" يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ " (الروم:19).


هذه الآية الكريمة جاءت في نهاية الثلث الأول من سورة الروم‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ وآياتها ستون بعد البسملة‏ .‏ ويدور محورها الرئيسي حول قضية العقيدة الإسلامية ، ومن ركائزها التي جاءت بها السورة الكريمة ما يلي ‏:‏
‏(1)‏ الإيمان بالله‏ ـ تعالى‏ ـ الذي له الأمر من قبل ومن بعد في كل شيء ‏.‏
‏(2)‏ الإيمان بأن النصر من الله " يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ " (الروم:5) ‏.
(3)‏ الإيمان بأن وعد الله حق، وأن الله‏ ـ تعالى‏ ـ : "لاَ يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ " (الروم:6)‏ .‏
‏(4)‏ الإيمان
بأن أكثر الناس " ‏...‏ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ " (الروم:7) ‏.‏
‏(5)‏ الإيمان بحقيقة النص القرآني القائل‏: " ...‏ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ " (الروم:8) ‏.‏
‏(6)‏ الإيمان بجميع أنبياء الله ورسله‏,‏ وبخاتمهم‏ ـ‏ صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏ .‏
‏(7)‏ الإيمان بأن الله‏ ـ تعالى ـ‏ لا يظلم أحداً، ولكن الناس أنفسهم يظلمون‏ .‏
‏(8) الإيمان بأن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ يبدأ الخلق ثم يعيده‏,‏ وأن الخلق جميعاً إلى الله راجعون في ساعة محددة من يوم محدد في علمه ـ تعالى‏ ـ‏ لا يعلمه إلا هو‏,‏ والإيمان بأن الآخرة ركن من أركان العقيدة الإسلامية‏ .‏
‏(9)‏ الإيمان بأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات في الآخرة سوف ينعمون في روضة يحبرون ‏.‏
‏(10)‏ الإيمان
بأن الذين كفروا وكذبوا بآيات الله ولقاء الآخرة سوف يشقون في الآخرة في نار جهنم، وهم في العذاب محضرون ‏.‏
‏(11)‏ الإيمان بضرورة تسبيح الله في المساء وفي الصباح‏,‏ وحمده في السماوات والأرض‏,‏ وعشياً وحين يظهر الناس‏,‏ وذلك بتنزيهه ـ‏ تعالى‏ ـ عن كل وصف لا يليق بجلاله ، مثل نسبة الزوجة ، أو الولد، أو الشريك، أو الشبيه إليه، وكلها من صفات البشر المخلوقين ,‏ ووصفه‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ بصفات الكمال المطلق الذي يليق بجلال الله‏ .‏
‏(12)‏ الإيمان بأن عمليتي الخلق الأول من تراب، ثم البعث في الآخرة ، مناظرة تماماً لإخراج الحي من الميت في الدنيا‏,‏ ولعملية إحياء الأرض بعد موتها‏,‏ وأن الله ـ‏ تعالى‏ ـ‏ يخلق ما يشاء، وأنه هو العليم القدير ‏.‏
‏(13)‏ الإيمان بأن الله‏ ـ‏ تعالى ـ " ...‏ لَهُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ " (الروم:26) ‏.‏
‏(14)‏ الإيمان بأن الذين يتبعون أهواءهم بغير علم يضلهم الله‏,‏ ومن يضلل الله فلا هادي له‏,‏ وأن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ يطبع على قلوب الذين لا يعلمون ‏.‏
‏(15)‏ الإيمان الكامل بأن الإسلام هو دين الله الذي أنزله على فترة من الرسل‏,‏ والذي أتمه وأكمله وحفظه في رسالته الخاتمة التي أنزلها على خاتم أنبيائه ورسله‏ ـ‏ صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏ ـ‏ وأن هذا الدين هو فطرة الله التي فطر الناس عليها ، وأنه‏: " لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ "    (الروم: 30) .
‏(16)‏ الإيمان بوحدانية الله‏ ـ تعالى‏ ـ وبأنه على كل شيء قدير‏
,‏ والإيمان كذلك بضرورة الإنابة إليه‏,‏ وتقواه‏,‏ وإقام الصلاة له وحده ـ‏ سبحانه ـ‏ ونفي الشرك عن ذاته العليَّة‏ .‏
‏(17)‏ الإيمان بأن" ‏...‏ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُم وَكَانُوا شِيَعًا " (الروم:32) قد انحرفوا عن دين الله وعن فطرته التي فطر الناس عليها‏ .‏
‏(18)‏ الإيمان بأن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ هو الذي " يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ "     (الروم: 37) .
‏(19)‏ الإيمان بأن لكلٍ من ذي القربي، والمسكين، وابن السبيل حقوقاً منحهم إياها الله‏ ـ‏ تعالى ‏ـ‏ ولا يجوز لمسلم أن يقصِّر فيها أبدا‏ًً .‏
‏(20)‏ الإيمان بأن‏ الذي‏ (‏ يربو‏ )‏ في أموال الناس لا يربوا عند الله‏,‏ وأن صدقات التطوع التي تدفع في سبيل الله وطلباً لمرضاته هي التي تستحق الأضعاف من الحسنات‏ .‏
‏(21) الإيمان بأن الله‏ ـ تعالى‏ ـ هو الذي خلقنا‏,‏ وهو ـ‏ سبحانه‏ ـ الذي رزقنا‏,‏ وأنه‏ ـ جلت قدرته‏ ـ هو الذي يميتنا ثم يحيينا‏,‏ ولا يمكن لأحد أن يفعل ذلك إلا الله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ ومن هنا كانت جريمة الشرك بالله جريمة لا يغفرها الله أبدا‏ًً .‏
‏(22)
الإيمان بأن الله ـ تعالى ـ‏ لا يحب الكافرين‏,‏ وأنه‏ ـ‏ سبحانه‏ ـ‏ يبغض المشركين ‏.‏
وقد استهلت سورة الروم بالتنبؤ بحدث غيبي قبل وقوعه بعدة سنوات، ألا وهو انتصار الروم على الفرس بعد أن كان الفرس قد هزموهم هزيمة منكرة قبل نزول هذه السورة المباركة بعدة سنوات ‏.‏
وتزخر السورة الكريمة بالأمر بتسبيح الله‏,‏ وتمجيده‏,‏ وتنزيهه‏,‏ وحمده‏,‏ وإقام الصلاة له‏ وحده‏,‏ وتنصح خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ‏ صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏ ـ‏ بأن يقيم وجهه لدين الله، وهو الإسلام الحنيف‏,‏ الذي لا يرتضي ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ من عباده ديناً سواه‏؛‏ لأنه دين الفطرة التي فطر الله ـ‏ تعالى ـ الناس عليها ـ أي جعلهم مهيأة قلوبهم وعقولهم ونفوسهم لقبوله إذا خُلِّيَ بينهم وبينه بغير ضغوط أو عوائق ـ‏ وهي فطرة لا تبديل لها‏,‏ وإن كان أكثر الناس لا يعلمون ذلك‏,‏ والأمر هنا مُوجَّه له‏ ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأمته من بعده .‏
وتأمر السورة الكريمة المسلمين بضرورة الإكثار من التوبة إلى الله والرجوع إليه‏,‏ وإخلاص العمل له‏,‏ وتقواه ‏,‏ كما تأمرهم بإقام الصلاة‏,‏ وبالحذر من الوقوع في دنس الشرك بالله؛لأن الشرك ظلم عظيم للنفس‏؛ ولأن الذين أشركوا قد فرقوا دينهم‏,‏ وكفروا بربهم‏,‏ وكانوا شيعاً،وكل حزب منهم فرح بما لديه‏,‏ مقتنع أنه على الحق وغيره على الباطل‏,‏ وأنه وحده هو الناجي‏,‏ وغيره هالِكون ‏.
وتحدثت سورة الروم عن شيء من التقلب في طبائع النفس البشرية‏,‏ مثل اللجوء إلى الله ـ‏ تعالى‏ ـ في الشدة‏‏ والإعراض عنه‏ ـ‏ سبحانه‏ ـ‏ في الرخاء‏,‏ أو الإيمان به‏ ـ جل شأنه‏ ـ‏ في ساعات الضيق‏ والكفر أو الشرك به ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ في لحظات السعة ‏.‏
وتضرب السورة الكريمة مثلاً للناس من حياتهم على سخافة فكرة الشرك بالله إذا ناقشها العقل بشيء من الموضوعية والحيدة‏، وتربط بين ظهور الفساد في البر والبحر‏,‏ وبين أعمال الناس‏ وما كسبت أيديهم‏,‏ وتأمر بالسير في الأرض لاستخلاص الدروس والعبر من سِيَر الأولين، ومصائر الظالمين، وتكرر سورة الروم على خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏ ـ‏ تأكيد ضرورة الاستقامة على دين الإسلام‏,‏ ذلك الدين القيم‏,‏ من قبل أن تأتي الآخرة فيصدع بها كل الخلائق‏,‏ ثم يجزى كلٌ بعمله‏,‏ وبأن ما عليه إلا البلاغ‏,‏ وتذكره‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ بشيء من قصص الذين جاءوا قبله من الأنبياء والمرسلين‏,‏ وما أصاب الظالمين من أقوامهم من انتقام‏,‏ وأصاب المؤمنين منهم من نصر‏ .‏
وخَلُصَت السورة الكريمة إلى الحديث مرة أخرى عن البعث وأهواله‏,‏ وعن مصير أهل الشرك والكفر والضلال في الآخرة‏,‏ وعن مصير أهل الإيمان والتقوى فيها‏,‏ وتكرر الإشارة إلى شيء من طبائع النفس الإنسانية‏,‏ ولقد ضرب لها الله‏ ـ تعالى‏ ـ في آيات القرآن الكريم من كل مثل‏,‏ ولكن الذين كفروا لا يؤمنون؛ لأنهم لا يعلمون‏,‏ والله‏ ـ‏ جلت قدرته‏ ـ‏ قد طبع على قلوب الذين لا يعلمون‏ .‏
وتختتم سورة الروم بتثبيت خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ بوصية من الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ له ولأمته من بعده بالصبر على استخفاف الكفار والمشركين بدعوته‏,‏ وتطمئنه بأن الله قد وعده بالنصر‏,‏ وأن وعد الله حق‏,‏ وهو واقع لا محالة‏ .
وفي ثنايا هذه السورة الكريمة كَثُرَ الاستشهاد بالآيات الكونية على طلاقة القدرة الإلهية في إبداع الخلق‏,‏ وقدرته‏ ـ‏ سبحانه‏ ـ على إفناء خلقه وإعادة بعثه‏,‏ وفي ذلك من دلائل الوحدانية ما ينفي شبهة الشرك عن الله الخالق‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ وفي ذلك أيضاً خطاب لأهل عصرنا الذين فتنوا بالعلم ومعطياته فتنة كبيرة‏ .‏

الآيات الكونية التي جاءت في سورة الروم كثيرة، ويمكن إيجازها في النقاط التالية ‏:‏
‏(1)‏ وصف أرض المعركة التي هزمت فيها جيوش الدولة الرومانية الشرقية‏ ـ‏ الدولة البيزنطية‏ ـ‏ أمام جيوش الفرس بوصف " أَدْنَى الأَرْضِ " بمعنى أخفض الأرض أو أقرب الأرض‏,‏ وأرض المعركة الفاصلة في هذا الصراع كانت في منطقة أغوار وادي عربة ـ البحر الميت ـ وادي الأردن‏,‏ وقد أثبتت الدراسات الحديثة أنها أخفض بقاع اليابسة على الإطلاق‏,‏ وهي في الوقت نفسه أقربها إلى شبه الجزيرة العربية، أو هي جزء منها ‏.‏ ‏
(2)‏ التنبؤ بغلبة الروم على الفرس بعد هذه الهزيمة المنكرة ببضع سنين‏,‏ ويروي لنا التاريخ أن هزيمة الروم أمام جيوش الفرس كانت في حدود سنة‏614/615‏ م، وأن استعادتهم النصر على الفرس كان في حدود سنة‏624‏ م، والبضع في اللغة هو بين الثلاث والتسع‏ .‏
‏(3)‏ التقرير بأن خلق السماوات والأرض قد تم بالحق وأجل مسمى ,‏ وأن ذلك آية من آيات الله الدالة على طلاقة قدرته‏ .‏
‏(4)‏ أن الله ـ‏ تعالى‏ ـ‏ هو الذي يبدؤ الخلق ثم يعيده، وأن الخلق جميعهم إلى الله راجعون ‏.‏ ‏
(5)‏ الإشارة إلى حقيقة أن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ يخرج الحي من الميت‏,‏ ويخرج الميت من الحي‏,‏ ويحيي الأرض بعد موتها‏,‏ وأن هكذا يكون بعث الخلق من قبورهم.
(6)‏ أن الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ خلق الإنسان من تراب‏ .‏ ‏
(7)‏ خلق الإنسان‏ ـ كغيره من سائر المخلوقات ـ‏ في زوجية من نوعه‏,‏ وجعل الزوجية سكناً للزوجين، وراحة نفسية‏,‏ وجعل بينهما مودة ورحمة‏ .‏ ‏
(8)‏ الإشارة إلى اختلاف ألسنة وألوان الناس‏,‏ وهم يرجعون في الأصل إلى أب واحد‏,‏ ودلالة ذلك على طلاقة القدرة الإلهية الخالقة ‏.‏ ‏
(9)‏ أن الله‏ ـ تعالى ـ قد جعل الليل سكناً للناس‏,‏ وقد جعل النهار معاشاً لهم‏,‏ وعلى الرغم من ذلك‏,‏ فإنه‏ ـ تعالى ـ‏ قد أعطى الإنسان القدرة على النوم بالنهار‏,‏ كما جعل من الحيوانات ما ينام دوماً بالليل‏,‏ ومنها ما ينام دوماً بالنهار ‏.
(10)‏ الإشارة إلى ظاهرة البرق‏,‏ وارتباطها بإنزال المطر وإحياء الأرض بعد موتها ‏.‏
‏(11)‏ تأكيد علاقة الأرض بالسماء، وأنها تقوم بأمر الله‏,‏ والإشارة إلى إخراج الناس من الأرض في يوم البعث ‏.‏
‏(12)‏ تقرير أن جميع من في السماوات والأرض هم ملك لله وحده‏,‏ وأن الجميع مطيعون له طاعة انقياد‏,‏ لا يمتنعون عليه في شيء يريد فعله بهم‏,‏ وإن عصاه بعضهم، فإن ذرات جسده وخلاياه خاضعة رغم أنفه لله‏ .‏ ‏
(13)‏ أن الله ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ هو الذي يبدؤ الخلق ثم يعيده، وأن له المثل الأعلى في السماوات والأرض‏ .‏
(14)‏ أنه لا تبديل لخلق الله‏ .‏ ‏
(15)‏ الإشارة إلى الإفساد المادي والمعنوي في كلٍ من البر والبحر بما تكسبه أيدي الناس‏,‏ وأن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ سوف يذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون.
(16)‏ الإشارة إلى إرسال الرياح مبشرات برحمة من الله وفضل‏,‏ وعلاقة ذلك بجريان الفلك بأمر الله‏ .
‏(17)‏ وصف السحاب الطباقي وطرائق تكوينه وإنزال المطر منه بدقة بالغة ‏.‏ ‏
(18)‏ المقارنة بين إحياء الأرض بعد موتها ، وإحياء الموتى في يوم القيامة‏ .‏ ‏
(19)‏ الإشارة إلى المراحل المتعاقبة في دورة حياة الإنسان من ضعف إلى قوة ثم إلى ضعف وشيبة‏ .‏

وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة مستفيضة لا يتسع لها المجال‏,‏ ولذلك أقصر حديثي هنا على النقطة الخامسة فقط من القائمة السابقة‏,‏ والتي تعالج قضية مهمة هي إخراج الحي من الميت، وإخراج الميت من الحي‏,‏ وقبل الوصول إلى ذلك لابد من استعراض سريع لأقوال عدد من كبار المفسرين القدامى والمعاصرين في تفسير هذه الآية الكريمة‏ . ‏



من أقوال المفسرين :
في تفسير قوله‏ ـ‏ تعالى ـ :
" يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ "  (الروم:19) .ذكر ابن كثير ـ‏ رحمه الله‏ ـ‏ ما نصه‏:‏ وقوله ـ تعالى ـ ‏: "‏ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ‏ "‏ هو ما نحن فيه من قدرته على خلق الأشياء المتقابلة‏,‏ فإنه يذكر خلقه الأشياء وأضدادها؛ ليدل على كمال قدرته‏,‏ فمن ذلك إخراج النبات من الحب‏,‏ والحب من النبات‏،‏ وإخراج البيض من الدجاج‏,‏ والدجاج من البيض،‏ والإنسان من النطفة‏,‏ والنطفة من الإنسان‏، والمؤمن من الكافر‏,‏ والكافر من المؤمن‏.‏ وقوله ـ تعالى‏ ـ : "‏ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ‏"‏ كقوله ـ تعالى ـ‏:"‏ وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ " (يـس:33),
وقوله ـ تعالى ـ ‏:"‏ وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ " (الحج: من الآية5) ،
ولهذا قال‏: "‏ وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ‏ " . (انتهى قول المفسر)
 وجاء في تفسير الجلالين ـ‏ رحم الله كاتبيه ـ ما نصه‏: "‏ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ "‏ كالإنسان من النطفة‏,‏ والطائر من البيضة‏," وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ... "‏ النطفة والبيضة‏ ." مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ ‏"‏ بالنبات .‏" بَعْدَ مَوْتِهَا ‏ " أي يبسها ‏.‏ (انتهى قول المفسر)
‏‏ وذكر صاحب الظلال‏ ـ‏ رحمه الله رحمة واسعة جزاء ما قدم‏ ـ أنه‏ :...‏ في كل لحظة يخرج حي من ميت، ويخرج ميت من حي‏.
وفي كل لحظة يتحرك برعم ساكن من جوف حبة أو نواة فيفلقها، ويخرج إلى وجه الحياة‏,‏ وفي كل لحظة يجف عود أو شجرة تستوفي أجلها فتتحول إلى هشيم أو حطام‏,‏ ومن خلال الهشيم والحطام توجد الحبة الجديدة الساكنة المتهيئة للحياة والإنبات‏,‏ ويوجد الغاز الذي ينطلق في الجو، أو تتغذى به التربة‏,‏ وتستعد للإخصاب‏,‏ وفي كل لحظة تدب الحياة في جنين إنسان أو حيوان أو طائر‏.‏ والجثة التي تُرمى في الأرض وتختلط بالتربة وتشحنها بالغازات هي مادة جديدة للحياة، وغذاء جديد للنبات‏,‏ فالحيوان والإنسان‏،‏ ومثل هذا يتم في أغوار البحار، وفي أجواز الفضاء على السواء‏ .‏ إنها دورة دائبة عجيبة رهيبة لمن يتأملها بالحس الواعي، والقلب البصير‏,‏ ويراها على هدى القرآن ونوره المستمد من نور الله ‏.‏" وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ‏ "
فالأمر عادي واقعي لا غرابة فيه، وليس بدعاً مما يشهده الكون في كل لحظة من لحظات الليل والنهار في كل مكان‏ . (انتهى قول المفسر)‏
‏‏ وجاء في كلٍ من صفوة البيان لمعاني القرآن‏,‏ والمنتخب في تفسير القرآن الكريم‏,‏ وصفوة التفاسير ـ‏ جزى الله كاتبيها خير الجزاء ـ‏ كلام مشابه لا أرى حاجة إلى استعراضه هنا‏ .‏
إخراج الحي من الميت وإخراج الميت من الحي في القرآن الكريم :
جاء هذا المعنى في أربعة مواضع من القرآن الكريم على النحو التالي‏:‏
‏(1) " تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ "   (آل عمران:27) .
‏(2)‏ " إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ "   (الأنعام:95) ‏.
‏(3) " قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ "    (يونس:31) .
‏(4) " يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ " (الروم:19) .

الدلالة العلمية للآية الكريمة :
تشير هذه الآية الكريمة إلى قدرة الله على خلق الأحياء من المواد الأولية التي أوجدها مع بدء خلقه للكون‏,‏ وهي مواد ميتة لا روح فيها ولا حياة‏,‏ وبعد انتزاع الروح من الكائن الحي، يعود جسده إلى تلك المواد الأولية التي بُدِأ خلقه منها‏,‏ وبذلك فالله‏ وحده هو الذي يملك إخراج الحي من الميت‏,‏ وإخراج الميت من الحي‏، وينطبق ذلك على الخلق الأول للحياة‏,‏ وعلى البعث في الآخرة‏,‏ كما ينطبق على العمليات الوسطى بينهما من الميلاد‏,‏ والنمو‏,‏ والتكاثر‏,‏ والوفاة‏، وهي عمليات مستمرة إلى قيام الساعة‏,‏ ومنضبطة بسنن كونية‏,‏ وقوانين ربانية ثابتة، لا تتوقف ولا تتخلف إلى أن يشاء الله‏,‏ وهذه السنن والقوانين لم يدركها علم الإنسان الكسبي إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين‏,‏ وورود الإشارة إلى حقيقتها في كتاب الله الذي أنزل من قبل ألف وأربعمائة سنة بهذه الدقة البالغة، لمما يجزم بأن القرآن الكريم لا يمكن أن يكون صناعة بشرية، بل هو كلام الله الخالق‏,‏ ومما يؤكد نبوة هذا النبي الخاتم‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ ويشهد بصدق رسالته‏,‏ وبأنه‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ كان موصولاً بالوحي‏,‏ ومعلَّماً من قبل خالق السماوات والأرض‏ .‏
وقبل الدخول في شرح الدلالة العلمية للآية الكريمة، لابد لنا من التفريق بين تعبيري الحي والميت ‏.‏

الحي والميت في اللغة العربية‏ :‏
‏(‏ الحياة‏)‏ في العربية ضد الموت‏،‏ و‏(‏الحَيُّ‏)‏ ضد الميت‏,‏ و‏(‏المَحْيَا‏)‏ من الحياة‏ . يقال‏:(‏ أَحْيَاه‏)‏ الله‏(‏ فَحَيِيَ‏)‏ و‏(‏حَيَّ‏),‏ وللجمع‏(‏ حيوان‏),‏ و‏(‏الحيوان‏)‏ ضد الموتان ‏.‏
وفي المقابل فإننا نجد أن‏(‏ المَوَات‏)‏ بالفتح هو كل ما لا روح فيه‏,‏ وهو أيضا الأرض التي لا مالك لها‏,‏ والتي لا ينتفع أحد بها‏ .‏ (‏الَمْوت‏)‏ ضد الحياة‏ .‏ يقال للحي إذا فارق الحياة أنه قد‏(‏ مَاتَ‏)(‏ يَمُوت‏),‏ و‏(‏يُمَات‏),‏ فهو‏(‏ مَيّْت‏) ـ‏ بالتشديد والتخفيف‏ ـ وجمعه‏(‏ مَوْتَى‏)‏ و‏(‏أَمْوَات‏)‏ و‏(‏مَيّْتُون‏) ـ بالتشديد والتخفيف‏ ـ ويستوي في ذلك المذكر والمؤنث‏ .‏ و‏(‏الميتة‏)‏ ما لم تلحقه الذكاة‏,‏ و‏(‏المُوَات‏)‏ بالضم هو‏(‏ الموت‏) . يقال‏:(‏ أَمَاَتَه‏)‏ الله‏(‏ مَوْتَة‏) .‏ و‏(‏المُسْتَمِيت‏)‏ المُتعرِّض للمخاطر إلى حد الموت‏ .‏ و‏(‏المُتَمَاوِت‏)‏ المتظاهر بالموت من قبيل الرياء‏ .‏ ويقال للنوم أنه ‏(‏ موت خفيف أو مؤقت‏)‏ . و‏(‏للموت‏)‏ أنه نوم ثقيل ودائم إلى يوم البعث ‏.‏

الموات في كوننا‏ :‏
يتكون الجزء المُدرَك لنا من الكون في غالبيته من غاز الأيدروجين الذي يشكل أكثر من‏74%‏ من مادة الكون المنظور‏،‏ وغاز الأيدروجين هو أخف العناصر وزنا‏ًً,‏ وأقلها تعقيداً ـ أي أبسطها بناء‏اً ـ وهو مادة غير حية‏ .‏ ويلي غاز الأيدروجين كثرة في الجزء المُدرَك لنا من الكون غاز الهيليوم الذي يشكل‏24%‏ من مادة الكون المنظور‏,‏ وهو ثاني العناصر المعروفة لنا‏,‏ ويتكون داخل الشمس باتحاد أربع من نوى ذرات الأيدروجين، وتنطلق الطاقة‏ .
ومعنى ذلك أن باقي العناصر المعروفة لنا التي يزيد عددها على مائة عنصر تشكل أقل من‏2%‏ من مادة الكون المنظور‏,‏ وهي كلها غير حية‏,‏ وقد أدت هذه الملاحظة إلى الاستنتاج الصحيح بأن جميع العناصر قد تخلَّقت باتحاذ نوى ذرات الأيدروجين بعملية تعرف باسم الاندماج النووي‏,‏ وهذه العملية تتم داخل نجوم السماء التي يُنظَر إليها على أنها أفران ذرية كونية، تتخلق فيها العناصر بالتدريج من أخفها ـ وهو غاز الأيدروجين ـ بعملية الاندماج النووي حتى تصل سلسلة هذه العمليات إلى إنتاج عنصر الحديد الذي لا يتم إنتاجه إلا داخل النجوم العملاقة، وفي مراحل توهجها الشديد المسماة باسم‏(‏ المستعرات العظام‏),‏ وحينما يتحول قلب المستعر الأعظم إلى الحديد، يكون قد استهلك طاقته، فينفجر هذا النجم الأعظم‏,‏ وتتناثر أشلاؤه في صفحة السماء‏,‏ لتدخل في نطاق جاذبية عدد من الأجرام بتقدير من الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ على هيئة النيازك ورماد الشهب‏,‏ وقد تتعرض بعض نوى ذرات الحديد أثناء هذه الرحلة في صفحة السماء لاصطياد عدد من الجسيمات الأولية للمادة ـ بتقدير من الخالق سبحانه وتعالى ـ فيتكون من العناصر ما هو أعلى وزناً‏,‏ وأعقد بناءاً من الحديد ‏.‏
وباتحاد نوى ذرات العناصر مع الإليكترونات تكونت الذرات‏,‏ وباتحاد الذرات تكونت الجزيئات‏,‏ وباتحادها تكونت المركبات ‏.‏
وعندما انفصلت أرضنا عن الشمس ـ‏ أو عن السديم الذي تكونت منه الشمس‏ ـ لم تكن سوى كومة من الرماد، ليس بها من العناصر ماهو أعلى وزناً من‏(‏ السيليكون‏),‏ ثم رُجِمت بوابل من النيازك والشهب الحديدية التي بها بعض العناصر الأعلى وزناً من الحديد‏,‏ فاندفعت تلك المواد العالية الكثافة إلى قلب الأرض الأولية‏ ـ‏ كومة الرماد‏ ـ فانصهرت وصهرتها ومايزتها إلى سبع أراضين‏:‏ لب صلب داخلي أغلبه الحديد والنيكل‏,‏ يليه إلى الخارج لب سائل أغلبه كذلك الحديد والنيكل‏,‏ ثم أربعة أوشحة متتالية تتناقص فيها نسبة الحديد من الداخل إلى الخارج‏,‏ ثم الغلاف الصخري للأرض، وبه‏5.6%‏ من الحديد‏,‏ وفي أثناء عملية التمايز تلك تكونت مركبات المعادن التي كونت الصخور الأولية‏ ـ النارية ـ والتي بدأت بها دورة الصخور،‏ ومن الصخور النارية تكونت كلٌ من الصخور الرسوبية والمتحولة‏,‏ ومع تكون الصخور النارية‏ عبر المتداخلات النارية‏,‏ والثورات البركانية، أخرج الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ من داخل الأرض ماءها‏,‏ وغلافها الغازي‏,‏ وهذه النطق الثلاث‏:‏ الغلاف الصخري‏,‏ والمائي‏,‏ والغازي كلها مواد ميتة لا روح فيها ولا حياة ‏.‏
ويقدر عمر الأرض بنحو‏4600‏ مليون سنة‏,‏ بينما يقدر عمر أقدم أثر للحياة على سطحها بنحو‏3800‏ مليون سنة‏,‏ أي أن الأرض أخذت ثمانمائة مليون سنة على الأقل من أجل إعدادها لاستقبال الحياة‏,‏ والله ـ‏ تعالى ـ‏ قادر على أن يقول للشيء كن فيكون‏,‏ ولكن هذا التدرج قصد به أن يفهم الإنسان سنن الله في الخلق‏,‏ وأن يحسن توظيفها في عمارة الأرض‏,‏ وفي حسن القيام بواجبات الاستخلاف فيها ‏.‏

الأحياء على أرضنا‏ :‏
يحيا على يابسة أرضنا اليوم‏,‏ وفي مياهها‏,‏ وتحت هوائها من صور الحياة المُدرَكة بلايين البلايين من الأفراد التي تنطوي في نحو المليوني نوع من أنواع الحياة‏,‏ تجمع في ست ممالك هي‏:‏ البدائيات‏,‏ الطلائعيات‏,‏ الفطريات‏,‏ النبات‏,‏ الحيوان‏,‏ والإنسان، التي ينقسم كلٌ منها إلى عدد من القبائل‏,‏ والفصائل‏,‏ والرتب‏,‏ والأجناس‏,‏ والأنواع ‏.‏
وبمعدل الاكتشافات الحالية يتوقع العلماء أن عدد الأنواع التي عاشت على الأرض واندثرت‏ والتي تعيش اليوم سوف يصل إلى نحو خمسة ملايين نوع من أنواع الحياة‏,‏ يمثل كل نوع منها ببلايين الأفراد‏,‏ ويتراوح متوسط عمر كل نوع من أنواع هذه الحياة بين نصف مليون سنة وخمسة ملايين من السنين ‏.‏
وكل نوع من أنواع هذه الحياة أعطاه الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ القدرة على القيام بجميع العمليات الحيوية ، مثل التغذية‏,‏ والقدرة على القيام بالتمثيل الغذائي‏ ـ‏ الأيض ـ وعلى الإخراج‏,‏ والتنفس‏,‏ والنمو‏,‏ والتكاثر‏,‏ والتكيف‏,‏ والحركة‏ ـ باستثناء النبات ـ والإحساس‏,‏ إلى غير ذلك من الميزات التي تستخدم للتفريق بين الأحياء والأموات‏ ـ الموات‏ ـ‏ في كوننا المُدرَك ‏.‏
إخراج الحي من الميت‏ :‏
إن قضية الخلق بأبعادها الثلاثة‏ ـ خلق الكون‏,‏ خلق الحياة‏,‏ وخلق الإنسان ـ هي من القضايا الغيبية التي لا تخضع لإدراك الإنسان .‏ وفي ذلك يقول الحق ـ تبارك وتعالى ـ :‏
" مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً " (الكهف:51)
ولكن القرآن الكريم الذي أنزل فيه ربنا‏ ـ تبارك وتعالى ـ‏ قراره هذا يقول لنا أيضاً فيه ‏:
" قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " (العنكبوت:20)
.
وبالجمع بين هاتين الآيتين الكريمتين يتضح لنا بجلاء أنه على الرغم من كون عملية الخلق عملية غيبية غيبة كاملة‏,‏ لم يشهدها أحد من المخلوقين إلا أن الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ من رحمته بنا أبقى لنا في صخور الأرض وفي صفحة السماء من الشواهد الحسية ما يمكن أن يعين الإنسان على وضع تصور ما عن كيفية الخلق‏,‏ ويبقى هذا التصور متأثراً بخلفية واضعه‏,‏ فتتعدد النظريات في قضية الخلق تعدداً كبيراً‏،‏ ويبقى للمسلم نور من الله ـ‏ تعالى‏ ـ‏ في آية قرآنية كريمة‏,‏ أو في حديث نبوي صحيح السند عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ يمكن أن يعينه على أن يختار من بين هذه التصورات أو النظريات واحدة تتفق مع النص القرآني أو مع الحديث النبوي الصحيح أو معهما معا، فيرتقي بهذه النظرية إلى مستوى الحقيقة؛ انتصاراً للعلم بالقرآن الكريم، أو بالحديث النبوي الشريف، وليس العكس‏,‏ وهذه منزلة من منازل العلم لا يرقاها إلا المسلم‏ .‏
وتحدث الدهريون عن التطور الكيميائي‏,‏ ومن بعده عن التطور العضوي‏,‏ ونحن معشر المسلمين لا اعتراض لنا على ذلك؛ لأن " الحكمة ضالة المؤمن، حيثما وجدها فهو أولى الناس بها " كما علمنا المصطفى‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ (سنن الترمذي) .
فإذا كان المقصود بالتطور هو تدرج عمارة الأرض بأنماط من الخلق تزداد تدريجياً في العدد وفي تعقيد البناء‏,‏ فهذا حق يقوم عليه الدليل، وتؤكده الملاحظة‏,‏ وتدعمه الحجة‏,‏ ولكن أعداء الدين انطلقوا بهذه الملاحظة الصحيحة إلى ثلاثة استنتاجات خاطئة تماماً هي ‏:‏

‏(1)‏الادعاء بعشوائية الخلق الأول ‏:‏
والملاحظة العلمية الدقيقة تشجب ذلك وترفضه‏؛ لأن هذا الفرض يقتضي عشوائية بناء الحمض الأميني‏ ـ‏ وهو لبنة بناء الجزيء البروتيني الذي هو لبنة بناء الخلية الحية‏ ـ وعشوائية تجمع هذه الأحماض الأمينية لبناء مائتي ألف نوع من الجزيئات البروتينية‏,‏ والتي تجمعت عشوائياً لبناء أول خلية حية‏,‏ التي تشعبت من بعد إلى ملايين الأنواع من أنواع الحياة التي مثَّل كل نوع منها ببلايين الأفراد‏,‏ بطريقة عشوائية محضة، والحقيقة العلمية المؤكدة هي أن كلاً من الحمض الأميني، والجزيء البروتيني على قدر من التعقيد في البناء‏,‏ والدقة في ترابط الذرات والجزيئات، لا يمكن للصدفة أن تصنعه أبدا‏ًً .
(2)‏ الادعاء بعشوائية التدرج في الخلق ‏:‏
وهذا الافتراض ترفضه أيضاً الملاحظة العلمية الدقيقة؛ لأن لكل نوع من أنواع الحياة عدداً محدداً من الصبغيات التي تحمل شفرته الوراثية، وتتحكم في صفاته ونشاطاته ـ ومنها الانقسام والتكاثر ـ‏ وهذه الشفرة الوراثية على قدر من الدقة والتعقيد لا يمكن للصدفة أن تكون قادرة على إبداعه أبداً ‏.‏
ثم إن عملية تدرج عمارة الأرض بأنماط الحياة تمت بإتقان معجز‏,‏ لعب فيه كل طور من أطوار الحياة دوراً في إعداد الأرض للطور التالي‏,‏ ولا يمكن للصدفة أبداً أن ترتب ذلك‏ .‏ ثم إن هناك انقطاعات في سجلات الحياة الأحفورية تؤكد حقيقة الخلق‏,‏ وتنفي عشوائية التدرج‏ .‏

‏(3)‏ الادعاء بعشوائية ظهور الإنسان عن هذه السلسلة الطويلة من الخلق‏ :‏
وهذا أيضاً هروب مقصود من الاعتراف بالخالق ـ سبحانه وتعالى ـ والملاحظات العلمية الدقيقة ترفضه ولا تؤيده؛‏ فتمايز الشفرة الوراثية للإنسان‏,‏ وتحديد عدد الصبغيات التي تحملها‏,‏ وما ميَّز الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ به الإنسان من صفات تشريحية ونفسية‏,‏ وقدرات عقلية تنفي ذلك الزعم وتدحضه‏ ،‏ وتمايز الهيكل العظمي للإنسان فوق أعلى مخلوق قبله كصفة وحيدة تنفي تخرص المتخرصين‏,‏ وتزييف المزيفين‏؛ لأن هذا القدر من التمايز لا يمكن أن يتم في الفترة الزمنية القصيرة التي عاشها نوع الإنسان على الأرض‏,‏ أضف إلى ذلك ذكاء الإنسان‏,‏ وقدرته على الكلام‏,‏ ومهاراته المختلفة‏,‏ وقدرته على الشعور‏‏ والانفعال‏ والتعبير عن ذلك‏,‏ وقدراته على كسب المعارف والمهارات وتعليمها‏,‏ كل ذلك يؤكد الخلق الخاص للإنسان، وفصله عن كل صور الحياة من قبله‏ .‏
وإن قدرة الشفرة الوراثية في الإنسان على الانقسام، وتكرار نفسها ترد الجنس البشري كله إلى أب واحد، هو آدم‏ ـ عليه السلام ـ وفوق ذلك كله فإن دقة بناء الخلية الحية‏,‏ وإحكام عملها‏,‏ وانضباط كل نشاطاتها على الرغم من ضآلة حجمها ـ‏ أقل من جزء من عشرة ملايين جزء من الملليمتر المكعب‏ ـ‏ تنفي ذلك، فلها جدارها الذي يبدو كالسور العظيم الذي تتخلله بوابات تفتح وتغلق بانتظام معجز‏,‏ ولها جيوش دفاعية‏,‏ وأخرى هجومية‏,‏ وثالثة احتياطية‏,‏ ولها قوى وأجهزة كهرومغناطيسية‏,‏ ولها مسئولون عن التموين‏,‏ وقدرة على تصنيع أكثر من مائتي ألف نوع من أنواع البروتينات‏,‏ ولها علاقات داخلية منضبطة‏,‏ وأخرى خارجية مع غيرها من الخلايا الموجودة حولها‏,‏ ولها شفرة وراثية معجزة‏,‏ وغير ذلك من الصفات التي لا يتسع المقام لسردها‏,‏ وهذا كله لا يمكن أن يكون للصدفة دور فيه‏ .‏
وخلق الخلية الحية من عناصر الأرض الميتة هو أعظم صور إخراج الحي من الميت التي أشارت إليها الآية الكريمة‏,‏ وكذلك إعادة بعثها في يوم القيامة ‏.‏
ومن صور ذلك أيضاً قدرة الخالق المبدعة التي أعطاها لكل كائن حي لتحويل عناصر الأرض وجزيئات الماء والهواء ـوكلها من المواد الميتة ـ‏ بتقدير من الله ـ‏ تعالى‏ ـ‏ إلى مواد حية، كما يحدث في عملية التمثيل الضوئي التي تقوم بها النباتات الخضراء، فتأخذ عناصر الأرض والماء من التربة‏,‏ وتأخذ ثاني أوكسيد الكربون من الجو، والطاقة من الشمس‏‏ في وجود صبغة خضراء تعرف باسم‏(‏ اليخضور‏)‏ أو غيرها من الصبغات النباتية وبعض الإنزيمات التي يفرزها النبات لتكوين الكربوهيدرات ، مثل السكر‏,‏ والنشا‏,‏ والسيليلوز، وهي مواد في غاية الأهمية؛ لأنها تعد مكونات أساسية في بناء مختلف أجزاء النبات، وفي طعام كلٍ من الإنسان والحيوان‏ .‏
وفي كلٍ من الإنسان والحيوان، وفي بعض النباتات تتحول المواد الغذائية من الكربوهيدرات وغيرها إلى البروتينات، وهي مركبات عضوية، تتكون من جزيئات معقدة باتحاد ذرات الكربون والأيدروجين بذرات كلٍ من الأوكسجين والنيتروجين‏,‏ بالإضافة ـ أحياناً ـ إلى ذرات الكبريت أو الفوسفور‏ . وتتكون كل الأنسجة الحية في الإنسان والحيوان من البروتينات التي تعد الوحدات الأساسية في بناء مختلف الخلايا الحية‏,‏ وتقوم بالعديد من الدعم والحركة في كلٍ من العضلات والعظام‏,‏ وفي عمليات نقل الدم ورسائل الأعصاب‏,‏ وفي حفز مختلف التفاعلات الحية في الخلايا ، مثل ما تقوم به بعض الإنزيمات والهرمونات، وكلها من البروتينات ‏.‏
وأجساد الكائنات الحية تتجدد باستمرار ماعدا الخلايا العصبية‏,‏ فجسم الإنسان يفقد من خلاياه في كل ثانية حوالي‏125‏ مليون خلية في المتوسط تتهدم وتموت‏,‏ ويتكون غيرها في الحال ‏.‏
هذه صورة من صور إخراج الحي من الميت وإخراج الميت من الحي، حيث تتحرك المواد الميتة بين الأرض‏,‏ ومائها‏,‏ وهوائها‏,‏ والطاقة القادمة إليها من الشمس لتخليق المواد اللازمة لبناء الخلية الحية من الكربوهيدرات والبروتينات وغيرها من المواد التي تنبني منها الخلايا الحية الجديدة في كلٍ من عمليات النمو والتكاثر‏,‏ فإذا ما ماتت هذه الكائنات الحية، عادت مكوناتها إلى كلٍ من الأرض‏,‏ ومائها‏,‏ وهوائها؛ ليخرج الله ـ‏ تعالى‏ ـ‏ الميت من الحي، وهذه حقائق لم يدركها الإنسان إلا في أواخر القرن العشرين .‏
فسبحان الذي أنزل القرآن بعلمه‏,‏ على خاتم أنبيائه ورسله‏؛‏ ليكون حجة على أهل عصرنا الذين فتنوا بالعلم ومعطياته فتنة كبيرة‏,‏ وحجة قائمة على الذين ينكرون ربانية القرآن‏,‏ ونبوة خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ‏ صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏ ـ‏ وهي حجة بالغة على كل كافر ومشرك ومتشكك‏،
‏" وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُون"   (يوسف: من الآية21)