"إِرَمَ ذَاتِ العِمَادِ .‏ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي البِلادِ" (الفجر:7ـ8).


هاتان الآيتان الكريمتان جاءتا في اخر الربع الأول من سورة الفجر‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ يدور محورها الرئيسي حول قضية البعث بعد الموت‏,‏ وهي من القضايا الأساسية في العقيدة الإسلامية‏ .‏
وتبدأ السورة الكريمة بقسم من الله‏ ـ‏ تعالى ـ بالفجر‏,‏ وهو يمثل الفترة الزمنية التي يبزغ فيها أول خيط من الشفق الصباحي على جزء من سطح الأرض، فيعمل ذلك على محو ظلمة الليل بالتدريج حتى شروق الشمس‏,‏ ويبدأ ذلك بوضع الجزء من الأرض الذي يبزغ عليه الفجر في وضع تبدو الشمس منه وكأنها على بعد ‏18,5‏ درجة تحت الأفق‏،‏ وتظل ترتفع في حركتها الظاهرية حول الأرض‏,‏ والتي تتم بدوران الأرض حول محورها أمام الشمس حتى ظهور حافة الشمس العليا عند الأفق فتشرق الشمس‏.‏ والفجر الصادق يمثل أول النهار من الناحية الشرعية ‏.‏

وظاهرة الفجر تدور مع الأرض في دورتها اليومية حول محورها أمام الشمس‏,‏ فتنتقل من منطقة إلى أخرى بانتظام حتى تمسح سطح الأرض كله بالتدريج‏,‏ وهي ظاهرة تُصاحَب بقدر من الصفاء البيئي والنقاء لا تساويها فترة أخرى من فترات اليوم في ذلك، فتتميز بالنداوة‏,‏ والرقة والهدوء‏,‏ وبانعكاس ذلك كله على مختلف أنواع الخلائق‏,‏ وربما كان ذلك وغيره من مبررات هذا القسم الإلهي بالفجر‏,‏ والله‏ ـ تعالى ـ غني عن القسم لعباده‏,‏ والمقصود من ورود الآية القرآنية بصيغة القسم هو تنبيهنا إلى أهمية الأمر الذي جاء به القسم ‏.‏
ويلي القسم بالفجر قسم ثان بـ‏" لَيَالٍ عَشْرٍ‏"‏ ، وقد قيل فيها أنها الليالي العشر الأواخر من شهر رمضان‏,‏ ومن ضمنها ليلة القدر التي وصفها الحق ـ تبارك وتعالى‏ ـ‏ بأنها" خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ "‏ ,‏ ويأتي في مقابلتها الأيام العشر الأوائل من شهر ذي الحجة‏,‏ وفيها يوم عرفة الذي وصفه المصطفى‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ بأنه أفضل يوم عند الله ‏,‏ ووصف العشر من ذي الحجة بأنه ما من أيام بأفضل منها عند الله .‏
ثم يأتي قسم ثالث بالشفع والوتر ، وفيه قيل أن المقصود بذلك الصلاة‏,‏ ومنها الشفع كالصلاة الثنائية والرباعية‏,‏ ومنها الوتر كالمغرب وختام الصلاة في آخر الليل .

ويلي ذلك قسم رابع بـ"اللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ" ، وأصل السري هو السير بالليل‏,‏ وإسناد ذلك إلى الليل قيل فيه أنه مجاز بمعنى يسري فيه ، وحذفت ياؤه في الآية الكريمة وصلاً ووقفاً,‏ وقيل أنه ليس بمجاز‏؛ وذلك لتعاقب كلٍ من الليل والنهار على سطح الأرض بفعل دوران الأرض حول محورها أمام الشمس حتى يخرج نصفها المظلم من انطباق ظلمة السماء على ظلمة الأرض، وذلك بدخول طبقة نور النهار بينهما‏,‏ وانتقال ظلمة ليل الأرض إلى جزء آخر منها كان يعمه نور النهار‏,‏ ولا يخفى على عاقل فوائد تعاقب كلٍ من الليل والنهار على سطح الأرض‏,‏ وعلى الحياة الأرضية ‏.‏
وبعد القسم بهذه الآيات الخمس‏,‏ وبما لها من قيمة في انتظام حركة الحياة، تتساءل سورة الفجر‏:‏ "هل في ذلك قسم لذي حجر" ؟ ، أي لذي لب وعقل وبصيرة ؟ . وجواب القسم محذوف، وتقديره‏:‏ ليعذبن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ كل كافر ومشرك، ومنكر للبعث‏,‏ وكل مفسد في الأرض‏,‏ وكل متجبر على الخلق‏، ودلالة ذلك هو سرعة الاستشهاد بمصارع عدد من الأمم البائدة ، مثل أقوام عاد، وثمود، وفرعون‏ ، وقد أشارت الآيات إلى صفة لازمت كل أمة منهم‏,‏ وألمحت إلى شيء من تجبرهم وطغيانهم وإفسادهم‏,‏ وذكرت كيف صب الله ـ تعالى ـ‏ على كل منهم عذابه صبا‏ًً,‏ جزاء ما اقترفوه من آثام‏ ،‏ وأكدت أن الله ـ‏ تعالى‏ ـ قائم دوماً بالمرصاد لكل متجبر على الخلق، وكل مفسد في الأرض، وأن سنة الله واحدة في أخذ الطغاة المفسدين في كل زمان ومكان بأقسى أنواع العقاب‏,‏ وأشد ألوان العذاب‏ .
وبعد أن جمعت الآيات في سورة الفجر مصارع عدد من عتاة المفسدين في الأرض‏,‏ وأكدت أن الله‏ ـ تعالى‏ ـ لهم ولأمثالهم دوماً بالمرصاد‏,‏ وانتقلت بالحديث إلى شيء من طبائع النفس الإنسانية أمام قضية بسط الرزق وقبضه‏,‏ وما فيها من ابتلاء للعباد‏,‏ فالصالح يشكر النعمة‏,‏ ويصبر على المحنة‏,‏ وغير ذلك تبطره النعمة التي يراها تكريماً لشخصه‏,‏ وتضجره المحنة التي يراها إهانة لكرامته‏,‏ وترد الأيات بأن إنساناً هذا شأنه هو مخلوق أناني، لا يفكر إلا في ذاته‏,‏ قد جُبِلَت نفسه على عدم الاكتراث بإكرام اليتيم‏,‏ ولا بالتحاض على اطعام المسكين‏,‏ وبالنهم الشديد في اقتسام الميراث‏,‏ وبالحب الجمِّ للمال‏ .
ثم تذكر الآيات فوراً بالآخرة، وما فيها من أهوال حين تُدَك الأرض دكاً دكاً‏ ـ كناية عن تدمير الكون كله‏ ـ‏ ثم بعثه وبعث كافة الخلائق، فيُعرضون أمام ربهم ‏"‏ لاَ تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ‏ " (الحاقة:18)، والملائكة وُقُوف صفاً صفاً بين يدي الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ ثم يُؤتى بجهنم في هذا الموقف العصيب الذي يتقرر فيه مصير كل واحد من الخلق‏,‏ وحينئذٍ يتذكر الإنسان ما فرَّط فيه من حياته الدنيا حين لا يفيد التذكر بشيء‏,‏ ويتمنى لو أنه كان قد قدَّم شيئاً لهذا الموقف الرهيب ‏. وتصف الآيات جانباً من عذاب الكفار والمشركين في ذلك اليوم العصيب الذي يقول فيه الحق‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ :" فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ .‏ وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ " (الفجر25،26) بينما يسمع نداء الحق‏ ـ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ على كل نفس طيبة بقوله‏ ـ‏ عز من قائل‏ ـ :‏ " يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ ‏. ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً ‏. فَادْخُلِي فِي عِبَادِي . وَادْخُلِي جَنَّتِي ‏ " ( الفجر‏:27‏، 30)‏ .
والإعجاز في سورة الفجر يشمل فيما يشمل القسم بخمس من آيات الله لم تكن أهميتها معروفة في زمن الوحي ولا لقرون متطاولة من بعده‏,‏ بالإضافة إلى وصف شيء من دخائل النفس الإنسانية‏,‏ ووصف عدد من المظاهر والأحداث المصاحبة للآخرة‏,‏ وهي من الغيوب المطلقة التي لا سبيل أمام الإنسان لمعرفة شيء عنها إلا من خلال وحي السماء‏ .‏

أما الأعجاز التاريخي في هذه السورة المباركة فهو أبلغ جوانب الإعجاز فيها لاشتماله على ذكر ثلاثة من طواغيت التاريخ القديم هم قوم عاد‏,‏ ومدينتهم إرم ذات العماد‏,‏ وقوم ثمود الذين وصفتهم الآيات الكريمة بأنهم هم‏ " ..‏ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ ‏.‏ وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ " وهذه الأمم كانت قد بادت قبل بعثة رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ‏ بمئات السنين‏,‏ ولم تكن الأمة العربية أمة تدوين وتوثيق‏,‏ هذا فضلاً عن بعد أراضي تلك الأمم البائدة عن مكة المكرمة بمئات بل بعشرات المئات من الكيلومترات في زمن لم تكن وسائل المواصلات ميسرة ‏.‏
ويعتبر ذكر قوم عاد في القرآن الكريم أكثر أخباره عن أنباء الأمم البائدة إعجازاً‏ًً؛ وذلك لأن هذه الأمة قد أبيدت إبادة كاملة بعاصفة رملية غير عادية‏ طمرتهم وردمت آثارهم حتى أخفت كل أثر لهم من على وجه الأرض‏,‏ وبسبب ذلك أنكرت الغالبية العظمى من الأثريين والمؤرخين وجود قوم عاد‏,‏ واعتبروا ذكرهم في القرآن الكريم من قبيل القصص الرمزي لاستخلاص العبر والدروس‏,‏ بل تطاول بعض الكتاب فاعتبروهم من الأساطير التي لا أصل لها في التاريخ‏ ، ثم جاءت الكشوف الأثرية في الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين بالكشف عن مدينة إرم ، وإثبات صدق القرآن الكريم في كل ما جاء به عن قوم عاد‏ . وانطلاقاً من ذلك فسوف أقصر حديثي هنا على هذا الكشف الأثري المثير الذي سبق وأن سجلته سورة الفجر في الآيات ‏(6‏ ـ‏8)‏ من قبل ألف وأربعمائة من السنين‏,‏ وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على حقيقة أن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ وحفظه لنا بنفس لغة وحيه التي أوحي بها ـ‏ اللغة العربية ـ‏ فظل محتفظاً بصياغته الربانية‏,‏ وإشراقاته النورانية‏,‏ وبصدق كل حرف وكلمة وإشارة فيه‏ .‏
وقبل البدء في الحديث عن " إِرَمَ ذَاتِ العِمَادِ‏ .‏ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي البِلادِ‏ "‏ (الفجر:7، 8)
لابد من استعراض سريع لقوم عاد في القرآن الكريم‏,‏ ولشرح عدد من كبار المفسرين (القدامى والمعاصرين) لهذه الآيات القرآنية الثلاث‏ .

قوم عاد في القرآن الكريم :
جاء ذكر قوم عاد في سورتين من سور القرآن الكريم، سميت إحداهما باسم نبيهم هود‏ ـ‏ عليه السلام ـ وسميت الأخرى باسم موطنهم الأحقاف‏,‏ وفي عشرات الآيات القرآنية الأخرى التي تضمها ثماني عشرة سورة من سور القرآن الكريم جاء ذكرهم أيضاً، ونختار منها ما يلي‏ :‏
‏(1) "‏ وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ . قَالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكَاذِبِينَ .‏ قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ العَالَمِينَ .‏ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ .‏ أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ . قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ . قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِّنَ المُنتَظِرِينَ . فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ
"  (‏الأعراف‏:65-72) .‏
‏(2) ‏"كَذَّبَتْ عَادٌ المُرْسَلِينَ . إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوَهُمْ هُودٌ أَلاَ تَتَّقُونَ . إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ . فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ . وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ العَالَمِينَ . أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ .‏ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ . وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ . فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ .وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ . أَمَدَّكُم بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ . وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ . قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُن مِّنَ الوَاعِظِينَ .‏ إِنْ هَذَا إِلاَّ خُلُقُ الأَوَّلِينَ . وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ . فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ . وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ "  (‏الشعراء‏:123-140) .‏
‏(3)‏ "فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ .‏ إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لأَنزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ . فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ . فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لاَ يُنصَرُونَ "‏   ‏(‏فصلت‏:13-16)‏ .
(4) "وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ‏. قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ .‏ قَالَ إِنَّمَا العِلْمُ عِندَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ .‏ فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ .‏ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لاَ يُرَى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ .‏ وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ "  (‏الأحقاف‏:21-26) .‏
‏(5) ‏"كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ .‏ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ . تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ . فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ . وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ "‏(‏القمر‏:18-22) .‏
‏(6)‏ " وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ . سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى القَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ . فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّنْ بَاقِيةٍ "‏    (‏الحاقة‏:6-8) .‏
‏(7)‏ "
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ .‏ إِرَمَ ذَاتِ العِمَادِ . الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي البِلادِ "(‏الفجر‏:6-8) .
وفي غير هذه الأيات جاء ذكر قوم عاد في كلٍ من سورة التوبة‏ (70),(‏ هود‏:50-60),‏ إبراهيم‏(9),‏ الحج‏(42),‏ ص‏(12),‏ غافر‏(31),‏ ق‏(13),‏ الذاريات‏(41),‏ الفرقان‏(38),‏ العنكبوت‏(38),‏ والنجم‏(50).‏



من أقوال المفسرين :
في تفسير قوله‏ ـ‏ تعالى ـ :‏ " أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ .‏ إِرَمَ ذَاتِ العِمَادِ . الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا
فِي البِلادِ "(‏ الفجر‏:6-8)‏ ‏ 
‏ ذكر ابن كثير‏ ـ رحمه الله ـ ما نصه‏: "‏ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ‏" ‏؟، وهؤلاء كانوا متمردين عتاة جبارين‏,‏ خارجين عن طاعته، مكذبين لرسله‏,‏ فذكر ـ تعالى ـ كيف أهلكهم ودمرهم‏,‏ وجعلهم أحاديث وعبراً فقال‏:"‏ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ .‏ إِرَمَ ذَاتِ العِمَادِ ‏" ‏؟ وهؤلاء‏ ـ‏ عَاداً الأُولَى‏ ـ وهم الذين بعث الله فيهم رسوله هودا عليه السلام فكذبوه وخالفوه‏,‏ فأنجاه الله من بين أظهرهم ومن آمن معه منهم وأهلكهم‏ " بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ " (الحاقة:6) ، وقد ذكر الله قصتهم في القرآن‏ ليعتبر بمصرعهم المؤمنون‏ .فقوله ـ تعالى ـ ‏: " إِرَمَ ذَاتِ العِمَاد‏ "‏ عطف بيان زيادة تعريف بهم‏ .‏ وقوله ـ تعالى ـ ‏: "‏ ذَاتِ العِمَادِ‏ " لأنهم كانوا يسكنون بيوت الشعر التي ترفع بالأعمدة الشداد‏,‏ وقد كانوا أشد الناس في زمانهم خلقة، وأقواهم بطشا‏ًً,‏ ولهذا ذكَّرهم‏(‏ هود‏)‏ بتلك النعمة‏,‏ وأرشدهم إلى أن يستعملوها في طاعة ربهم الذي خلقهم فقال‏ : "‏ ... وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ " (الأعراف:69) وقال ـ تعالى ـ ‏: " فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً " .‏ وقال ههنا‏: " الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي البِلادِ‏ " أي القبيلة التي لم يخلق مثلها في بلادهم؛ لقوتهم، وشدتهم، وعظم تركيبهم‏,‏ وقال مجاهد‏:‏ إرم أمة قديمة، يعني عاداً الأولى‏ .
‏ قال قتادة والسدي‏:‏ إن إرم بيت مملكة عاد‏,‏ وكانوا أهل عمد لا يقيمون‏ .‏ وقال ابن عباس‏:‏ إنما قيل لهم ذات العماد لطولهم‏,‏ واختار الأول ابن جرير‏ .‏ وقوله ـ تعالى ـ ‏:" الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي البِلادِ‏ " الضمير يعود على القبيلة‏,‏ أي لم يخلق مثل تلك القبيلة في البلاد، يعني في زمانهم‏,‏ وسواء كانت العماد أبنية بنوها‏,‏ أو أعمدة بيوتهم للبدو‏,‏ أو سلاحهم يقاتلون به‏,‏ أو طول الواحد منهم‏,‏ فهم قبيلة وأمة من الأمم‏,‏ وهم المذكورون في القرآن في غير ما موضع‏,‏ المقرونون بثمود كما ههنا‏,‏ والله أعلم‏ . (انتهى قول المفسر)‏
وجاء في تفسير الجلالين‏ ـ رحم الله كاتبيه ـ‏ ما نصه‏ : "‏ أَلَمْ تَرَ " ألم تعلم يا محمد‏"‏ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ " قوم هود عليه السلام ‏."‏ إِرَمَ " هي‏:‏ عاد الأولى‏,‏ فـإرم عطف بيان أو‏‏ بدل‏,‏ ومنع الصرف للعلمية والتأنيث‏ . "‏ ذَاتِ العِمَادِ‏ "‏ أي‏:‏ ذات الأبنية المرفوعة على العمد‏,‏ أو البناء المرتفع‏,‏ ففي الصحاح : والعماد‏:‏ الأبنية المرتفعة‏,‏ وقيل‏:‏ ذات الطول‏ . " الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي البِلادِ "‏ في بطشهم وقوتهم‏ . (انتهى قول المفسر)‏
 وذكر صاحب الظلال‏ ـ رحمه الله رحمة واسعة ـ‏ ما نصه‏: ....."‏ عَادٍ إِرَمَ‏ "‏ وهي عاد الأولى‏,‏ وقيل‏:‏ أنها من العرب العاربة أو البائدة‏,‏ وكان مسكنهم بالأحقاف، وهي كثبان الرمال في جنوب الجزيرة بين حضرموت واليمن‏,‏ وكانوا بَدوَاً ذوي خيام تقوم على عماد‏,‏ وقد وصفوا في القرآن بالقوة والبطش‏,‏ فقد كانت قبيلة عاد هي أقوى قبيلة في وقتها وأميزها‏ . " الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي البِلادِ "‏ في ذلك الأوان‏ .‏ (انتهى قول المفسر)‏ ‏
وجاء في صفوة البيان لمعاني القرآن‏ ـ‏ رحم الله كاتبه برحمته الواسعة‏ ـ ما نصه‏: ... وعاد هو‏:‏ عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام‏,‏ سمي أولاده باسمه، وقيل لأوائلهم ـ وهم الذين أرسل اليهم هود عليه السلام ـ عاد الأولى تسمية لهم باسم أبيهم‏,‏ وإرم تسمية لهم باسم جدهم‏ .‏ وقيل لمن بعدهم عاد الآخرة‏,‏ و‏(‏إرم‏)‏ بدل أو عطف بيان لـ‏(‏عاد‏) .‏ وقيل‏:‏ إن‏(‏ إرم‏)‏ قبيلة من‏(‏ عاد‏)،‏ وهي بيت ملكهم‏,‏ فهي بدل من‏(‏ عاد‏),‏ بدل بعض من كل ‏."‏ ذَاتِ العِمَادِ‏ " صفة لقبيلة‏(‏ إرم‏)،‏ أي ذات الأعمدة التي ترفع عليها بيوت الشعر‏,‏ إذ كانوا أهل خيام وعمد ينتجعون الغيوث، ويطلبون الكلأ حيث كان‏,‏ ثم يعودون إلى منازلهم‏ .‏ وقيل‏:‏ ذات الرفعة والعزة‏ . "‏ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا .. "‏ صفة أخرى لها‏,‏ أي لم يخلق في بلادهم مثلها في الأيد والشدة وعظم الأجسام‏ ....‏ (انتهى قول المفسر)
 وذكر أصحاب المنتخب في تفسير القرآن الكريم ـ جزى الله كاتبيه خيراً ـ ما نصه‏:‏ ألم تعلم كيف أنزل ربك عقابه بعاد قوم هود‏,‏ أهل إرم ذات البناء الرفيع‏,‏ التي لم يخلق مثلها في البلاد متانة وضخامة بناء ‏...‏ (انتهى قول المفسر)‏
وذكر صاحب صفوة التفاسير ـ جزاه الله خيرا‏ًً ـ‏ ما نصه‏ : ....‏ أي ألم يبلغك يامحمد ويصل إلى علمك ماذا فعل الله بعاد قوم هود ؟ . "‏ إِرَمَ ذَاتِ العِمَادِ‏ "‏ أي عاد الأولى، أهل إرم ذات البناء الرفيع‏,‏ الذين كانوا يسكنون بالأحقاف بين عمان وحضرموت . ‏" الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي البِلاد‏ " أي تلك القبيلة التي لم يخلق الله مثلهم في قوتهم‏,‏ وشدتهم‏,‏ وضخامة اجسامهم‏ ....‏ (انتهى قول المفسر)‏

" إِرَمَ ذَاتِ العِمَادِ " في التراث الإسلامي :
في تفسير ماجاء عن ‏(‏ قوم عاد‏)‏ في القرآن الكريم نشطت أعداد من المفسرين والجغرافيين والمؤرخين وعلماء الأنساب المسلمين‏,‏ من أمثال الطبري‏,‏ والسيوطي‏,‏ والقزويني، والهمداني، وياقوت الحموي‏,‏ والمسعودي في الكشف عن حقيقة هؤلاء القوم، فذكروا أنهم كانوا من‏(‏ العرب البائدة‏)،‏ وهو تعبير يضم كثيراً من الأمم التي اندثرت قبل بعثة المصطفى ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ بمئات السنين‏,‏ ومنهم قوم عاد‏,‏ وثمود‏,‏ والوبر، وغيرهم كثير‏,‏ وعلموا من آيات القرآن الكريم أن مساكن قوم عاد كانت بالأحقاف‏ ـ جمع حقف أي‏:‏ الرمل المائل‏ ـ‏ وهي جزء من جنوب شرقي الربع الخالي بين حضرموت جنوبا‏ًً,‏ ومعظم الربع الخالي شمالا‏ًً,‏ وعمان شرقاً‏,‏ كما علموا من القرآن الكريم أن نبيهم كان سيدنا هود‏ ـ‏ عليه السلام‏ ـ‏ وأنه بعد هلاك الكافرين من قومه سكن نبي الله هود أرض حضرموت حتى مات، ودفن فيها قرب‏ (‏ وادي برهوت‏)‏ إلى الشرق من مدينة تريم‏ .‏
أما عن‏ "‏ إِرَمَ ذَاتِ العِمَادِ "‏ فقد ذكر كلٌ من الهمداني‏ (‏ المتوفي سنة‏334‏ هـ‏/946‏ م‏)،‏ وياقوت الحموي‏ (‏ المتوفي سنة‏627‏ هـ‏/1229‏ م‏)‏ أنها كانت من بناء شداد بن عاد واندرست‏ ـ‏ أي‏:‏ طُمِرَت بالرمال‏ ـ‏ فهي لاتعرف الآن‏,‏ وإن ثارت من حولها الأساطير ‏.‏

الكشف الحديث عن " إِرَمَ ذَاتِ العِمَادِ " :
في سنة‏1984‏ م زود أحد مكوكات الفضاء بجهاز رادار له القدرة على اختراق التربة الجافة إلى عمق عدة أمتار يعرف باسم جهاز رادار اختراق سطح الأرض (
Ground Penetrating Radar (Or GPR،فكشف عن العديد من المجاري المائية الجافة مدفونة تحت رمال الحزام الصحراوي الممتد من موريتانيا غرباً إلى أواسط آسيا شرقا‏ًً .‏وبمجرد نشر نتائج تحليل الصور المأخوذة بواسطة هذا الجهاز تقدم أحد هواة دراسة الآثار الأمريكان ـ واسمه نيكولاس كلاب NicholssClapp‏ ـ إلى مؤسسة بحوث الفضاء الأمريكية المعروفة باسم ناسا‏(NASA)‏ يطلب الصور التي أخذت بتلك الواسطة لجنوب الجزيرة العربية‏,‏ وبدراستها اتضح وجود آثار مدقات للطرق القديمة المؤدية إلى عدد من أبنية مدفونة تحت الرمال السافية التي تملأ حوض الربع الخالي‏,‏ وعدد من أودية الأنهار القديمة، والبحيرات الجافة التي يزيد قطر بعضها عن عدة كيلو مترات‏ .‏
وقد احتار الدارسون في معرفة حقيقة تلك الآثار‏,‏ فلجأوا إلى الكتابات القديمة الموجودة في إحدى المكتبات المتخصصة في ولاية كاليفورنيا، وتعرف باسم مكتبة هنتنجتون
Huntington Library, وإلى عدد من المتخصصين في تاريخ شبه الجزيرة العربية القديم، وفي مقدمتهم الأمريكي جوريس زارينز( (Juris Zarins، والبريطاني رانولف فينيس( ‏Ranulph Fiennes ),وبعد دراسة مستفيضة أجمعوا على أنها هي آثار عاصمة ملك عاد التي ذكر القرآن الكريم أن اسمها‏ (‏ إرم‏)‏ كما جاء في سورة الفجر‏,‏ والتي قدر عمرها بالفترة من‏3000‏ ق‏.‏م‏.‏ إلى أن نزل بها عقاب ربها فطمرتها عاصفة رملية غير عادية‏ .‏ وعلى الفور قام معمل الدفع النفاث بكاليفورنيا‏ (‏ معهد كاليفورنيا للتقنية‏)‏ ‏(The Jet Propulsion Laboratories California Institute of Technology ,J.P.L) بإعداد تقرير مُطوَّل يضم نتائج الدراسة‏,‏ ويدعو رجال الأعمال والحكومات العربية إلى التبرع بسخاء للكشف عن تلك الآثار التي تملأ فراغاً في تاريخ البشرية‏,‏ وكان عنوان التقرير هو‏:‏ البعثة عبر الجزيرةThe Trans-Arabia Expedition‏ ، وتحت العنوان مباشرة جاءت الآيتان الكريمتان رقما (‏8,7‏) من سورة الفجر‏,‏ وقد أرسل إلى التقرير لدراسته‏,‏ وقد قمت بذلك فعلاً، وقدمت رأيي فيه كتابة إلى المسئولين بالمملكة العربية السعودية‏ .
وقد ذكر التقرير أن اثنين من العلماء القدامى قد سبق لهما زيارة مملكة عاد في أواخر حكمها‏,‏ وكانت المنطقة لاتزال عامرة بحضارة زاهرة‏,‏ والأنهار فيها متدفقة بالماء‏,‏ والبحيرات زاخرة بالحياة‏,‏ والأرض مكسوة بالخضرة‏,‏ وقوم عاد مستكبرون في الأرض‏,‏ ويشكلون الحضارة السائدة فيها‏,‏ وذلك قبل ان يهلكهم الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ مباشرة‏,‏ وكان أحد هؤلاء هو بليني الكبير من علماء الحضارة الرومانية‏ ،‏ والذي عاش في الفترة من‏23‏ م إلى‏79‏ م‏ ,‏ والآخر كان هو الفلكي والجغرافي بطليموس الأسكندري الذي كان أميناً لمكتبة الاسكندرية‏، ‏وعاش في الفترة من‏100‏ م إلى‏170‏ م تقريبا‏),‏ وقام برسم خريطة للمنطقة بأنهارها المتدفقة‏,‏ وطرقاتها المتشعبة، والتي تلتقي حول منطقة واسعة سماها باسم ‏(‏ سوق عمان‏) .‏
ووصف بليني الكبير حضارة عاد الأولى بأنها لم يكن يدانيها في زمانها حضارة أخرى على وجه الأرض‏,‏ وذلك في ثرائها‏,‏ ووفرة خيراتها‏,‏ وقوتها‏,‏ حيث كانت على مفترق طرق التجارة بين كلٍ من الصين والهند من جهة وبلاد الشام وأوروبا من جهة أخرى‏,‏ والتي كانت تصدِّر إليها البخور والعطور والأخشاب‏,‏ والفواكه المجففة‏,‏ والذهب‏,‏ والحرير وغيرها‏ .‏
وقد علَّق كثير من المتأخرين على كتابات كلٍ من بليني الكبير وبطليموس الاسكندري بأنها ضرب من الخرافات والأساطير‏,‏ كما يتشكك فيها بعض مدعي العلم في زماننا ممن لم يستطيعوا تصور الربع الخالي‏ ـ وهو من أكثر أجزاء الأرض قحولة وجفافاً اليوم ـ‏ مليئاً في يوم من الأيام بالأنهار والبحيرات والعمران‏,‏ ولكن صور المكوك الفضائي جاءت مطابقة لخريطة بطليموس الأسكندري‏,‏ ومؤكدة ما قد كتبه من قبل كلٍ منه ومن بليني الكبير كما جاء في تقرير معهد الدفع النفاث‏ .‏

إرهاصات قبل الكشف عن إرم :
في سنة‏1975‏ م تم اكتشاف آثار لمدينة قديمة في شمال غربي سوريا باسم مدينة‏ (‏ إبلا‏) (Ebla)
تم تحديد تاريخها بحوالي‏4500‏ سنة مضت‏,‏ وفي بقايا مكتبة قصر الحكم في هذه المدينة القديمة وجدت مجموعة كبيرة من الألواح الصلصالية‏(‏ حوالي‏15,000‏ لوح‏)‏ تحمل كتابات بإحدn اللغات القديمة التي تم معرفة مفاتيحها وتمت قراءتها‏ .‏
‏ في عددها الصادر بتاريخ ديسمبر‏1978‏ م نشرت المجلة الجغرافية الأهلية‏ (National Geographic Magazine)
‏ مقالاً بعنوان‏'Ebla: Splendor of an unknown Empire'(vol.154,no6,pp731.-759)‏ لكاتب باسم‏(Howard laFay)‏ جاءت فيه الإشارة إلى أن من الأسماء التي وجدت على ألواح مدينة إبلا الاسم إرم على أنه اسم لمدينة غير معروفة جاء ذكره في السورة رقم (‏89‏) من القرآن الكريم‏ .‏
بعد ذلك بعام واحد‏ ـ أي في سنة‏1979‏ م‏ ـ‏ نشر اثنان من غلاة الصهاينة هما‏:‏ حاييم برمانت، وميخائيل ويتزمان ‏(Chaim Bermant and Michael Wetzman)
كتاباً بعنوان‏:‏
‏(Ebla – A revelation In Archaeology)‏
ذكرا فيه أسماء ثلاثة وجدت مكتوبة على ألواح الصلصال المكتشفة في‏(‏ إبلا‏)‏ هي‏:‏ شاموتو ‏(‏ أو ثمود‏),‏ و‏(‏عاد‏),‏ و‏(‏إرم‏)‏ وذكرا أن هذه الأسماء الثلاثة ذكرت في السورة رقم (‏89‏) من القرآن الكريم‏ .‏
وأضاف هذان الصهيونيان أن‏(‏ ثمود‏)‏ اسم قبيلة ذكرها سارجون الثاني (Sargon II)‏
في القرن الثامن قبل الميلاد‏,‏ بينما الإسم‏ (‏ إرم‏)‏ قد اختُلِف فيه، فمن المؤرخين من اعتبره اسما لإحدى القبائل‏,‏ ومنهم من اعتبره اسماً لمكان‏,‏ أما عن الاسم الثالث‏(‏ عاد‏)‏ فقد اعتبراه اسماً اسطوريا‏ًً,‏ وهذا من قبيل تزييف التاريخ الذي برع فيه الصهاينة منذ القدم‏,‏ وقد سبقهم في ذلك جيش من مزيفي تاريخ الجزيرة العربية على رأسهم‏ Thomas Bertram‏ الذي نشر في الثلاثينيات من القرن العشرين كلاماً مشابهاً ‏.‏
 في يوليو سنة‏1990‏ م تشكل فريق من البُحَّاث في وكالة الفضاء الأمريكية‏ (NASA)
‏ برئاسة‏
(Charles Elachi)‏،
ومن معهد الدفع النفاث(J.P.L)‏ برئاسة‏ (Ronald Blom)‏ للبحث عن‏ "‏ إِرَمَ ذَاتِ العِمَادِ‏ " تحت رعاية وتشجيع عدد من الأسماء البارزة منها‏ :
(Armand Hammar, Sir Ranulph Fiennes, George Hedges)‏

ولكن البحث تأجل بسبب حرب الخليج ‏.

بعد الكشف عن إرم :
في يناير سنة‏1991‏ م بدأت عمليات الكشف عن الآثار في المنطقة التي حددتها الصور الفضائية، واسمها الحالي الشيصار، واستمر إلى مطلع سنة ‏1998‏ م، وأُعْلَن خلال ذلك عن اكتشاف قلعة ثمانية الأضلاع، سميكة الجدران بأبراج في زواياها مقامة على أعمدة ضخمة، يصل إرتفاعها إلى ‏9‏ أمتار، وقطرها إلى‏3‏ أمتار ربما تكون هي التي وصفها القرآن الكريم ‏.‏
في‏17/2/1992‏ م نشر في مجلة تايم‏(Time)‏
الأمريكية مقال بعنوان‏(Arabia‏ ص‏sLostSandCastleByRichardOstling) ذكر فيه الكشف عن إرم ‏.‏
‏ بتاريخ‏10/4/1992‏ م كتبت مقالا
ً بعنوان (اكتشاف مدينة إرم ذات العماد) نُشِرَ بجريدة الأهرام القاهرية لخصت فيه ما وصلني من أخبار ذلك الكشف حتى تاريخه‏ .‏
في سنة‏1993‏ م نشر بيل هاريس كتابه المُعَنْوَن‏(Bill Harris :Lost Civilizations)‏
بتاريخ‏23/4/1998‏ م نشر‏(Nicholas Clapp) كتابه المُعَنْوَن The Road to Ubar:‏
بتاريخ‏16/6/1999‏ م نشر بيكو إير ‏(PicoIyer)
كتابه المُعَنْوَن ‏(Falling off The Map : Some Lonely Places in The World)‏ .
وتوالت الكتب والنشرات والمواقع على شبكة المعلومات الدولية منذ ذلك التاريخ‏,‏ ولكن تكتَّم القائمون على الكشف نشر مزيد من أخباره حتى يتمكنوا من تزييفه وإلحاقه بأساطير اليهود كما فعلوا من قبل في لفائف البحر الميت وآثار‏(‏ إبلا‏)‏ وغيرها من المواقع‏,‏ ولكن كل مانشر ـ على قلته ـ يؤكد صدق ما جاء بالقرآن الكريم عن قوم عاد بأنهم‏ :‏
‏(1)‏ كانوا في نعمة من الله عظيمة، ولكنهم بطروها ولم يشكروها، ووصف بليني الكبير لتلك الحضارة بأنها لم يكن يدانيها في زمانها حضارة أخرى، كأنه ترجمة لمنطوق الآية الكريمة‏ " الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي البِلادِ "
.‏
‏(2)‏ أن هذه الحضارة قد طمرتها عاصفة رملية غير عادية، وهو ماسبق القرآن الكريم بالإشارة إليه. ‏
‏(3)‏ أن هناك محاولات مستميتة من اليهود لتزييف تاريخ تلك المنطقة ونسبة كل حضارة تكتشف فيها إلى تاريخهم المزيف‏,‏ ولذلك كان هذا التكتم الشديد على نتائج الكشف حتى يفاجئوا العالم بما قد زيفوه‏,‏ ومن ذلك محاولة تغيير اسم‏ (‏ إرم‏)‏ إلى اسم عبري هو أوبار‏(Ubar)
.‏
هذه قصة" إِرَمَ ذَاتِ العِمَادِ‏ "
‏، مدينة قوم عاد‏‏ التي جاءت الكشوف الأثرية الحديثة بإثبات ما ذُكر عنها في القرآن الكريم‏، وإن كان نفر من الأقدمين قد حاول إنكار ذلك تطاولاً على الله وكتابه‏,‏ فإن نفراً من المحدثين قد حاول إنكاره تطاولاً على العلم وأهله في زمن يتكلم فيه الرويبضة كما أخبرنا رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ ولا حول ولا قوة إلا بالله ‏.‏
ويبقى ما جاء في القرآن الكريم من ذكر لقوم عاد ولمدينتهم " إِرَمَ ذَاتِ العِمَادِ‏ "
,‏ ولما أصابها وأصابهم من دمار بعاصفة رملية غير عادية صورة من صور الإعجاز التاريخي في كتاب الله، تشهد له بصفائه الرباني‏,‏ وإشراقاته النورانية‏,‏ وبأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .‏
فالحمد لله على نعمة القرآن‏,‏ والحمد لله على نعمة الإسلام‏,‏ والصلاة والسلام على الرسول الخاتم الذي تلقاه وجاهد في سبيله حتى أتاه اليقين‏,‏ وعلى آله وصحبه ، ومن تبع هداه، ودعا بدعوته إلى يوم الدين‏ .