" وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُّخْرِجُ مِنْهُ حَباًّ مُّتَرَاكِباً " (‏الأنعام:‏99) .


هذا النص القرآني المعجز جاء في بداية الثلث الأخير من سورة الأنعام‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ ومن طوال سور القرآن الكريم‏,‏ إذ يبلغ عدد آياتها ‏(165)‏ بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم لتكرر الإشارة إلى الأنعام فيها‏ .‏ومن خصائص هذه السورة المباركة أنها نزلت دفعة واحدة‏،‏ ويدور المحور الرئيسي لها حول عدد من العقائد والتشريعات الإسلامية‏,‏ وقصص عدد من الأنبياء والمرسلين الذين أرسلهم الله ـ تعالى ـ‏ قبل بعثة خاتمهم ـ صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏ ـ‏ والإشارة إلى شيء من ذكر الأمم البائدة‏,‏ واستشهدت هذه السورة المباركة على صدق ما جاء بها من أخبار بالعديد من الآيات الكونية الناطقة بطلاقة القدرة الإلهية المبدعة في الخلق‏,‏ والشاهدة على وحدانية الخالق العظـيم‏,‏ بغير شريك‏,‏ ولا شبيه‏,‏ ولا منازع‏,‏ ولا صاحبة‏,‏ ولا ولد‏ ـ‏ تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا‏ًً .‏وتبدأ سورة الأنعام بقول الحق‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ :‏ " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ‏" (الأنعام:1) ‏ أي يساوون بين هذا الخالق المبدع‏,‏ قيوم السماوات والأرض ومن فيهن‏,‏ وإله السماوات والأرض ومن فيهن‏,‏ ورب السماوات والأرض‏ ومن فيهن‏,‏ وبين نفر من المخلوقين أو الأوثان المصنوعة بأيدي هؤلاء المخلوقين ‏.‏
واستنكاراً لهذا الموقف المشين من الكفار والمشركين تؤكد السورة أن الله‏ ـ‏ تعالى ـ هو الذي خلق الإنسان من طين‏,‏ وحدد لكل مخلوق أجله‏,‏ كما حدد للبعث أجلاً عنده‏ ـ سبحانه‏ ـ‏ استأثر وحده بعلمه‏,‏ بينما ينكر كثير من المخلوقين حتمية البعث أو يتشككون فيه ‏.‏
وتؤكد سورة الأنعام كذلك في مطلعها أن الله‏ ـ سبحانه وتعالى‏ ـ هو وحده الإله في السماوات وفي الأرض‏,‏ وهو وحده الذي يعلم السر والجهر‏,‏ ويعلم ماتكسب كل نفس‏ .‏
وتنعي السورة الكريمة على الكافرين إعراضهم عن كل آية تأتيهم من ربهم‏,‏ وتكذيبهم بوحي السماء‏,‏ وهو الحق الذي أنزله ربهم على فترة من الرسل‏,‏ وأتمه‏,‏ وأكمله‏,‏ وحفظه في القرآن الكريم‏,‏ الذي هو وحيه الخاتم‏,‏ وعلى الرغم من ذلك كذب الكافرون والمشركون بهذا الحق لمَّا جاءهم‏,‏ وترد عليهم السورة بقول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ : "..‏ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ "
(الأنعام:5)‏ .‏
وتؤكد سورة الأنعام أن الكافرين مهما أتاهم من معجزات فسوف يعتبرونه سحراً مبينا‏ًً,‏ وأنهم من فجرهم طالبوا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بنزول مَلَك من السماء يشهد له بالنبوة والرسالة‏,‏ ويرد عليهم الحق‏ ـ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ أنه لو أنزل ملكاً لحكم عليهم بالهلاك دون إمهال‏,‏ ولو قدَّر الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ ذلك لأنزله على هيئة رجل فاختلط الأمر عليهم‏ .‏
وتصبِّر الآيات خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ‏ صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏ ـ‏ بأن الرسل من قبله قد تعرضوا لتكذيب الكافرين وسخريتهم‏,‏ فأهلكهم الله ـ تعالى‏ ـ‏ بما سخروا‏,‏ وتطالب الناس بالسير في الأرض لينظروا كيف كانت عاقبة المكذبين‏ .‏
وتطلب الآيات من رسول الله ـ ‏صلى الله عليه وسلم‏ ـ أن يسأل الكافرين‏:‏ لمن ما في السماوات والأرض؟ وأن يجيب بأن ذلك كله لله الذي كتب على نفسه الرحمة تفضلاً منه على خلقه‏,‏ وإحساناً إليهم‏,‏ وأنه‏ ـ تعالى ـ‏ قد قرر أن يجمع الخلائق إلى يوم القيامة لا ريب فيه‏,‏ وأن الكافرين قد حكموا على أنفسهم بالهلاك حين كذبوا الرسل‏,‏ وشككوا في حقيقة البعث وكفروا بالله‏ .‏
وأشارت سورة الأنعام إلى أمم قد أبيدت من قبل بعد أن مكَّن الله‏ ـ تعالى‏ ـ لها في الأرض، ثم أهلكهم بذنوبهم‏,‏ وأنشأ من بعدهم قوماً آخرين‏,‏ ويمكن تلخيص المحاور الرئيسية للسورة في النقاط التالية‏ :


أولا‏ًً : ـ‏ من ركائز العقيدة الإسلامية في سورة الأنعام :
‏(1)‏ الإيمان بالله‏ خالق السماوات والأرض‏,‏ وجاعل الظلمات والنور‏,‏ الذي خلق الإنسان من طين‏,‏ وحدد لكل مخلوق أجله‏,‏ كما حدد لحظة البعث لجميع الخلائق بعد إفنائهم‏,‏ واستأثر وحده بعلم ذلك دون غيره ،‏ والإيمان بهذا الخالق العظيم إلهاً واحداً للسماوات والأرض ومن فيهن‏,‏ يعلم السر والجهر‏,‏ ويعلم ما تكسب كل نفس‏,‏ وأن هذا الخالق العظيم له ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم‏,‏ وأنه‏ ـ سبحانه‏ ـ‏ يطعِم ولا يطعَم‏,‏ وأنه‏ ـ‏ تعالى‏ ـ فالق الحب والنوى‏,‏ يُخرج الحي من الميت‏,‏ ومخرج الميت من الحي‏,‏ وأنه‏ ـ تبارك وتعالى ـ‏ هو فالق الإصباح‏,‏ الذي جعل الليل سكناً والشمس والقمر حسبانا‏ًً,‏ وجعل النجوم لنهتدي بها في ظلمات البر والبحر‏,‏ وأنشأ الناس من نفس واحدة فمستقر ومستودع‏,‏ وأنزل من السماء ماء فأخرج به نبات كل شيء‏,‏ وأخرج منه خضراً يخرج منه حبا متراكبا‏"..‏ وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ‏..." ‏(الأنعام:99)، وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات‏,‏ وهو ـ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ خالق كل شيء‏,‏ وهو على كل شيء وكيل‏؛ لأن أمره ـ‏ تعالى ـ‏ كن فيكون‏,‏ وأن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ : " لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ "       (‏الأنعام:‏103)‏.
وهو القائل ‏:
" فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاًّ كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ "‏       (‏الأنعام:‏125) .‏
وأن علمه‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ قد وسع كل شيء‏,‏ وأنه ـ‏ سبحانه‏ ـ‏ هو كاشف الضر عمن يشاء‏,‏ ومجري الخير على من يشاء‏,‏ وهو الذي ينجي من ظلمات البر والبحر‏,‏ وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير‏,‏ وأنه‏ ـ‏ تعالى ـ‏ واحد أحد‏,‏ فرد صمد‏,‏ بغير شريك ولا شبيه‏,‏ ولا منازع‏,‏ ولا صاحبة‏,‏ ولا ولد ـتعالى الله عن ذلك علواً كبيرا‏ًً ـ‏ وأنه يرسل المرسلين مبشرين ومنذرين‏,‏ وأن كل الخلائق سوف تُحشر إليه ليحاسبهم على أعمالهم في الدنيا‏,‏ وأنه‏ هو أسرع الحاسبين‏,‏ وأنه‏ هو منزل التوراة‏,‏ ومنزل القرآن الذي هو كتاب مبارك مصدق الذي بين يديه‏,‏ وهو وحي الله الخاتم الذي أوحاه إلى خاتم أنبيائه ورسله ‏ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ .‏
‏(2)‏ الإيمان بملائكة الله وبكتبه ورسله وبخاتمهم ـ صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم اجمعين ـ‏ وبأنهم أُرسلوا مبشرين ومنذرين‏,‏ وبأن القرآن الكريم هو رسالة الله الخاتمة‏,‏ ومن هنا فقد تعهد بحفظها فحفظت‏ .‏
‏(3)‏ الإيمان باليوم الآخر‏،‏ وما سوف يكون فيه من بعث‏,‏ وحشر‏,‏ وحساب‏,‏ وخلود في حياة قادمة‏,‏ إما في الجنة أبداً أو في النار أبداً‏,‏ وبحتمية ذلك دون أدنى شك أو ارتياب ‏.‏
‏(4)‏ الإيمان بالغيب ‏،‏ ومنه غيوب مطلقة لا سبيل للإنسان في الوصول إليها إلا عن طريق وحي السماء‏,‏ وتلك الغيوب المطلقة على المسلم أن يؤمن بها كما أُنزلت دون الخوض فيها بإمكانات الإنسان المحدودة ‏.‏
‏(5)‏ الإيمان بأن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ هو أكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين‏ :‏ ولذلك يجازي الحسنة بعشر أمثالها ‏(‏ إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة‏)،‏ ولا يجازي السيئة إلا بمثلها‏,‏ ومن هنا كانت ضرورة المواظبة على التوبة وحسن الاستغفار‏,‏ واليقين بأن من عمل سوءاً بجهالة ممن يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر‏,‏ ثم تاب من بعده وأصلح فإن الله غفور رحيم‏ .‏
‏(6)‏ الإيمان بأن من أبشع صور الظلم الذي يوقعه الإنسان على نفسه أن يشرك بالله‏,‏ سواء كان هؤلاء الشركاء من الجن أو الإنس‏,‏ أو بنسبة الزوجة أو الولد إلى الله من البنين أو البنات .
وأن المشركين سوف يُسألون عن شركهم‏‏ يوم القيامة فيتنصلون منه، ويحاولون إنكاره‏،‏ وأن افتراء الكذب على الله‏,‏ أو التكذيب بآياته‏,‏ أو الادعاء كذباً بتلقي الوحي‏,‏ أو تصور إمكانية تحقيق شيء مما أنزل الله‏,‏ كل ذلك من صور ظلم الإنسان لنفسه‏ .‏
‏(7)‏
الإيمان بأن كل من ينكر أن القرآن منزل بالحق من لدن رب العالمين‏,‏ وينكر نبوة خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقد كفر .‏
‏(8) الإيمان بأن اليهود قد حرَّفوا التوراة‏,‏ وأخفوا كثيراً من حقائقها،وأضافوا إليها ما لم ينزله الله‏ .‏
‏(9)‏ الإيمان بأن الظالمين تعنفهم الملائكة وهم في سكرات الموت‏,‏ وتطلب منهم أن يخرجوا أنفسهم‏,‏ وتتوعدهم بما ينتظرهم من عذاب شديد‏,‏ وذلك بما كانوا يقولون على الله غير الحق‏,‏ وكانوا عن آياته يستكبرون‏,‏ وتذكرهم بأنهم عائدون الله فرادى كما خلقهم أول مرة‏,‏ وتاركو من ورائهم ما كان الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ قد وهبهم من متاع الحياة الدنيا‏,‏ كما تركوا شركاءهم الذين أشركوا بهم‏,‏ وانقطع اتصالهم بهم ‏.‏
‏(10)‏ الإيمان بأن كل العباد مطالبون بإسلام أنفسهم لرب العالمين‏,‏ وأن يقيموا الصلاة له وحده‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ كركن أساسي من أركان الدين ‏.‏
‏(11)‏ الإيمان بأن الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم لهم الأمن وهم مهتدون‏ .‏
‏(12)‏ الإيمان بأن النوم صورة مصغَّرة من الوفاة‏,‏ وأن اليقظة من النوم صورة مصغَّرة من البعث‏ .‏
‏(13)‏ الإيمان بأن الله ـ‏ تعالى‏ ـ‏ سوف يفتح على الكافرين أبواب كل شيء في آخر الزمان، ثم يأخذهم بغتة فإذا هم مبلسون ‏.‏
‏(14)‏ الإيمان بالوعيد الإلهي الذي يقول فيه ربنا‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ : " لِّكُلِّ نَبَأٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ       (‏الأنعام‏67)‏ .
‏(15)‏ الإيمان بأنه لايجوز لمسلم البقاء في مجلس يُطعن في القرآن الكريم أو يُسخر منه‏ .

ثانياً : ـ من ركائز التشريع الإسلامي في سورة الأنعام‏ :‏
(‏أ‏)‏ الأمر بما يلي ‏:‏
(1)
الإحسان إلى الوالدين‏ .‏
‏(2)‏ التزام صراط الله المستقيم‏ .
‏(3)‏
إقام الصلاة‏,‏ وإيتاء الزكاة ـ ومنها زكاة الزرع يوم حصاده ـ وتقوى الله‏ ـ تعالى‏ ـ في كل الأحوال ‏.‏
‏(4)‏
وفاء الكيل‏,‏ والميزان بالقسط‏,‏ واجتناب المحرمات‏ .‏
‏(5)‏ الصدق في القول‏,‏ والإخلاص في العمل‏,‏ والوفاء بعهود الله‏ .‏
‏ (‏ب‏)‏ تحريم مايلي ‏:‏
‏(1)‏ الشرك
بالله ‏.‏
‏(2)‏ قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ‏.‏
‏(3)‏ أكل
مال اليتيم إلابالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده‏ .
‏(4)‏ الاقتراب من الفواحش ماظهر منها ومابطن‏ .‏
‏(5)‏ أكل ما لم يذكر اسم الله عليه‏,‏ وما أُهلَّ لغير الله به‏,‏ والميتة‏,‏ والدم المسفوح‏,‏ ولحم الخنزير‏,‏ وغير ذلك من المحرمات‏,‏ إلا من اضُّطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم .


ثالثاً : ـ من قصص الأنبياء في سورة الأنعام‏ :‏
جاء ذكر عدد من الأنبياء والمرسلين الذين منَّ الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ بهم لهداية البشرية قبل بعثة خاتمهم‏ ـ‏ صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏ ـ ومنهم إبراهيم وحواره مع أبيه آزر ‏(‏ ءازر‏)‏، وتأملاته في السماء‏,‏ إسحق‏,‏ يعقوب‏,‏ نوح‏,‏ داود‏,‏ سليمان‏,‏ أيوب‏,‏ يوسف‏,‏ موسى‏,‏ هارون‏,‏ زكريا‏,‏ يحيى‏,‏ عيسى‏,‏ إلياس‏,‏ إسماعيل‏,‏ اليسع‏,‏ يونس‏,‏ ولوط ـ‏ عليهم جميعاً من الله السلام‏ .‏


رابعاً : ـ الآيات الكونية في سورة الأنعام‏ :
‏(1)‏ خلق السماوات والأرض بالحق‏,‏ وجعل الظلمات والنور‏,‏ مما يشير إلى أن الظلمة هي الأصل في الكون‏ .‏
‏(2) خلق الإنسان من طين ‏.‏
‏(3)‏
الإشارة إلى ما سكن في الليل والنهار من المخلوقات ‏.‏
‏(4)‏
الإشارة إلى إمكانية تصنيف الحيوانات‏ .‏
‏(5)‏ توقع التقدم العلمي والتقني المعاصر‏,‏ وأنه سوف يكون وَبَالاً على الكافرين‏ .‏
(6)‏ تشبيه النوم بالموت واليقظة من النوم بالبعث بعد الموت‏ .‏
‏(7)‏ الإشارة
إلى وسطية مكة المكرمة بالنسبة للسماوات والأرض‏ .‏
‏(8)‏ الإشارة إلى أن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ هو فالق الحب والنوى لحظة الإنبات‏,‏ وأنه‏ ـ تعالى‏ ـ‏ هو الذي يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي‏ .‏
‏(9)‏ إثبات أن الله‏ ـ تعالى‏ ـ هو فالق الاصباح‏,‏ جاعل الليل سكناً والشمس والقمر حسباناً‏,‏ وهي إشارة إلى دقة دورانهما‏,‏ وإلى امكانية استخدام ذلك في التاريخ‏ .‏
‏(10)‏
الإشارة إلى أن الله‏ ـ‏ تعالى ـ هو الذي جعل لنا النجوم لنهتدي بها في ظلمات البر والبحر‏ .‏
‏(11)‏ التأكيد على أن الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ أنشأ الناس من نفس واحدة فمستقر ومستودع ‏.‏
‏(12)‏ الإشارة إلى أن الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ هو الذي أنزل من السماء ماء فأخرج به نبات كل شيء‏,‏ فأخرج منه خضراً يخرج منه حباً متراكباً ‏.‏
‏(13)‏ الإشارة إلى خلق النخيل‏,‏ وخلق طلعها، وهو أول ما يبدو ويخرج من ثمر النخل كالكيزان‏,‏ وخلق قنوانها‏,‏ والقنوان هي العراجين ‏(‏ جمع قنو وهوالعذق‏)‏، وخلق جنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبهاً‏,‏ وغير متشابه، وجعل بعض هذه الجنات معروشات وبعضها الآخر غير معروشات‏ .‏
‏(14)‏ التأكيد على حقيقة الخلق‏,‏ وعلى أن الله ـ‏ تعالى ـ هو خالق كل شيء‏ .‏
‏(15)‏
الإشارة إلى تناقص كلٍ من الضغط وتركيز الأكسيجين مع الارتفاع ، مما يؤدي إلى ضيق الصدر وحرجه‏ .‏
‏(16)‏ التأكيد على أن بالكون غيوباً مطلقة لايعلمها إلا الله .‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة خاصة بها‏,‏ ولذلك فسوف أركز هنا على النقطة الثانية عشرة في القائمة السابقة‏,‏ التي تتحدث عن إخراج الحب المتراكب من ‏(‏ الخضر‏)‏ الذي يخلقه الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ داخل معظم النباتات‏,‏ وقبل الوصول إلى ذلك لابد من الرجوع إلى أقوال عدد من المفسرين القدامى والمعاصرين في شرح دلالة تلك الآية الكريمة‏ :‏


من أقوال المفسرين :
في تفسير قوله‏ ـ‏ تعالى ـ : "وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُّخْرِجُ مِنْهُ حَباًّ مُّتَرَاكِباً "   (‏الأنعام‏99) .ذكر ابن جرير‏ ـ‏ رحمه الله‏ ـ‏ ما نصه‏: " فَأَخْرَجْنَا "‏ يعني‏:‏ من الماء . "‏ خَضِراً‏ " هو الأخضر الرطب من الزرع‏ ."‏ حَباًّ مُّتَرَاكِباً "‏ هو مافي السنبل من الحب‏ . (انتهى قول المفسر)وذكر ابن كثير‏ ـ‏ رحمه الله‏ ـ‏ مانصه‏ : " وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً‏ " أي بقدر‏,‏ مباركا ورزقا للعباد، وإحياءاً وغياثاً للخلائق‏,‏ رحمة من الله بخلقه ."‏ فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ " ‏ كقوله‏ " وجعلنا من الماء كل شيء حي‏ " . "‏ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً‏ " أي زرعاً وشجراً أخضر,‏ ثم بعد ذلك نخلق فيه الحب والثمر‏ ، ولهذا قال‏ ـ‏ تعالى‏ ـ : "‏ نُّخْرِجُ مِنْهُ حَباًّ مُّتَرَاكِباً‏ " ‏ أي يركب بعضه بعضاً كالسنابل ونحوها ‏. (انتهى قول المفسر)وجاءفي تفسير الجلالين‏ ـ‏ رحم الله صاحبيه‏ ـ‏ ما نصه‏: " وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا‏ " فيه التفات عن الغيبة‏ . "‏ بِهِ‏ "‏ بالماء . "‏ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ‏ "‏ ينبت‏ . "‏ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ‏ "‏ أي‏:‏ النبات شيئاً .‏" خَضِراً‏ "‏ بمعنى‏:‏ أخضر .‏"‏ نُّخْرِجُ مِنْهُ "‏ من الخضر .‏" حَباًّ مُّتَرَاكِباً‏‏ " يركب بعضه بعضا كسنابل الحنطة ونحوها ‏. (انتهى قول المفسر)
‏ وذكر صاحب الظلال‏ ـ‏ رحمه الله رحمة واسعة جزاء ما قدَّم‏ ـ‏ ما نصه‏:‏ والماء كثيراً ما يُذكر في القرآن في صدد ذكر الحياة والإنبات‏ ..‏ ودور الماء الظـاهر في إنبات كل شيء دور واضح يعلمه البدائي والمتحضر‏,‏ ويعرفه الجاهل والعالم‏.‏ ولكن دور الماء في الحقيقة أخطر وأبعد مدى من هذا الظاهر الذي يخاطب به القرآن الناس عامة‏, وكل نبت يبدأ أخضر‏,‏ واللفظ ‏(‏ خضر‏)‏ أرق ظلا‏ًً,‏ وأعمق ألفة من لفظ‏ (‏ أخضر‏),‏ هذا النبت الخضر‏ يخرج منه حب متراكب‏ كالسنابل وأمثالها ‏. (انتهى قول المفسر)
‏‏ وجاء في صفوة البيان لمعاني القرآن ـ‏ رحم الله كاتبه ـ ما نصه‏:"‏ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً "
أي أخرجنا من النبات الذي لا ساق له نباتاً غضاً أخضر‏، وهو ما تشعب من أصل النبات الخارج من الحبة‏,‏ وخَضِر بمعنى أخضر‏,‏ اسم فاعل‏.‏ يقال‏:‏ خضر الزرع ـ من باب فرح ـ واخضر فهو خضر وأخضر .
"‏ نُّخْرِجُ مِنْهُ حَباًّ مُّتَرَاكِباً "‏
أي سنابل فيها الحب يركب بعضه بعضا‏‏ كما في الحنطة والشعير وسائر الحبوب ‏.‏ يقال‏:‏ ركبه ـ كسمعه ـ ركوباً ومركباً‏,‏ علاه‏,‏ كارتكبه . (انتهى قول المفسر)
‏ وذكر أصحاب المنتخب في تفسير القرآن الكريم‏ ـ‏ جزاهم الله خيراً‏ ـ‏ ما نصه‏:‏ وهو الذي أنزل من السحاب ماء أخرج به نبات كل صنف‏,‏ فأخرج من النبات شيئاً غضاً طرياً‏,‏ ونخرج منه حباً كثيراً بعضه فوق بعض ‏....‏ (انتهى قول المفسر)
وجاء تعليق الخبراء بالهامش ليقول ‏:‏ توضح هذه الآية الكريمة في النباتات كيفية خلق تلك الثمار، وكيف نشأت ونمت في أطوارها المختلفة حتى وصلت إلى طور نضجها الكامل بما تحويه من مركبات مختلفة من الزيوت‏,‏ والبروتينات والمواد الكربوهيدراتية كالسكريات والنشويات‏,‏ كل هذا يتكون في وجود ضوء الشمس عن طريق المادة الخضراء‏ (‏ مادة اليخضور‏)‏ التي توجد عادة في المجموع الخضري للنباتات ،‏ خاصة الأوراق‏,‏ فهي المصنع الذي تتكون فيه تلك المركبات‏,‏ ومنها توزع على باقي أجزاء النبات بما فيها البذور والثمار‏,‏ علاوة على أن الآية الكريمة تقطع بأن ماء المطر هو المصدر الوحيد للماء العذب على الأرض‏,‏ وأن طاقة الشمس هي مصدر طاقات الأحياء جميعاً‏,‏ ولكن النباتات هي التي تستطيع اختزان طاقة الشمس بواسطة مادة اليخضور وتسلمها لكلٍ من الإنسان والحيوان في المواد الغذائية العضوية التي كونتها‏,‏ وقد كشف العلم عن حقيقة باهرة تدل على وحدة الخالق‏,‏ وهي أن مادة الهيموجلوبين اللازمة لتنفس الإنسان وتنفس كثيرٍ من أنواع الحيوان وثيقة الصلة بمادة اليخضور‏,‏ فذرات الكربون والإيدروجين والأكسوجين والنيتروجين تكتنف ذرة الحديد في جزيء الهيموجلوبين‏,‏ بينما هي بنفسها تكتنف ذرة المغنيسيوم في جزيء اليخضور‏,‏ كما أنه قد اتضح من البحوث الطبية أن مادة اليخضور عندما يتمثلها جسم الإنسان تندمج في خلاياه، فتقويها وتساعدها في القضاء على جراثيم الأمراض، فتتيح لأنسجة الجسم فرصة الدفاع ومكافحة الأمراض .
وفي آخر الآية الكريمة قوله ـ تعالى ـ ‏:‏ " انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ .."
‏ وفي هذه الإشارة سبق لعلم النبات الحديث فيما وصل إليه من الاعتماد في دراسته على مشاهدة الشكل الخارجي لأعضائه كافة في أدواره المختلفة‏ .‏ (انتهى قول المعلق)
‏ وجاء في صفوة التفاسير‏ ـ جزى الله كاتبها خيرا‏ًً ـ‏ ما نصه‏:" وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ "‏
أي أنزل من السحاب المطر فأخرج به كل ماينبت من الحبوب والفاكهة والثمار والبقول والحشائش والشجر‏‏ . " فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً‏ " ‏ أي أخرجنا من النبات شيئا غضاً أخضر .‏"‏ نُّخْرِجُ مِنْهُ حَباًّ مُّتَرَاكِباً "‏ أي نخرج من الخضر حباً متراكباً، بعضه فوق بعض كسنابل الحنطة والشعير‏,‏ قال ابن عباس‏:‏ يريد القمح والشعير والذرة والأرز‏ . (انتهى قول المفسر)‏



الدلالات العلمية للنص القرآني‏ :‏
أولاً ـ " وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً " ‏:
على الرغم من فهمنا لعملية نزول المطر من السماء وما يتدخل في ذلك من تصريف الرياح وامرارها على مصادر الماء‏,‏ وتحميلها ببخاره حتى تتكون السحب بارتفاع هذه الرياح المحملة ببخار الماء إلى الأجزاء العليا من نطاق الرجع‏ (‏ نطاق التغيرات المناخية‏)‏، حيث تثريها دورة الماء حول الأرض ببخار الماء المتصاعد من فوهات البراكين‏,‏ ومن تبخير الماء من مسطحاته بفعل أشعة الشمس‏,‏ ومن نتح النبات‏,‏ وتنفس‏‏ وإفراز كلٍ من الإنسانوالحيوان .وبارتفاع بخار الماء في نطاق الرجع يزداد تكثفه لتناقص الضغط وانخفاض درجة الحرارة فتتكون المزن (السحب الممطرة) ‏ بالمزيد من تكثف بخار الماء، مما يؤدي إلى زيادة حجم وكتلة قطيرات الماء في السحب المزنية حتى تسقط على هيئة زخات المطر أو حبات البَرَد أو بلورات الثلج‏ .‏وبتصريف من الله ـ‏ تعالى ـ‏ تقوم الرياح بدور مهم في هذه العملية‏,‏ كما يقوم كلٌ من درجة رطوبتها وحرارتها‏,‏ وشدة اندفاعها‏,‏ وكم نوى التكثف فيها ‏(‏ من هباءات الغبار‏,‏ ودقائق الأملاح‏,‏ وبلورات الثلج الدقيقة‏,‏ وغيرها‏)‏ بتعظيم ذلك الدور أو تقليله حتى تصل درجة تشبع الهواء ببخار الماء عند كل درجة حرارة وضغط إلى حد معين‏,‏ فإن الهواء لايستطيع حمل مزيد من هذا البخار فينزله بإذن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ مطراً بالقدر الذي يحدده الله، وفي المكان الذي يختاره بعلمه وحكمته‏ ، ولذلك يقول المصطفى‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ : "‏ ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله ‏" (‏رواه البخاري‏) .‏

ثانياً : ـ " فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ ‏" :‏
شاءت إرادة الخالق ـ سبحانه وتعالى ـ‏ أن تنتقل البذور عند نضجها بعيداً عن النبات الأم‏؛‏ وذلك لتحقيق الانتشار الأفقي لتوزيع النباتات والحيلولة دون تنافسها على مصادر حياتها من التربة‏,‏ والماء‏,‏ وضوء الشمس ‏.‏
ويتم هذا الانتقال والتناثر إما بانفجار الثمرة أو انتقالها كاملة بواسطة الهواء أو الماء أو بواسطة الحيوانات التي تأكل الثمار‏,‏ وتلفظ البذور مع روثها‏,‏ أو تقوم بتخزينها في أماكن تصلح لإنباتها‏,‏ أو بتعلق تلك البذور بفرائها‏ .‏ وقد وهب الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ بعض البذور وسائط تعين على تناثرها، مثل الأجنحة أو الأهداب أو القدرة على الطفو‏، وبذلك انتشرت بذور كل النباتات في تربة الأرض‏‏ على سطحها انتشاراً واسعا‏ًً,‏ وعندما يُنزل الله ـ تعالى‏ ـ‏ الماء من السماء‏,‏ ويصل هذا الماء إلى البذور المدفونة في تربة الأرض‏،‏ فإنها تبدأ بالإنبات ‏، وذلك بامتصاص الماء والانتفاخ الذي يؤدي إلى انشطار غلاف البذرة وانفتاحها لتفسح طريقاً سهلاً لأول جذر الجذير‏,‏ وأول ساق السويقة للخروج منها‏,‏ ويتجه الجذير إلى أسفل ليخترق التربة ويثبِّت نفسه فيها‏,‏ بينما تتجه السويقة إلى أعلى مخترقة التربة لتظهر فوقها‏ .‏
ويطلق اسم الأوراق البذرية على أول أوراق تنمو على السويقة‏,‏ وتمتاز هذه عن الأوراق الحقيقية التي تظهر بعد ذلك بشفافيتها‏,‏ ويسمى هذا النبات باسم البادرة، ويعيش على الطعام المخزون في بذرته إلى حين ظهور أوراقه الحقيقية التي أعطاها الله ـ‏ تعالى‏ ـ القدرة على صنع الطعام لذلك النبات النامي بواسطة عملية التمثيل‏ (‏ التركيب أو البناء‏)‏ الضوئي حتى ينمو ويزهر ويصبح جاهزاً لاعطاء الثمار والبذور‏ .‏
ويعرف الآن أكثر من ربع مليون نوع من أنواع النباتات المزهرة بالإضافة إلى اعداد كبيرة من النباتات اللازهرية ـ أي التي لاتنتج أزهارا‏ًً .‏

ثالثا‏ًً :‏ " فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً " :
بمجرد ظهور الأوراق الحقيقية على النبتة الناشئة ‏(‏ البادرة‏)‏ يزوِّدها خالقها‏ ـ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ بصبغ أخضر يعرف باسم ‏(‏ اليخضور‏),‏ وهذا الصبغ أعطاه الله‏ ـ تعالى ـ القدرة على امتصاص قدر من طاقة ضوء الشمس‏,‏ وتحويله إلى طاقة كيميائية يستخدمها في تخليق الكربوهيدرات من الماء الذي تمتصه جذور النبات مع العصارة الغذائية من التربة‏,‏ وثاني أكسيد الكربون الذي تمتصه أوراق النبات من الجو‏,‏ ويتصاعد الأكسيجين‏ . أما النباتات المائية ـ خاصة المغمور منها في الماء ـ فتحصل على ثاني أكسيد الكربون من نسبته الذائبة في الماء‏,‏ ويصل بعد ذلك إلى عضيات سيتوبلازمية دقيقة تعرف باسم البلاستيدات الخضراء على هذه الصورة الذائبة في الماء، أو مندمجاً في أملاح البيكربونات‏,‏ ويطلق على هذه العملية أحياناً اسم‏:‏ التمثيل الكربوني ، نظراً لما تنطوي عليه من استعمال الكربون في تصنيع المواد الكربوهيدراتية ‏.‏
ويوجد ثمانية أنواع من مادة اليخضور‏,‏ وهي مادة تشبه الهيموجلوبين من ناحية تركيبها الكيميائي، ولكنها تختلف في بنائها الجزيئي حول ذرة من المغنيسيوم بدلاً من ذرة الحديد في قلب جزيء الهيموجلوبين‏ .‏
وتوجد البلاستيدات الخضراء‏ (‏ جبيلات اليخضور‏)‏ في الخلايا الطويلة العمودية على جدار أوراق النبات‏,‏ وهذه البلاستيدات أعطاها الله ـ تعالىـ‏ القدرة على التحرك داخل الخلية بحرية كاملة لاصطياد أكبر قدر من أشعة الشمس‏, وتقوم أوراق النبات بامتصاص ثاني أكسيد الكربون من الجو‏,‏ وبالتقاط الماء الصاعد مع العصارة الغذائية من التربة بواسطة الجذور‏,‏ والمرتفع بالخاصية الشعرية إلى قمة النبات‏,‏ ويقوم الصبغ الأخضر‏(‏ اليخضور‏)‏ الموجود بداخل البلاستيدات بالتقاط الطاقة القادمة مع أشعة الشمس واستخدامها في تحليل الماء إلى الأكسيجين الذي ينطلق إلى الجو عبر ثغور ورقة النبات‏,‏ والأيدروجين الذي يتحد مع ثاني أكسيد الكربون لتكوين السكريات والنشويات وغيرهما من الكربوهيدرات، وتتم هذه العملية على مراحل عدة تؤدي المادة الخضراء دوراً مهماً فيها‏,‏ وتشترك عدة إنزيمات في إتمامها ، ويستخدم معظم الكربوهيدرات الناتجة عن عملية التمثيل الضوئي كغذاء للنبات من أجل توفير الطاقة اللازمة لنموه‏,‏ وما يزيد على حاجة النبات يتم حفظه داخل الخلايا على هيئة مواد نشوية وسكرية تستخدم بعد ذلك من أجل بناء الثمار والحبوب والبذور‏ .‏
ويستمد النبات الطاقة التي يحتاجها في نموه من غذائه في عملية معاكسة لعملية التمثيل الضوئي تعرف باسم التنفس الداخلي تتحد فيها الكربوهيدرات مع الأكسجين لإطلاق الطاقة وثاني أكسيد الكربون والماء على النحو التالي ‏:‏
عملية التمثيل الضوئي :
ثاني أكسيد كربون ‏+‏ ماء ‏+‏ طاقة = كربوهيدرات ‏+‏ أكسيجين
عملية التنفس الداخلي :
واعتماداً على وفرة ضوء الشمس أو ندرته يزيد معدل إتمام إحدى العمليتين على حساب الأخرى‏,‏ ففي ضوء الشمس الساطع يتسارع معدل التمثيل الضوئي، وينتج النبات من الكربوهيدرات والأكسيجين أكثر مما يستهلكه في عملية التنفس‏,‏ وفي العتمة التامة يتسارع معدل التنفس الداخلي فيستهلك النبات ما ينتجه من الكربوهيدرات ليحرقه منتجاً الطاقة اللازمة لنموه بالاضافة إلى ثاني أكسيد الكربون والماء‏ .‏ وعند كلٍ من الغسق والفجر تتوازن العمليتان، بمعنى أن عملية التمثيل الضوئي تنتج من الكربوهيدرات والأكسيجين مايكفي لعملية التنفس الداخلي فقط، كما تنتج تلك العملية من الطاقة وثاني أكسيد الكربون والماء مايكفي لإتمام عملية التمثيل الضوئي‏,‏ ولذلك تسمى هاتان النقطتان باسم نقطتي التكافؤ‏ .‏

رابعا‏ًً : ‏" نُّخْرِجُ مِنْهُ حَباًّ مُّتَرَاكِباً ‏":‏
تؤدي عملية إخصاب النباتات المزهرة إلى إنتاج البذور‏,‏ والبذرة تحتوي على جنين لنبتة جديدة‏,‏ ومخزون من الطعام يكفي بادرة هذه النبتة حتى تتمكن من إنتاج أوراق خضراء أعطاها الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ القدرة على إنتاج الغذاء ذاتياً لتلك النبتة‏,‏ وهذه البذور قد تكون هي الثمرة، أو قد تحفظ في داخل الثمرة‏,‏ وهذه الثمرة قد تتبعثر وتنتشر في الأرض لإنتاج نبات جديد ، أو قد يقتنصها أي من الإنسان أو الحيوان ‏.‏
والبذرة عادة ماتكون محمية بغلاف متين يعرف باسم‏ (‏ غلاف البذرة‏)‏ ، ويملك كل غلاف لبذرة من البذور‏(‏ سرة‏)‏ على سطحه تظهر الموضع الذي ارتبطت به البييضة بالمبيض‏,‏ كما يمكن مشاهدة الفتحة الصغيرة التي دخلت عبرها حبة اللقاح إلى البييضة، وتعرف باسم‏(‏ النقرة‏)،‏ وتمثل الممر الذي يسمح بمرور الماء إلى الجنين كي ينبت‏,‏ وجنين البذرة يتكون من السويقة‏(‏ السبد‏)‏ والجذير‏ .‏
والحب هو ثمر جميع أنواع الحبوب ، مثل القمح‏,‏ والشعير‏,‏ والشوفان‏,‏ والذرة‏,‏ والأرز وغيرها من النباتات ذوات الفلقة الواحدة، والتي تنطوي في عائلة تعرف باسم العائلة النجيلية، وهي من أكثر النباتات نجاحاً؛ لأنها تغطي مساحات من اليابسة أكثر من أية نباتات أخرى، وتشكل الغذاء الرئيسي لكلٍ من الإنسان والحيوان آكل العشب‏,‏ وتشمل نحو سبعة آلاف نوع من أنواع النباتات ‏.‏
وهذه الحبوب تتكون أساساً من الكربوهيدرات التي تبنيها الصبغة الخضراء داخل البلاستيدات الخضراء‏ (‏ جبيلات اليخضور‏)‏، وهنا يندهش الإنسان لهذا النص القرآني المعجز الذي أنزله ربنا ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ‏ من قبل ألف وأربعمائة سنة ليقول فيه ‏:‏
" وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُّخْرِجُ مِنْهُ حَباًّ مُّتَرَاكِباً ‏ ..‏ " (الأنعام:99) .
وارتباط الإنبات بإنزال الماء‏,‏ وارتباط حياة النباتات الزهرية‏ ـ وتمثل الغالب من النباتات‏ ـ بتلك القدرة الذاتية التي أعطاها إياها الخالق ـ‏ سبحانه وتعالى ـ على تصنيع غذائها بعملية التمثيل الضوئي، والتي تقوم بها تلك الصبغة الخضراء التي وضعها الله الخالق‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ في جبيلات اليخضور‏,‏ وأن ماتنتجه تلك الجبيلات الخضراء من الكربوهيدرات يزيد على احتياج النبات، فيخزن في داخله حتى تنتج منه الحبوب المتراكبة‏,‏ وهي حقائق لم يدركها العلم المكتسب إلا في القرن العشرين‏
,‏ وورودها في كتاب الله من قبل أربعة عشر قرناً بهذه الدقة والإحاطة والشمول لمما يجزم بأن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق الموحي به إلى خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ والمحفوظ بنفس لغة وحيه ـ اللغة‏ العربية‏ ـ في صفائه الرباني‏,‏ وإشراقاته النورانية‏ .
فالحمد الله الذي أنزل القرآن الكريم، والصلاة والسلام على النبي الخاتم والرسول الخاتم الذي تلقاه فأبلغه بأمانة تامة وحرص شديد، فجزاه الله ـ تعالى ـ خير ماجزى به نبياً عن أمته ، ورسولاً على حسن تبليغ رسالته‏,‏ وآتاه الوسيلة والفضيلة، والدرجة العالية الرفيعه التي وعده إياها، إن ربي لايخلف الميعاد .