" خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ " (‏ القمر‏:7).


هــذه الآية الكريمة جاءت في مقدمات سورة القمر‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ وعدد آياتها‏(55)‏ بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم لاستهلالها بذكر معجزة انشقاق القمر كرامة لرسول الله‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ .
ويدور المحور الرئيسي للسورة حول الآخرة وأهوالها‏,‏ والتحذير من اقتراب وقتها‏,‏ وظهور بعض علاماتها‏,‏ ومن ثم التحذير من الإعراض عن آيات الله وتكذيبها‏,‏ ولذلك تحمل هذه السورة الكريمة على المكذبين ببعثة النبي الخاتم والرسول الخاتم ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ وعلى المعرضين عن الآيات التي أيَّده الله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ بها‏,‏ وفي مقدمتها القرآن الكريم‏,‏ ذلك الكتاب الخالد الذي أكمل الله‏ ـ تعالى ـ‏ به الدين‏,‏ وأتم النعمة‏,‏ ورضي لعباده الإسلام ديناً بعد أن أنزله على فترة من الأنبياء والمرسلين بلغ عددهم أكثر من مائة وعشرين ألف نبي‏,‏ تخير الله‏ ـ جل جلاله ـ‏ من بينهم ثلاثمائة وبضعة عشر رسولا‏ًً,‏ أوكل إلي كلٍ منهم تبليغ وحيه إلي قومه‏,‏ وأوكل إلي تلك الأقوام حفظ الوحي المنزل إلي كلٍ منها فضيعوه‏,‏ وأشبعوا ما بقي من ذكرياته ـ‏ المنقولة شفاهاً ـ‏ تحريفاً وتبديلاً وتغييراً‏,‏ حتى أخرجوا وحي السماء عن إطاره الرباني ‏.‏

وتصحيحاً لما حرف البشر وبدلوا وغيروا‏,‏ مَنَّ الله ـ‏ تعالى‏ ـ‏ على الخلق أجمعين بإنزال رسالته الخاتمة على خاتم أنبيائه ورسله ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ فأكمل بها الدين‏,‏ وأتم النعمة‏,‏ ورضي لعباده الإسلام ديناً‏,‏ وتعهد بحفظه إلي يوم الدين ـ بصفته رسالته الخاتمة ـ حتى تكون حجة على الناس كافة‏,‏ وحتى لا يبقى لعبد ذريعة من الذرائع أنه لم يتلقَّ هداية الله‏,‏ وقد جمعها في قرآنه الكريم‏,‏ وفي سنة رسوله الخاتم ـ عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم‏ ـ وحفظها بنفس لغة الوحي‏ ـ‏ اللغة العربية‏ ـ كلمة كلمة، وحرفاً حرفاً على مدى أربعة عشر قرناً أو يزيد، وإلي أن يرث الله‏ ـ تعالى‏ ـ الأرض ومن عليها .
وانطلاقا من هذه الحقائق تحمل سورة القمر على المكذبين ببعثة النبي الخاتم والرسول الخاتم‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ وعلى المعرضين عن الآيات التي أيدَّه الله‏ ـ تعالى‏ ـ بها ، والتي كان في مقدمتها القرآن الكريم ، ومنها عدد من المعجزات الحسية المُبهِرة التي كانت منها حادثة انشقاق القمر‏,‏ والتي رآها مشركو قريش بأعينهم، فكذبوها، وأحالوها إلى السحر الدائم المستمر‏,‏ وهم يعلمون أن الذي جرت له المعجزة معروف عندهم بالصادق الأمين‏,‏ وأنه‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ ما اقترف السحر أو الشعوذة أبداً‏,‏ فقد نزهه الله ‏ـ تعالى‏ ـ ذلك وعن غيره مما نزه به جميع أنبيائه ورسله عنه‏ .
ولذلك تطالب سورة القمر خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـصلى الله عليه وسلم‏ ـبالإعراض عن هؤلاء الكافرين‏,‏ وإمهالهم إلى يوم البعث العظيم‏,‏ يوم يخرج الخلق من قبورهم بالبلايين كأنهم جراد منتشر‏,‏ وهو يوم الفزع الأكبر والهلع الأكبر الذي لا ينجو من فزعه وهلعه إلا من أتى اللهَ بقلب سليم‏,‏ مطمئناً بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر‏,‏ ومُنزِّها لله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ عن الشريك، والشبيه، والمنازع، والصاحبة‏,‏ والولد‏,‏ وقد جاهد في الحياة الدنيا من أجل حسن القيام بواجبات الاستخلاف في الأرض، وإقامة عدل الله فيها بأمانة وصدق وتجرد كاملين ‏.‏
وقد استهلت سورة القمر بالتحذير من اقتراب وقت الساعة‏,‏ وقد ثبت عن رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ قوله الشريف‏ : "‏ بعثت
أنا والساعة هكذا، وأشار بأصبعيه السبابة والوسط " ‏(‏ صحيح مسلم‏).‏
ثم تابعت سورة القمر بذكر حادثة انشقاق القمر التي أجراها الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ معجزة تشهد لسيدنا محمد‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ بالنبوة وبالرسالة، وقد كذَّب بهما مشركو قريش‏,‏ وعلى الرغم من وقوع المعجزة التي لم ينكرها أحد منهم، فإنهم ـ إمعاناً في تكذيبهم وغطرستهم وكبرهم ـ أحالوها إلى سحر أعينهم تارة، وإلى سحر القمر تارة أخرى‏,‏ والسحر من الكبائر التي جاءت بعثة المصطفى‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ لمحاربتها‏,‏ وهو الذي لم يشهدوا عليه كذباً أبدا‏ًً .‏ وقد كان هذا هو دأب الكفار والمشركين في كل زمان ومكان‏,‏ أن يعرضوا عن التأمل في الآيات التي أنزلها الله ـ‏ تعالى‏ ـ‏ رفضاً للإيمان بها، واستكباراً عليها، وإنكاراً لها‏,‏ تماماً كما أنكر مشركو قريش معجزة انشقاق القمر‏,‏ فقال فيهم رب العالمين ـ وهو أحكم القائلين
ـ : "‏وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ " ‏(‏ القمر‏:2)‏ أي سحر مُحكَم‏,‏ قوي‏,‏ شديد‏,‏ دائم ‏.‏
وتؤكد الآيات كذبهم فيما ذهبوا إليه‏,‏ واتباعهم أهواءهم بدلاً من توظيف عقولهم في الحكم على هذا الأمر الخارق للعادة، فقال‏ ـ تعالى‏ ـ فيهم‏: ‏
" وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ " (‏ القمر‏:3)‏ أي وكل شيء في هذا الوجود من حولهم مُنضبِط في ذاته وعلاقاته‏,‏ على الرغم من حركة كل شيء إلى الفناء‏,‏ وتتجلى طلاقة القدرة الإلهية في ضبط علاقات الأجرام في السماء‏,‏ وانضباط سنن الحياة والموت على الأرض‏,‏ وكل أمر من هذه الأمور له غاية يستقر عندها لا محالة‏,‏ ومن ذلك أمر الحق الذي أنزله الله‏ ـ‏ تعالى ـ بعلمه ولذلك فلابد وأن يكون له النصر الحاسم في النهاية‏,‏ وأمر الباطل الذي يتشدق به الكفار والمشركون، والذي لابد له من أن ينهزم وينهار في النهاية بإذن الله .‏
وتؤكد الآيات في سورة القمر أن الخلق قد جاءهم من آيات الله عبر تاريخهم الطويل ما كان يفترض فيهم أن يعتبروا بها‏,‏ وقد صوَّر الله ـ‏ تعالى ـ‏ لمشركي قريش، ولبقية الكفار والمشركين من بعدهم في آخر كتبه‏ ـ‏ وهو القرآن الكريم‏ ـ من أنباء المكذبين من الأمم السابقة ومصارعهم، ومن صور وأهوال الآخرة التي تنتظرهم وفزعها ورهبتها ما كان كافياً لردعهم وزجرهم‏,‏ وكان في استعراض ذلك من حِكَم الله البالغة ما يوجه القلوب والعقول إلى معرفة الخالق العظيم، والخضوع لجلاله بالطاعة والعبادة‏,‏ وبالتنزيه عن كل وصف لا يليق بهذا الجلال‏,‏ وبالتقرب إليه بحسن القيام بواجبات الاستخلاف في الأرض‏,‏ وبالإكثار من العمل الصالح فيها، وفي مقدمته إقامة عدل الله، والاستعداد لملاقاته‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ وللعرض الأكبر أمامه يومَ البعث‏,‏ ولكن القلوب المُظلِمة لا ترى النور أبداً‏,‏ والطبائع المنحرفة، المُصرِّة على الانحراف، لا تعرف الاستقامة أبدا‏ًً,‏ والآذان الصم لا تسمع صوت النذير‏,‏ ولا نداءات التحذير أبدا‏ًً,‏ ولذلك قال فيهم رب العالمين
"‏ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّنَ الأَنبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ . حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ " ‏(‏ القمر‏:4‏، 5) .
وعند هذا الحد من الانصراف عن الحق‏,‏ وصم الآذان دونه‏,‏ والانغماس في الباطل والتلبس بأدرانه‏,‏ فإن الآيات في سورة القمر تأمر رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ بالإعراض عن هؤلاء الضالين‏,‏ وإمهالهم إلى يوم البعث العظيم‏,‏ يوم يخرج الخلق أجمعون من قبورهم، وينتشرون ببلايين البلايين، وكأنهم أسراب الجراد المنتشر‏ في الكثرة والزحام والتموج، وهم في الطريق إلى أرض المحشر‏,‏ وهو مشهد مرعب‏,‏ يملأ القلب بالهلع والفزع والإشفاق على كل شيء‏,‏ والخوف من كل شيء‏,‏ ويجبر الأبصار على الخشوع في ذل وهوان‏,‏ ويسرع الخطى إلى الداعي الذي يدعوها إلى أمور لا تعرفها‏,‏ ولا تطمئن إليها‏؛‏ لأنها كانت في الدنيا لا تؤمن بها‏,‏ وتستبعد وقوعها، فإذا هي أمام أبصارها واقع قائم لا هروب منه‏,‏ ولا انفكاك عنه‏,‏ فيعترف الكفار والمشركون ومنكرو الدين بمصيبتهم، ولا يملكون إلا الاعتراف بقولهم في ذلة ومسكنة "‏...‏ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ "
(القمر:8) ، وهو اعتراف الذليل المكروب الذي لم يستعد لهذا اليوم وأهواله‏ .‏
ومن قبيل تذكير مشركي قريش، وتذكير كل من سار على دربهم‏,‏ ونهج نهجهم إلى يوم القيامة بمصائرهم الحالكة السواد في الدنيا وفي الآخرة‏,‏ استعرضت سورة القمر مصارع المكذبين من الكفار والمشركين في عدد من الأمم السابقة‏,‏ منهم أقوام نوح‏,‏ وعاد‏,‏ وثمود‏,‏ ولوط‏,‏ وفرعون‏,‏ وما نالهم من عذاب الله وتنكيله‏,‏ والله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ هو أحكم الحاكمين‏,‏ وأعدل العادلين ‏.‏
ولذلك فإننا نقول لإخواننا المظلومين على أرض فلسطين وفي كلٍ من العراق وأفغانستان‏,‏ والبلقان والشيشان‏,‏ وكشمير وأراكان‏,‏ والصومال‏ ونيجيريا وجنوب السودان‏ :" ..‏اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ "
(آل عمران:200)، وأحسنوا صلتكم بالله القوي العزيز ، الذي لا يرضى من عباده الظلم‏,‏ وهو قادر على أن ينتقم لكم من ظالميكم في الدنيا قبل الآخرة إن شاء الله ـ تعالى‏ ـ‏ وما ذلك على الله بعزيز‏ .‏
فالريح التي دمر الله ـ‏ تعالى ـ‏ بها قوم عاد هي من جند الله التي بجانب دورها المنتظم في هذا الكون‏,‏ فإن الله ـ‏ تعالى ـ‏ يسخرها على من يشاء من الظالمين‏ المتجبرين على الخلق‏,‏ والمفسدين في الأرض، فيقضي عليهم قضاء مبرماً في لمح من البصر إن شاء الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ والصيحة الصاعقة التي دمَّر الله‏ ـ سبحانه وتعالى‏ ـ بها قوم ثمود، وجعلهم كهشيم المحتظر، أي أعواد النبات الجافة التي تبني منها الحظيرة‏, (‏ والمحتظر هو بانيها‏),‏ هذه الصيحة الصاعقة التي لا ندري كنهها هي من جند الله، يسخرها على الظالمين من عباده، فيقضي فيهم أمراً كان مفعولا‏ًً .‏
والحاصب‏ ـ‏ أي الريح التي تحمل الحصباء ـ‏ والتي سخرها الله عقاباً لقوم لوط فقضى عليهم‏ " ...‏ إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ‏ "
(القمر:34)
هي من جند الله ، يسخرها على من يشاء من المفسدين في الأرض‏ ـ‏ والمرشحون لرئاسة الولايات المتحدة الأمريكية اليوم يتنافسون على من سيقر زواج الشواذ أولاً ويقننه ويشرِّع له بعد أن أقروا هذا المسلك الشائن المعيب‏,‏ المنحرف عن الفطرة وشرعوا له‏ ـ وفي ذلك تقول الآيات في سورة القمر‏:‏
" كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ . إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِباً إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ . نِعْمَةً مِّنْ عِندِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ . وَلَقَدْ أَنذَرَهُم بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ . وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ . وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ . فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ . وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِر "‏  ‏‏(‏القمر‏:33‏ ـ‏40) .‏
والأخذ الذي أخذ الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ به قوم فرعون"‏ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ‏ "‏
(القمر:42).
هو من جند الله‏,‏ والله قادر على أن يأخذ به كل ظالم جبار في الأرض‏,‏ مغترٍ بعدده وعدته‏,‏ وسلاحه وماله‏,‏ والذي يقدر الله ـ‏ تعالى‏ ـ أخذَه لا ينفعه عدد‏,‏ ولا عدة‏,‏ ولا سلاح ولا مال‏,‏ فيجعل منه عبرة لمن لا يعتبر، ويُري الخلق فيه عجائب قدرته‏,‏ والإشارة إلى عزة الله واقتداره في الأخذ الذي أخذ به فرعون وملئه‏,‏ فيه تأكيد على الفارق الهائل بين عزة الله واقتداره‏,‏ وما يتظاهر به بعض الخلق من عزة مزيفة، واقتدار هزيل‏ .‏
وبعد استعراض هذه النماذج الصارخة من عقاب المكذبين من الأمم السابقة في الدنيا، تتوجه الآيات في الربع الأخير من سورة القمر بالحديث إلى كفار ومشركي قريش، وإلى جميع الكفار والمشركين من بعدهم إلى يوم القيامة، محذرة من أهوال الآخرة وعذابها ، وذلك بقول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :‏" أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلائِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ . أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ . سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ . بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ . إِنَّ المُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ . يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وَجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ ‏" 
(‏ القمر‏:43‏ ـ‏48)‏ .
وكأن هذه الآيات الكريمة تقول للكفار والمشركين في كل مكان وزمان‏:‏ تلك كانت مصارع أمثالكم في الأمم السابقة‏,‏ فما الذي يمنعكم من نفس المصير؟ وأنتم لستم بخير منهم ؟‏,‏ فليس أمامكم إلا نفس المصير المشئوم الذي لقيه أمثالكم‏,‏ مهما غرتكم كثرتكم‏,‏ وأطغتكم قوتكم‏,‏ ودفعتكم إلى التجبر على غيركم من الخلق وظلمهم‏,‏ ومحاولة قهرهم وإذلالهم‏ .
وكأن المقصود بهذا الخطاب اليوم القوات الأنجلو أمريكية الظالمة على أرض كلٍ من العراق وأفغانستان‏,‏ والعصابات الصهيونية المجرمة‏,‏ الغاصبة والسارقة لأرض فلسطين‏,‏ والمغرقة إياها في بحار من الدماء والأشلاء والخراب والدمار‏ ...‏ فهل يعتبرون ؟‏ . ودماء الشهداء لا تزال تنزف في كل يوم أنهاراً متدفقة,‏ وهدم المنازل‏,‏ وتجريف الأراضي الزراعية‏,‏ وقطع الأشجار‏,‏ ومصادرة الآلاف من الأفدنة‏,‏ وإقامة المستعمرات‏‏ بالعشرات على أرض مغصوبة، ونصب الجدر المحصنة وغير ذلك من جرائم تجري على قدم وساق‏ .‏
وما تسرب إلى وسائل الإعلام من صور تعذيب المعتقلين في سجون الأمريكان والبريطانيين بوحشية منقطعة النظير ـ وهو غيض من فيض‏,‏ وقليل من كثير ـ يدين هذه الحضارة الغربية المعاصرة بأقبح ما يمكن أن تدان بها الحضارات‏,‏ وتحذر العالم كله من خطر تفرد تلك العصابات بالاستحواذ على أسلحة الدمار الشامل التي تنوي أن تستذل بها غيرها من شعوب الأرض، والقرآن الكريم يتحداهم بقول الحق‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ‏
" سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ " ‏(‏القمر‏:45) .‏
ونحن مؤمنون بذلك، وواثقون منه، ولكننا نستعجل القصاص‏,‏ ونلح على الله بالرجاء أن ينزله بهؤلاء‏ الظلمة المتوحشين‏,‏ والمفسدين في الأرض‏,‏ والمتجبرين على الخلق بأسرع وقت ممكن‏ ..‏ اللهم آمين آمين آمين يارب العالمين ‏.‏
وتؤكد الآيات في سورة القمر حتمية القصاص الرباني، وذلك بقول الحق‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ :‏
"إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ . وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ . وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ . وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ . وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ "‏(‏القمر‏:49‏ ـ‏53)‏ .
فبأمر من الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ بـ‏(‏ كن‏) (‏ فيكون‏)‏ كان هلاك المكذبين من الكفار والمشركين على مر التاريخ‏,‏ وهو تهديد من الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ لأمثالهم في كل زمان ومكان‏,‏ فهل يمكن لطغاة العصر ومفسديه أن يعتبروا ؟‏,‏ خاصة أن حساب المفسدين في الأرض لا ينتهي بعقاب الدنيا؛ لأن عقاب الآخرة أدهى وأمر‏....,‏ وأفعال الناس وحركاتهم وسكناتهم وأقوالهم وباقي أنشطتهم مُسجَّلة عليهم، ومسطورة في كتاب لا يضل ولا ينسى‏,‏ وسوف يحاسبون على كل صغيرة وكبيرة من ذلك‏ ؟ .‏
وتختتم سورة القمر بإقرار جزاء المتقين في الآخرة التي سوف يهان فيها الظالمون ويجرمون على خطاياهم في الدنيا‏,‏ حتى يستبين الفارق بين مصائر أهل النار ومصائر أهل الجنة‏,‏ وفي ذلك يقول ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :‏ " إِِنَّ المُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ . فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ "
(‏ القمر‏:54‏ ـ‏55)‏ .
وفي ذلك من التكريم لعباد الله المتقين في الآخرة ما لا يمكن أن يطاله أي تكريم في الدنيا مهما تعاظم شأنه‏,‏ فليتنافس الكفار والمشركون في الدنيا كيفما يشاءون‏,‏ وليظلموا‏,‏ وليتجبروا‏,‏ وليفسدوا كيفما يحلو لهم‏,‏ وتدفعهم إليه أطماعهم الحقيرة، وشهواتهم الدنيئة‏,‏ فأعمالهم محصية عليهم‏,‏ وسوف يحاسبون عليها في الدنيا قبل الآخرة‏,‏ وحسابهم في الدنيا على شدته لا يقارن بحساب الآخرة وعذابها‏,‏ وهو حساب جد عسير، يجعلهم يندمون ساعة لا ينفع الندم‏,‏ ولذلك استعرضت سورة القمر بين مشهدين من مشاهد الآخرة : عقاب المكذبين من كفار ومشركي الأمم السابقة في الدنيا ، وتهددتهم بأن عقاب الآخرة أدهى وأمر‏,‏ وكان كل مشهد من مشاهد العقاب الدنيوي يتبع بقول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ فكيف كان عذابي ونذر، أو قوله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ : "وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ "
(القمر:17) حتى يعتبر الناس بما جاء في القرآن الكريم من سير الأولين، فلا يكرروا أخطاءهم‏,‏ وتمت السورة الكريمة ببشرى ثواب المتقين في الآخرة ‏.



من ركائز العقيدة في سورة القمر :
من ركائز العقيدة في هذه السورة المباركة الإيمان بما يلي‏ :‏
‏(1)‏ الإيمان بحادثة انشقاق القمر كرامة لرسول الله .‏
‏(2)‏ الإيمان بالله‏ ـ تعالى ـ‏ رباً واحداً أحداً، بغير شريك، ولا شبيه‏,‏ ولا منازع‏,‏ ولا صاحبة‏,‏ ولا ولد‏,‏ والإيمان بملائكته وكتبه ورسله‏,‏ وبالوحي المنزل من عنده‏ ـ سبحانه وتعالى ـ‏ هداية لخلقه، والذي أنزله على فترة من الأنبياء والمرسلين‏,‏ وأتمه وأكمله وحفظه في القرآن الكريم، وفي سنة خاتم الأنبياء والمرسلين .‏
‏(3)‏ الإيمان بحتمية البعث وضرورته‏,‏ وبالآخرة وشواهدها، وبالجنة والنار‏.‏
‏(4)‏ الإيمان بالقصص القرآني كله‏,‏ وبضرورة الاستفادة به، وأخذ العبرة منه‏ .‏
‏(5)‏ اليقين بأن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ قد خلق كل شيء بقدر‏,‏ وأن أمره‏ ـ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ لا يحتاج إلى الزمن؛‏ لأن الزمن من خلق الله‏,‏ وعلى ذلك فهو يحد المخلوقين، ولا يحد الخالق‏ .‏
‏(6)‏ اليقين بأن كلام الإنسان وحركاته وسكناته‏,‏ وجميع أعمال حياته مُسطَّر في كتاب سوف يلقي إليه يوم القيامة ليكون حسيباً على نفسه‏ .‏
‏(7)‏ التسليم بأن المجرمين من الكفار والمشركين، ومن العصاة المارقين الظالمين، المتجبرين على الخلق سوف يسحبون في النار على وجوههم في الآخرة، والملائكة تقول لهم ذوقوا مس سقر‏,‏ بينما عباد الله المتقون يرفلون في جنات ونهر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر‏ .‏

من الإشارات العلمية في سورة القمر:
‏(1)‏ الإشارة إلى حادثة انشقاق القمر‏,‏ والعلوم المكتسبة تؤيد ذلك ‏.‏
‏(2)‏ تشبيه بعث الخلائق من قبورهم بانتشار أسراب الجراد‏ .‏
‏(3)‏ التأكيد على أن السماء بناء مُحكَم يحتاج الداخل فيه أو الخارج منه إلى فتح أبواب فيه‏ .‏
‏(4)‏ الإشارة إلى طوفان نوح‏ ـ‏ عليه السلام ـ‏ وإلى تركه مركبته آية للناس لعلهم يذكرون بها‏,‏ ويتعلمون درساً من قصة هذا النبي الصالح‏,‏ وقد اكتُشِفَ ذلك مؤخرا‏ًً .‏
‏(5)‏ ذكر هلاك المكذبين من قوم عاد بريح صرصر عاتية في يوم نحس مستمر‏ "‏ تَنزِعُ
النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ" (القمر:20) ،‏ ودراسات منطقة الربع الخالي تؤكد ذلك‏ .‏
‏(6)‏ الإشارة إلى هلاك العاصين من قوم ثمود بالصيحة الصاعقة‏,‏ وآثارهم تشير إلى شيء من ذلك.
‏‏(7)‏ وصف هلاك المفسدين من قوم لوط بالريح الحاصب‏ .‏
‏(8)‏ ذكر إهلاك قوم فرعون بالإغراق في اليم‏ .‏
‏(9)‏ التأكيد على أن الله‏ ـ تعالى ـ خلق كل شيء بقدر، أي بتقدير محكم دقيق ‏.‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة خاصة بها‏,‏ ولذلك فسوف أقصر حديثي هنا على تشبيه بعث الخلائق بالجراد المنتشر‏,‏ وقبل البدء في ذلك لابد من استعراض سريع لأقوال عدد من المفسرين في شرح هذا التشبيه القرآني المعجز ‏.‏

من أقوال المفسرين:
في تفسير قوله‏ ـ تعالى‏ ـ :‏
" خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ "
‏(‏ القمر‏:7)‏ .
‏ ذكر ابن كثير ـ يرحمه الله‏ ـ ما مختصره‏ :‏ " خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ "
أي ذليلة أبصارهم ."‏ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ"‏ وهي القبور . ‏" كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ‏ " أي كأنهم في انتشارهم وسرعة سيرهم إلى موقف الحساب إجابة للداعي‏ جراد منتشر في الآفاق‏ ....‏ (انتهى قول المفسر)
‏ وجاء في‏الظلال ـ رحم الله كاتبها برحمته الواسعة ـ ما مختصره‏ : ...‏ هذه جموع خارجة من الأجداث في لحظة واحدة كأنهم جراد منتشر‏،‏ ومشهد الجراد المعهود يساعد على تصور المنظر المعروض‏، وهذه الجموع خاشعة أبصارها من الذل والهول‏ ....‏ (انتهى قول المفسر)
‏ وذكر صاحب‏(‏ صفوة البيان لمعاني القرآن‏)‏ ـ رحمه الله ـ ما نصه‏ :‏" خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ "
ذليلة خاضعة من شدة الهول .
"‏ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ "‏‏
أي القبور‏,‏ أذلة أبصارهم من شدة الهول ‏. ‏" كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ‏ " في الكثرة والتموج والانتشار في الأقطار حين يتوجهون إلى المحشر‏ .‏
 وجاء في بقية التفاسير شرح مشابه لا أرى حاجة إلى تكراره‏ .‏


من الدلالات العلمية للآية الكريمة :
من ضوابط التعامل مع قضية الإعجاز العلمي لكتاب الله ولسنة خاتم أنبيائه ورسله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ ما يلي‏ :
(1)‏ تجنب القضايا الغيبية غيبة مطلقة‏,‏ وعدم الخوض فيها‏,‏ والبعد عنها‏,‏ وذلك مثل الذات الإلهية‏,‏ العرش‏,‏ الكرسي‏,‏ الروح‏,‏ الملائكة‏,‏ الجن‏,‏ حياة البرزخ‏,‏ حساب القبر‏,‏ وقت قيام الساعة‏,‏ البعث‏,‏ السوق إلى المحشر‏,‏ والعرض الأكبر أمام الله‏ ـ سبحانه وتعالى ـ الحساب‏,‏ الميزان‏,‏ الصراط‏,‏ الجنة‏,‏ النار، وغير ذلك من أمور الغيب المطلق التي يجب أن يتوقف فيها المسلم عند حدود ما أثبته القرآن الكريم‏,‏ وفسرته السنة النبوية المطهرة ‏.‏
‏(2)‏ التأكيد على أن الآخرة لها من السنن والقوانين ما يغاير سنن الدنيا‏,‏ فلا يجوز القياس على الآخرة بسنن الدنيا أبداً‏,‏ وإن كان الله ـ‏ تعالى ـ قد أبقى لنا في صخور الأرض وفي صفحة السماء من الشواهد الحسية ما يؤكد حتمية فناء الكون‏,‏ إلا أن الكون لن يفنى بهذه السنن‏,‏ وإنما بأمر فجائي من الله ـ تعالى ـ‏ لا يعلم وقته إلا هو‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ ولذلك قال في مُحكَم كتابه موجهاً الخطاب إلى خاتم أنبيائه ورسله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ :
" يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِ لاَ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ "   ‏(‏ الأعراف‏:187) .‏
وعلى ذلك فإن العلماء الكونيين إذا استخدموا الشواهد الحسية الراهنة على حتمية فناء الكون للتأكيد على حتمية وقوع ذلك، فإنهم يفعلون ما يفعلون من قبيل التدليل على حتمية وقوع الآخرة لا على وقت وقوعها ‏.‏
وعملية البعث وخروج الموتى من الأجداث كأنهم جراد منتشر، عملية غيبية غيبة مطلقة، لا يمكن للعلم الكسبي أن يقول فيها شيئا‏ًً,‏ ولولا أن رسول الله ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ قد شرح لنا جانباً من هذه العملية، ما كان لي أن أتطرق إليها على الإطلاق‏,‏ ولكني أستعين هنا بهديه ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ‏ لنفهم جانباً من هذا الغيب‏,‏ ولحكمة التشبيه بالجراد المنتشر ‏.‏

البعث في أحاديث رسول الله ‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ:
في عدد من الأحاديث ذكر رسول الله ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ أن أصل الإنسان الذي يخلق منه في الدنيا هو عظمة تبقى أسفلَ العمود الفقري من هيكله العظمي ـ‏ العصعص أو عجب الذنب‏ ـ‏ وأن هذه العظمة لا تبلى أبداً‏,‏ ولا تأكلها الأرض التي يدفن فيها الميت‏,‏ وأن الله ـ تعالى ـ في يوم البعث ينزل من السماء ماء فينبت كل فرد من عجب ذنبه كما تنبت البقلة من بذرتها‏ (‏ البخاري‏,‏ مسلم‏,‏ أبو داود‏,‏ النسائي‏,‏ أحمد‏,‏ ابن ماجه‏,‏ ابن حبان‏,‏ مالك‏,‏ وغيرهم‏) .‏ ومن هذه الأحاديث الكثيرة نختار ما يلي ‏:‏
‏(1)‏ "
كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب منه خلق وفيه يركب ‏. "‏ (رواه مسلم).
‏(2)‏"
وإن في الإنسان عظماً لا تأكله الأرض أبداً فيه يركب يوم القيامة قالوا ‏:‏ أي عظم يارسول الله؟ قال‏:‏ عجب الذنب ‏.‏ " (أخرجه مسلم وأحمد).
‏(3)‏ وعنه ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ أنه قال‏:‏ " تحشرون حفاة‏,‏ عراة‏,‏ غرلاً " ‏(‏ البخاري‏,‏ مسلم‏,‏ النسائي‏,‏ الترمذي‏) .‏

خلق الجنين من عجب الذنب :
يبدأ الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ خلق الجنين بالنطفة الأمشاج‏ ت‏ أي المختلطة من مني الزوج وبويضة الزوجة ـ وتعرف باسم اللقيحة‏(Zygote),‏ وتبدأ اللقيحة بالانغراس في بطانة الرحم في اليوم السادس من عمرها، حيث تبدأ في الانقسام على التوالي حتى تتحول إلى قرص مكون من طبقتين من الخلايا‏ :‏ علوية، وسفلية ـ‏ تحتية‏ ـ لا تتميز فيه أية اتجاهات حتى يظهر في أحد أطراف طبقته العلوية في اليوم الخامس عشر من عمر الجنين خيط دقيق يحدد مؤخرة الجنين، ويعرف باسم الخيط البدائي، أو الأولي‏(The Primitive Or Primary Streak) ,‏ وهذا الخيط له بداية في وسط القرص صغيرة ومنتفخة قليلاً تعرف باســم العقــــدة البدائية أو الأولية‏ (ThePrimitiveOrPrimaryNode),‏ ومن هذا الخيط والعقدة البدائيين تتكون طبقات جسم الجنين الخارجية والوسطى والداخلية‏,‏ ومن كل واحدة منها يتكون عدد من أعضاء الجسم بخلاياه وأنسجته المتخصصة في عملية تعرف باسم عملية تكون المعيدات ‏(Gastrulation),‏ وأول هذه الأجهزة تكوناً هو محور الرأس ـ العصعص‏ ـ‏ ويتكون فيه بدايات الجهاز العصبي المركزي بما في ذلك من بدايات المخ والجمجمة‏,‏ والحبل العصبي الشوكي، والعمود الفقري‏,‏ وبذلك تتكون جميع أجهزة الجسم من الخيط والعقدة البدائيين‏,‏ وتصدق نبوءة المصطفى‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ بقوله‏:‏ " منه خلق‏ ".

وبعد تمام تكون أجهزة الجسم المختلفة يتراجع هذا الخيط البدائي والعقدة البدائية بالتدريج إلى مؤخرة جسم الجنين حتى يستقرا في نهاية العمود الفقري في منطقة العصعص، حيث يبقيان على هيئة جنين كامن‏ ـ مثل جنين بذرة النبات ـ يعاد تركيب جسم الإنسان منه يوم البعث بإنزال مطر خاص من السماء كما أخبر بذلك خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ .‏

إعادة البعث من عجب الذنب :
في رواية للإمام مسلم عن أبي هريرة‏ ـ‏ رضي الله عنه‏ ـ‏ أنه قال‏:‏ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ :‏ مابين النفختين أربعون‏...‏ ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل‏..‏ وليس من الإنسان شيء إلا يبلى‏,‏ إلا عظماً واحدا‏ًً,‏ هو عجب الذنب‏,‏ منه خلق‏,‏ ومنه يركب الخلق يوم القيامة‏ " .‏
وفي تجارب مكررة أثبت العالم الألماني هانس سبيمان‏
(
HansSpeman)‏ ومدرسته العلمية‏(1931‏ ـ‏1935)‏ أن كلاً من الخيط والعقدة البدائيين‏(‏ عجب الذنب‏)‏ هما المسئولان عن خلق جميع أجهزة الجنين؛ ولذلك سماهمــا باسم المنظم الأولي أو الأساسي‏(ThePrimaryOrganiser‏)، وقام بقطع هذا المنظم الأولي ـ عجب الذنب‏ ـ‏ في عدد من الحيوانات‏,‏ وبزرعه في جنين آخر نما على هيئة جنين ثانوي في داخل الجنين المضيف‏,‏ كما قام بسحق هذا المنظم الأولي وزرعه مرة أخرى في جنين آخر فنما وكون محوراً جنينياً ثانوياً رغم سحقه‏,‏ مما أكد أن السحق لا يؤثر فيه‏,‏ كما قام بغليه ثم زرعه في جنين ثالث فنما وكون محوراً جنينياً جديداً، مما يؤكد أن خلايا عجب الذنب لا تتأثر بالغليان‏,‏ وقد مُنِحَ سبيمان جائزة نوبل سنة‏1935‏ م على اكتشافه لدور عجب الذنب في تخليق جميع أجهزة الجسم‏,‏ وفي أن خلاياه لا تبلى بالسحق ولا بالغليان‏,‏ وهو لا يعلم بحديث رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ .‏
وفي رمضان‏1424‏ هـ قام الدكتور عثمان جيلان بتجربة مماثلة في اليمن، أحرق فيها خمساً من عصاعص الأغنام باستخدام مسدس غاز لمدة عشر دقائق حتى احمرت من شدة الحرارة وتفحمت‏,‏ وبدراستها تبين أن خلايا عظمة العصعص لم تتأثر بالإحراق، وبقيت حية تصديقاً لنبوءة المصطفى‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ أن عجب الذنب هو أصل الإنسان‏,‏ والبذرة التي منها نشأ جسده‏,‏ والتي تبقى بعد أن يموت ويتحلل هذا الجسد، فيبعث منها يوم القيامة كما تنبت البقلة من بذرتها؛ وذلك لأنها لا تبلى أبدا، فقال ‏:‏" كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب منه خلق وفيه يركب ‏.‏ "
(رواه مسلم) .

" ...‏ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ " (القمر:7) :
يشبه ربنا‏ ـتبارك وتعالى‏ ـ خروج الناس من قبورهم في يوم البعث بهيئة الجراد المنتشر‏,‏ وتبدأ دورة حياة الجراد بوضع البيض المُلقَّح في أماكن محددة، وتقوم الأم برعايته حتى يفقس في حدود شهر مايو من كل سنة، فتخرج منه الحوريات التي تقوم بعملية الانسلاخ من جلدها عدة مرات حتى تصل إلى حجم الحشرة البالغة التي تحيا في بادئ الأمر حياة فردية، ثم تبدأ في تكوين جماعة تنتهي برحلة الهجرة الجماعية التي تقطع فيها أسراب الجراد مسافات شاسعة، تمر خلالها بمناطق التكاثر الخريفي والشتوي والربيعي حين تعود إلى مناطق تكاثرها الأولى التي انطلقت منها‏ :‏
ويصل عدد الجراد المهاجر في السرب الواحد إلى عشرات البلايين ، ومن هنا كان تشبيه خروج الخلق الذين عمَّروا الأرض من أول وجودهم عليها إلى آخر لحظة من هذا الوجود‏، (‏ والذين يصل عددهم إلى عشرات بل مئات البلايين‏)‏ بالجراد المنتشر، وهو تشبيه في غاية الدقة العلمية‏؛‏ لأن سرب الجراد المهاجر يغطي مساحات من الأرض تقدر بأكثر من ألف كيلومتر مربع‏,‏ وهكذا سوف تكون مساحات الحشر‏,‏ ويتراص الجراد المهاجر على ارتفاعات قريبة من سطح الأرض بكثافات تتراوح بين المليون وعشرات الملايين جرادة في الكيلومتر المربع الواحد ـ‏ وتعرف باسم الأسراب الطباقية‏ ـ وهكذا سوف يتزاحم الناس وهم يساقون إلى أرض المحشر‏,‏ وتتحرك أسراب الجراد بانضباط شديد تحت قيادة صارمة في مقدمة السرب‏,‏ وهكذا سيكون الخلق في ساعة الحشر ‏" مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ " (القمر‏:8‏) .
والجراد يطير عارياً تماماً إلا من رحمه الله‏ ـ تعالى‏ ـ الذي زوده بغطاء قرني رقيق‏,‏ والناس يحشرون حفاة‏,‏ عراة‏,‏ غرلاً‏,‏ كما قال خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ لا يغطيهم إلا جلودهم‏ ..‏ وبذلك فإن هذا التشبيه القرآني المعجز‏ "...‏ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ
‏"‏ يبقى شاهداً للقرآن الكريم بأنه كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ وحفظه بعهده في نفس لغة وحيه ـ‏ اللغة العربية ـ‏ على مدى أربعة عشر قرناً أو يزيد، وإلى أن يرث الله‏ ـ تعالى‏ ـ الأرض ومن عليها؛ ليبقى شاهداً على جميع الخلق إلي يوم الدين‏,‏ وناطقاً بنبوة خاتم المرسلين صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه ، ومن تبع هداه، ودعا بدعوته إلي يوم الدين‏ .‏ والحمد لله رب العالمين ‏.