" فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ . وَأَنْبَتْنَاعَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ " (لصافات146:145).


هاتان الآيتان الكريمتان جاءتا في الخمس الأخير من سورة الصافات‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ وآياتها ‏182‏ بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم لاستهلالها بقسم بالملائكة الأطهار الذين لاينفكون عن عبادة الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ ويصطفَّون في طاعته بأفضل مما يصطف كثير من عباد الله المكلَّفين من الإنس والجن في الصلاة ‏.‏ويدور المحور الرئيسي للسورة حول عدد من القواعد الرئيسية للعقيدة الإسلامية‏,‏ وفي مقدمتها الإيمان بالله‏,‏ وتوحيده التوحيد الخالص‏,‏ وتنزيهه‏ ـ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ عن كل وصف لايليق بجلاله (‏من قبيل نسبة الشريك‏,‏ أو الشبيه‏,‏ أو المنازع‏,‏ أو الصاحبة‏,‏ أو الولد إلى الله‏ ـ تعالى‏ ـ وغير ذلك من صفات المخلوقين والله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ منزه عن صفات خلقه‏,‏ والإيمان بملائكة الله‏,‏ وبكتبه‏,‏ ورسله‏,‏ وباليوم الآخر‏,‏ وبالقدر خيره وشره‏،‏ والإيمان بالوحي وحقيقته‏,‏ وبالبعث بعد الموت وبحتميته وضرورته‏,‏ وبالخلود في الآخرة إما في الجنة أو في النار‏,‏ وإنها لجنة أبدا‏ًً,‏ أو نار أبداً كما أخبر بذلك خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ‏ صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏ .
وفي سبيل الدعوة إلى الإيمان بهذه الركائز الإسلامية‏,‏ والعمل على ترسيخها في العقول والقلوب أشارت سورة الصافات إلى العديد من أشياء الكون وظواهره‏,‏ ووظفتها في الاستدلال على طلاقة القدرة الإلهية المبدعة في الخلق‏,‏ والشاهدة للخالق ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ بالألوهية‏,‏ والربوبية‏,‏ والوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه‏,‏ وبالقدرة على البعث‏,‏ وتقيم الحجة على أهل العلم في زمن تفجر المعارف العلمية الذي نعيشه بأن القرآن الكريم لايمكن أن يكون صناعة بشرية‏,‏ بل هو كلام الله الخالق‏,‏ وبأن الرسول الخاتم الذي تلقاه كان موصولاً بالوحي‏,‏ ومعلَّماً من قبل خالق السماوات والأرض ‏.‏
وفي نفس الوقت‏,‏ وظَّفت سورة الصافات هذه الإشارات الكونية في تفنيد دعاوى المبطلين من أهل الكفر والشرك والضلال‏,‏ وفي تطهير العقول والنفوس من هذا الكم الهائل من الخرافات والأساطير التي نسجتها أنماط عديدة من العقول المريضة عبر التاريخ‏,‏ انطلاقاً من همزات شياطين الإنس والجن‏,‏ وتخرصات المبطلين‏,‏ وشهوات الطامعين في شئ من حطام هذه الدنيا الفانية‏ .‏
وقد استهلت سورة الصافات بقَسَم من الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ بملائكته الكرام‏,‏ وبعدد من الوظائف التي أُمروا بها ـ والله‏ غني عن القسم ـ ثم يأتي جواب القسم بقول الحق ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :
" إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ ‏" (الصافات‏:4) .
  وهو قرار إلهي يقتلع كل جذور الكفر والشرك والضلال من العقول والقلوب التي عششت فيها تلك الانحرافات الفكرية‏,‏ وما أكثرها في تاريخ البشرية الطويل‏,‏ خاصة في زمن الفتن التي تظلل أغلب أهل الأرض في هذه الأيام‏ .
وتشير السورة الكريمة إلى محاولات مردة الجن وشياطينهم من أجل استراق السمع على أهل السماء‏,‏ وأكدت أن الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ قد سخر الشهب الثاقبة لتتبعهم ودحرهم‏,‏ وأنه‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ قد توعدهم بعذاب شديد ‏.‏
ثم يتوجه الخطاب إلى خاتم الأنبياء والمرسلين ـ‏ صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏ ـ بالأمر الإلهي أن يسأل منكري البعث‏,‏ المستبعدين لإمكانية وقوعه أن ينظروا في خلقهم من طين لازب‏,‏ ومحدودية كل فرد منهم بحدود مكانه في بقعة محددة من الأرض‏,‏ وبحدود زمانه ـ‏ أي أجله ـ‏ ومقارنة ذلك بخلق السماوات والأرض بأبعادهما المذهلة‏,‏ وأعمارهما المتطاولة‏,‏ فيدركوا أن الذي خلقهم من هذا الطين اللازب‏,‏ وحددهم بحدود المكان والزمان‏,‏ وخلق الكون بهذا الاتساع‏,‏ والضخامة في الأبعاد‏,‏ وتعدد الأجرام‏,‏ وتنوع صفاتها قادر على بعثهم‏,‏ وبعث آبائهم الأولين وهم أذلاء صاغرون‏ .‏

ثم تعرض سورة الصافات لموقف من مواقف الآخرة‏,‏ وقد أُطلقت صيحة البعث وجميع الذين كانوا ينكرونه في الدنيا‏,‏ ويسخرون من إمكانية وقوعه‏,‏ يخرجون من قبورهم مشدوهين‏,‏ فزعين‏,‏ مذعورين‏,‏ وهم يقولون‏:‏
‏"...‏ يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ " (‏ الصافات‏:20) .‏
فيسمعون الرد عليهم في قول الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ :" هَذَا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ . احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ . مِن دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوَهُمْ إِلَى صِرَاطِ الجَحِيمِ . وَقِفُوَهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ "‏
(‏الصافات‏:21‏ـ24) .
وتستطرد الآيات في استكمال عرض هذا المشهد‏,‏ والكفار والمشركون‏,‏ والعصاة والظالمون عاجزون عن مناصرة بعضهم بعضا‏ًً,‏ والذين اتبعوا والذين اتُبعوا من المشركين وشركائهم يتلاومون‏,‏ ويتبادلون تهم الضلال والغواية‏,‏ وفي ذلك يقول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ :‏ " فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي العَذَابِ مُشْتَرِكُونَ . إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ ‏.‏ إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ . وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ. بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ المُرْسَلِينَ . إِنَّكُمْ لَذَائِقُوا العَذَابِ الأَلِيمِ . وَمَا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ " (‏الصافات‏:33‏ ـ ‏39)‏ .
وفي قول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ :‏ " بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ المُرْسَلِينَ " (‏الصافات‏:37)
تأكيد لنبوة خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ وشهادة من الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ على صدق رسالته‏,‏ وبرهان على وحدة رسالة السماء‏,‏ وعلى أخوة الأنبياء والمرسلين ـ‏ صلى الله وسلم وبارك عليهم أجمعين‏ ـ وهو في الوقت نفسه رد إلهي جازم على الذين كذبوا ببعثته الشريفة‏,‏ وتطاولوا على شخصه الكريم بأقلامهم الرخيصة‏,‏ أو بألسنتهم البذيئة‏,‏ أو تستروا وراء شاشات الشبكة العنكبوتية كخفافيش الظلام ينفثون فيها جهلهم الفاضح‏,‏ وأحكامهم الجائرة‏,‏ وأحقادهم المريضة‏,‏ وسمومهم البغيضة ضد الإسلام‏,‏ وضد نبيه الكريم‏,‏ وضد جميع المسلمين بما لايستطيعون أن يقولوه مواجهة لجبنهم، وعجزهم‏,‏ وضعف حجتهم‏,‏ وسقوط كل دعاواهم الباطلة ‏.‏
وهم يفعلون ذلك طمعاً في الصد عن دين الله الخاتم الذي لايرتضي ربنا‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ‏ من عباده ديناً سواه‏,‏
‏"...‏ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ " (‏يوسف‏:21)‏ .
وقد حذرهم الله‏ ـ سبحانه وتعالى‏ ـ من خطر ذلك في الآيات السابقة من سورة الصافات، وبقوله‏ ـ‏ عز من قائل ـ :‏ " إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ‏"  (‏الأنفال‏:36)‏ .
ثم تقارن الآيات في سورة الصافات بين إكرام الله ـ‏ تعالى‏ ـ‏ لعباده المؤمنين بتنعيمهم في جنات الخلد‏,‏ وبالفوز العظيم برضاه‏ ـ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ وبين ما يلقاه كلٌ من الكفار والمشركين المكذبين ببعثة خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ من عذاب في الدنيا‏,‏ ونار جهنم في الآخرة‏,‏ وهم يصطلون بجحيمها‏,‏ ويأكلون من زقومها‏,‏ وعليه شوب من حميم‏ .‏
وتستمر الآيات في تأكيد أن أكثر الأمم السابقة على بعثة الرسول الخاتم ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ كانوا قد ضلوا ضلالاً بعيداً على الرغم من إرسال عدد من الأنبياء والمرسلين إليهم‏,‏ منذرين من مغبة الكفر بالله‏ ـ تعالى ـ أو الشرك به‏ ـ‏ سبحانه ـ أو معصيته والانحراف عن المنهج الذي وضعه لاستقامة الحياة على الأرض‏,‏ ولإثبات ذلك استعرضت السورة المباركة سير عدد من أنبياء الله ورسله منهم نوح‏,‏ إبراهيم وولداه‏,‏ موسي وهارون‏,‏ إلياس‏,‏ لوط‏,‏ ويونس‏ ـ على نبينا، وعليهم جميعاً من الله السلام‏ ـ وفي قصص هؤلاء الأنبياء والمرسلين تجلت معية الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ لهم ولعباده المؤمنين‏,‏ ورحمته بهم‏,‏ وتعهده بنصرهم وبدحر أعدائهم من الكفار والمشركين والظالمين‏,‏ والتنكيل بهم في الدنيا قبل الآخرة‏,‏ وفي ذلك يقول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ :
" وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأَوَّلِينَ . وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِم مُّنذِرِينَ . فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُنذَرِينَ ‏.‏ إِلاَّ عِبَادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ " (‏الصافات‏:71‏ ـ‏74).
وتعاود الآيات توجيه الخطاب إلى خاتم الأنبياء والمرسلين ‏ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ ليقوم بالرد على عدد من الخرافات والأساطير التي ابتدعها أهل الزيغ والضلال من الكفار والمشركين‏,‏ والتي منها الادعاء الباطل بوجود نسب بين الله‏ ـ سبحانه وتعالى‏ ـ ،‏ وبين الجن‏,‏ وأنه بناءاً على تصديقهم هذه الفرية بالعلاقة المختلقة كانت الملائكة الذين ادعى المبطلون عليهم بأنهم إناث‏...!!‏
وكذلك الادعاء الباطل على الله ‏ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ بنسبة الصاحبة والولد إليه، وهما من صفات المخلوقين‏,‏ والله ـ تعالى ـ منزه تنزيهاً كاملاً عن صفات خلقه‏,‏ ولذلك قال‏ ـ عز من قائل‏ ـ :
" فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ البَنَاتُ وَلَهُمُ البَنُونَ .‏ أَمْ خَلَقْنَا المَلائِكَةَ إِنَاثاً وَهُمْ شَاهِدُونَ . أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ . وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ . أَصْطَفَى البَنَاتِ عَلَى البَنِينَ‏ . مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ . أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ . أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ . فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ . وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ . سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ‏ " (الصافات‏:149‏ ـ‏159) .
وتُكرر الآيات في خواتيم سورة الصافات وعد الله لأنبيائه ورسله‏,‏ ولجنده المؤمنين بالنصر والتمكين‏,‏ وهو وعد حق‏,‏ تعهد‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ به‏,‏ والله لايخلف الوعد ولا الميعاد ‏، وتطالب الآيات خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ باعتزال الكفار والمشركين؛ لأنهم يستعجلون نزول عذاب الله‏,‏ وهو واقع بهم لا محالة‏,‏ وفي ذلك يقول الحق ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :‏
" وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المُرْسَلِينَ .‏ إِنَّهُمْ لَهُمُ المَنصُورُونَ . وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغَالِبُونَ . فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ .‏ وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ .‏ أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ . فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ المُنذَرِينَ ‏. وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ ‏.‏ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ‏" ‏(‏الصافات‏:171‏ ـ‏179)
وتختتم سورة الصافات بقول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ :
" سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ . وَسَلامٌ عَلَى المُرْسَلِينَ . وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ " (‏الصافات‏:180‏ ـ‏182)
وفي ذلك تأكيد على ربوبية الخالق‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ وتنزيه له‏ ـ‏ جل شأنه ـ‏ عن كل وصف لا يليق بجلاله مما ادعى به كثير من المشركين‏,‏ وتوقير لجميع رسل الله‏,‏ وذكَّرهم بالسلام عليهم‏,‏ وحمد الله على فيض نعمه في كل وقت وفي كل حين ‏.‏

نبي الله يونس في القرآن الكريم‏ :‏
جاء ذكر نبي الله يونس‏ ـ‏ عليه السلام ـ‏ في القرآن الكريم ست مرات‏,‏ أربع منها باسمه الصريح‏ (‏النساء‏:163)،‏ (الأنعام‏:86)،‏ (يونس‏:98)،‏ و(الصافات‏:139),‏ والخامسة جاءت بكنيته‏ ـ ذا النون‏ ـ (‏الأنبياء‏:87),‏ والسادسة جاءت بصفته‏ ـ‏ صاحب الحوت‏ ـ (‏القلم‏:48),‏ وتكريماً له‏ ـ عليه السلام‏ ـ سمى ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ‏ إحدى سور القرآن الكريم باسمه، وهي سورة يونس. ‏
وهذا النبي الصالح عرَّفه لنا المصطفى‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ باسم يونس بن متَّى‏,‏ وذلك بقوله الشريف‏ :‏ " لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى " ‏(‏البخاري ومسلم‏) .‏
ونبي الله يونس بن متَّى بُعث إلى أهل نِينَوَى‏,‏ وهي محافظة في أقصى الشمال الغربي من الجمهورية العراقية ‏(‏التي ندعو الله ـ تعالى ـ أن يعجِّل بتحريرها من دنس الاحتلال الأنجلو أمريكي -‏ الصهيوني‏-‏ الصليبي الغاشم، والبغيض في أقرب وقت ممكن ـ إن شاء الله تعالى‏ ـ‏ وتُعرف محافظة نِينَوَى اليوم باسم محافظة الموصل‏,‏ ومدينة نِينَوَى كانت عاصمة الإمبراطورية الآشورية بعد مدينة آشور‏,‏ ويرجع تاريخها إلى الألف السادسة قبل الميلاد‏,‏ وقد وصلت أوج ازدهارها في النصف الأول من الألف الأخيرة قبل الميلاد ـ‏ خاصة في الفترة من‏704‏ ق‏.‏ م إلى‏681‏ ق‏.‏ م ـ ولكنها دُمرت سنة ‏612‏ ق‏.‏م‏،‏ وبقيت أطلالها على الضفة الشرقية من نهر دجلة في مقابلة مدينة الموصل تقريبا‏ًً,‏ ولا يفصلهما إلا النهر‏,‏ وإن سكنتها بعض القبائل حتى العصور الوسطى ‏.‏ وكان أهل نِينَوَى قد انتكسوا إلى عدد من الوثنيات القديمة، وعبدوا الأصنام بعد أن عاشوا فترة على التوحيد الخالص لله‏,‏ فبعث الله ـ‏ تعالى‏ ـ‏ إليهم نبيه يونس‏ ـ عليه السلام‏ ـ‏ يدعوهم إلى الإسلام القائم على التوحيد الخالص لله‏ (‏بغير شريك‏,‏ ولاشبيه‏,‏ ولامنازع‏,‏ ولاصاحبة‏,‏ ولا ولد‏) .‏
وأقام فيهم نبي الله يونس‏ ـ‏ عليه السلام‏ ـ‏ ردحاً من الزمن يدعوهم إلى دين الله‏,‏ ويقدم لهم الدليل تلو الدليل‏,‏ ويقيم الحجة عليهم فلم يطيعوه‏، بل عصوه‏,‏ وكذبوا دعوته‏,‏ فهددهم بعذاب الله‏,‏ وتوعدهم به‏,‏ ثم خرج غاضباً من بين ظهرانيهم قبل أن يأذن الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ له بالخروج، فلامه الله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ على ذلك‏,‏ حيث يقول ـ وقوله الحق‏ ‏ تبارك وتعالى ـ :
" وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ . إِذْ أَبَقَ إِلَى الفُلْكِ المَشْحُونِ . فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ المُدْحَضِينَ . فَالْتَقَمَهُ الحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ . فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ .‏ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ . فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ . وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ .‏ وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ . فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ "‏  (‏الصافات‏:139‏ ـ ‏148)‏ .
وقال ـ‏ عز من قائل ـ :‏ " وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ . فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي المُؤْمِنِينَ " (‏الأنبياء‏:87‏ ـ‏88)‏ .
ومعنى هذه الآيات المباركات أن يونس‏ ـ عليه السلام‏ ـ حين خرج من نِينَوَى مغاضباً لقومه ركب البحر في محاولة للابتعاد عنهم‏,‏ ولكن القرآن الكريم لم يحدد لنا اسم البحر‏,‏ ولذك تساءل المفسرون ‏:‏ هل من الممكن أن يكون هو نهر دجلة؟‏,‏ أو إحدى البحيرات القريبة من نِينَوَى مثل بحيرة أرميا في أقصى الشمال الغربي من إيران؟، أو البحر الأبيض المتوسط؟ ، والله‏ ـ سبحانه وتعالى ـ‏ هو وحده الذي يعلم حقيقة هذا الوسط المائي الذي التقم أحد حيتانه العملاقة نبي الله يونس‏ ـ‏ عليه السلام ـ‏ الذي مع هول المفاجأة ظل يردد لا إله إلا انت سبحانك إني كنت من الظالمين، فاستجاب الله لاستغاثاته‏,‏ وأمر‏ ـ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ ذلك الحوت ألا يهضم لعبده ونبيه يونس‏ ـ عليه السلام ـ‏ لحما‏ًً,‏ وألا يهشم له عظما‏ًً,‏ حتى يخرجه الله من الابتلاء الذي عرضه له سليما‏ًً,‏ مُعافَى‏,‏ فاهماً لحقيقة الدرس الذي كان من أهدافه ألا يتصرف في شأن من شئون الدعوة بغير أمر من الله ـ‏ سبحانه وتعالى‏ .‏
وتروي لنا الآيات بعد ذلك أن الحوت لفظ عبد الله ونبيه يونس بن متَّى ملقياً به على الساحل‏,‏ وهو في حالة من الإعياء والذهول والهزال الشديد‏,‏ لا يقوى القلم على وصفها‏،‏ فأنبت الله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ عليه شجرة من يقطين‏,‏ أظلته‏,‏ وسترته‏,‏ وربما تناول شيئا من ثمارها فعافاه الله ـ‏ تعالى‏ ـ من سقمه‏,‏ وغفر له ماتقدم من ذنبه‏,‏ وهو‏ ـ‏ سبحانه‏ ـ‏ غفار الذنوب‏ .‏
وهذه المعجزة التي أحدثها ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ لنبيه يونس‏ ـ عليه السلام‏ ـ معجزة إلهية حقيقية‏,‏ والمعجزات لا تعلل‏,‏ ولاتفسر‏؛‏ لأنها خارقة لقوانين الدنيا‏,‏ وإن كان العلم يؤكد إمكانية ابتلاع أحد حيتان البحر العملاقة لرجل‏,‏ وبقاء هذا الرجل حياً في فمه لبعض الوقت دون أن يصيبه أذى كبير‏,‏ ثم يلفظه الحوت‏,‏ خاصة إذا كان من نوع الهركول العملاق‏,‏ الذي يبلغ طوله نحواً من عشرين متراً‏,‏ ويتميز بأنه لا أسنان له‏,‏ وحلقه أضيق من إمكانية ابتلاع جسد الرجل ‏.‏
ثم رأى قوم يونس‏,‏ بعد مغادرة نبيهم لأرضهم وهو مغاضب لهم أن إرهاصات العذاب الذي توعدهم به بدأت في الظهور‏,‏ فسارعوا بالتوبة إلى الله وبالإنابة إليه حتى كشف عنهم العذاب وعادوا مسلمين لله‏,‏ موحدين لجلاله‏,‏ مقيمين لشعائره‏,‏ وفي ذلك يقول ربنا‏ ـ تبارك وتعالى ـ :‏
" فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ ‏" ‏(‏يونس‏:98) .‏
وبعد خروجه من ابتلاءاته عاد يونس‏ ـ‏ عليه السلام ـ إلى قومه، وقد شفاه الله وعافاه‏,‏ فوجدهم قد نبذوا الأصنام والأوثان‏،‏ وعادوا إلى توحيد الله ـ‏ تعالى‏ ـ وإلى عبادته وحده بما أمر‏,‏ فسعد بهم وسعدوا به‏,‏ وعاش بينهم داعياً إلى الله على بصيرة حتى لقي ربه راضياً مرضيا‏ًً .‏
وعاش أهل نِينَوَى على التوحيد الخالص لله حتى بعد وفاة نبيهم يونس‏ ـ عليه السلام‏ ـ‏ ثم عاود الشيطان الوسوسة إليهم حتى اجتالهم‏,‏ وحرفهم عن دين الله‏,‏ وأعادهم بالتدريج إلى وثنيتهم الأولى فضلوا ضلالاً بعيدا‏ًً,‏ وإن بقي فيهم بعض الأحناف الذين احتفظوا ببقايا الحق القديم، وكان منهم عداس الذي لقي رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ‏ في طريق عودته من الطائف إلى مكة المكرمة وشهد لنبينا‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ بالنبوة‏ .‏
ومع تفشي الشرك بالله‏,‏ والعودة إلى عبادة الأصنام والأوثان غضب الله على أهل نِينَوَى، فسلط عليهم من دمر إمبراطوريتهم في حدود سنة ‏612‏ ق‏.‏ م‏،‏ فأصبحت أثراً بعد عين‏,‏ وأحاديث يرويها المؤرخون‏,‏ ودروساً يعتبر بها أصحاب البصائر والعقول إلى يومنا الراهن‏,‏ وإلى أن يشاء الله‏ .‏



من الإشارات العلمية في سورة الصافات :
جاء في سورة الصافات عدد من الإشارات العلمية التي يمكن إيجازها في النقاط التالية ‏:‏
‏(1)‏ الإشارة إلى مابين السماوات والأرض‏,‏ على ضخامة أبعاد السماوات‏,‏ وضآلة أبعاد الأرض‏,‏ مما يشير إلى مركزية الأرض بالنسبة إلى الكون‏,‏ وقد أشار إليها المصطفى ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ في أكثر من حديث‏,‏ ويعجز العلم الكسبي عن تحقيقها‏,‏ ووجود إشارات في التراث القديم لتلك الحقيقة قد يكون من بقايا الوحي السماوي الذي أنزله ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ‏ قبل بعثة النبي الخاتم، والرسول الخاتم‏ ـ‏ عليه أفضل الصلاة وأزكي التسليم‏ .‏
‏(2)‏ وصف الله الخالق‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ لذاته العلية بأنه رب المشارق‏,‏ وفيه من الإشارات العلمية مايشمل كلاً من كروية الأرض‏,‏ ودورانها حول محورها أمام الشمس‏,‏ وميل هذا المحور على مستوى الدوران‏,‏ وجري الأرض في مدار محدد لها حول الشمس ‏.‏
‏(3)‏ الإشارة إلى أن زينة السماء الدنيا هي الكواكب‏,‏ وفي مقام آخر يقول ربنا ـ تبارك وتعالى ـ :‏ "
وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ.. " (‏الملك‏:5)‏ .
وإجماع المفسرين وأهل العلم على أن المقصود بالتعبير القرآني مصابيح هو النجوم‏,‏ والجمع بين النجوم‏,‏ والكواكب‏,‏ ورجوم الشياطين ـ‏ الشهب والنيازك ـ‏ فيه إشارة إلى وحدة البناء في الكون‏,‏ مما يشهد لله الخالق بالوحدانية فوق جميع خلقه‏؛‏ وذلك لأن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ يخلق النجوم أمام أنظار الراصدين من دخان السماء بعلمه‏,‏ وحكمته‏,‏ وطلاقة قدرته‏,‏ وأنه‏ ـ سبحانه وتعالى ـ يعيد النجوم بانفجاراتها إلى دخان السماء‏,‏ والكواكب مفصولة أصلاً عن النجوم‏,‏ والشهب والنيازك من نواتج انفجار الكواكب‏,‏ وهكذا ‏.‏
‏(4)‏ الوصف القرآني للشهاب بأنه شهاب ثاقب، بمعنى ثقبه للغلاف الغازي للأرض بتحركه فيه بسرعات كونية هائلة قبل احتراقه بالكامل، فيه إشارة إلى تلك السرعات الفائقة التي تتحرك بها النيازك والشهب‏ .‏
‏(5)‏ الإشارة القرآنية إلى خلق الإنسان من طين لازب تؤكدها كل الدراسات العلمية المتقدمة‏ .‏
‏(6)‏ ذكر عدد كبير من الأنبياء والمرسلين السابقين على بعثة الرسول الخاتم‏ ـ‏ صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏ ـ‏ وسرد جوانب من قصصهم، وأحوال أممهم بهذه الدقة التاريخية المذهلة‏,‏ ودون أدنى خطأ‏,‏ وذلك من قبل أكثر من ألف وأربعمائة من السنين‏,‏ وفي أمة لم تكن أمة تدوين‏,‏ وبدقة تفتقر إليها مابقي بين أيدي الناس اليوم من صحائف أهل الكتاب‏ .‏
‏(7)‏ اختيار شجرة من يقطين ـ دون غيرها من أنواع النباتات ـ وجعلها ستراً وظلالة لنبي الله يونس‏ ـ عليه السلام‏ ـ‏ بعد ان أنقذه الله‏ ـ سبحانه وتعالى‏ ـ من فم الحوت
" فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ ‏" (‏الصافات‏:145)‏ بعد أن كان قد التقمه‏,‏ مما يشير إلى ما في اليقطينيات من فوائد علاجية وغذائية لمن كان في مثل ظروف نبي الله يونس في أثناء ابتلائه بالحوت‏ .‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة خاصة بها‏,‏ ولذلك فسوف أقصر حديثي هنا على النقطة الأخيرة في القائمة السابقة‏,‏ وقبل الوصول إلى ذلك لابد من استعراض سريع لأقوال عدد من المفسرين في شرح دلالة هاتين الآيتين الكريمتين اللتين اتُّخِذَتَا عنوانا لهذا المقال ‏.


من أقوال المفسرين :
في تفسير قوله‏ ـ تعالى ـ :‏
" فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ . وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ ‏"‏ (‏الصافات‏:146,145).‏ ذكر ابن كثير‏ ـ‏ يرحمه الله‏ ـ‏ ما مختصره‏ : " ‏فَنَبَذْنَاهُ " أي ألقيناه ." ‏بِالْعَرَاءِ"‏ قال ابن عباس ‏:‏ هي الأرض التي ليس بها نبت ولا بناء‏,‏ قيل على جانب دجلة‏,‏ وقيل بأرض اليمن‏,‏ والله أعلم‏ ." ‏وَهُوَ سَقِيمٌ‏ "‏ أي ضعيف البدن‏... " وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ‏ "‏ قال ابن مسعود وابن عباس‏ : (‏اليقطين‏)‏ هو القرع‏,‏ وقال سعيد بن جبير‏:‏ كل شجرة لا ساق لها فهي من اليقطين‏,‏ وفي رواية عنه‏ :‏ كل شجرة تهلك من عامها فهي من اليقطين‏,‏ وذكر بعضهم في القرع فوائد ‏:‏ منها سرعة إنباته‏,‏ وتظليل ورقه لكبره ونعومته‏,‏ وأنه لايقربه الذباب‏,‏ وجودة تغذية ثمره‏,‏ وأنه يؤكل نيئاً ومطبوخاً بلبه وقشره أيضا‏,‏ وقد ثبت أن رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ كان يحب الدُّبَّاء‏,‏ ويتبعه من حواشي الصفحة‏.... (انتهى قول المفسر)‏
‏‏ وجاء في كلٍ من تفسير الجلالين‏,‏ والظلال‏,‏ وصفوة البيان لمعاني القرآن‏,‏ والمنتخب في تفسير القرآن الكريم وصفوة التفاسير كلام مشابه لكلام ابن كثير‏,‏ ولا أرى حاجة إلى تكراره هنا‏ .‏


من الدلالات العلمية للآيتين الكريمتين :
بتأمل هاتين الآيتين الكريمتين اللتين اتخذناهما عنواناً لهذا المقال يتبادر إلى الذهن اختيار الله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ للتعبير القرآني شجرة من يقطين لحماية عبده ونبيه يونس بن متَّى ـ‏ على نبينا وعليه من الله السلام‏ ـ بعد أن نبذه الله ـ‏ تعالى‏ ـ‏ بالعراء وهو سقيم‏ ـ‏ أي‏:‏ وهو منهك القوى من شدة المرض‏ ـ وهذا التنكير في الاشارة إلى شجرة اليقطين يفيد بأن الشجرة من جنس اليقطين الذي عرفه العرب، ومنه كل من قرع الكوسة‏,‏ والحنظل‏,‏ وليست نوعاً محددا بذاته‏ .‏
واليقطين ينتمي إلى مجموعة من النباتات العشبية‏‏ الزاحفة‏‏ التي تفترش الأرض‏,‏ ومنها ماله قدرة على التسلق بواسطة عدد من المحاليق الملتوية‏,‏ التي تخرج من جوانب الساق بالقرب من أعناق الأوراق‏,‏ ومنها الحولي‏,‏ ومنها المعمر‏,‏ وتمتاز كلها بالسيقان العشبية الخماسية الأضلاع‏,‏ وبالأوراق الكبيرة‏,‏ الشبيهة براحة الكف ‏(‏الراحية‏),‏ وهي مفصصة‏,‏ ومتبادلة‏,‏ ولها أعناق طويلة‏,‏ بغير أذينات‏،‏ وتمتاز بالوبر الكثيف الذي يغطي كلاً من السيقان والأوراق‏,‏ والزهور الأحادية الجنس‏ ـ أي المؤنثة أو المذكرة‏ ـ‏ التي تخرج من آباط الأوراق‏,‏ وبالثمار اللبية‏ -‏ الشحمية‏,‏ المتباينة الأشكال,‏ والأحجام‏,‏ والألوان‏,‏ والطعوم والروائح‏,‏ والحاوية لأعداد من البذور ‏.‏
وهذه النباتات تنطوي كلها في عائلة واحدة تُعرف باسم العائلة اليقطينية أو القرعية‏,‏ وفي رتبة واحدة تعرف باسم رتبة اليقطينيات‏.،‏ أو القرعيات‏,‏ وتضم حوالي المائة جنس يُمثل كلٌ منها بعشرة أنواع على الاقل‏,‏ أي تحتوي على حوالي الألف نوع‏,‏ تنتشر في المناطق المدارية‏,‏ وشبه المدارية من الكرة الأرضية‏,‏ ومن أمثلتها‏ :‏ قرع الكوسة‏ ـ‏ أو الدُّبَّاء‏ ـ القرع العسلي‏,‏ العجُّور‏,‏ الخيار‏,‏ الشمام‏,‏ البطيخ‏,‏ القاوون‏,‏ قرع الأواني‏ ـ‏ أو قرع الزجاجة‏ ـ‏ الليف‏,‏ والحنظل‏ .‏
ولما كانت هذه النباتات كلها من النباتات العشبية‏,‏ ومن ثم يصعب وصفها بالأشجار‏؛‏ لأنه من المتعارف عليه أن الأشجار لها سيقان خشبية قوية‏,‏ قائمة بذاتها‏,‏ واليقطينيات سيقانها طرية‏,‏ وغير قائمة بذاتها‏,‏ يمكن افتراض أن الشجرة التي أنبتها الله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ‏ـ‏ على عبده ونبيه يونس بن متَّى كانت شجرة خاصة تجمع بين صفات اليقطينيات وصفات الشجر‏,‏ ولكن لما كان القرآن الكريم قد عبر بالتعبيرين شجرة وأشجار عن النبات عموما‏ًً,‏ كما عبر بالتعبيرين دابة ودواب عن عالم الحيوان بأكمله‏,‏ لانرى حاجة لهذا الافتراض‏، وإن كان في المنظور العلمي لا يوجد مايمنع اليقطينيات من إمكانية التواجد على هيئة شجرية‏,‏ على الرغم من ضخامة ثمارها التي قد يصل وزن الواحدة منها إلى أكثر من عشرة كيلو جرامات‏,‏ وقد أفلحت التجارب الزراعية بالفعل في تحقيق نمو بعض النباتات العشبية في هيئة قائمة إما بمساعدة الأسلاك بداخل الصوب النباتية‏,‏ أو بالمعالجة ببعض الهرمونات‏,‏ أو باستخدام بعض وسائط الهندسة الوراثية‏ .

" وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ "‏ :
من المقطوع به أن الشجرة التي أنبتها ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ‏ ليُظلل بها على عبده ونبيه يونس بن متَّى‏,‏ ويستره بأوراقها الكبيرة‏,‏ ويداويه من سقمه بما في أوراقها‏,‏ وزهورها‏,‏ وثمارها‏,‏ وأغصانها‏,‏ وسيقانها‏,‏ وعصائرها من مركبات هي شجرة خاصة معجزة‏,‏ أنبتها ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ‏ بأمره الذي لايُرد‏,‏ إلا أن الصياغة القرآنية‏ "‏ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ " توحي بأن المقصود هو عموم اليقطين الذي نعرفه ‏.‏ وهنا يظهر التساؤل المنطقي‏ :‏ وماذا في اليقطينيات من علاج للحالات المماثلة للحالة التي مر بها نبي الله يونس‏ ـ‏ عليه السلام‏ ـ بعد أن التقمه الحوت ولفظه بالعراء وهو سقيم‏ ـ‏ أي مريض منهك القوى ؟
وقد حاول الأخ الكريم الدكتور كمال فضل الخليفة‏ ـ‏ الأستاذ المشارك لعلم النبات بجامعة الخرطوم‏ ـ‏ الإجابة عن هذا السؤال في رسالتين جامعيتين تمتا تحت إشرافه للحصول على درجة الماجستير في العلوم‏,‏ وأعد موجزاً عن نتائجهما في مقال بعنوان " اليقطينيات وقاية وعلاج وغذاء " نشره في العدد الرابع عشر من مجلة الإعجاز العلمي الصادر بتاريخ الأول من ذي القعدة سنة‏1423‏ هـ‏ .‏
وفي هذا المقال ذكر الباحث أنه اختار أربعاً من اليقطينيات المشهورة في البلاد العربية، وهي‏ (قرع الأواني‏,‏ والقرع العسلي‏,‏ والعجُّور‏,‏ والحنظل‏),‏ وقام بزراعتها وتعهدها حتى أثمرت‏,‏ وجنى ثمارها‏,‏ وفي هذه المراحل المختلفة قام بتحضير مستخلصات من مختلف أجزاء هذه النباتات الأربع مستخدماً كلاً من الماء‏,‏ والكحول الميثانولي‏,‏ والكلوروفورم في كل حالة‏,‏ وتم له اختبار تلك المستخلصات ضد أربعة أنواع مختلفة من البكتيريا، فأظهرت جميعها فعالية واضحة في مقاومتها مع اختلاف درجة تلك المقاومة باختلاف نوع النبات‏,‏ واختلاف الأجزاء المختارة منه‏,‏ والسائل المستخدم في عملية تجهيز المستخلصات‏,‏ ونوع البكتريا‏ .‏
وكانت أعلى درجات المقاومة من المستخلصات المستمدة من الزهور بصفة عامة‏,‏ ومن زهور وثمار الحنظل بصفة خاصة‏,‏ ثم من أوراق القرع العسلي‏,‏ وكان الكحول الميثانولي أفضل سوائل الاستخلاص‏ .‏
كذلك أثبت الباحث الأثر الواضح لليقطينيات الأربع المدروسة في مقاومة وطرد بعض الحشرات، مثل الذبابة المنزلية‏,‏ وآفات المخازن‏,‏ وفي الوقاية من الأمراض التي يمكن لهذه الحشرات أن تنقلها ‏.‏
وقد ثبت أن هذه المقدرة على مقاومة الحشرات مردها إلى وجود العديد من المركبات الكيميائية المهمة التي لها تأثير وقائي وطبي واضح في مقاومة وعلاج العديد من الالتهابات الجلدية وتقرحاتها والأمراض التي يمكن أن تنتج عن ذلك، وقد ثبت بالفعل أن هذه المركبات الكيميائية لها تأثيراتها الفاعلة في علاج عدد من أمراض الجهازين الهضمي والبولي‏,‏ وفي مقاومة بعض الأمراض السرطانية‏ ـ‏ عافانا الله جميعاً منها‏ ـ‏ هذا بالاضافة إلى القيمة الغذائية العالية لثمار اليقطينيات المأكولة، والقيمة الطبية للثمار التي لا تؤكل مثل ثمار الحنظل‏ .‏

وهنا تتضح روعة الإشارة القرآنية المبهرة في قول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ :
" وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ ‏"‏ (‏الصافات‏:146)‏ ، خاصة إذا أدركنا أن القرآن الكريم قد أُنزل منذ أكثر من ألف وأربعمائة من السنين على نبي أمي‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ وفي أمة كانت غالبيتها الساحقة من الأميين‏ .‏ فمثل هذه الومضات النورانية في كتاب الله أنزلها ربنا‏ ـ تبارك وتعالى ـ‏ شاهدة له ‏ـ سبحانه وتعالى‏ ـ بطلاقة القدرة على الخلق‏,‏ وعلى البعث‏,‏ ومؤكدة ألوهيته‏,‏ وربوبيته‏,‏ ووحدانيته‏,‏ وشاهدة للقرآن الكريم بأنه لايمكن أن يكون صناعة بشرية‏,‏ بل هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ وتعهد بحفظه بنفس لغة وحيه ـ‏ اللغة العربية ـ‏ فبقي محفوظاً بحفظ الله كلمة كلمة‏,‏ وحرفاً حرفًا على مدى يزيد على أربعة عشر قرناً، وإلى أن يرث الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ الأرض ومن عليها‏ . ‏ وتبقى هذه الإشارات العلمية في كتاب الله حجة على أهل عصرنا وشاهدة لسيدنا محمد‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ بالنبوة وبالرسالة‏,‏ وبأنه ـ‏ صلوات الله وسلامه عليه‏ ـ كان موصولاً بالوحي‏,‏ ومعلَّماً من قبل خالق السماوات والأرض ‏.‏

فالحمد لله على نعمة الإسلام‏,‏ والحمد لله على نعمة القرآن‏,‏ والحمد لله على بعثة خاتم الأنبياء والمرسلين الذي أرسله الله رحمة للعالمين‏,‏ فصلِّ اللهم وسلم وبارك عليه‏,‏ وعلى آله وصحبه‏,‏ ومن تبع هداه‏,‏ ودعا بدعوته إلى يوم الدين وآخر دعوانا أن الحمدلله رب العالمين .