" وَأَنزَلْنَا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ " (الحديد‏:25).


سورة الحديد سورة مدنية , وهي السورة الوحيدة من سور القرآن الكريم التي تحمل اسم عنصر من العناصر المعروفة لنا ، والتي يبلغ عددها مائة وخمسة عناصر ،‏ ويعجب القارئ للقرآن لاختيار هذا العنصر بالذات اسماً لهذه السورة التي تدور حول قضيةإنزاله من السماء‏ , وبأسه الشديد‏ , ومنافعه للناس ‏.....!!‏وتبدأ السورة الكريمة بتأكيد أن كل ما في السماوات والأرض خاضع بالعبودية لله‏ , مُسبِّح بحمده‏ , مُنزِّه له عن كل وصف لا يليق بجلاله ‏؛‏ لأنه‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ هو العزيز الحكيم‏‏ الذي له ملك السماوات والأرض‏ , الذي يُحيي ويُميت، وهو علي كل شيء قدير‏،‏ وتواصل الآيات مزيداً من صفات هذا الخالق العظيم، فهو الأول بلا بداية‏ , والآخر بلا نهاية‏ , والظاهر فليس فوقه شيء‏ , والباطن فليس دونه شيء‏ , وهو العليم بكل شيء ‏ , فلا تخفي عليه خافية في الأرض ولا في السماء‏،‏ وأنه‏ ـ تعالى‏ ـ خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى علي العرش استواءً يليق بجلاله ‏ , وأنه‏ ـ‏ سبحانه‏ ـ يعلم ما يلج في الأرض‏ , وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها‏ , وأنه مع جميع خلقه أينما كانوا ‏, وفي أي زمان كانوا ‏, فلا الزمان ولا المكان يقف عائقاً أمام قدرة الله‏ , وهو ـ تعالى‏ ـ‏ مُطلِع علي جميع خلقه‏ , بصير بما يعملون‏ , وهو الذي له ملك السماوات والأرض ‏, الذي إليه ترجع الأمور‏ , وأن من الدلائل على طلاقة قدرته أنه ـ‏ تعالى‏ ـ‏ يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل‏ , وهو‏ ـ‏ سبحانه ‏ـ‏ عليم بذات الصدور‏ , فالكون كله خاضع لإرادته ـ تعالى ـ‏ فهو خالقه ومُبدِعه‏ , والمُتصرِّف فيه بما يشاء‏ , وهذه الصفات العليا من خصائص الإله الواحد الأحد‏ , الفرد الصمد‏ , الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد‏ , فلا شريك له في ملكه‏ , ولا منازع له في سلطانه‏ , فهو رب كل شيء ومليكه‏ , بغير شريك ولا شبيه ولا منازع‏ , المُسيطِر سيطرة مطلقة علي الوجود كله بكل ما فيه‏ , ومن فيه‏ , فكل شيء بيديه‏ , وكل شيء راجع إليه‏ , لا يخفى شيء عن علمه‏ , ولا يخرج شيء عن أمره‏ , يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور‏ . ثم تتحرك الآيات بعد ذلك في إيقاع رقيق يخاطب جماعة المؤمنين‏ , وتدعوهم إلى تجسيد إيمانهم بالله ورسوله في بذل الأموال ، والمهج ، والأرواح دفاعاً عن هذا الدين‏ , وإلى الإنفاق مما جعلوا مُستخلَفين فيه حتى ينالوا الأجر الكبير من رب العالمين‏ , فالذي يفعل ذلك كأنما يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة ، وله أجر كريم‏ , وبالإضافة إلى عمومية الدعوة إلى تلك الحقيقة‏ , فهي تذكرة دائمة لجماعة المؤمنين بما بذله السابقون من المهاجرين والأنصار في سبيل الله‏ , حتى يتأسوا بهم في التجرد الكامل‏ , والإخلاص الصادق لدين الله‏ , والبذل والتضحية بالأموال والأنفس من أجل إعلاء كلمة الله في الأرض، فلا تشدهم الحياة الدنيا عن الجهاد في سبيل الله مهما تكن المُغرِيات‏ , ومهما تكن العوائق‏ .‏
وبعد ذلك تعرض الآيات لحال كلٍ من المؤمنين والمؤمنات في جانب‏ , والمنافقين والمنافقات في جانب آخر يوم العرض الأكبر‏ , وشتان مابين الحالين ‏.‏ وتتساءل الآيات عن إمكان أن يكون الوقت قد حان لكي تخشع قلوب المؤمنين لذكر الله‏ , وما أنزل من الحق علي خاتم أنبيائه ورسله حتى لا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم ، وكثير منهم فاسقون ‏.‏
وتؤكد الآيات بعد ذلك مرحلية الحياة الدنيا‏ , وأنها ليست إلا متاع الغرور‏ , فلا يجوز لعاقل أن ينخدع بها‏ , ويفني عمره في خدمتها‏ , لاهياً عن الآخرة وهي دار القرار‏ , ولذلك تنادي الآيات بالمسارعة إلى طلب المغفرة من الله‏ , وإلى العمل المُخلَص الدءوب من أجل الفوز بالجنة التي عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله‏ ، وتضيف الآيات أن كل خطب جلل نزل بالأرض أو بالأنفس مُدوَّن في كتاب الله من قبل وقوعه‏ , وأن ذلك علي الله يسير‏ , كي ترضى كل نفس مؤمنة بقدر الله ـ خيره وشره ـ وتؤمن أن فيه الخير كل الخير‏ , فلا تبطر عند مَسَرَّة‏ ؛ لأن الله ـ تعالى ـ لا يحب كل مختال فخور‏ , ولا تجزع عند مَضَرَّة لإيمانها بأن ذلك قدر مقسوم‏ , وأجل محتوم‏ , وأنه لا ملجأ ولا منجى من الله إلا إليه‏ ....!!‏
وتنعي الآيات على الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ‏؛‏ لأن الله ـ تعالى ـ كريم يحب كل كريم‏ , ومن يتول عن منهج الله فإن الله هو الغني الحميد ‏.‏

وبعد هذه المقدمة الطويلة يأتي قلب السورة وسر تسميتها في الآية التي يقول فيها ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ : ‏" لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ‏" (الحديد:25) .
ثم تأتي الآيات الأربع الأخيرة في السورة لتعرض خط سير رسالة الهداية الربانية‏ , وتاريخ هذا الدين ، دين الإسلام الذي علمه ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ‏ لأبينا آدم ـ عليه السلام‏ , وأنزله على فترة من الرسل من لدن نبي الله نوح‏ ـ عليه السلام ـ‏ إلى خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد بن عبد الله‏ ـ‏ عليه وعليهم أجمعين أفضل الصلاة وأزكى التسليم‏ , والذي لا يرتضي ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ من عباده ديناً سواه بعد أن أكمله‏ , وأتمه‏ , وحفظه في بعثة هذا النبي الخاتم والرسول الخاتم‏ ـ صلى الله وسلم وبارك عليه‏ , وعلي آله وصحبه أجمعين‏ , وأشارت الآيات إلى حال بعض من أهل الكتاب ومنهم أتباع نبي الله عيسى ـ‏ عليه السلام‏ ـ واختتمت السورة بالدعوة إلى الإيمان بالنبي الخاتم والرسول الخاتم‏ , ففي ذلك دخول في رحمة الله‏ , وفي نوره ومغفرته‏ , وهو ـ سبحانه ـ صاحب الفضل العظيم‏ , والمنن العديدة التي يمن بها على من يشاء من عباده‏ .‏
والآية الكريمة التي نحن بصددها تؤكد أن الحديد قد أُنزل إنزالاً كما أُنزلت جميع صور الوحي السماوي‏ , وأنه يمتاز ببأسه الشديد‏ , وبمنافعه العديدة للناس‏ , وهو من الأمور التي لم يصل العلم الإنساني إلى إدراكها إلا في أواخر الخمسينيات من القرن العشرين ‏.‏ وهنا يبرز التساؤل ‏:‏ كيف أُنزل الحديد ؟ وما هو وجه المقارنة بين إنزال وحي السماء وإنزال الحديد ؟ ، ما هو بأسه الشديد ؟ وما هي منافعه للناس ؟ ، وقبل الإجابة على تلك الأسئلة لابد من استعراض سريع للدلالات اللغوية لبعض ألفاظ الآية الكريمة‏ , وكذلك للمواضع التي ورد فيها ذُكر ‏(‏الحديد‏)‏ في كتاب الله ‏ـ تعالى‏ .‏


الدلالات اللغوية لبعض ألفاظ الآية الكريمة :
‏(‏النزول‏)‏ في الأصل هو هبوط من علو‏ , يقال في اللغة‏ : (‏نَزَلَ ) , (‏يَنزِلُ‏) (‏نزولاً‏) , و‏(‏منزلاً‏)‏ بمعنى حل‏‏ يحل‏‏ حلولاً‏ ،‏ والمَنزَل بفتح الميم والزاي هو ‏(‏النزول‏)‏ ، وهو الحلول ‏. و‏(‏نَزَلَ‏)‏ عن دابته بمعنى هبط من عليها‏ ‏ و‏(‏نزل‏)‏ في مكان كذا أي حط رحله فيه‏ , و‏(‏النَّزِيل‏)‏ هو الضيف ‏.‏
ويقال ‏: (‏أنزله‏)‏ غيره بمعنى أضافه أو هبط به ،‏ و‏(‏استنزله‏)‏ بمعنى ‏(‏نزله تنزيلا‏) , و‏(‏التنزيل‏)‏ أيضاً هو القرآن الكريم‏ , وهو ‏(‏الإنزال المُفرَق‏) , وهو الترتيب‏ ،‏ وعلى ذلك فإن الإنزال أعم من التنزيل‏ ،‏ و‏(‏التنزل‏)‏ هو‏ (‏النزول في مهلة‏) , و‏(‏النزل‏)‏ هو ما يهيأ‏ (‏للنزيل‏)‏ أي ما يعد‏ (‏للنازل‏)‏ من المكان‏ , والفراش‏ , والزاد‏ , والجمع ‏(‏أنزال‏) ، وهو أيضاً الحظ والريع‏ , ‏و‏(‏النزل‏)‏ بفتحتين‏ , و‏(‏المنزل‏)‏ الدار والمنهل‏ ـ‏ أي المورد الذي ينتهل منه ـ لأن به‏(‏ماء‏)‏ ، أو هو عين ماء ترده الإبل في المراعي‏ , وتُسمى المنازل التي في المفاوز على طرق ‏(‏السفار‏) ،‏ و‏(‏المنزلة‏)‏ مثله‏ , أو هي الرتبة أو المرتبة‏ ،‏ و‏(‏المنزلة‏)‏ لا تُجمع ‏.‏
ويقال استُنزِل فلان‏ ـ بضم التاء وكسر الزاي‏ ـ‏ أي حط عن مرتبته‏ , و‏(‏المُنزَل‏)‏ بضم الميم وفتح الزاي‏ (‏الإنزال‏) , نقول ‏:
" رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ المُنزِلِينَ‏ " ، و‏(‏إنزال‏)‏ الله ‏ـ ‏تعالى ـ‏ نعمه ونقمه علي الخلق هو إعطاؤهم إياها‏ , وقال المفسرون في قول الحق‏ ـ تبارك وتعالى ـ : "‏ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ‏ "‏ إن ‏(‏نزلة‏)‏ هنا تعني مرة أخرى‏ .‏
وفي قوله‏ ـ‏ تعالى‏ :
" جَنَّاتُ الفِرْدَوْسِ نُزُلاً‏ً " قال الأخفش ‏:‏ " هو من ‏(‏نزول‏)‏ الناس بعضهم على بعض "‏ , يقال ‏:‏ " ما وجدنا عندك نزلا‏ًً " ،‏ و‏(‏النازلة‏) :‏ الشديدة من شدائد الدهر تنزل بالناس‏ , وجمعها‏ (‏ نوازل‏) ،‏ و‏(‏النزال‏)‏ في الحرب‏ (‏المنازلة‏)،‏ و‏(‏النزلة) هي الزكمة من الزكام‏ , يقال به ‏(‏نزلة‏) , وقد نُزل بضم النون‏ .‏

الحديد في القرآن الكريم :
ورد ذكر الحديد في كتاب الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ في ست آيات متفرقات علي النحو التالي ‏:‏
‏(1)‏
" قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً " ‏(الإسراء‏:50)‏ .
‏(2)‏
" آتُونِي زُبَرَ الحَدِيدِ " (الكهف‏:96)‏ .
‏(3)
" وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ " (الحج‏:21)‏ .
‏(4)
" وَأَلَنَّا لَهُ الحَدِيدَ " (‏سبأ‏:10)‏ .
‏(5)‏
" لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ " (ق‏:22)‏ .
‏(6)
"‏ وَأَنزَلْنَا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ‏" (الحديد‏:25)‏ .
وكلها تشير إلى عنصر الحديد ماعدا آية سورة (ق)، والتي جاءت لفظة‏ (‏حديد‏)‏ فيها في مقام التشبيه للبصر بمعنى أنه نافذ قوي يبصر به ما كان خفياً عنه في الدنيا‏ .



شروح المفسرين للآية الكريمة :
ذكر ابن كثيرـ‏ يرحمه الله‏ ـ‏ في تفسير قول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ :‏" وَأَنزَلْنَا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ‏ "
أي وجعلنا الحديد رادعاً لمن أبى الحق وعانده بعد قيام الحجة عليه‏ , ولهذا أقام رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ بمكة بعد النبوة ثلاث عشرة سنة توحى إليه السور المكية‏ , وكلها جدال مع المشركين‏ , وبيان وإيضاح للتوحيد‏ , وبيناته ودلالاته‏ , فلما قامت الحجة على من خالف‏ , شرع الله الهجرة‏ , وأمرهم بالقتال بالسيوف وضرب الرقاب‏ , وقد روى الإمام أحمد‏ , عن ابن عمر قال‏ : قال رسول الله ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ : "‏ بُعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يُعبد الله وحده لا شريك له‏ , وجعل رزقي تحت ظل رمحي‏ , وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري‏ , ومن تشبه بقوم فهو منهم " ، ولهذا قال ـ تعالى ـ‏ : "‏ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ‏"‏ يعني السلاح كالسيوف والحراب والسنان ونحوها‏ . " ‏وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ "‏ أي في معايشهم كالسكة، والفأس، والمنشار، والآلات التي يستعان بها في الحراثة ، والحياكة ، والطبخ ، وغير ذلك ‏..‏ وقوله ـ تعالى ـ : "‏ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ " أي من نيته في حمل السلاح نصرةً لله ورسوله‏ . " إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ "‏ أي هو قوي عزيز ينصر من نصره من غير احتياج منه إلى الناس‏ , وإنما شرع الجهاد ليبلو بعضكم ببعض‏ .
وذكر صاحبا تفسير الجلالين ـ‏ رحمهما الله‏ ـ‏ في تفسير هذه الآية الكريمة ما نصه ‏:‏ " لقد أرسلنا رسلنا الملائكة إلى الأنبياء .
"‏ بِالْبَيِّنَاتِ "‏ بالحجج القواطع "وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكِتَابَ "‏ بمعنى الكتب . "‏ وَالْمِيزَانَ "‏ العدل‏ . "‏ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الحَدِيدَ ‏"‏ أي أنشأناه‏ , وخلقناه‏ , لقوله ـ تعالى : "‏ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ "‏ أي خلق‏ , وقيل ‏:‏ أخرجناه من المعادن‏ . " ‏فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ‏"‏ يعني السلاح‏ , يُقاتل به من أبى الحق وعانده بعد قيام الحجة عليه‏ . "‏ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ‏ "‏ في معايشهم كالفأس ، والمنشار ، وسائر الأدوات والآلات‏ , "‏ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ ‏" علم مشاهدة‏ , معطوف على "‏ لِيَقُومَ النَّاسُ "‏ . " مَن يَنصُرُهُ ‏"‏ بأن ينصر دينه بآلات الحرب من الحديد وغيره‏ . " ‏وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ‏"‏ حال من هاء‏ " ‏يَنصُرُهُ " أي غائباً عنهم في الدنيا‏ , قال ابن عباس ‏:‏ " ينصرونه ولا يبصرونه " . ‏"‏ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ "‏ لا حاجة له إلى النصرة لكنها تنفع من يأتي بها‏.‏
وذكر صاحب الظلال‏ ـ‏ رحمه الله رحمة واسعة‏ ـ : "‏ وفي النهاية يجيء المقطع الأخير في السورة‏ , يعرض باختصار خط سير الرسالة‏ , وتاريخ هذه العقيدة من لدن نوح وإبراهيم‏ , مُقرِّراً حقيقتها وغايتها في دنيا الناس‏ , مُلمِّاً بحال أهل الكتاب‏ , وأتباع عيسى ـ عليه السلام ـ بصفة خاصة‏..‏ فالرسالة واحدة في جوهرها‏ , جاء بها الرسل ومعهم البينات عليها‏ , ومعظمهم جاء بالبينات الخوارق‏..‏ والنص يقول ‏:
"‏ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكِتَابَ ‏"‏ بوصفهم وحدة‏ , وبوصف الكتاب وحدة كذلك‏ , إشارة إلى وحدة الرسالة في جوهرها ‏.‏ ‏"‏ وَالْمِيزَانَ " ..‏ مع الكتاب‏ , فكل الرسالات جاءت لتقر في الأرض‏ , وفي حياة الناس ميزاناً ثابتاً ترجع إليه البشرية‏..‏ ميزاناً لا يحابي أحداً؛ لأنه يزن بالحق الإلهي للجميع‏ , ولا يحيف على أحد لأن الله رب الجميع‏ . فلابد من ميزان ثابت يثوب إليه البشر‏.. "‏ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ‏"
‏" وَأَنزَلْنَا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ "‏ والتعبير بـ ‏"‏ أَنزَلْنَا الحَدِيد‏ "‏ كالتعبير في موضع آخر بقوله ـ تعالى : "‏ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ‏"‏ كلاهما يشير إلى إرادة الله وتقديره في خلق الأشياء والأحداث‏...‏ أنزل الله الحديد‏ "‏ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ "‏ وهو قوة الحرب والسلم .‏"‏ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ "‏ وتكاد حضارة البشر القائمة الآن تقوم علي الحديد . ‏" وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ‏"،‏ وهي إشارة إلى الجهاد بالسلاح‏ , تجيء في موضعها من السورة التي تتحدث عن بذل النفس والمال‏ .‏
ولما تحدث عن الذين ينصرون الله ورسله بالغيب‏ , عقَّب على هذا بإيضاح معنى نصرهم لله ورسله‏ , فهو نصر لمنهجه ودعوته‏ , أما الله ـ سبحانه ـ فلا يحتاج منهم إلى نصر‏"‏ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ "
.‏

وذكر صاحب (صفوة البيان لمعاني القرآن)‏ : ..‏ " وَأَنزَلْنَا الحَدِيدَ "‏ أي خلقناه لكم‏ , كقوله ـ تعالى ـ : "‏ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ‏"‏ أي هيأناه لكم‏ , وأنعمنا به عليكم‏ , وعلمناكم استخراجه من الأرض وصنعته بإلهامنا‏ . " ‏فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ "‏ أي فيه قوة وشدة‏ , فمنه جِنَّة وسلاح‏ , وآلات للحرب وغيرها‏ , وفي الآية إشارة إلى احتياج الكتاب والميزان إلى القائم بالسيف‏ , ليحصل القيام بالقسط‏ . " ‏وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ "‏ في معاشهم ومصالحهم‏ , وما من صنعة إلا والحديد آلتها‏ , كما هو مشاهد‏ , فالمنة به عظمى ‏...‏ "
وقال صاحب‏ (‏صفوة التفاسير‏) : " ‏وَأَنزَلْنَا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ‏"
أي وخلقنا وأوجدنا الحديد فيه باس شديد ‏؛ لأن آلات الحرب تتخذ منه‏ , كالدروع، والرماح، والتروس ، والدبابات ، وغير ذلك . " وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ " أي وفيه منافع كثيرة للناس كسكك الحراثة ، والسكين ، والفأس ، وغير ذلك‏ , وما من صناعة إلا والحديد آلة فيها‏ .‏ قال أبو حيان‏ :‏ وعبر ـ تعالى ـ عن إيجاده بالإنزال كما قال‏ :"‏ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ‏" ؛‏ لأن الأوامر وجميع القضايا والأحكام لما كانت تُلقى من السماء جعل الكل نزولاً منها‏ , وأراد بالحديد جنسه من المعادن قاله الجمهور ‏.‏
وذكر أصحاب‏ (‏المنتخب في تفسير القرآن الكريم‏)‏ ما نصه ‏:‏ " لقد أرسلنا رسلنا الذين اصطفيناهم بالمعجزات القاطعة‏ , وأنزلنا معهم الكتب المُتضمِّنة للأحكام، وشرائع الدين، والميزان الذي يحقق الإنصاف في التعامل‏ , ليتعامل الناس فيما بينهم بالعدل‏ , وخلقنا الحديد فيه عذاب شديد في الحرب‏ , ومنافع للناس في السلم‏ , يستغلونه في التصنيع‏ , لينتفعوا به في مصالحهم ومعايشهم‏ , وليعلم الله من ينصر دينه‏ , وينصر رسله غائباً عنهم إن الله قادر بذاته‏ , لا يفتقر إلي عون أحد ‏.‏ " ، وجاءوا في الهامش ببعض من صفات الحديد وفوائده ‏.‏


حديد الأرض في العلوم الكونية :
بينما لا تتعدى نسبة الحديد في شمسنا ‏0.0037%‏ فإن نسبته في التركيب الكيميائي لأرضنا تصل إلى ‏35 ,9%‏ من مجموع كتلة الأرض المُقدَّرة بحوالي ستة آلاف مليون مليون مليون طن‏ ,وعلى ذلك فإن كمية الحديد في الأرض تُقدَّر بأكثر من ألفي مليون مليون مليون طنا‏ًً , ويتركز الحديد في قلب الأرض‏ , أو ما يُعرف باسم لب الأرض‏ , وتصل نسبة الحديد فيه إلى‏90%‏ ونسبة النيكل‏ ـ‏ وهو من مجموعة الحديد‏ ـ‏ إلى ‏9%‏، وتتناقص نسبة الحديد من لب الأرض إلى الخارج باستمرار حتى تصل إلى ‏5 ,6%‏ في قشرة الأرض‏ .‏ وإلى أواخر الخمسينيات من القرن العشرين لم يكن لأحد من العلماء إمكانية التصور‏ـ‏ ولو من قبيل التخيل ـ‏ أن هذا القدر الهائل من الحديد قد أُنزل إلى الأرض من السماء إنزالاً حقيقيا‏ًً !!‏ كيف أنزل ؟ ، وكيف تسني له اختراق الغلاف الصخري للأرض بهذه الكميات المُذهِلة ؟، وكيف أمكنه الاستمرار في التحرك بداخل الأرض حتى وصل إلى لبها ؟ ، وكيف شكَّل كلاً من لب الأرض الصلب، ولبها السائل علي هيئة كرة ضخمة من الحديد والنيكل يحيط بها وشاح مُنصهِر من نفس التركيب‏ , ثم أخذت نسبته في التناقص باستمرار في اتجاه قشرة الأرض الصلبة ؟ .
لذلك لجأ كل المفسرين للآية الكريمة التي نحن بصددها إلى تفسير ‏"‏ ‏وَأَنزَلْنَا الحَدِيدَ ‏"‏
بمعنى الخلق والإيجاد والتقدير والتسخير؛ لأنه لما كانت أوامر الله ـ تعالى ـ وأحكامه تُلقى من السماء إلى الأرض جعل الكل نزولاً منها‏ , وهو صحيح‏ , ولكن في أواخر القرن العشرين ثبت لعلماء الفلك والفيزياء‏ , الفلكية أن الحديد لا يتكون في الجزء المُدرَك من الكون إلا في مراحل مُحدَّدة من حياة النجوم تُسمى بالعماليق الحمر‏ , والعماليق العظام‏ , والتي بعد أن يتحول لبها بالكامل إلى حديد تنفجر على هيئة المستعرات العظام‏ , وبانفجارها تتناثر مكوناتها بما فيها الحديد في صفحة الكون فيدخل هذا الحديد بتقدير من الله في مجال جاذبية أجرام سماوية تحتاج إليه مثل أرضنا الابتدائية التي وصلها الحديد الكوني وهي كومة من الرماد فاندفع إلى قلب تلك الكومة بحكم كثافته العالية وسرعته المُندفِع بها فانصهر بحرارة الاستقرار في قلب الأرض وصهرها‏ , ومايزها إلى سبع أرضين‏‏، وبهذا ثبت أن الحديد في أرضنا‏ , بل في مجموعتنا الشمسية بالكامل قد أُنزل إليها إنزالاً حقيقيا‏ًً .‏

أولا‏ًً :‏ إنزال الحديد من السماء :
في دراسة لتوزيع العناصر المختلفة في الجزء المُدرَك من الكون لوحظ أن غاز الإيدروجين هو أكثر العناصر شيوعاً، إذ يكون أكثر من‏74%‏ من مادة الكون المنظور‏ , ويليه في الكثرة غاز الهيليوم الذي يكون حوالي‏24%‏ من مادة الكون المنظور‏ , وأن هذين الغازين وهما يمثلان أخف العناصر وأبسطها بناء يكونان معا أكثر من ‏98%‏ من مادة الجزء المُدرَك من الكون‏ , بينما باقي العناصر المعروفة لنا، وهي‏ (103)‏ عناصر تكون مُجتمِعة أقل من ‏2%‏ من مادة الكون المنظور‏ ,‏وقد أدت هذه الملاحظة إلى الاستنتاج المنطقي أن أنوية غاز الإيدروجين هي لبنات بناء جميع العناصر المعروفة لنا، وأنها جميعاً قد تخلَّقت باندماج أنوية هذا الغاز البسيط مع بعضها البعض في داخل النجوم بعملية تُعرف باسم عملية الاندماج النووي تنطلق منها كميات هائلة من الحرارة‏ , وتتم بتسلسل من أخف العناصر إلى أعلاها وزناً ذرياً وتعقيداً في البناء‏ .‏ فشمسنا تتكون أساساً من غاز الإيدروجين الذي تندمج أنويته مع بعضها البعض لتكون غاز الهيليوم ، وتنطلق طاقة هائلة تبلغ عشرة ملايين درجة مئوية‏ , ويتحكم في هذا التفاعل‏ ـ بقدرة الخالق العظيم‏ ـ عاملان هما زيادة نسبة غاز الهيليوم المُتخلِّق بالتدريج‏ , وتمدد الشمس بالارتفاع المُطِّرد في درجة حرارة لبها‏ , وباستمرار هذه العملية تزداد درجة الحرارة في داخل الشمس تدريجيا‏ًً , وبازديادها ينتقل التفاعل إلى المرحلة التالية التي تندمج فيها نوى ذرات الهيليوم مع بعضها البعض مُنتِجة نوى ذرات الكربون ‏12 , ثم الأوكسجين ‏16‏ ، ثم النيون ‏20 , وهكذا ‏.‏
وفي نجم عادي مثل شمسنا التي تُقدَّر درجة حرارة سطحها بحوالي ستة آلاف درجة مئوية‏ , وتزداد هذه الحرارة تدريجياً في اتجاه مركز الشمس حتى تصل إلى حوالي‏15‏ مليون درجة مئوية‏ , يقدر علماء الفيزياء الفلكية أنه بتحول نصف كمية الإيدروجين الشمسي تقريباً إلى الهيليوم فإن درجة الحرارة في لب الشمس ستصل إلى مائة مليون درجة مئوية‏ , مما يدفع بنوى ذرات الهيليوم المُتخلِّقة إلى الاندماج في المراحل التالية من عملية الاندماج النووي مُكوِّنة عناصر أعلى في وزنها الذري مثل الكربون ومطلقة كما أعلي من الطاقة‏ , ويقدر العلماء أنه عندما تصل درجة حرارة لب الشمس إلى ستمائة مليون درجة مئوية يتحول الكربون إلى صوديوم ومغنيسيوم ونيون‏ , ثم تنتج عمليات الاندماج النووي التالية عناصر الألومنيوم‏ , والسيليكون‏ , والكبريت والفوسفور‏ , والكلور‏ , والأرجون‏ , والبوتاسيوم‏ , والكالسيوم على التوالي‏ , مع ارتفاع مُطِّرد في درجة الحرارة حتى تصل إلى ألفي مليون درجة مئوية حين يتحول لب النجم إلى مجموعات التيتانيوم‏ , والفاناديوم‏ , والكروم‏ , والمنجنيز والحديد‏ ـ‏ الحديد والكوبالت والنيكل‏ ـ، ولما كان تخليق هذه العناصر يحتاج إلى درجات حرارة مُرتفِعة جداً لا تتوافر إلا في مراحل خاصة من مراحل حياة النجوم تعرف باسم العماليق الحمر، والعماليق العظام ، وهي مراحل توهج شديد في حياة النجوم‏ , فإنها لا تتم في كل نجم من نجوم السماء‏ , ولكن حين يتحول لب النجم إلى الحديد فإنه يستهلك طاقة النجم بدلاً من إضافة مزيد من الطاقة إليه‏ , وذلك لأن نواة ذرة الحديد هي أشد نوى العناصر تماسكاً‏ , وهنا ينفجر النجم على هيئة ما يُسمى باسم المستعر الأعظم من النمط الأول أو الثاني حسب الكتلة الابتدائية للنجم‏ , وتتناثر أشلاء النجم المنفجر في صفحة السماء لتدخل في نطاق جاذبية أجرام سماوية تحتاج إلى هذا الحديد‏ , تماماً كما تصل النيازك الحديدية إلى أرضنا بملايين الأطنان في كل عام‏ .‏
ولما كانت نسبة الحديد في شمسنا لا تتعدى ‏0.0037%‏ من كتلتها ، وهي أقل بكثير من نسبة الحديد في كلٍ من الأرض والنيازك الحديدية التي تصل إليها من فسحة الكون‏ , ولما كانت درجة حرارة لب الشمس لم تصل بعد إلى الحد الذي يمكنها من إنتاج السيليكون‏ , أو المغنيسيوم‏ , فضلاً عن الحديد‏ , كان من البديهي استنتاج أن كلاً من الأرض والشمس قد استمدت ما به من حديد من مصدر خارجي عنه في فسحة الكون‏ , وأن أرضنا حينما انفصلت عن الشمس لم تكن سوى كومة من الرماد المُكوَّن من العناصر الخفيفة‏ , ثم رُجِمَت هذه الكومة بوابل من النيازك الحديدية التي انطلقت إليها من السماء فاستقرت في لبها بفضل كثافتها العالية، وسرعاتها الكونية، فانصهرت بحرارة الاستقرار‏ , وصَهَرَت كومة الرماد، ومايزها إلى سبع أرضين ‏:‏ لب صلب على هيئة كرة ضخمة من الحديد‏ (90%)‏، والنيكل‏ (9%)‏، وبعض العناصر الخفيفة مثل الكبريت‏ , والفوسفور‏ , والكربون‏ (1%)‏ يليه إلى الخارج‏ , لب سائل له نفس التركيب الكيميائي تقريباً‏ , ويكون لب الأرض الصلب والسائل معاً حوالي ‏31%‏ من مجموع كتلة الأرض‏ , ويلي لب الأرض إلى الخارج وشاح الأرض المُكوَّن من ثلاثة نطق‏ , ثم الغلاف الصخري للأرض‏ , وهو مكون من نطاقين‏ , وتتناقص نسبة الحديد من لب الأرض إلى الخارج باستمرار حتى تصل إلى ‏5 ,6%‏ في قشرة الأرض ، وهي النطاق الخارجي من غلاف الأرض الصخري‏ .‏

من هنا ساد الاعتقاد بأن الحديد الموجود في الأرض، والذي يشكل‏ 35 ,9%‏ من كتلتها لابد وأنه قد تكون في داخل عدد من النجوم المستعرة من مثل العماليق الحمر‏ , والعماليق العظام ، والتي انفجرت على هيئة المستعرات العظام فتناثرت أشلاؤها في صفحة الكون ونزلت إلى الأرض على هيئة وابل من النيازك الحديدية‏ , وبذلك أصبح من الثابت علمياً
أن حديد الأرض قد أًنزل إليها من السماء‏ , وأن الحديد في مجموعتنا الشمسية كلها قد أُنزل كذلك إليها من السماء‏ , وهي حقيقة لم يتوصل العلماء إلى فهمها إلا في أواخر الخمسينيات‏ , من القرن العشرين‏ , وقد جاء ذكرها في سورة الحديد‏ , ولا يمكن لعاقل أن يتصور ورودها في القرآن الكريم الذي أُنزل منذ أكثر من أربعة عشر قرناً علي نبي أمي‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ وفي أمة كانت غالبيتها الساحقة من الأميين‏‏ يمكن أن يكون له من مصدر غير الله الخالق الذي أنزل هذا القرآن بعلمه‏ , وأورد فيه مثل هذه الحقائق الكونية لتكون شاهدة إلى قيام الساعة بأن القرآن الكريم كلام الله الخالق‏ , وأن سيدنا محمدا‏ًً ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ ما كان ينطق عن الهوى " إِنْ هُوَ إِلاَّ
وَحْيٌ يُوحَى . عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوَى " .

ثانياً ‏:‏ البأس الشديد للحديد :

الحديد عنصر فلزي عرفه القدماء‏ , فيما عرفوا من الفلزات من مثل الذهب‏ , والفضة‏ , والنحاس‏ , والرصاص‏ , والقصدير والزئبق‏ , وهو أكثر العناصر انتشاراً في الأرض‏ (35 ,9%)‏، ويوجد أساسا في هيئة مركبات الحديد  مثل أكاسيد‏ , وكربونات‏ , وكبريتيدات‏ , وكبريتات وسيليكات ذلك العنصر‏ , ولا يوجد على هيئة الحديد النقي إلا في النيازك الحديدية وفي جوف الأرض‏ .‏ والحديد عنصر فلزي شديد البأس‏ , وهو أكثر العناصر ثباتاً ؛ وذلك لشدة تماسك مكونات النواة في ذرته التي تتكون من ستة وعشرين بروتونا‏ًً , وثلاثين نيوترونا‏ , وستة وعشرين إليكترونا‏ًً , ولذلك تمتلك نواة ذرة الحديد أعلى قدر من طاقة التماسك بين جميع نوى العناصر الأخرى , ولذا فهي تحتاج إلى كميات هائلة من الطاقة لتفتيتها أو للإضافة إليها ‏.‏
ويتميز الحديد وسبائكه المختلفة بين جميع العناصر والسبائك المعروفة بأعلى قدر من الخصائص المغناطيسية‏ , والمرونة‏ ـ‏ القابلية للطرق والسحب وللتشكل ـ‏ والمقاومة للحرارة ، ولعوامل التعرية الجوية‏ , فالحديد لا ينصهر قبل درجة ‏1536‏ مئوية‏ , ويغلي عند درجة ‏3023‏ درجة مئوية تحت الضغط الجوي العادي عند سطح البحر‏ , وتبلغ كثافة الحديد ‏7 ,874‏ جرام للسنتيمتر المكعب عند درجة حرارة الصفر المطلق‏ .‏


ثالثا‏ًً :‏ منافع الحديد للناس :
للحديد منافع جمة وفوائد أساسية لجعل الأرض صالحة للعمران بتقدير من الله‏ , ولبناء اللبنات الأساسية للحياة التي خلقها ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ ،‏ فكمية الحديد الهائلة في كلٍ من لب الأرض الصلب‏ , ولبها السائل تلعب دوراً مهماً في توليد المجال المغناطيسي للأرض‏ , وهذا المجال هو الذي يمسك بكلٍ من الغلاف الغازي والمائي والحيوي للأرض‏ , وغلاف الأرض الغازي يحميها من الأشعة والجسيمات الكونية، ومن العديد من أشعات الشمس الضارة‏ , ومن ملايين الأطنان من النيازك‏ , ويساعد على ضبط العديد من العمليات الأرضية المهمة مثل دورة كلٍ من الماء‏ , والأوكسجين‏ , وثاني أكسيد الكربون‏ , والأوزون وغيرها من العمليات اللازمة لجعل الأرض كوكباً صالحاً للعمران‏ .‏ والحديد لازمة من لوازم بناء الخلية الحية في كل من النبات والحيوان والإنسان ، إذ تدخل مركبات الحديد في تكوين المادة الخضراء في النباتات‏ ـ الكلوروفيل ـ،‏ وهو المُكوِّن الأساسي للبلاستيدات الخضراء التي تقوم بعملية التمثيل الضوئي اللازمة لنمو النباتات‏ , ولإنتاج الأنسجة النباتية المُختلِفة  مثل الأوراق والأزهار‏ , والبذور والثمار، والتي عن طريقها يدخل الحديد إلى أنسجة ودماء كلٍ من الإنسان والحيوان‏ , وعملية التمثيل الضوئي هي الوسيلة الوحيدة لتحويل طاقة الشمس إلى روابط كيميائية تختزن في أجساد جميع الكائنات الحية‏ , وتكون مصدراً لنشاطها أثناء حياتها‏ , وبعد تحلل أجساد تلك الكائنات بمعزل عن الهواء تتحول إلى مختلف صور الطاقة المعروفة‏ ـ القش‏ , والحطب‏ , والفحم النباتي‏ , والفحم الحجري‏ , والغاز الفحمي والنفط‏ , والغاز الطبيعي وغيرها‏ ـ , والحديد يدخل في تركيب بروتينات نواة الخلية الحية الموجودة في المادة الحاملة للشفرة الوراثية للخلية‏ ـ الصبغيات‏ ـ،‏ كما يوجد في سوائل الجسم المختلفة‏ , وهو أحد مكونات الهيموجلوبين، وهي المادة الأساسية في كرات الدم الحمراء‏ , ويقوم الحديد بدور مهم في عملية الاحتراق الداخلي للأنسجة، والتمثيل الحيوي بها ‏، ويوجد في كلٍ من الكبد‏ , والطحال والكلى , والعضلات والنخاع الأحمر‏ , ويحتاج الكائن الحي إلى قدر محدد من الحديد، إذا نقص تعرض للكثير من الأمراض التي أوضحها فقر الدم والحديد عصب الصناعات المدنية والعسكرية ، فلا تكاد صناعة معدنية أن تقوم في غيبة الحديد ‏.‏ العلاقة بين رقم سورة الحديد في المصحف الشريف ، ورقم الآية في السورة بكلٍ من الوزن الذري ، والعدد الذري للحديد على التوالي .
للحديد ثلاثة نظائر يُقدَّر وزنها الذري بحوالي ‏57 ,56 ,54‏، ولكن أكثرها انتشاراً هو النظير الذي يحمل الوزن الذري‏56 ـ 55 ,847 .‏
ومن الغريب أن رقم سورة الحديد في المصحف الشريف هو ‏57 , وهو يتفق مع الوزن الذري لأحد نظائر الحديد‏ , ولكن القرآن الكريم يخاطب المصطفى‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ في سورة الحجر بقول الحق‏ ـ تبارك وتعالى‏ :
" وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ المَثَانِي
وَالْقُرْآنَ العَظِيمَ " (الحجر‏:87)‏ .
وواضح من هذه الآية الكريمة أن القرآن الكريم بنصه يفصل فاتحة الكتاب عن بقية القرآن الكريم‏ , وبذلك يصبح رقم سورة الحديد‏ (56)‏ وهو الوزن الذري لأكثر نظائر الحديد شيوعاً في الأرض‏ , كذلك وصف سورة الفاتحة بالسبع المثاني ، وآياتها ست يؤكد أن البسملة آية منها‏ ـ ومن كل سورة من سور القرآن الكريم ـ ذُكرت في مقدمتها‏ , وقد ذكرت في مقدمة كل سور القرآن الكريم ماعدا سورة‏ (‏التوبة‏) ،‏ وعلى ذلك، فإذا أضفنا البسملة في مطلع سورة الحديد إلى رقم آية الحديد وهو ‏(25)‏ أصبح رقم الآية ‏(26)‏، وهو نفس العدد الذري للحديد‏ , ولا يمكن أن يكون هذا التوافق الدقيق قد جاء بمحض المُصادَفة لأنها لا يمكن أن تؤدي إلى هذا التوافق المُبهِر في دقته‏ , وصدق الله العظيم الذي قال في وصفه للقرآن الكريم :
" لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً ‏ " ‏(‏النساء‏:166)‏ ، وقوله ـ تعالى : " أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً " ‏(‏النساء‏82)‏ .