لله على نعمة القرآن الكريم‏ ,‏ وصلى الله وسلم وبارك على النبي والرسول الخاتم الذي تلقاه وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏ .‏