" وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا . مَتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ " (32،33 النازعات).


هاتان الآيتان الكريمتان وردتا في مطلع الثلث الأخير من سورة النازعات‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ تعني ـ كغيرها من سور القرآن المكي ـ بقضية العقيدة‏,‏ والعقيدة هي أساس الدين‏,‏ وهي من القضايا الغيبية غيبة مطلقة‏,‏ ولذلك فالإنسان محتاج فيها دوماً إلى بيان من الله‏,‏ بيان رباني خالص لا يداخله أدنى قدر من التصورات البشرية ‏.

ومن ركائز العقيدة‏ :‏
الإيمان باليوم الآخر ، وما سوف يحويه من بعث بعد الموت‏,‏ ومن حساب وجزاء‏,‏ ثم خلود في حياة أبدية إما في الجنة أبداً أو في النار أبدا‏ًً . وتبدأ سورة النازعات بقسم من الله ‏ـ وهو الغني عن القسم‏ ـ بعدد من طوائف ملائكته الكرام‏,‏ وبالمهام المكلف بها كلٌ منهم‏,‏ على أن الآخرة حق‏,‏ وأنها واقعة لا محالة‏,‏ وأن كلاً من البعث والحساب والجنة والنار حق‏,‏ وأن الخلود في أي منهما حتمي الحدوث‏,‏ لا مفر منه‏,‏ ولا انفكاك عنه . وتأتي هذه الآيات بصياغة القسم من أجل تنبيه الناس إلى أهمية الأمر المقسم به‏,‏ وجديته‏,‏ وخطورته‏ .‏ ثم تعرض الآيات بعد ذلك لشيء من أهوال الآخرة ، مثل رجف الأرض‏ (‏الراجفة),‏ ومور السماء‏ (‏الرادفة‏),‏ وكلاهما سوف يدمر في الآخرة‏,‏ وقد يكون المقصود بالراجفة والرادفة النفختين‏,‏ اللتين يموت كل حي بعد الأولى منهما، وترجف بها الأرض، ويُبعث كل ميت بعد الثانية ، وتمور السماء موراً‏ .‏
وبعد ذلك تنتقل الآيات إلى وصف شيء من أحوال الكافرين في هذا اليوم العصيب الرهيب‏,‏ حين يُبعث الخلق فجأة بعد موتهم‏,‏ فتخفق قلوب المبعوثين وجلاً ـ وخاصة الكافرين والعصاة المجرمين منهم‏ ـ وتخشع أبصارهم ذلاً‏,‏ ويتسائلون في لهفة وذهول ‏:‏ هل نحن عائدون من حيث جئنا إلى الحياة الدنيا مرة ثانية بعد أن كانت الأجساد قد بليت‏,‏ والعظام قد نُخرت؟ أم أن هذا هو البعث الذي سبق وأن أخبرنا به في حياتنا الدنيا فأنكرناه ؟ ، وإن كان ذلك كذلك فقد رجعنا رجعة خاسرة‏,‏ وقد يكون ذلك تذكيراً لهم بمقولتهم في الدنيا إنكارا للبعث‏,‏ وهنا يقول الله‏ ـ‏ تعالى ـ : " فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ ‏ . فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ‏ " (‏النازعات‏:13‏،‏14)‏ والزجرة هي الصيحة‏,‏ والساهرة هي سطح الأرض بصفة عامة وأرض المحشر‏‏ بصفة خاصة‏,‏ ويفهم من ذلك أن الأمر بالبعث يأتي بصيحة واحدة‏,‏ فإذا بكافة الخلائق قيام يبعثون‏,‏ ثم يساقون إلى أرض المحشر ليواجهوا حسابهم العادل‏,‏ ويلقوا جزاءهم الأوفى ‏.
‏ وفي إيجاز معجز تلمح الآيات بعد ذلك إلى جانب من قصة كليم الله موسى ـ‏ عليه السلام‏ ـ‏ مع فرعون وملئه‏,‏ مبتدأة باستفهام رقيق موجه إلى خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ‏ ثم عرض للقصة في كلمات محدودة، تثبيتاً له في مواجهة كفار قريش‏,‏ وتثبيتاً لكل داعية إلى دين الله من بعده في مواجهة أهل الكفر والشرك والضلال والطغيان في كل عصر وفي كل مكان‏,‏ كما يأتي سرد تلك القصة تحذيراً للناس جميعاً من مغبة سوء المصير الذي لقيه هذا الطاغية الملقب بفرعون مصر، والعذاب الذي حاق به وبالمكذبين الضالين من قومه في الدنيا‏,‏ وما توعدهم الله‏ ـ تعالى‏ ـ به في الآخرة من عذاب أشد وأنكى ‏.‏ وتبقى هذه الآيات المباركات درساً يتلقاه كل كيِّس عاقل فيخشى الله‏ ـ‏ تعالى ـ حباً له,‏ وشكراً على نعمائه‏,‏ وخوفاً من عذابه‏,‏ ورجاءاً لثوابه في الدنيا والآخرة إن شاء الله‏ .‏

ثم تتوجه الآيات في سورة النازعات بعد سرد قصة موسى‏ ـ‏ عليه السلام ـ‏ بالخطاب مباشرة إلى منكري البعث من كفار قريش ‏ـ ‏وإلى الكفار في كل زمان ومكان ـ‏ بسؤال تقريعي توبيخي يقول‏:‏ هل خلق الناس ـ على ضآلة أحجامهم‏,‏ ونسبية زمانهم ومكانهم‏,‏ ومحدودية قدراتهم ـ أشد من خلق السماء؟ وبنائها المذهل في عظمة اتساعه‏,‏ وإحكام ترابطه والتحامه‏,‏ وتعدد أجرامه، وتكامل هيئاتها‏,‏ وإحكام أبعادها وحركاتها وأحجامها‏,‏ وكتلها‏,‏ والمسافات الفاصلة بينها‏,‏ والارتفاعات السامقة الشاهقة التي رُفعت إليها بغير عمد مرئية‏,‏ ولا دعامات مشاهدة‏,‏ وتعاظم القوى الممسكة بمختلف أجزائها‏,‏ وإتقان تسويتها مع تحرك كل جزئية فيها‏,‏ وإظلام ليلها اظلاماً تاماً‏ ـ‏ بمعنى أن الأصل في الكون الاظلام‏ ـ‏ وإخراج ضحاها بهذا النور الأبيض المبهج من بعد الظلام، وهي نعمة كبرى من نعم الخالق ؟ . وهل خلق الإنسان أشد إنجازاً من دحو الأرض‏,‏ وإخراج كلٍ من مائها ومرعاها من داخلها ؟ . وهل هذا المخلوق الضعيف أشد خلقاً من إرساء الجبال على سطح الأرض‏,‏ وإرساء الأرض بالجبال كي لا تميد ولا تضطرب بسكانها، تحقيقاً لسلامة العيش عليها ؟ . وهذه التساؤلات يوردها ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ‏ في محكم كتابه لعل منكري البعث من الطغاة والمتجبرين في الأرض أن يجدوا فيها ما يمكن أن يعينهم على إدراك شيء من مظاهر القدرة الإلهية المبدعة في الكون، والتي تؤكد على حقيقة الخلق، كما تؤكد على إمكانية البعث، بل على ضرورته وحتميته‏ .
ثم عاودت السورة الكريمة الحديث عن القيامة‏,‏ وسمتها باسم الطامة الكبرى، تعبيراً عن كونها داهية عظمى‏,‏ تعم بأهوالها كل شيء‏,‏ وتغطي على كل مصيبة مهما عظمت‏,‏ حيث يعرض الناس لا تخفى منهم خافية‏,‏ ويتذكر الإنسان أعماله في الحياة الدنيا خيرها وشرها‏,‏ وتبرز جهنم حتى يراها الخلق جميعاً عياناً بياناً‏,‏ ويقع الحساب العادل‏,‏ وبعد الحساب ينقسم الناس إلى شقي وسعيد‏,‏ فالشقي هو كل ما قد جاوز الحد في الكفر والعصيان‏,‏ والتجبر والطغيان‏,‏ والجري وراء الشهوات‏,‏ مفضلاً الدنيا الفانية على الآخرة الباقية‏,‏ وهذا مأواه جهنم وبئس المصير‏,‏ والسعيد هو الذي خاف عظمة الله وجلاله فآمن به‏,‏ وخضع لأوامره‏,‏ ونهى نفسه عن اتباع هواها‏,‏ وحسب حساب مقامه بين يدي الله يوم العرض الأكبر‏,‏ وهذا مأواه جنات النعيم‏ .
‏ وتختتم سورة النازعات بخطاب موجه إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ رداًَ على سؤال الكفار له عن الساعة متي قيامها ؟ ويأتي جواب الحق ـ تبارك وتعالى‏ ـ‏ بأن علمها‏,‏ ومردها‏,‏ ومرجعها إلى الله‏ وحده، الذي استأثر به دون كافة خلقه‏,‏ وعلى ذلك فإن دور النبي الخاتم والرسول الخاتم‏ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ هو إنذار من يخشاها‏,‏ وهي لهولها سوف تجعل الكفار والمشركين يرون حياتهم على الأرض ـ مهما طالت ـ كأنها بضع ساعات من يوم واحد، تقدر بمقدار عشية أو ضحاها؛‏ وذلك احتقاراً لها‏,‏ واستهانة بشأنها‏ .‏ وهكذا يأتي ختام السورة متوافقاً مع مطلعها في التأكيد على حقيقة البعث وحتميته‏,‏ والإنذار بأهواله وخطورته‏,‏ حتى يستعد الناس للقاء ربهم بالإيمان الخالص به‏,‏ والخضوع بالطاعة له‏,‏ وحسن القيام بواجبات الاستخلاف في الأرض، وهي من الركائز الأساسية للدين الذي علمه ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ‏ لأبينا آدم‏ ـ‏ عليه الصلاة والسلام ـ‏ وبعث به عدداً كبيراً من الأنبياء والمرسلين من بعده‏,‏ وأكمله وأتمه في رسالته الخاتمة التي وجهها للناس كافة في القرآن الكريم‏,‏ وفي أحاديث خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلى الله عليه وسلم‏ .‏

وهنا يبرز التساؤل عن مدلول كلٍ من إرساء الجبال على سطح الأرض‏,‏ وإرساء الأرض بالجبال‏,‏ وهي من الآيات الكونية الناطقة بكمال القدرة الإلهية المبدعة في خلق الأرض‏,‏ والمؤكدة أن الذي يملك تلك القدرة الخلاقة المبدعة قادر على إفناء خلقه، وعلى إعادة بعثه من جديد ‏.‏ وقبل الإجابة على هذا السؤال لابد من استعراض موجز لكل من الدلالة اللغوية للفظي الجبل والإرساء‏,‏ ولأقوال المفسرين في هاتين الآيتين الكريمتين ‏.‏ الدلالة اللغوية : ‏(‏الجبل‏)‏ في اللغة هو المرتفع من الأرض ارتفاعاً ملحوظاً يجعله يعظم ويطول على ماحوله من الأرض‏,‏ وجمعه ‏(‏جبال‏)‏ و‏(‏أجبال‏),‏ ودونه في الارتفاع‏ (‏التل‏),‏ ودون التل‏ (‏الربوة‏)‏، أو ‏(‏الرابية‏)‏، أو‏(‏الأكمة‏)‏ وجمعها ‏(‏آكام‏),‏ ودون الأكمة باتساع ‏(‏النجد‏)،‏ أو ‏(‏الهضبة‏),‏ ودون الهضبة ‏(‏السهل‏)‏، ودونه ‏(‏المنخفض‏) .‏ وللفظة ‏(‏الجبل‏)‏ بمشتقاتها واستعاراتها وتشبيهاتها معانٍ أخرى كثيرة سبق التعرض لها في مقال الإثنين الماضي‏,‏ ولا داعي لتكرار ذلك هنا ‏.‏ أما الفعل ‏(‏رسا‏), (‏يرسو‏), (‏رسواً‏)‏ و‏(‏رسوُّا‏ًً)‏ فمعناه ثبت وقرَّ‏,‏ مثل قولهم : ‏( رست‏)‏ السفينة‏,‏ أي وقفت عن الحركة في الماء على الأنجر ـ وهو مرساة السفينة ـ وفي هذا المعنى يقول ربنا ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ‏ في محكم كتابه‏ :‏ " وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ‏" (‏هود‏:41)‏ واللفظان : ‏(مجراها‏)‏ و‏(‏مرساها‏)‏ مصدران من جرى وأرسى ‏(‏على التوالي‏),‏ بمعنى باسم الله جريها وإرساؤها‏,‏ ويستخدم الفعل‏ (‏أرسى‏)‏ مجازاً بمعنى تهدئة الأمور‏,‏ فيقال : رسوت بين القوم . أي أثبت بينهم إيقاع الصلح‏,‏ ويقال‏ :(‏أرساه‏)‏ غيره . أي ثبته وأقره‏,‏ مثل قول الحق‏ ـ تبارك وتعالى ـ : " وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا‏ " .‏ و‏(‏المرسى) هو مكان ‏(‏الرسو‏)‏ أو زمانه‏,‏ كما يقال للمصدر وللمفعول به‏,‏ وفي معنى‏‏ الزمان جاء قول الحق ‏ـ‏ سبحانه‏ ـ :‏" يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا‏ " (‏الأعراف‏:187),(‏النازعات‏:42)‏ أي قيامها وزمان ثبوتها ‏.‏ ‏(‏والمرساة‏)‏ الآلة التي ترسي بها السفينة‏,‏ و‏(‏الرواسي‏)‏ هي الجبال الثوابت الراسخة‏,‏ واحدتها‏(‏ راسية‏),‏ وجاءت لفظة ‏(‏رواسي‏)‏ بهذا المعنى في القرآن الكريم تسع مرات ، مثل قوله‏ ـ تعالى‏ ـ :‏" وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُم مَّاءً فُرَاتاً ‏" (‏المرسلات‏:27)‏ . وجاءت لفظة‏ (‏راسيات‏)‏ مرة واحدة في كتاب الله، وذلك في قوله‏ ـ‏ سبحانه‏ ـ :‏" يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ ‏..." (‏سبأ‏:13)‏ أي قدور ثابتات على الأثافي ‏ـ وهي الأحجار يوضع عليها القدر كي يوقد عليه من تحته‏ ـ .‏



شروح المفسرين :
في تفسير قول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ :‏ " وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا . مَتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ " (النازعات: 32ـ33)
 ذكر ابن كثير‏ ـ يرحمه الله‏ ـ: أي قرها وأثبتها في أماكنها‏,‏ وهو الحكيم العليم‏,‏ الرؤوف بخلقه الرحيم‏...‏ وثبت جبالها لتستقر بأهلها‏,‏ ويقر قرارها‏,‏ كل ذلك متاعاً لخلقه، ولما يحتاجون إليه من الأنعام التي يأكلونها ويركبونها مدة احتياجهم إليها في هذه الدار‏,‏ إلى أن ينتهي الأمد وينقضي الأجل‏ .‏ (انتهى قول المفسر)
وجاء في تفسير الجلالين‏: أثبتها على وجه الأرض لتسكن‏," مَتَاعاً "مفعول له لمقدر أي‏:‏ فعل ذلك متعة‏,‏ أو مصدر‏,‏ أي تمتيعا .‏" لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ "‏ جمع ‏(‏نعم‏)‏، وهي‏ (‏الإبل والبقر والغنم‏) .‏ وجاء في الظلال‏: ...‏ وإرساء جبالها متاعاً للإنسان وأنعامه‏,‏ وهي إشارة توحي بحقيقة التدبير والتقدير في بعض مظاهرها المكشوفة للجميع .‏ (انتهى قول المفسر) وجاء في صفوة البيان‏:" وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا " أي وأرسى الجبال‏,‏ أي أثبتها في الأرض كي لا تميد وتضطرب‏,‏ وقوله‏" ‏أَرْسَاهَا "‏ تفسير للفعل المضمر قبله‏. " ‏مَتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ ‏"‏ أي تمتيعاً لكم ولأنعامكم‏,‏ والآية تقريع لكفار مكة المنكرين للبعث‏,‏ زاعمين صعوبته‏,‏ بعد أن بين الله كمال سهولته بالنسبة إلى قدرته‏ .‏ (انتهى قول المفسر) وجاء في المنتخب‏:‏ والجبال ثبتها متاعاً لكم ولأنعامكم ‏.‏ (انتهى قول المفسر) وجاء في صفوة التفاسير‏:" وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا "‏ أي والجبال أثبتها في الأرض‏,‏ وجعلها كالأوتاد لتستقر وتسكن بأهلها‏ . " ‏مَتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ ‏"‏ أي فعل ذلك كله‏‏ منفعة للعباد، وتحقيقاً لمصالحهم ومصالح أنعامهم ومواشيهم‏ . (انتهى قول المفسر)
" وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا "

في ضوء المعارف الحديثة‏ :‏
فهم المفسرون السابقون من هذه الآية الكريمة أن الضمير في‏ (‏أرساها‏)‏ يعود على الجبال‏,‏ ومن هنا قالوا إن عملية الإرساء تتعلق بالجبال‏,‏ على أساس من أن الضمير في العربية يعود على أقرب اسم إليه‏,‏ وانطلاقاً من ذلك فقد فهموا من قول الحق تبارك وتعالى‏:" وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا‏ " معنى تثبيت الجبال في الأرض‏,‏ وجعلها كالأوتاد لتستقر وتسكن بمن عليها‏,‏ فلا تميد ولا تضطرب‏,‏ وهذا الكلام يحمل في طياته أيضاً تثبيت الأرض‏,‏ خاصة أن ضمير الغائب في الآيتين السابقتين ، والذي جاء أربع مرات‏‏ يعود على الأرض‏,‏ ولا يستبعد أن يكون كذلك في آية الجبال حيث يقول ربنا‏ ـ‏ تبارك اسمه‏ ـ : "‏ وَالأرض بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا‏ . أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا‏ . وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا‏ . مَتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ "‏ والصياغة هنا تحتمل دلالة وبالجبال أرساها‏,‏ فيكون المعنى إرساء الأرض بواسطة الجبال‏,‏ بينما المعنى الأول يتعلق بإرساء الجبال على سطح الأرض‏,‏ والمعنيان صحيحان صحة كاملة حسب معطيات علوم الأرض الحديثة‏,‏ فالجبال مثبتة في الغلاف الصخري للأرض‏,‏ وهي أيضا تثبت الأرض‏,‏ كما سوف نوضح في الفقرات التالية إن شاء الله ‏.

أولاً ‏:" وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا " بمفهوم إرساء الجبال على سطح الأرض :
في خلال القرنين الماضيين تراكمت الادلة العلمية التي تشير إلى أن الغلاف الصخري للأرض في حالة توازن تام على الرغم من التباين الواضح في تضاريس سطحه‏,‏ ومعنى ذلك أن كتلة المادة متساوية عبر كل أنصاف أقطار الأرض الممتدة من مركزها إلى مختلف النقاط على سطحها مهما تباينت تضاريس السطح‏ (‏ سواء النقطة التي انتهى إليها نصف القطر كانت أعلى قمة جبلية أو أخفض نقطة في أغوار المحيطات‏),‏ ولا يمكن تفسير ذلك إلا بتباين كثافة الصخور المكونة للأجزاء المختلفة من الغلاف الصخري للأرض‏,‏ فالسلاسل الجبلية العالية لابد وأن تتكون من صخور أقل كثافة من الصخور المحيطة بها‏,‏ والمناطق المنخفضة لابد أن تتكون من صخور أعلى كثافة من صخور المناطق المرتفعة‏,‏ وقد أكد ذلك أن الجزء العلوي من الغلاف الصخري للأرض، والمعروف باسم قشرة الأرض يتباين كلُ من سُمكه وكثافته في القارات عنهما في قيعان البحار والمحيطات‏,‏ فيتراوح سُمك القشرة القارية بين‏30‏ و‏40‏ كيلو متراً‏,‏ ويغلب على تركيبها الصخور الجرانيتية‏ (‏بمتوسط كثافة‏2,7‏ جم‏/‏ سم‏3)‏، بينما يتراوح سُمك قشرة قاع المحيط بين‏5‏ و‏8‏ كيلو مترات‏,‏ ويغلب على تركيبها الصخور البازلتية ‏(‏بمتوسط كثافة‏2,9‏ جم‏/‏ سم‏3)، وبذلك تطفو كتل القارات فوق قيعان البحار والمحيطات‏ .‏

وبالمثل فإن ألواح الغلاف الصخري الحاملة للقارات يتراوح سُمكها بين‏100‏ و‏150‏ كيلو مترا‏ًً,‏ ويغلب على تكوينها صخور ذات كثافة اقل نسبياً من الصخور المكونة لألواح قيعان البحار والمحيطات‏,‏ والتي لا يتعدى سُمكها سبعين كيلو مترا‏ًً,‏ وكلا الصنفين من الألواح المكونة لغلاف الأرض الصخري‏ ـ‏ القارية والمحيطية‏ ـ يطفو فوق نطاق أعلى كثافة‏,‏ شبه منصهر‏,‏ لدن‏ ـ‏ مرن‏ ـ يعرف باسم نطاق الضعف الأرضي‏,‏ وهذا النطاق يتأثر بالضغوط فوقه نظراً لمرونته‏,‏ فيتحرك إلى أسفل كلما زادت عليه الضغوط‏,‏ وإلى أعلى كلما قلت‏,‏ ويتم ذلك بعمليتين متعاكستين، تسمى الأولي منهما باسم التضاغط، وتسمى الثانية باسم الارتداد التضاغطي‏,‏ وتتمان للمحافظة على الاتزان الأرضي‏,‏ فإذا ارتفع الجبل بصخوره الخفيفة نسبياً إلى قمم سامقة، فلابد من إزاحة كم مساو لكتلته من المادة شبه المنصهرة في نطاق الضعف الأرضي الموجودة أسفل الجبل مباشرة، مما يساعد الصخور المكونة للجبل على الاندفاع إلى اسفل بامتدادات عميقة تسمى تجاوزاً باسم جذور الجبال تخترق الغلاف الصخري للأرض بالكامل لتطفو في نطاق الضعف الأرضي‏,‏ كما تطفو جبال الجليد في مياه المحيطات‏,‏ يحكمهما في الحالين قوانين الطفو‏ .‏ وبناءاً على كثافة الصخور المكونة للجبال بالنسبة إلى كثافة صخور نطاق الضعف الأرضي‏,‏ وكتلة الجبل نفسه، يكون عمق الامتدادات الداخلية لصخور الجبل‏ ـ‏ أي جذوره‏ .

 وقد ثبت أن كل نتوء على سطح الأرض له امتداد في داخلها يتراوح بين‏10‏ و‏15‏ ضعف ارتفاع هذا النتوء فوق مستوى سطح البحر‏,‏ وكلما زاد هذا الارتفاع الخارجي لتضاريس الأرض زادت امتداداته الداخلية أضعافاً كثيرة‏,‏ وهكذا تثبت الجبال على سطح الأرض بانغراسها في غلافها الصخري‏,‏ وطفوها في نطاق الضعف الأرضي‏.‏ كما تعين على تثبيت الأرض ككوكب‏,‏ فتقلل من ترنحها في دورانها حول محورها‏,‏ كما تثبت ألواح الغلاف الصخري للأرض مع بعضها البعض بأوتاد الجبال‏,‏ فتربط القارة بقاع المحيط‏,‏ فإذا استهلك قاع محيط فاصل بين قارتين ارتطمت القارتان ببعضهما‏,‏ ونتج عن ذلك أعلى السلاسل الجبلية التي تربط بأوتادها القارتين المصطدمتين، فتقلل من حركة الألواح الصخرية الحاملة لهما حتى توقفها‏,‏ وبذلك تصبح الحياة على سطحي القارتين المرتطمتين اكثر استقراراً ‏.‏
وكلما برت عوامل التجوية والتحات والتعرية قمة الجبل ، دفعته قوانين الطفو إلى أعلى حتى يتم خروج جذور ـ‏ أوتاد ـ‏ الجبل من نطاق الضعف الأرضي بالكامل‏,‏ وحينئذ يتوقف الجبل عن الارتفاع‏,‏ وتستمر العوامل الخارجية في بريه حتى يصل سُمكه إلى متوسط سُمك لوح الغلاف الصخري الذي يحمله، فيضم إلى باقي صخور القارة الموجود فيها على هيئة راسخ من رواسخ الأرض ‏.‏

ثانيا‏ًُ:‏ " وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا " بمفهوم إرساء الأرض بواسطة الجبال :
اختلف العلماء في فهم دور الجبال في إرساء الأرض اختلافاً كبيراً‏؛‏ وذلك لأن مجموع كتل الجبال على سطح الأرض ـ على الرغم من ضخامتها ـ تتضاءل أمام كتلة الأرض المقدرة بحوالي ستة آلاف مليون مليون مليون طن ‏(5876×10‏^18 طنا‏ًً),‏ وكذلك فإن ارتفاع أعلى قمم الأرض ـ ‏أقل قليلاً من تسعة كيلو مترات‏ ـ لايكاد يذكر بجوار متوسط نصف قطر الأرض ‏(6371‏ كيلو مترا‏ًً),‏ فإذا جمع إرتفاع أعلى قمم الأرض إلى أعمق أغوار المحيطات ـ‏ أقل قليلا من أحد عشر كيلو مترا‏ًً ـ‏ فإنه لايكاد يصل إلى عشرين كيلو متراً، ونسبته إلى متوسط قطر الأرض لاتتعدى ‏0,3% .‏
من هنا يبرز التساؤل كيف يمكن للجبال أن تثبت الأرض بكتلتها وأبعادها الهائلة‏,‏ في الوقت التي لاتكاد كتلة وأبعاد الجبال أن تبلغ من ذلك شيئاً ؟

‏(‏أ‏)‏ تثبيت الجبال لألواح الغلاف الصخري للأرض :
في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات من القرن العشرين تمت بلورة مفهوم تحرك ألواح الغلاف الصخري للأرض‏,‏ فقد اتضح أن هذا الغلاف ممزق بشبكة هائلة من الصدوع تمتد لعشرات الآلاف من الكيلو مترات لتحيط بالكرة الأرضية إحاطة كاملة بعمق يتراوح بين ‏65‏ و‏150‏ كيلو مترا‏ًً,‏ فتقسمه إلى عدد من الالواح الصخرية التي تطفو فوق نطاق الضعف الأرضي، وتتحرك في هذا النطاق من نطق الأرض التيارات الحرارية على هيئة دوامات عاتية من تيارات الحمل تدفع بألواح الغلاف الصخري للأرض لتباعد بينها عند أحد أطرافها‏,‏ وتصدمها ببعض عند حوافها المقابلة لحواف التباعد‏,‏ وتجعلها تنزلق عبر بعضها البعض عند الحافتين الأخريين‏ .‏ ويعين على تسارع حركة ألواح الغلاف الصخري للأرض دوران الأرض حول محورها أمام الشمس‏,‏ كما يعين على ذلك اندفاع الصهارة الصخرية بملايين الأطنان عبر الصدوع الفاصلة بين حدود الألواح المتباعدة عن بعضها البعض‏,‏ فيتكون بذلك باستمرار أحزمة متوازية من الصخور البركانية التي تتوزع بانتظام حول مستويات الصدوع الفاصلة بين الألواح المتباعدة في ظاهرة تعرف باسم ظاهرة اتساع قيعان البحار والمحيطات‏,‏ وتتكون الصخور الأحدث عمراً حول مستويات التصدع المتباعدة‏‏ باستمرار ، وتدفع الصخور الأقدم عمراً في اتجاه اللوح المقابل عند خط الاصطدام ، وهنا يهبط قاع المحيط تحت القارة اذا كان اللوح المقابل يحمل قارة بنفس معدل اتساع قاع المحيط في كل جهة من جهتي الاتساع حول مستوى تصدع وسط المحيط الذي تتكون حوله سلاسل من الجروف البركانية تمتد فوق قاع المحيط لعشرات الآلاف من الكيلو مترات ، وتعرف باسم حواف أواسط المحيطات‏ .‏ وينتج عن هبوط قاع المحيط تحت اللوح الصخري الحامل للقارة تكون أعمق أجزاء هذا المحيط على هيئة جب عميق يعرف باسم الجب البحري‏,‏ ونظراً لعمقه يتجمع في هذا الجب كم هائل من الرسوبيات البحرية التي تتضاغط وتتلاحم مكونة تتابعات سميكة جداًً من الصخور الرسوبية‏,‏ ويتبادل مع هذه الصخور الرسوبية ويتداخل فيها كم هائل من الصخور النارية التي تعمل على تحول أجزاء منها إلى صخور متحولة ‏.‏
وتنتج الصخور البركانية عن الانصهار الجزئي لقاع المحيط المندفع هابطاً تحت القارة‏,‏ وتنتج الصخور المتداخلة جزئياً عن الصهارة الناتجة عن هذا الهبوط‏,‏ وعن الإزاحة من نطاق الضعف الأرضي بدخول اللوح الهابط فيه ‏.‏

هذا الخليط من الصخور الرسوبية والنارية والمتحولة يكشط باستمرار من فوق قاع المحيط بحركته المستمرة تحت اللوح الصخري الحامل للقارة‏,‏ فيطوى ويتكسر‏,‏ ويضاف إلى حافة القارة مكونا سلسلة أو عدداً من السلاسل الجبلية ذات الجذور العميقة التي تربط كتلة القارة بقاع المحيط، فتهدِّئ من حركة اللوحين، وتعين على استقرار اللوح الصخري الحامل للقارة استقراراً ولو جزئياً يسمح بإعمارها‏ .‏ وتتوقف حركة ألواح الغلاف الصخري للأرض بالكامل عندما تصل دورة بناء الجبال إلى نهايتها حين تتحرك قارتان مفصولتان بمحيط كبير في اتجاه بعضهما البعض حتى يستهلك قاع المحيط كاملاً بدخوله تحت إحدى القارتين حتى تصطدما‏,‏ فيتكون بذلك أعلى السلاسل الجبلية ارتفاعاً كما حدث عند ارتطام اللوح القاري الحامل للهند باللوح الحامل لقارتي آسيا وأوروبا وتكون سلسلة جبال الهيمالايا ‏.‏


من هنا اتضح دور الجبال في إرساء ألواح الغلاف الصخري للأرض وتثبيتها‏,‏ ولولا ذلك ما استقامت الحياة على سطح الأرض أبداً؛‏ لأن حركة هذه الألواح كانت في بدء خلق الأرض على درجة من السرعة والعنف لاتسمح لتربة أن تتجمع‏,‏ ولا لنبتة أن تنبت‏,‏ ولا لحيوان أو إنسان أن يعيش‏,‏ خاصة وأن سرعة دوران الأرض حول محورها كانت في القديم أعلى من معدلاتها الحالية بكثير‏,‏ لدرجة أن طول الليل والنهار معاً عند بدء خلق الأرض يقدر بأربع ساعات فقط‏,‏ وأن عدد الأيام في السنة كان أكثر من ‏2200‏ يوم‏,‏ وهذه السرعة الفائقة لدوران الأرض حول محورها كانت بلاشك تزيد من سرعة انزلاق ألواح الغلاف الصخري للأرض فوق نطاق الضعف الأرضي‏,‏ وهي تدفع اساساً بظاهرة اتساع قيعان البحار والمحيطات‏,‏ وبملايين الأطنان من الصهارة الصخرية ، والحمم البركانية المندفعة عبر صدوع تلك القيعان‏ .‏
وبتسارع حركة ألواح الغلاف الصخري للأرض، تسارعت الحركات البانية للجبال‏,‏ وبتسارع بنائها، هدأت حركة هذه الألواح‏,‏ وهيَّئت الأرض لاستقبال الحياة‏,‏ وقبل مقدم الإنسان كانت غالبية ألواح الغلاف الصخري للأرض قد استقرت‏ بكثرة تكون السلاسل والمنظومات الجبلية‏,‏ وأخذت الأرض هيأتها لاستقبال هذا المخلوق المكرم الذي حمَّله الله ـ تعالى ـ مسئولية الاستخلاف في الأرض‏ .‏

‏(‏ب‏)‏ تثبيت الجبال للأرض كلها ككوكب :
تساءل العلماء عن إمكانية وجود دور للجبال في اتزان حركة الأرض ككوكب ، وجعلها قراراً صالحاً للحياة ، وجاء الرد بالإيجاب؛ لأنه نتيجة لدوران الأرض حول محورها، فإن القوة الطاردة المركزية الناشئة عن هذا الدوران تبلغ ذروتها عند خط استواء الأرض‏,‏ ولذلك فإن الأرض انبعجت قليلاً عند خط الاستواء حيث تقل قوة الجاذبية‏,‏ وتطغى القوة الطاردة المركزية‏,‏ وتفلطحت قليلاً عند القطبين حيث تطغى قوة الجاذبية، وتتضاءل القوة الطاردة المركزية‏,‏ وبذلك فإن طول قطر الأرض الاستوائي يزداد باستمرار بينما يقل طول قطرها القطبي‏,‏ وإن كان ذلك يتم بمعدلات بطيئة جدا‏ًً,‏ إلا أن ذلك قد أخرج الأرض عن شكلها الكروي إلى شكل شبه كروي‏,‏ وشبه الكرة لا يمكن لها أن تكون منتظمة في دورانها حول محورها‏؛‏ وذلك لأن الانبعاج الاستوائي للأرض يجعل محور دورانها يغير اتجاهه رويداً رويداً في حركة معقدة مردها إلى تأثير جاذبية أجرام المجموعة الشمسية ـ‏ خاصة الشمس والقمر ـ على الأرض‏,‏ وتعرف هذه الحركة باسم الحركة البدارية ‏(‏أو حركة الترنح والبدارية‏) .‏
وتنشأ هذه الحركة عن ترنح الأرض في حركة بطيئة تتمايل فيها من اليمين إلى اليسار بالنسبة إلى محورها العمودي الذي يدور لولبياً دون أن يشير طرفاه الشمالي والجنوبي إلى نقطة ثابتة في الشمال أو في الجنوب‏,‏ ونتيجة للتقدم أو التقهقر فإن محور دوران الأرض يرسم بنهايته دائرة حول قطب البروج تتم في فترة زمنية قدرها نحو ‏26,000‏ سنة من سنيننا‏ .‏
ويتبع ترنح الأرض حول مدارها مسار متعرج بسبب جذب كلٍ من الشمس والقمر للأرض‏,‏وتبعاً للمتغيرات المستمرة في مقدار واتجاه القوة البدارية لكلٍ منهما، ويؤدي ذلك إلى ابتعاد الدائرة الوهمية التي يرسمها محور الأرض أثناء ترنحها وتحولها إلى دائرة مؤلَّفة من أعداد من الأقواس المتساوية‏,‏ التي يبلغ عددها في الدورة الكاملة ‏1400‏ ذبذبة ـ‏ أو قوس‏ ـ ويستغرق رسم القوس الواحد ‏،18,6‏ سنة أي أن هذه الدائرة تتم في‏
(26040)‏ سنة‏,‏ وتسمى باسم حركة الميسان‏ ـ‏ النودان أو التذبذب‏ .
‏ وقد أثبتت الدراسات الفلكية أن لمحور دوران الأرض عدداً من الحركات الترنحية التي تستغرق أوقاتاً مختلفة يبلغ أقصرها عشرة أيام‏,‏ ويبلغ اطولها ‏18,6‏ سنة من سنيننا‏ .‏
ووجود الجبال ذات الجذور الغائرة في الغلاف الصخري للأرض‏,‏ يقلل من شدة ترنح الأرض في دورانها حول محورها‏,‏ ويجعل حركتها اكثر استقراراً وانتظاماً وسلاسة، تماماً كما تفعل قطع الرصاص التي توضع حول إطار السيارة لانتظام حركتها‏,‏ وقلة رجرجتها‏,‏ وبذلك أصبحت الأرض مؤهلة للعمران ‏.‏
وهنا يتضح وجه من أوجه الإعجاز العلمي في القرآن الكريم الذي أُنزل من قبل ألف وأربعمائة سنة‏,‏ وذلك في قول ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ :‏ " وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا "‏ وفي تكرار المعنى في تسعة مواضع أخرى من كتاب الله وصفت فيها الجبال بأنها رواسي‏,‏ وهي حقائق لم يتوصل الإنسان إلى إدارك شئ منها إلا في القرنين الماضيين بصفة عامة‏,‏ وفي أواخر القرن العشرين بصفة خاصة‏,‏ ولا يمكن لعاقل أن يتصور مصدراً لهذا السبق العلمي إلا بيان الخالق ـ سبحانه وتعالى‏ .
وفي هذا من التأكيد القاطع‏,‏ والحسم الجازم بأن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق‏,‏ الذي أنزله بعلمه‏,‏ وأن خاتم الانبياء والمرسلين‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ تلقى هذا ‏(‏القرآن‏)‏ عن ربه بواسطة الوحي الذي بقي موصولاً به حتى أتاه اليقين‏,‏ وأنه ـ‏ عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم‏ ـ‏ ما ينطق عن الهوى . فصلِ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد‏,‏ والحمد لله رب العالمين
.