"وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ " (الحج‏:5).


هذه‏ الحقيقة الكونية جاء ذكرها بهذا النص القرآني الكريم في ختام الآية الخامسة من سورة الحج‏,‏ وهي سورة مدنية‏,‏ مجموع آياتها ثمان وسبعون‏,‏ وهي السورة الوحيدة من سور القرآن الكريم التي جمعت بين سجدتين من سجدات التلاوة‏,‏ وقد سميت باسم هذه الشعيرة الإسلامية الكبرى الحج لورود الإشارة فيها إلى الأمر الإلهي بالأذان في الناس بالحج إلى أبي الأنبياء سيدنا إبراهيم ‏ـ عليه السلام‏ .‏ويدور محور السورة حول العديد من التشريعات الاسلامية بأحكام الحج‏,‏ والطعام‏,‏ والإذن بالقتال والجهاد في سبيل الله دفاعاً عن النفس‏,‏ وعن الدين‏,‏ وشعائره‏,‏ ومقدساته‏,‏ وعن أعراض‏,‏ وأموال‏,‏ وممتلكات‏,‏ وأراضي المسلمين‏,‏ ودفعاً لظلم الظالمين‏,‏ ولبغي الباغين المتجبرين في الأرض بغير الحق‏ .ويصحب هذه التكاليف الوعد القاطع من الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ بنصر المجاهدين في سبيله، وبالتمكين للمؤمنين به الذين ينهضون في غير تردد لرد كل عدوان باغٍ على المسلمين، أو حتى على غيرهم من البشر المسالمين‏، مع تأكيد قوة الله البالغة‏,‏ وضعف الشركاء المزعومين‏,‏ والإشارة إلى مصارع الغابرين من الكفار والمشركين والظالمين‏,‏ وإلى سنن الله في ذلك‏,‏ وهي سنن لا تتوقف ولا تتبدل ولا تتخلف ‏.‏
ومن الأمور المسلَّم بها أن التشريع لم يؤمر به إلا بعد قيام الدولة الإسلامية في المدينة المنورة‏,‏ ومن هنا كان الاستنتاج الصحيح بأن السورة مدنية ‏.‏
وعلى الرغم من ذلك فإن سورة الحج قد ابتدأت بالتحذير الإلهي للناس كافة من هول الساعة‏,‏ وبالتأكيد على حقيقة البعث‏,‏ وبالتركيز على توحيد الله‏,‏ وإنكار الشرك‏,‏ وبذكر الدمار الذي لحق بالمكذبين من الأمم السابقة‏,‏ وتفيض السورة بوصف مشاهد الآخرة‏,‏ وأهوال البعث والحساب‏,‏ وجزاء المؤمنين وعقاب الكافرين، وهي من قضايا القرآن المكي‏,‏ وإن كان لا ينفرد بها وحده ‏.‏
وتكثر السورة من الأدلة الكونية المثبتة لطلاقة القدرة الإلهية في الخلق‏,‏ وفي الإفناء والبعث‏,‏ وفي الحساب والجزاء‏ .‏
وقد استهلت السورة الكريمة بالأمر بتقوى الله‏ بالتحذير الشديد من أهوال ما سمته زلزلة الساعة‏,‏ وفيها يدمر كل شيء في الكون في آخر عمر الدنيا‏,‏ وفي ذلك يقول الحق ـ‏ تبارك وتعالى ـ :
" يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ . يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ "    (‏الحج‏:2,1)‏ .
وتنتقل السورة بسرعة إلى الحديث عمن يضلهم الشيطان، فيجادلون في الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ بغير علم‏,‏ ولا هدى‏,‏ ولا كتاب منير‏ ـ أي بالجهل والباطل‏ ـ‏ وهؤلاء لهم في الدنيا خزي‏,‏ وفي الآخرة عذاب شديد‏؛‏ لأن مهمة الشيطان في الدنيا هي محاولة إضلال الناس حتى يقود من يطيعه إلى الجحيم ‏.‏
وتضرب سورة الحج برهاناً على حتمية البعث من حقيقة خلق الإنسان من تراب‏,‏ مروراً بمراحل الجنين المتعاقبة‏,‏ حتى يخرج إلى الحياة طفلاً نامياً حتى يبلغ أشده، فيحيا في هذه الدنيا كما أراد له الله‏,‏ وليس له من بعد هذه الحياة إلا الموت‏,‏ طال أجله أم قصر‏ .
وشبَّهت السورة خلق الانسان بخلق النبات ، وذلك بإنزال الماء على الأرض الهامدة فتهتز وتربو إلى أعلى حتى تنشق لتفسح طريقاً سهلاً للنبتة الطيبة المنبثقة ـ بقدرة الله ـ من خلالها في زوجية بهيجة‏,‏ وسوف يتم إحياء الموتى بنفس الطريقة التي يحيي بها الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ ‏الأرض الهامدة‏ .‏
وتشير السورة الكريمة إلى ظاهرة من ظواهر النفس الإنسانية مؤداها أن من الناس من يعبد الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ طمعاً في عظيم عطائه فقط‏,‏ فإن أصابه خير اطمأن به‏,‏ وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه فخسر الدنيا والآخرة‏,‏ وهو الخسران المبين‏,‏ وحذرت السورة من رجس الوثنية‏,‏ ومن قول الزور‏,‏ ومن الشرك بالله‏,‏ وعرضت لشيء من أوضاع المشركين الذين يعبدون من دون الله ـ تعالى‏ ـ‏ شركاء لم ينزل بهم سلطاناً ـ والله منزه عن الشريك والشبيه والمنازع ـ وتنكر هذه الشراكة المفتراة‏,‏ وتؤكد عجز هؤلاء الشركاء عن نفع أو ضر من أشركوا بهم ‏:
" إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ "  (‏الحج‏:73)‏ .
كما تعرض سورة الحج لشيء من ثواب المؤمنين‏,‏ ولعذاب الكافرين‏,‏ وللفصل بين أصحاب الملل والنحل المختلفة‏,‏ وتؤكد أن جميع ما في هذا الوجود يسجد لله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ في عبودية كاملة‏,‏ وأن هذا الخضوع بالعبودية لله الخالق هو قمة التكريم للمخلوقات‏,‏ ومن يعرض عن ذلك الخضوع لله من أصحاب الإرادة الحرة فليس له من مُكرِم‏ .
 وأشارت سورة الحج إلى أن من ألوان الكفر بالله الصد عن سبيله‏ ,‏ وعن المسجد الحرام‏,‏ والإلحاد والظلم فيه‏,‏ وأشارت إلى هداية إبراهيم ـ عليه السلام ـ إلى مكان البيت الحرام‏,‏ وأمره برفع قواعده‏,‏ وإعادة بنائه هو وولده اسماعيل ‏ـ عليه السلام‏ ـ وتطهيره للطائفين والقائمين والرُكَّع السجود‏,‏ وشرعت لفريضة الحج ومافيها من تعظيم لشعائر الله‏,‏ مما يؤكد أن هذا النسك الإسلامي قد شرع للأمم من قبل بعثة النبي الخاتم والرسول الخاتم‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ حتى يشكروا الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ على فضله‏ .‏
وتكرر سورة الحج تأكيد وحدانية الله‏,‏ وطلاقة قدرته‏,‏ والأمر بالخضوع الكامل لجلاله بالإسلام له‏,‏ وتبشر الذين تخشع قلوبهم بذكره والصابرين على قضائه، والذين يقيمون الصلاة‏,‏ وينفقون مما رزقهم الله بخيري الدنيا والآخرة‏,‏ وتؤكد دفاع الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ عن المؤمنين به‏,‏ وأنه‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ لا يحب كل خوَّان كفور ‏.‏
ويتكرر الإذن بالقتال الدفاعي للذين ظلموا من الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله،(‏كإخواننا أهل فلسطين المظلومين في زماننا الذين أخرجهم حثالات الأمم ونفايات الشعوب من المستعمرين الغربيين الصهاينة من أرضهم وممتلكاتهم ومساكنهم‏)‏، وتؤكد السورة الكريمة أن الله‏ ـ تعالى‏ ـ على نصرهم لقدير‏,‏ وتشجع على مناصرتهم بالتأكيد على أن الله‏ ـ سبحانه ـ‏ ناصر من ينصره‏ .
وتتحدث السورة الكريمة في أكثر من موضع منها عن جزاء المهاجرين في سبيل الله‏,‏ والشهداء في ميادين الجهاد من أجل إعلاء دينه وإقامة عدله في الأرض‏,‏ وتكرر تعهد الله‏ ـ تعالى‏ ـ بنصرة المظلومين‏,‏ وتقارن بين جزاء المؤمنين بآيات الله وعقاب المكذبين بها، والساعين في محاولة يائسة لإطفاء نور الله في الأرض بإلقائهم في جهنم وبئس المصير ‏.‏ وتصف المؤمنين بالله بأنهم إن مُكِّنوا في الأرض أقاموا الصلاة‏,‏ وآتوا الزكاة‏,‏ وأمروا بالمعروف‏,‏ ونهوا عن المنكر‏,‏ وأن لله عاقبةَ الأمور ‏.‏
وتخاطب السورة الكريمة خاتم الأنبياء والمرسلين ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ‏ مواسية إياه‏ بأن تكذيب الكافرين لنبوته ولرسالته ليس أمراً جديداً في طبائع البشر‏,‏ فقد كذبت الأمم الكافرة من قبل كل أنبياء الله ورسله‏ :‏ قوم نوح‏,‏ وعاد‏,‏ وثمود‏,‏ وقوم ابراهيم‏,‏ وقوم لوط‏,‏ وأصحاب مدين‏,‏ وقوم موسى وغيرهم‏,‏ وكان عقاب المكذبين الدمار الذي تشهد به آثارهم من القصور المهجورة، والآبار المعطَّلة‏ .‏ وتتساءل السورة الكريمة‏:‏ أفلم يتحرك الناس في الأرض فيدركوا هذه الحقائق حتى تكون عبرة لهم؟ وتؤكد أنها لا تعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ‏.‏
ويتعجب سياق السورة الكريمة من استعجال الكافرين لعذاب الله‏,‏ وتؤكد أن الله ـ تعالى‏ ـ‏ لن يخلف وعده‏,‏ وإن استبعد الكافرون ذلك لطول آماد الله، فاليوم عنده‏ ـ‏ سبحانه‏ ـ بألف سنة ممايعد أهل الأرض‏ .
وتأمر السورة خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ أن يبلغ الناس كافة بأنه نذير من الله مبين‏ .‏
وتختتم سورة الحج بتقرير أن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس‏,‏ وتأمر بعبادة الله ـ‏ تعالى ـ‏ ركوعاً وسجوداً وذكراً بما أمر‏,‏ كما تأمر بفعل الخيرات‏,‏ وبالجهاد في سبيل الله حق الجهاد‏,‏ حتى يفلح العباد‏ .‏ وتؤكد أنه مافي دين الإسلام من حرج‏,‏ وأنه رسالة السماء إلى الأرض على فترة من الرسل‏..‏
" مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ‏... "‏ ولكي نكون جديرين بهذه الشهادة على الناس تختتم السورة الكريمة بأمرنا بإقام الصلاة‏,‏ وإيتاء الزكاة‏,‏ وبالاعتصام بالله ـ‏ تعالى ـ‏ هو مولانا ومولى كل موجود‏,‏ وهو‏ ـ‏ سبحانه‏ ـ نعم المولى ونعم النصير ‏.‏


ومن الأدلة الكونية التي ساقتها سورة الحج تصديقاً لما جاء بها من أمور الغيب وأوامر الله مايلي ‏:‏
‏(1)‏ خلق الإنسان من تراب‏,‏ ودقة مراحل الجنين المتتالية التي يمر بها حتى يخرج للحياة طفلاً‏,‏ يحيا ما شاء له الله‏ ـ‏ تعالى ـ أن يحيا ثم يتوفاه الله عند نهاية أجله المحدد ‏.‏
‏(2)‏ اهتزاز الأرض‏,‏ وارتفاعها‏,‏ واخضرارها‏,‏ وإنباتها من كل زوج بهيج بمجرد إنزال الماء عليها‏,‏ وشبَّه ذلك مع خلق الإنسان من تراب ‏.‏
(3)‏ التأكيد على سجود كل من في السماوات ومن في الأرض لله ـ‏ تعالى ـ طوعاً أو كرهاً ‏.‏
‏(4)‏ قوله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ : " وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ "   (‏الحج‏:47)‏ .
‏(5)‏ التعبير عن دوران الأرض حول محورها بإيلاج كلٍ من الليل والنهار في الآخَر‏ .‏
‏(6)‏ تسخير كل مافي الأرض‏,‏ وجري الفلك في البحر بأمر الله‏ .‏
(7)‏ إمساك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذن الله ‏.‏
‏(8)‏ إحياء الإنسان ـ أي خلقه من العدم‏ ـ‏ ثم إماتته‏,‏ ثم إحياؤه مرة أخرى‏ ـ أي بعثه ‏.‏
‏(9)‏ عجز المخلوقين عن الخلق‏,‏ وعن استنقاذ مايسلبهم الذباب‏ .‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة مستقلة‏,‏ ولذا فسوف أقتصر هنا على النقطة الثانية فقط، ألا وهي التي يصفها الحق ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ‏ بقوله‏ ـ‏ عز من قائل ـ :‏
" وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ "    (‏الحج‏:5)‏ .
  وقبل ذلك لابد من استعراض لدلالات الألفاظ الغريبة في الآية الكريمة ولأقوال المفسرين فيها‏ .‏


الدلالة اللغوية :
من الألفاظ الغريبة في هذا النص القرآني الكريم ما يلي ‏:‏
‏(1)‏ هامدة‏ :‏ يقال في اللغة‏ (‏همدت‏)‏ النار أي خمدت، وطفئت جذوتها، وذهبت البتة‏، ومنه أرض‏(‏ هامدة‏)‏ أي لا نبات فيها‏,‏ ونبات‏(‏ هامد‏)‏ أي يابس‏,‏ و‏(‏الإهماد‏)‏ هو الإقامة بالمكان كأنه صار‏(‏ ذا همد‏),‏ وقيل‏(‏ الإهماد‏)‏ السرعة ، وهي عكس الخمود والخمول‏,‏ وإن كان ذلك صحيحاً فتصبح الكلمة من الأضداد كالإشكاء في كونه تارة لإزالة الشكوى‏,‏ وتارة لإثباتها‏,‏ ومعنى قوله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ :‏ " وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً " أي جافة‏,‏ قاحلة لا نبات فيها‏ .‏ يقال‏(‏ همدت‏)‏ الأرض‏(‏ تهمد‏)(‏ همودا‏)‏ أي يبست ودرست‏,‏ و‏(‏همد‏)‏ الثوب أي بَلِيَ ‏.‏
وقد وردت الصفة‏(‏ هامدة‏)‏ مرة واحدة في القرآن الكريم‏,‏ وجاءت بنفس المعنى بالتعبير‏(‏ خاشعة‏)‏ في قول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ :‏
" وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَخَاشِعَةً فَإِذَا  أَنزَلْنَا عَلَيْهَاالمَاءَاهْتَزَّتْ وَرَبَتْ .... "    (‏فصلت‏:39 )             
‏(2)‏ اهتزت‏ :‏ هذا الفعل بهذه الصياغة وفي نفس المعنى جاء في كتاب الله مرتين‏(‏ فصلت‏:39,‏ والحج‏:5),‏ كما جاء بصيغة الأمر‏(‏ هزي‏)‏ مرة واحدة‏(‏ مريم‏:25),‏ وفي صيغة المضارع‏(‏ تهتز‏)‏ مرتين‏(‏ النمل‏:10,‏ القصص‏:31) .‏
ومعنى اهتزت هنا‏:‏ انتفضت وتحركت في رأي العين‏ .‏ يقال‏:(‏ هز‏)‏ الشيء‏(‏ فاهتز‏)‏ أي حركه فتحرك بشدة‏؛‏ لأن‏(‏ الهز‏)‏ هو التحريك الشديد‏,‏ و‏(‏الهزة‏)‏ الأرضية هي الزلزلة‏,‏ وهي أيضا النشاط والارتياح .‏
(3)‏ و‏(‏ربت‏):‏ أي زاد حجمها فانتفخت وعلت‏ .‏ يقال في اللغة‏:(‏ رَبَا‏)‏ الشيء‏(‏ يربو‏)(‏ رَبْوَاً‏)‏ أي زاد ونما‏,‏ و‏(‏الربوة‏)‏ و‏(‏الرابية‏)‏ ما ارتفع من الأرض‏,‏ وكذلك‏(‏ الرباوة‏),‏ و‏(‏الرِّبا‏)‏ الزيادة في كلٍ من المال والسلع بغير مقابل‏,‏ يقال‏:(‏ أربيت‏)‏ إذا أخذت أكثر مما أعطيت‏,‏ ويقال‏:(‏ أربى‏)‏ عليه بمعنى ارتفع عنه فأشرف عليه‏,‏ و‏(‏الربو‏)‏ هو مرض النَفَس العالي‏,‏ ويقال‏:(‏ ربا‏)‏ إذا أخذه مرض‏(‏ الرَّبْو‏),‏ ويقال‏(‏ ربَّاه‏)(‏ تربية‏)‏ و‏(‏ترباه‏)‏ أي تعهده بالرعاية والعناية حتى‏(‏ نما‏)‏، وهذا لكل ما‏(‏ ينمو‏)‏ كالولد‏,‏ والزرع‏,‏ ونحوه‏ .‏


من أقوال المفسرين :
في تفسير قوله ـ‏ تعالى‏ ـ :‏
" وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ "    (الحج:5) :                                      
  ذكر ابن كثير ـيرحمه الله‏ ـمانصه‏:" وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً‏ "
هذا دليل آخر على قدرته ـ تعالى ـ على إحياء الموتى‏,‏ كما يحيي الأرض الميتة الهامدة، وهي المقحلة التي لا ينبت فيها شيء . وقال قتادة‏:‏ غبراء متهشمة‏,‏ وقال السدي‏:‏ ميتة‏ . " فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ‏ " :‏ أي فإذا أنزل الله عليها المطر‏(‏ اهتزت‏)‏ أي تحركت بالنبات وحييت بعد موتها‏,(‏ وربت‏)‏ أي ارتفعت لما سكن فيها الثرى‏,‏ ثم أنبتت مافيها من ثمار وزروع‏,‏ وأشتات النبات في اختلاف ألوانها وطعومها‏,‏ وروائحها وأشكالها ومنافعها‏,‏ ولهذا قال ـ تعالى ـ‏ :" وَأَنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ‏ "‏ أي حسن المنظر، طيب الريح ‏. (انتهى قول المفسر)‏
وجاء في تفسير الجلالين مانصه ‏: "‏ وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً "
أي يابسة .‏ "‏ فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المَاءَ اهْتَزَّتْ "‏ تحركت .‏"‏ وَرَبَتْ "‏ ارتفعت وزادت . " وَأَنْبَتَتْ " . "‏ مِن "‏ زائدة‏ . "‏ كُلِّ زَوْجٍ‏ " صنف . ‏" بَهِيجٍ‏ "‏ حسن ‏.‏ (انتهى قول المفسر)‏
وذكر صاحب الظلال‏ ـ رحمه الله رحمة واسعة‏ ـ‏ ما نصه ‏:‏ والهمود درجة بين الحياة والموت‏ ،‏ وهكذا تكون الأرض قبل الماء‏,‏ وهو العنصر الأصيل في الحياة والأحياء‏،‏ فإذا نزل عليها الماء‏ "‏
اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ"‏ وهي حركة عجيبة سجلها القرآن قبل أن تسجلها الملاحظة العلمية بمئات الأعوام‏,‏ فالتربة الجافة حين ينزل عليها الماء تتحرك حركة اهتزاز وهي تتشرب الماء ، وتنتفخ فتربو، ثم تتفتح بالحياة عن النبات من كل زوج بهيج، وهل أبهج من الحياة وهي تتفتح بعد الكمون‏,‏ وتنتفض بعد الهمود‏ ؟ .‏ وهكذا يتحدث القرآن عن القرابة بين أبناء الحياة جميعاً‏,‏ فيسلكهم في آية واحدة من آياته ‏،‏ وإنها للفتة عجيبة إلى هذه القرابة الوثيقة، وإنها لدليل على وحدة عنصر الحياة‏,‏ وعلى وحدة الإرادة الدافعة لها هنا وهناك‏ في الأرض والنبات والحيوان والإنسان ‏.‏ (انتهى قول المفسر)‏
وجاء في صفوة البيان لمعاني القرآن ـ‏ على كاتبه من الله الرضوان ـ‏ مانصه ‏:"‏ وَتَرَى
الأَرْضَ هَامِدَةً " يابسة لا نبات فيها‏ . يقال‏:‏ همدت الأرض تهمد هموداً‏,‏ يبست ودرست‏,‏ وهمد الثوب بلي‏ . "‏ اهْتَزَّتْ" تحركت في رأي العين بسبب حركة النبات‏ .‏ يقال‏:‏ هز الشيء ـ من باب ردَّ ـ فاهتز‏,‏ حركه فتحرك‏.  ‏"‏ وَرَبَتْ " زادت وانتفخت لما يتداخلها من الماء والنبات‏ .‏ يقال‏:‏ ربا الشيء يربو ربوا‏ً,‏ زاد ونما‏,‏ ومنه الربا والربوة‏ .‏
‏" بَهِيجٍ‏ "‏‏
نضر حسن المنظر‏,‏ من بهج ـ كظرف ـ بهاجة وبهجة أي حسن ‏.‏ (انتهى قول المفسر)‏
وذكر أصحاب المنتخب في تفسير القرآن الكريم ـ‏ جزاهم الله خيراً‏ ـ ما نصه‏ : ...‏ وأمر آخر يدل على قدرة الله على البعث أنك ترى الأرض قاحلة يابسة‏,‏ فإذا أنزلنا عليها الماء دبت فيها الحياة وتحركت وزادت‏,‏ وارتفع سطحها بما تخلله من الماء والهواء‏,‏ وأظهرت من أصناف النباتات مايروق منظره‏,‏ ويبهر حسنه‏,‏ وتبتهج لمرآه ‏.‏ (انتهى قول المفسر)‏
وجاء في صفوة التفاسير ـ‏ جزى الله كاتبه خير الجزاء‏ ـ‏ مانصه‏ : "‏ وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً "
هذه هي الحجة الثانية على إمكان البعث‏,‏ أي وترى ـ أيها المخاطب أو أيها المجادل ـ الأرض يابسة ميتة لا نبات فيها ." فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ "‏ أي فإذا أنزلنا عليها المطر تحركت بالنبات وانتفخت، وزادت وحييت بعد موتها ." وَأَنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ‏ "‏ أي وأخرجت من كل صنف عجيب ما سرَّ الناظر ببهائه ورونقه‏ .‏


الدلالة العلمية لقول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :‏
" وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ "    ‏(‏الحج‏:5) ‏
ترد لفظة الأرض في القرآن الكريم بثلاثة معان محددة تُفهم من سياق الآية القرآنية، وهي إما الكوكب ككل‏,‏ أو الغلاف الصخري المكون لكتل القارات التي نحيا عليها‏,‏ أو قطاع التربة الذي يغطي صخور ذلك الغلاف الصخري للأرض ‏.‏
وواضح الأمر هنا أن المقصود بالأرض في النص القرآني الذي نتعامل معه هو قطاع التربة الذي يحمل الكساء الخضري للأرض، والذي يهتز ويربو بسقوط الماء عليه ‏.‏

قطاع التربة الأرضية‏ :‏
تتكون تربة الأرض بواسطة التحلل الكيميائي والحيوي لصخورها‏,‏ كما تتكون نتيجة تفكك تلك الصخور بواسطة عوامل التعرية المختلفة التي تؤدي في النهاية إلى تكون غطاء رقيق لصخور الغلاف الصخري للأرض من فتات وبسيس الصخور على هيئة حطام مفروط يعرف باسم عادم الصخور ‏.‏
وعلى ذلك فإن تربة الأرض تمثل الطبقة الرقيقة من عادم الصخور الناتج عن تحلل أجزاء من الغلاف الصخري للأرض‏,‏ والذي يغطي صخور ذلك الغلاف في كثير من الأحوال‏,‏ سواء كان ناتجاً عن تحللها مباشرة‏,‏ أو منقولاً إليها ليغطيها‏ .‏ والتربة بذلك تمثل الحلقة الوسطى بين الغلاف الصخري للأرض وكلاً من غلافيها الهوائي والمائي‏,‏ ولذلك فهي خليط من المعادن التي تفككت من صخور الأرض بفعل عوامل التعرية المختلفة‏,‏ ومن المركبات العضوية وغير العضوية الناتجة عن التفاعل، والصراع بين تلك النطق الثلاث من نطق الأرض‏,‏ أو المتبقية عن الكائنات الحية التي تعمر قطاع التربة‏,‏ وهي كثيرة مثل البكتيريا‏,‏ والطحالب‏,‏ والفطريات‏,‏ والنباتات بمختلف هيئاتها ومراتبها‏,‏ فالتربة هي مصدر كل الغذاء والماء لحياة النباتات الأرضية؛ لأنها وسط تتراكم فيه بقايا كلٍ من العمليات الأرضية‏,‏ والسلاسل الغذائية‏,‏ والتي تتحلل بواسطة الكائنات الدقيقة التي تزخر بها التربة، والتي تجهز بنشاطاتها كل العناصر اللازمة لنمو النباتات الأرضية ‏.‏
وتتكون التربة الأرضية أساساً من معادن الصلصال‏,‏ والرمال‏,‏ وأكاسيد الحديد‏,‏ وكربونات كلٍ من الكالسيوم والمغنسيوم‏ .‏ وبالإضافة إلى التركيب الكيميائي والمعدني لتربة الأرض، فإن حجم حبيباتها ونسيجها الداخلي له دور مهم في تصنيفها إلى أنواع عديدة‏,‏ وتقسم التربة حسب حجم حبيباتها إلى التربة الصلصالية‏,‏ والطميية‏,‏ والرملية‏,‏ والحصوية‏,‏ وأكثر أنواع التربة انتشاراً هي خليط من تلك الأحجام‏ .‏

ويقسم قطاع التربة من سطح الأرض إلى الداخل إلى النطق الأربع التالية‏ :‏
‏(1)‏ نطاق السطح الأرضي أو‏(‏ نطاق‏O)‏ :
وهو غني بالمواد العضوية ، مثل أوراق الأشجار وفتات زهورها‏,‏ وثمارها‏,‏ وأخشابها‏,‏ وتزداد فيها نسبة المواد الدبالية‏ (Humus)‏ أي العضوية المتحللة من أعلى إلى أسفل‏ .‏
‏(2)‏ نطاق التربة العليا‏(‏ أو نطاق‏A-) :
‏ وتتكون أساساً من فتات المعادن الخشن نسبيا‏ً,‏ ولكنها تزخر بالنشاط العضوي، مما يزيد من محتواها في المواد الدبالية، والتي تصل إلى30%‏ من مكوناتها في بعض الحالات ‏.‏
(3)‏ نطاق ما تحت التربة العليا ‏(‏ أو نطاق ـ‏B)‏ :
وهو نطاق يتجمع فيه كثير من العناصر والمركبات التي تحملها المياه الهابطة من السطح إلى أسفل من النطاقين العلويين‏,‏ ولذا يعرف باسم نطاق التجمع، ومع كثرة هبوط حبيبات الصلصال الدقيقة من النطاقين العلويين إلى نطاق ما تحت التربة أو نطاق التجمع هذا‏,‏ فإنه يحتفظ بالماء الهابط إليه من سطح الأرض ‏.‏وتمثل النطق الثلاثة‏(O+A+B)‏ ما يسمى بالتربة الحقيقية، وهي التي تزخر بالعمليات الحيوية‏,‏ وبكل صور الحياة التي تشتهر بها تربة الأرض، وتمتد إليها جذور النباتات من فوق سطحها ‏.‏
(4)‏ نطاق الغلاف الصخري للأرض متأثراً ببعض عمليات التجوية‏:
وهذه النطق لا تتمايز بهذا الوضوح إلا بعد تمام نضج قطاع التربة‏,‏ فكثيراً ما تتكدس في نطاق واحد‏ .‏
وتمثل مجموعة النباتات الدقيقة ـ مثل البكتيريا‏,‏ والفطريات‏,‏ والطحالب ـ أهم أنواع الحياة في تربة الأرض‏,‏ وتشكل البكتيريا أغلبها‏(‏ نحو90%).‏ وتنقسم بكتيريا التربة إلى ذاتية التغذية‏,‏ وغير ذاتية التغذية‏,‏ ومن الصنف الأول بكتيريا العقد الجذرية ، وقد أعطاها الله ـ‏ تعالى ـ القدرة على تثبيت غاز النيتروجين وتحويله إلى مركبات نيتروجينية مهمة في التربة، ولذا تعرف باسم بكتيريا النيتروجين‏,‏ وهناك بكتيريا الإيدروجين‏,‏ وبكتيريا الكبريت‏,‏ وبكتيريا الحديد وغيرها، وهي تلعب دوراً مهماً في تزويد التربة بالأغذية المناسبة للنباتات الأرضية‏,‏ واستكمالاً لهذا الدور المهم‏,‏ فإن البكتيريا غير ذاتية التغذية تقوم بتكسير المواد العضوية المعقدة ـ مثل المواد السيليولوزية والكربوهيدراتية‏,‏ والبروتينية والدهنية ـ وتحويلها إلى مواد يستطيع النبات الاستفادة بها‏ .‏ 
كيف تربو هذه التربة الأرضية بإنزال الماء عليها؟ :
يتكون جزيء الماء من اتحاد ذرة أكسجين واحدة مع ذرتي أيدروجين برابطة قوية لايسهل فكها‏,‏ وتربط هذه الذرات مع بعضها البعض بشكل زاوٍ‏,‏ له قطبية كهربية واضحة؛ لأن كلاً من ذرتي الإيدروجين يحمل شحنة موجبة نسبية‏,‏ وذرة الأكسجين تحمل شحنة سالبة نسبية‏,‏ مما يجعل جزيء الماء غير تام التعادل كهربيا‏ًً,‏ وإلى هذه القطبية الكهربية تعود صفات الماء المميزة له مثل قدرته الفائقة على الإذابة‏,‏ وعلى التوتر السطحي‏,‏ وشدة تلاصق جزئياته، مما يجعل له القدرة على التسلق ‏(‏الخاصية الشعرية‏),‏ وعلى التكور في هيئة قطرات‏,‏ وعدم امتزاج محاليله امتزاجاً كاملا‏ًً.‏ والماء بهذه الصفات الطبيعية المميزة إذا نزل على تربة الأرض أدى إلى إثارتها كهربياً، مما يجعلها تهتز وتتنفس ويزداد حجمها، فتربو وتزداد؛‏ وذلك لأن تربة الأرض تتكون في غالبيتها من المعادن الصلصالية التي يؤدي تميؤها إلى اهتزاز مكونات التربة‏,‏ وزيادة حجمها‏,‏ وارتفاعها إلى أعلى حتى ترق رقة شديدة فتنشق مفسحة طريقاً سهلاً آمناً لسويقة ‏(‏ريشة‏)‏ النبتة الطرية الندية المنبثقة من داخل البذرة النابتة المدفونة بالتربة ‏.‏
ومن أسباب اهتزاز التربة وانتفاشها وربوها مايلي‏ :‏
(1)‏ تتكون التربة ـ أساساً ـ من المعادن الصلصالية‏,‏ ومن صفات تلك المعادن أنها تتشبع بالتميؤ ـ أي بامتصاص الماء ـ مما يؤدي إلى زيادة حجمها زيادة ملحوظة، فيؤدي ذلك إلى اهتزازها بشدة وانتفاضها، فتؤدي إلى اهتزاز التربة بمجرد نزول الماء عليها‏ .‏
‏(2)‏ تتكون المعادن الصلصالية من رقائق من أكاسيد السيليكون والألومنيوم تفصلها مسافات بينية مملوءة بجزيئات الماء والغازات‏,‏ وعند التسخين تطرد هذه الجزيئات‏,‏ فتنكمش تلك الرقائق بطرد هذه الجزيئات البينية‏,‏ وعند إضافة الماء إليها تنتفض‏,‏ وتهتز وتربو نتيجة لملء المسافات البينية الفاصلة لرقائق المعدن بالمياه‏ .‏
(3)‏ نظراً لدقة حجم الحبيبات الصلصالية ،‏(‏ والتي لايتعدى قطرها واحد على‏256‏ من الملليمتر أي اقل من‏0.004‏ ـ من الملليمتر‏)‏، وهي المكون الرئيسي لتربة الأرض‏,‏ فان اختلاط الماء بتلك التربة يحولها إلى الحالة الفردية، وهي حالة تتدافع فيها جسيمات المادة بقوة‏,‏ وبأقدار غير متساوية في كل الاتجاهات‏,‏ وعلى كل المستويات في حركة دائبة تعرف باسم الحركة البراونية ـ نسبة إلى مكتشفها ـ وهي من عوامل اهتزاز التربة بشدة وانتفاضها‏,‏ وكلما كان الماء المختلط بالتربة وفيراً باعد لمسافات أكبر بين حبيبات التربة‏,‏ وزاد من سرعة حركتها ‏.‏
‏(4)‏ تتكون المعادن الصلصالية ـ أساساً ـ من سيليكات الألومنيوم المميأة‏,‏ وهذا المركب الكيميائي له قدرة على إحلال بعض ذرات الألومنيوم بذرات قواعد اخرى ـ مثل المغنيسيوم والكالسيوم‏ ـ‏ وكنتيجة لإحلال ذرات الألومنيوم بذرات غيرها من العناصر ترتبط بعض الأيونات الموجبة الشحنة ـ مثل الصوديوم والكالسيوم ـ على حواف وأسطح راقات الصلصال لمعادلة الشحنات السالبة الناتجة عن إحلال ذرة الألومنيوم الثلاثية التكافؤ بذرة الكالسيوم أو المغنيسيوم الثنائية التكافؤ ‏.‏
والأيونات الموجبة ـ مثل ايونات الصوديوم والكالسيوم ـ سهلة الإحلال بقواعد أخرى، مما يحدث اهتزازاً عنيفاً في مكونات رقائق الصلصال في وجود جزيئ الماء القطبي الكهربية ‏.‏
‏(5)‏ إن العمليات المعقدة التي كونت تربة الأرض عبر ملايين السنين أثرتها بالعديد من العناصر والمركبات الكيميائية اللازمة لحياة النباتات الأرضية‏,‏ كما أن الكائنات الحية الدقيقة والكبيرة التي أسكنها الله ـ‏ تعالى ـ‏ تربة الأرض لعبت ـ ولاتزال تلعب ـ دوراً هاماً في إثرائها بالمركبات العضوية وغير العضوية‏,‏ وعند نزول جزيئات الماء ذات القطبية الكهربية‏,‏ وإذابتها لمكونات التربة، فإن ذلك يؤدي إلى تأين تلك المكونات‏,‏ وإلى تنافر الشحنات المتشابهة على أسطح رقائق الصلصال وفي محاليل المياه، مما يؤدي إلى انتفاض تلك الرقائق واهتزازها بشدة ‏.‏
(6)‏ تحمل الرياح‏,‏ والطيور‏,‏ والحشرات‏,‏ والكائنات الدقيقة إلى التربة بذور العديد من النباتات، خاصة مما يسمى بالبذور المجنحة، والأبواغ والجراثيم، وحبوب اللقاح التي تحملها الرياح لمسافات بعيدة‏,‏ وعندما ينزل الماء على التربة الأرضية، وتستقي منه تلك البقايا النباتية القابلة للإنبات ـ مثل البذور ـ فتنشط أجنتها‏,‏ وتتغذى على المواد المذابة في مياه التربة فإنها تنمو‏,‏ وتندفع جذورها إلى أسفل ، مكونة المجموعات الجذرية لتلك النباتات‏,‏ وتندفع سويقاتها ‏(‏ريشتها‏)‏ إلى أعلى، مسببة اهتزازات عنيفة لمكونات التربة ‏.‏
‏(7) مع ازدياد هطول الماء على التربة تنتعش كل صور الحياة فيها من البكتريا‏,‏ والفطريات‏,‏ والطحالب‏,‏ وغيرها‏,‏ كما تغلظ المجموعات الجذرية للنباتات القائمة على سطح الأرض‏,‏ ويؤدي النشاط الحيوي لكل من هذه الكائنات إلى زيادة حجم التربة‏,‏ وإلى زيادة الأنشطة الكيميائية والفيزيائية فيها، مما يؤدي إلى انتفاض مكوناتها واهتزازها‏,‏ وربوها‏,‏ وكثرة الإنبات فيها‏,‏ وقد صورت هذه المراحل بالتصوير البطئ واثبتت الصور صدق القرآن الكريم‏,‏ في كل ما أشار إليه في هذه القضية ‏.‏

وهذه حقائق لم يدركها الإنسان إلا في العقود القليلة الماضية‏,‏ وورودها في كتاب الله المنزل من قبل ألف وأربعمائة سنة بهذه الدقة العلمية‏,‏ والتسلسل التطبيقي‏,‏ المنطقي‏ : " وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ "   (‏الحج‏:5) .‏
وتكرار المعنى في مقام آخر من كتاب الله حيث يقول ـ عز من قائل‏ ـ :‏
" وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي المُوتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "  (‏فصلت‏:39) .‏
إن هذا كله لمن أبلغ الدلائل على أن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق‏,‏ وأن هذا النبي الخاتم الذي تلقاه كان موصولاً بوحي السماء‏,‏ ومعلَّماً من قبل خالق السماوات والأرض .
فالحمد لله الذي أنزل القرآن بعلمه‏,‏ على خاتم انبيائه ورسله‏,‏ وتعهد بحفظه فحفظه على مدى أربعة عشر قرناً أو يزيد‏,‏ وأنزل فيه قوله الحق مخاطباً نبيه الخاتم ورسوله الخاتم فيقول ـ‏ عز من قائل ـ :
" لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً "  (‏النساء‏:166) .‏
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد‏,‏ سيد الأولين والآخرين‏,‏ وإمام النبيين والمرسلين‏,‏ وهادي الخلق أجمعين إلى الدين القويم‏,‏ من لدن بعثته الشريفة، وإلى يوم الدين، وعلى آله وصحبه، ومن تبع هداه، ودعا بدعوته في الأولين والآخرين‏ .‏