"وَجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حَاجِزاً " (النمل‏:61).


هذا النص القرآني المعجز جاء في مطلع الثلث الأخير من سورة النمل‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ وآياتها ثلاث وتسعون‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلى قصة نبي الله سليمان مع هذه الحشرة الضئيلة الحجم‏‏ في وادي النمل‏,‏ ولعل في ذلك ما يؤكد لنا أن كل كائن في هذا الوجود من المخلوقات غير المكلفة له قدر من الإدراك‏,‏ والوعي‏,‏ والإيمان بالله‏‏ وحده‏ (‏بغير شريك، ولا شبيه، ولا منازع‏)‏ في توحيد خالص‏,‏ وخضوع كامل‏,‏ وعبادة فطرية‏,‏ تسخيرية دائبة قد تقصر دونها عبادة بعض المكلفين من الخلق‏,‏ وذلك بغض النظر عن حجم ذلك الكائن‏,‏ أو طبيعته‏‏ جماداً كان‏,‏ أو حيواناً أو نباتا‏ًً,‏ وعلى الرغم من غفلة كثير من الخلق المكلفين عن تلك الحقيقة المبهرة‏ .
ويدور المحور الرئيسي لسورة النمل حول قضية العقيدة، وأساسها الإيمان بالله وحده‏,‏ ولذلك تقرع آذان المشركين بهذا التساؤل الاستنكاري التبكيتي الرادع‏ :‏  أإله مع الله‏‏ ؟!"
وقد تكرر هذا التساؤل خمس مرات بين آيات السورة الكريمة‏,‏ وجاءت كل مرة فيها بعد الإشارة إلى عدد من الآيات الكونية التي تشهد للخالق العظيم بالألوهية‏,‏ والربوبية، والوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه‏,‏ كما تشهد له‏ ـ‏ سبحانه‏ ـ‏ بطلاقة القدرة‏,‏ وبديع الصنعة‏,‏ وإحكام الخلق‏,‏ وتمام الحكمة‏,‏ وإحاطة العلم‏,‏ ويأتي الجواب بعد كل تساؤل من تلك التساؤلات الخمسة أكثر زجراً، وأقوى ردعاً بقول الحق ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :‏"...... بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ " (‏النمل‏:60)‏ .
" ......بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ
". قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ  "(‏النمل‏:62)‏ .
  " ......تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ "(‏النمل‏:63)‏ ‏.
‏"...... قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ‏ "‏ (‏النمل‏:64)‏ ‏.

وبعد استعراض أطراف من قصص الغابرين يأتي قول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :‏
" قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ " ‏   (‏النمل‏:59) .

ومن ركائز العقيدة التي دار حولها المحور الرئيسي للسورة أيضا‏ًً:‏
الإيمان بأن هذا الإله الواحد ـ الذي لا شريك له في ملكه‏,‏ ولا منازع له في سلطانه ـ هو الخالق‏,‏ الرزاق‏,‏ العليم الحكيم واهب النعم‏,‏ ومجري الخيرات‏,‏ علام الغيوب‏,‏ صاحب الحول والطول‏,‏ منزل وحي السماء الذي تكامل في القرآن الكريم، وحفظ فيه بوعد منه‏ ـ سبحانه وتعالى ـ‏ والإيمان بالآخرة‏,‏ وبما فيها من بعث وحساب‏,‏ وثواب وعقاب‏ .‏ وتبدأ سورة النمل بالحرفين الهجائيين (طس) اللذين اختص بهما مطلع هذه السورة الكريمة‏,‏ وهذه الفواتح الهجائية من أسرار القرآن الكريم التي يرى نفر من علماء المسلمين أفضلية التوقف عن الخوض في تفسير دلالاتها‏,‏ وتفويض الأمر فيها إلى الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ ويرى نفر آخر ضرورة الاجتهاد في فهم تلك الدلالات‏,‏ فتعددت لها أوجه التفسير دون الوصول إلى رأي جامع في ذلك بعد ‏.‏
وتؤكد السورة الكريمة أن آيات القرآن الكريم هي الكتاب المبين‏,‏ وأنها جاءت‏ :‏
" هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ . الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ "     (‏النمل‏:3,2)‏ .
ثم تنتقل السورة إلى مقارنة بين المؤمنين بالآخرة والذين لا يؤمنون بها‏,‏ وتعرض لشيء من صفاتهم وجزائهم في الدنيا والآخرة‏,‏ وتؤكد لخاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ قدسية ما يتلقاه من وحي فيقول‏ :‏ " وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى القُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ "  (‏النمل‏:6)‏ . ثم تعرض سورة النمل لقصص عدد من أنبياء الله‏,‏ ولما نال الكافرين من أقوامهم من عذاب بسبب إعراضهم عن دعوة الله‏,‏ وتكذيبهم لرسله‏,‏ ومن هؤلاء موسى‏ ـ عليه السلام‏ ـ وكلام ربه‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ إليه‏,‏ وبعثه إلى فرعون وقومه في تسع آيات‏,‏ ومنهم كل من داود وسليمان‏ ـ عليهما السلام‏ ـ‏ وما علمهما الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ من علم‏,‏ وما آتاهما من فضل‏,‏ ومن ذلك قصة سليمان ـ عليه السلام ـ مع نملة في وادي النمل‏,‏ ومع كلٍ من الهدهد وبلقيس ملكة سبأ ‏.‏
كذلك جاءت سورة النمل على ذكر طرف من قصة نبي الله لوط‏ ـ‏ عليه السلام ـ والفاحشين من قومه‏,‏ وما أصاب هؤلاء الفاحشين من عذاب أليم‏,‏ ونجاة لوط وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين ‏.‏
وفي الرد على منكري البعث تخاطب سورة النمل رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ بقول الحق ـ تبارك وتعالى‏ ـ :‏
" قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ .بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ . وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُراباً وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ .لَقَدْ وَعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِن قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ"     (‏النمل‏65‏ ـ‏68)‏ .
وتتابع السورة الكريمة بالأمر الإلهي إلى هؤلاء المكذبين بالدين أن يسيروا في الأرض فينظروا كيف كانت عاقبة المجرمين من الأمم السابقة‏,‏ والذين أبيدوا عن بكرة أبيهم جزاء إجرامهم وكفرهم وظلمهم‏,‏ وأن هذه هي عاقبة كل مجرم مفسد في الأرض ، أمثال الصهاينة المجرمين الغاصبين لأرض فلسطين، والجائرين على أهلها بالبطش والظلم ، وأمثال الهندوس والبوذيين الظالمين لشعوبهم من المسلمين‏,‏ وعاقبة الأمريكان والبريطانيين والروس والصربيين والصينيين الخائنين المتآمرين والمستبدين بشعوبهم وبشعوب الأرض أجمعين‏ .‏ وتأمر الآيات رسول الله ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ‏ كما تأمرنا اليوم بأمر الله ـ تعالى‏ ـ ‏:
" وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُن فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ "‏ (‏النمل‏:70)‏ .
وترد السورة مرة أخرى على شبهات المتشككين في الآخرة والعمين عنها بقول الحق‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ : ‏" وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ . قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ . وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ "    (‏النمل‏:71‏ ـ‏73) .‏ وتؤكد الآيات في سورة النمل أن الله‏ ـ تعالى ـ يعلم ما تكن الصدور وما تعلن‏,‏ ويعلم غيب السماوات والأرض‏,‏ وأن هذا القرآن الكريم أنزل تصحيحاً لما حرف اليهود من رسالة الله إليهم‏,‏ وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين‏,‏ وأن الله ـ‏ تعالى‏ ـ يقضي بينهم بحكمه ، وهو العزيز العليم ‏. ‏ وتأمر الآيات رسول الله‏ ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏ بالتوكل على الله‏,‏ وتؤكد له أنه على الحق المبين‏,‏ وتفسر له رفض الكافرين لرسالته بأنهم كالأموات بلا وعي ولا حراك، أو كالصُم الذين لا يسمعون خاصة إذا ولوا مدبرين، أو كالعمي الذين لا يبصرون، والغارقين في الضلال إلى آذانهم ولذلك تقول ‏: " فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الحَقِّ المُبِينِ . إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ المَوْتَى وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ . وَمَا أَنْتَ بِهَادِي العُمْيِ عَن ضَلالَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ "   (‏النمل‏:79‏ ـ‏81)‏ . وتؤكد سورة النمل أن من العلامات الكبرى للساعة خروج الدابة من الأرض تكلم الناس وتعاتبهم على عدم اليقين بآيات الله فتقول ‏:‏ " وَإِذَا وَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لاَ يُوقِنُونَ (‏النمل‏:82) ‏. وتتحدث الآيات عن مصائر المكذبين بآيات الله يوم الحشر‏,‏ وعن أثر نفخة الصور في كلٍ من أهل السماء والأرض فتقول ‏:‏ " وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَن شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ "  (‏النمل‏:87) . وتصف سورة النمل مصائر كلٍ من المحسنين والمسيئين فتقول ‏:‏ " مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ . وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وَجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ " (‏النمل‏:89‏ ـ‏90)  .
 وتختتم السورة الكريمة بأمر إلهي إلى الرسول الخاتم والنبي الخاتم‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ ليقول للناس كافة ‏:‏
" إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ . وَأَنْ أَتْلُوَ القُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ المُنذِرِينَ . وَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ "     (‏النمل‏:91‏ ـ‏93) . 

والآيات التي استشهدت بها سورة النمل على صدق ما جاء بها من عقائد وتشريعات وأحكام وأخبار تشمل ما يلي‏ :‏
‏(1)‏ الإشارة إلى أن لكلٍ من الطيور والحشرات ولغيرهما من الحيوانات بالقياس‏ (‏ولباقي الكائنات من الأحياء والجمادات‏)‏ قدراً من الإدراك‏,‏ ومنطقاً يعين كلاً منهم على التعبير عن مشاعره وخواطره، وإيماناً فطرياً تسخيرياً للخالق‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ وإدراكاً لجلال هذا الخالق العظيم‏,‏ وهو باب في العلم لم يدرك الإنسان طرفاً منه إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين، ولا يزال العلم اليوم على عتبات ذلك الباب‏ .‏
(2)‏ الإشارة إلى سرعات فائقة تقترب من سرعة الضوء، كالسرعة التي نقلت بها عرش بلقيس ملكة سبأ من جنوب اليمن إلى بيت المقدس في زمن لا يتعدى طرفة عين‏,‏ ولم يكن أحد على وجه الأرض حينذاك ولا في وقت تنزل القرآن الكريم يدرك شيئاً من قبيل تلك السرعات الفائقة إلا في المعجزات او الأساطير‏.‏
‏(3)‏ الإشارة إلى تزجيج بلاط الأرضيات‏" إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ "‏.‏
(4)‏ خلق السماوات والأرض بالحق‏ .‏
(5)‏ إنزال الماء من السماء، وإنبات النبات والشجر بإذن الله‏ .‏
(6)‏ جعل الأرض قراراً، وإرساؤها بالجبال‏,‏ وشق الأنهار من خلالها‏ .‏
(7)‏ وجود حاجز فاصل بين كل بحرين متجاورين من بحار الأرض ‏.‏
(8)‏ خلق النجوم زينة للسماء الدنيا‏,‏ ووسيلة هداية للناس في ظلمات البر والبحر ‏.‏
(9)‏ إرسال الرياح بشراً بين يدي رحمة الله‏ .‏
(10)‏ التأكيد على أن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده ‏.‏
(11)‏ التأكيد على أن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ يرزق كل عباده من السماء والأرض حسب مشيئته وتقديره‏ .‏ (12)‏ التأكيد على أن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ هو وحده الذي يعلم غيب السماوات والأرض‏,‏ وعلى أن المخلوقين لا يعلمون أيَّان يبعثون‏ .‏
(13)‏ تأكيد حقيقة أن الليل للسكن والراحة‏,‏ وأن النهار للنشاط والعمل ‏.
(14)‏ الإشارة إلى دوران الأرض حول محورها بوصف الجبال أنها تمر مر السحاب ‏.‏
(15)‏ التأكيد على أن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ سيفتح أبواب معرفة الكون للناس في آخر الزمان فيرون آياته ويعرفونها‏ .‏

وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة خاصة‏,‏ ولذلك فسوف أقصر حديثي هنا على قوله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ:‏
" وَجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حَاجِزاً "  (‏النمل‏:61) .
وقبل البدء في ذلك لابد من استعراض أقوال عدد من المفسرين السابقين لهذا النص القرآني المعجز.

‏من أقوال المفسرين :
في تفسير قوله‏ ـ تعالى ـ : " وَجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حَاجِزاً "
ذكر ابن كثير‏ ـ‏ يرحمه اللهـ ما نصه ‏:‏ أي جعل بين المياه العذبة والمالحة ‏(‏حاجزا‏ًً)‏ أي مانعا يمنعها من الاختلاط ‏.‏ (انتهى قول المفسر)وجاء في تفسير الجلالين‏ ـ رحم الله كاتبيه‏ ـ‏ ما نصه‏:"‏ وَجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حَاجِزاً ‏ "
‏ بين العذب والملح لا يختلط أحدهما بالآخر . (انتهى قول المفسر)‏وذكر صاحب الظلال‏ ـ‏ رحمه الله رحمة واسعة ـ‏ ما نصه‏:‏ البحر الملح الأجاج‏,‏ والنهر العذب الفرات‏ . (انتهى قول المفسر)
وجاء في صفوة البيان لمعاني القرآن‏ ـ رحم الله كاتبه برحمته الواسعة‏ ـ‏ ما نصه‏ : برزخاً فاصلاً من الأرض بين العذب والملح‏,‏ حتى لا يبغي أحدهما على الآخر ‏.‏ (انتهى قول المفسر)
وذكر أصحاب المنتخب في تفسير القرآن الكريم‏ ـ‏ جزاهم الله خيرا‏ ـ‏ ما نصه‏ : وجعل بين الماء العذب والماء الملح فاصلاً يمنع امتزاج أحدهما بالآخر ‏.‏ (انتهى قول المفسر)
وجاء في صفوة التفاسير ـ‏ جزى الله كاتبه خير الجزاء‏ ـ‏ ما نصه‏ :‏ أي وجعل بين المياه العذبة والمالحة فاصلاً ومانعاً يمنعها من الاختلاط لئلا يفسد ماء البحار المياه العذبة ‏. (انتهى قول المفسر)
وواضح من هذا الاستعراض إجماع المفسرين ـ قدامى ومعاصرين ـ على أن المقصود بالبحرين هنا هما النهر العذب الفرات، والبحر الملح الأجاج‏,‏ ولكن في مقال سابق أوضحنا أن المقصود بالبحرين في
قول الحق ـ ‏تبارك وتعالى ـ :‏ " مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ .بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ "     (‏الرحمن‏:19‏ ـ‏20)‏.
هما البحر المَلِح ونظيره الملح عندما يختلفان في صفاتهما الطبيعية والكيميائية‏,‏ وهو نفس الاستنتاج هنا بالنسبة للبحرين المذكورين في الآية رقم‏ (61)‏ من سورة النمل ‏.‏
من مبررات تفسير لفظة ‏(‏البحرين‏)‏ المطلقة في القرآن الكريم بالبحرين الملحين‏ (‏المالحين‏)‏ .
في كلٍ من الآية رقم‏ (61)‏ من سورة النمل‏,‏ والآيتين رقم‏ (19‏ ـ‏20)‏ من سورة الرحمن تفسر لفظة‏ (‏البحرين‏)‏ التي جاءت مطلقة في الحالتين بالبحرين الملحين، وذلك للمبررات التالية ‏:‏
أولا‏ًً :‏ أن لفظة ‏(‏البحر‏)‏ في اللغة العربية تطلق على كلٍ من البحر المالح‏,‏ والبحر العذب ‏(‏أي النهر‏),‏ ولكنها إذا أطلقت دون تقييد فإنها تدل على البحر المالح فقط‏,‏ وإذا قيدت فإنها تدل على ما قيدت به‏,‏ وقد جاءت لفظة ‏(‏البحرين‏)‏ مطلقة في الحالتين المذكورتين‏ .‏
ثانيا‏ًً:‏ أورد القرآن الكريم لفظة‏ (‏البحر‏)‏ بالإطلاق في ‏39‏ موضعا‏ًً,‏ منها‏33‏ بالإفراد‏,‏ وثلاث بالتثنية‏,‏ وثلاثة أخرى بصيغة الجمع‏,‏ ومن ذلك قوله ـ تعالى ـ ‏:‏
‏(1)
 " وَسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي البَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ "   (‏إبراهيم‏:32)‏.
‏(2)
" وَجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حَاجِزاً "‏  (‏النمل‏:61)‏.
‏(3)‏
" مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ.بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ "‏    (‏الرحمن‏:19‏ ـ‏20).‏ 
وفي المقابل نلاحظ أن القرآن الكريم أورد لفظة‏ (‏البحر‏)‏ بالتقييد المحدد مرتين فقط بصيغة التثنية يقول فيهما ربنا ـ تبارك وتعالى ـ :‏
‏(1)
" وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراً"   (‏الفرقان‏:53)‏.
‏(2)‏
" وَمَا يَسْتَوِي البَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِياًّ وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ "    (‏فاطر‏:12)‏.
ثالثا‏ًً:‏ في وصف لفظة ‏(‏البحرين‏)‏ المطلقة جاء في سورة الرحمن قول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ :
" يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ "  (‏الرحمن‏:22)‏ .

والمرجان حجر من الأحجار شبه الكريمة، يؤخذ من هياكل حيوان بحري لا يحيا إلا في الماء الملح‏,‏ أما اللؤلؤ فيستخرج من أصداف حيوانات تحيا في أي من الماء الملح أو الماء العذب‏,‏ ولكن جمعهما معاً يؤكد على أن المقصود بالبحرين هنا هما البحر الملح والبحر الملح‏,‏ وهو أمر أكبر إعجازاً من التقاء النهر العذب بالبحر المالح على أهمية ذلك العظمى‏,‏ وضرورته القصوى لاستقامة الحياة على الأرض‏,‏ وعلى ما فيه من إعجاز في الخلق يعجز البيان عن تصويره ‏.‏
رابعا‏ًً :‏ الإشارة القرآنية الكريمة إلى تعظيم الفاصل بين البحرين العذب والملح بكلٍ من البرزخ والحجر المحجور، وذلك لوجود الدلتا، ومقدماتها، وما حولهما من حواجز ترسيبية‏,‏ بالإضافة إلى الماء الوسطي بين العذب والملح‏ (‏الماء المويلح أي قليل الملوحة‏)‏ على حواف الماء العذب عند التقاء الماءين‏,‏ وفي المقابل الإشارة القرآنية إلى الفاصل بين البحرين ـ بغير تخصيص‏ ـ‏ بتعبير البرزخ فقط، أو الحاجز فقط، وهو الحاجز من الماء الوسطي بين ماءين مختلفين في صفاتهما الطبيعية والكيميائية، كالبحرين الملحين المختلفين أفقياً أو رأسيا‏ًً;‏ وذلك لأن مثل هذا الحاجز لا يمنع تحرك الكائنات البحرية من كتلة مائية إلى كتلة مائية أخري مجاورة إلا إذا تباينت الصفات بينهما تبايناً صارخاً، فهو لا يحجر الكائنات البحرية حجراً كاملاً‏,‏ كما أنه يصعب إدراكه على غير المتخصصين حتى في زمن التقدم العلمي الذي نعيشه‏ .‏
خامساً ‏:‏ ثبت أن التنوع بين كتل الماء المتجاورة أفقياً ورأسياً بين البحار المتجاورة‏,‏ وفي داخل البحر الواحد من البحار العميقة والمحيطات هو ضرورة من ضرورات التنوع البيئي في البحار الذي لولاه لتقلصت الحياة البحرية تقلصاً شديدا‏ًً .‏
وتتجاور تلك الكتل المائية وتختلط دون امتزاج كامل على الرغم من محاولة التيارات والأمواج البحرية خلط كل كتلتين مائيتين متجاورتين بأنشطتها المختلفة‏,‏ ولكن كل الذي يحققه ذلك هو تكوين حزام أو جبهة أو برزخ أو حاجز من ماء وسطي في كل حالة يعمل هذا البرزخ على إبقاء تلك الكتل المائية المتجاورة مفصولة فصلاً كاملاً عن بعضها البعض‏,‏ وكأن كلاً منها عبارة عن بحر مستقل بذاته ‏.‏
تباين الكتل المائية المتجاورة في صفاتها بين البحار المتجاورة وفي البحر الواحد،على الرغم من وجود كتل مائية متجانسة في صفاتها الطبيعية والكيميائية تغطي مساحات كبيرة من محيطات الأرض وبحارها الكبيرة‏,‏ فإن قياس عدد من الصفات الطبيعية والكيميائية مثل كلٍ من درجات الحرارة، ونسبة الملوحة والكثافة، ونسبة الأوكسجين المذاب في الماء قد أثبتت وجود تباين ملحوظ في تلك الصفات من كتلة إلى أخرى ـ أي من بحر إلى آخر ـ‏ وحتى في البحر الواحد‏,‏ ومع تباين تلك الصفات تتباين التجمعات الحياتية في كل منها ‏.‏ كما تتباين أنواع الرسوبيات التي تترسب منها‏، وهذه الحقيقة لم تدرك الا في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي أثناء رحلة باخرة الأبحاث البحرية البريطانية المسماة باسم رحلة التحدي
( The Challenger Expedition‏) ،والتي تمت في الفترة من‏1872‏ م إلى‏1876‏ م‏،‏ وأثبتت أبحاثها اأن الماء في بحار ومحيطات الأرض ينقسم إلى عدد من الكتل المتجاورة أفقياً ورأسياً‏,‏ ولما كانت التغيرات الرأسية في صفات ماء البحار والمحيطات أسرع من التغيرات الأفقية‏,‏ فإن التمايز الرأسي في صفات ماء البحار والمحيطات كان دائماً أوضح من تمايزه الأفقي‏ .‏
 وعلى سبيل المثال فإن درجة حرارة الماء عند خط الاستواء تنخفض من ‏25‏ درجة مئوية عند مستوى سطح البحر أو المحيط إلى ‏5‏ درجات مئوية على عمق كيلو متر واحد‏,‏ بينما لا تنخفض أفقياً إلى نفس الدرجة إلا على بعد حوالي ‏5000‏ كيلو متر شمالاً أو جنوباً من خط الاستواء ‏.‏
وعلى الرغم من ذلك فإن التغيرات الأفقية في الصفات الطبيعية والكيميائية قائمة بالفعل‏,‏ وبإضافتها إلى التغيرات الرأسية نلاحظ ان الكتل المائية في البحار والمحيطات تتغير صفاتها في الأبعاد المكانية الثلاثة‏,‏ كما تتغير مع الفصول المناخية، ومع كلٍ من الليل والنها ـ أي مع الزمن‏ .‏



طبيعة الحاجز بين البحرين :
مع التغير في الصفات الطبيعية والكيميائية لكتل الماء فإنها تتحرك في الاتجاهات الرأسية والأفقية‏,‏ وتختلط‏ وتتداخل أحياناً‏,‏ وتتبادل درجات الحرارة والملوحة إلا أنها تظل دائما مفصولة عن بعضها البعض بحواجز غير مرئية بطريقة مباشرة على هيئة حدود من الماء ذي الطبيعة الوسطية‏ .‏
وعلى الرغم من ذلك فإن الماء في البحار والمحيطات يبدو متجانساً لخفاء تلك الحواجز الفاصلة من الكتل المائية‏,‏ ويعين على ذلك أن 75%‏ من مجموع ماء البحار والمحيطات في درجة حرارة تتراوح بين (الصفر‏,‏ ‏6‏) درجات مئوية‏,‏ ودرجة ملوحة تتراوح بين3.4%,3.5%، 50%‏ من مجموع ماء تلك البحار والمحيطات في درجة حرارة تتراوح بين 1.3‏ -3.8 درجة مئوية‏,‏ ودرجة ملوحة تتراوح بين3.46%-3.48% ، وأن متوسط درجة حرارة الماء في محيطات الأرض هو ‏3.5‏ درجة مئوية‏,‏ ومتوسط درجة الملوحة هو 3.47%‏ ، وإن كانت هذه المعطيات تتغير كثيراً في كلٍ من البحار المغلقة وشبه المغلقة ‏.
‏تمتد الكتل المائية في المحيطات والبحار المفتوحة لمسافات طويلة بمحاذاة خطوط العرض ـ‏ أي في الاتجاه من الشرق إلى الغرب ـ‏ ولكنها تتغير أفقياً بسرعة في الاتجاه المتعامد‏ ـ‏ أي من خط الاستواء شمالاً وجنوباً‏ ـ‏ ولذلك تتمايز إلى الكتل الاستوائية‏,‏ والكتل المدارية والكتل شبه المدارية، والتي تجمع أحياناً تحت مسمى الكتل المائية في خطوط العرض الدنيا في مقابلة الكتل المائية في خطوط العرض العليا، والتي تمتد شمالاً وجنوباً حتى القطبين ‏.‏
وتتباين الصفات الطبيعية والكيميائية للكتل المائية بتباين أوضاعها على سطح الكرة الأرضية‏,‏ وبتباين مناسيبها من سطح البحر‏,‏ وبتباين هذه الصفات تنقسم الكتل المائية بصفة عامة إلى ما يلي‏ :‏

أولاً ‏:‏ الكتل المائية السطحية‏ :‏
وتمتد من مستوى سطح الماء في البحار والمحيطات إلى أعماق تتراوح بين‏400‏ متر عند خط الاستواء و‏900‏ متر عند خط عرض‏30‏ شمالاً وجنوبا‏ًً,‏ عندما يبدأ الانخفاض الفجائي في المنحنى الحراري ـ أي‏:‏ في درجات الحرارة‏ ـ‏ وإن كان الحد الأسفل للنشاط السطحي للماء في البحار والمحيطات يوضع عادة بين‏200‏ ـ‏300‏ متر تحت مستوى سطح البحر‏,‏ حيث يظهر تغير ملحوظ في كثافة الماء أو ما يعرف باسم منحنى الكثافة‏,‏ وينقسم الماء السطحي في البحار والمحيطات إلى عدد من الكتل الكبري التي منها ‏:‏
‏(1)‏ الكتلة المتوسطة ‏:‏
وتمتد بين خطي العرض ‏35-30‏ شمالاً وجنوبا‏ًً,‏ وتتراوح درجة حرارة الماء في هذه الكتلة من ‏6‏ إلى‏19‏ درجة مئوية‏,‏ وتتراوح نسبة ملوحتها بين 3.4%-3.65%,‏ وتنقسم هذه الكتلة المائية الكبيرة إلى عدد من الكتل الصغرى التي لها نفس الكثافة تقريبا‏ًً، ولكنها تختلف في بقية صفاتها الطبيعية‏,‏ وذلك باختلاف مواقعها الجغرافية‏ .‏
(2)‏ كتل الماء السطحي في خطوط العرض العليا‏ :‏
وتمتد في المناطق المناخية المعتدلة شمالاً وجنوبا‏ًً,‏ وتتميز بدرجات حرارة ونسبة ملوحة منخفضة عن الماء في الكتلة المتوسطة، وذلك لوجودها في مناطق باردة وغزيرة الأمطار‏ .‏
(3)‏ كتل الماء السطحي في المناطق القطبية وحول القطبية ‏:
‏ وتشمل المحيطين القطبيين الشمالي والجنوبي والمناطق المحيطة بهما‏,‏ وأضخمها المنطقة حول القطب الجنوبي‏,‏ ويمتد الماء السطحي فيها إلى أعماق تصل إلى ‏3500‏ متر تحت مستوى سطح البحر‏,‏ في درجات حرارة تتراوح بين الصفر المئوي والدرجتين‏,‏ ونسبة ملوحة تتراوح بين3.46%‏ و3.47% .
‏ ثانيا‏ًً:‏ كتل الماء متوسط العمق‏:
‏ وتمتد إلى عمق يصل إلى ‏1500‏ متر تحت مستوى سطح البحر‏,‏ في تباين واضح لدرجات الحرارة ونسب الملوحة‏؛‏ وذلك نظراً لتحرك هذا الماء من مصادر سطحية مختلفة ‏.‏ وعلى ذلك يقسَّم هذا الماء إلى العديد من الكتل على أساس من صفاته الطبيعية والمصادر التي جاء منها‏ .‏
وتوجد هذه الكتل المائية متوسطة العمق في كل أحواض المحيطات تقريبا‏ًً,‏ خاصة في المنطقة حول القطب الجنوبي‏,‏ ويتدفق منها الماء البارد‏,‏ في اتجاه الشمال حتى يصل إلى خط عرض‏20‏ درجة شمالاً في المحيط الأطلسي‏,‏ وحتى خط عرض ‏10‏ درجات جنوب خط الاستواء في كلٍ من المحيطين الهندي والهادي‏,‏ ويمتد هذا الماء البارد من القطب الشمالي إلى شمال كلٍ من المحيط الأطلسي والهادي متمركزاً في أجزائهما الغربية‏,‏ وتزداد ملوحته نسبياً بسبب تجمد الماء وتحرك الركازة الملحية إلى تلك المناطق ‏.‏
‏ ثالثاً‏:‏ كتل الماء العميق‏:
‏ وأوضح نموذج لها يوجد في الجزء الشمالي الغربي من المحيط الأطلسي‏،‏ حيث يتكون هذا الماء من اختلاط ماء شديد الملوحة مندفع بواسطة تيار خليج فلوريدا، والماء القادم من المنطقة شبه المتجمدة الشمالية ، وهو ماء شديد البرودة خاصة في فصل الشتاء‏,‏ وتسمى هذه الكتلة المائية باسم كتلة ماء المحيط الأطلسي العميقة‏,‏ وهي تملأ قاع هذا المحيط إلى خط عرض‏30‏ درجة شمالا‏ًً,‏ ولكنها كلما اتجهت جنوباً تتطابق بين كتلتي الماء متوسط العمق وشديد العمق لطفوها فوق ماء القطب الجنوبي البارد العالي الكثافة والملوحة‏,‏ وتبقى كل كتلتين من تلك الكتل المائية المتجاورة رأسياً وأفقياً محتفظة بصفاتها الطبيعية والكيميائية وسط أطر من الماء المتوسط الصفات بينهما‏,‏ وينتج هذا الماء الوسطي عن الاختلاط الجزئي بينهما، وذلك بفعل التيارات والأمواج البحرية التي تعمل على خلطهما خلطاً جزئيا‏ًً .‏
وتبلغ درجة حرارة كتل هذا الماء العميق في قاع المحيط الأطلسي حوالي ثلاث درجات مئوية،‏ ولا توجد كتل عميقة من الماء في كلٍ من المحيطين الهندي والهادي‏,‏ باستثناء بعض الجيوب الصغيرة في كلٍ منهما‏ .‏
‏ رابعا‏ًً :‏ كتل الماء شديدة العمق‏ :
‏ وتنتشر أساساً فوق قاع المحيط القطبي الجنوبي‏,‏ ويعتبر ماؤها أعلى ماء الأرض كثافة، ويتركز حول القارة القطبية الجنوبية‏,‏ ويتحرك هذا الماء الشديد البرودة والملوحة والكثافة من هناك شمالاً إلى قيعان المحيطات الرئيسية الثلاثة‏ ـ الهادي‏,‏ والهندي‏,‏ والأطلسي‏ ـ‏ حتى يصل إلى خط العرض‏30‏ درجة شمالا‏ًً .‏
وهذه الكتل من ماء قاع القطب الجنوبي تتكون أساساً من تجمد الماء بكميات كبيرة فوق الرصيف القاري تاركاً وراءه كميات مهولة من الركازات الملحية التي تندفع عبر منحدرات الجرف القاري لتختلط مع أقدار مساوية تقريباً من كتل الماء السطحي حول القطب الجنوبي‏,‏ فينشأ هذا الماء الذي يتميز ببرودة شديدة‏,‏ وكثافة مائية عالية‏,‏ ونسبة ملوحة عالية نسبياً ‏(‏في حدود3.47%).‏
من ذلك الاستعراض يتضح أن الماء في جميع البحار المفتوحة والمحيطات يترتب أفقياً ورأسياً في كتل متمايزة مفصولة بماء وسطي يفصل كل كتلتين عن بعضهما البعض كأن كل واحد منهما بحر مستقل بذاته‏,‏ وذلك على الرغم من نشاط كلٍ من الأمواج والتيارات البحرية‏ . وتبدأ هذه الكتل المائية عند مستوى سطح البحر في المناطق ذات خطوط العرض العليا‏,‏ وتمتد إلى الأعماق بالتدريج حتى تصل إلى قاع المحيط في المناطق الاستوائية‏,‏ ويبقى الترتيب الأفقي لتلك الكتل المائية حسب مناطقها المناخية يعكس الترتيب الرأسي في المنطقة الواحدة حسب العمق بصفة عامة‏ .‏
والماء يتحرك أفقياً في البحار والمحيطات بفعل الرياح والتيارات البحرية، وبكلٍ من الأمواج السطحية والداخلية‏,‏ ويتحرك رأسياً بازدياد الكثافة أو نقصها الناتج عن الاختلاف في أيٍ من درجات الحرارة أو نسبة الأملاح المذابة أو فيهما معاً نتيجة لتعرض الماء السطحي للبخر أو للأمطار‏,‏ أو تعرض الماء العميق للأنشطة البركانية فوق قيعان البحار والمحيطات‏,‏ أو لشيء من الاختلاف في نسبة الأملاح المذابة بالاختلاط مع غيره من كتل الماء‏,‏ وإذا زادت كثافة الماء فإنه يتحرك من أعلى إلى أسفل‏,‏ وإذا قلت فإنه يتحرك بالعكس من أسفل إلى أعلى‏ .‏
وقد ثبت بدراسة النظائر المشعة أن اختلاط كتلتين من الماء فوق قاع المحيط الهادي يحتاج في المتوسط إلى فترة زمنية بين الألف والألف وستمائة سنة‏,‏ وإلى نصف هذه المدة تقريباً في كلٍ من المحيطين الهندي والأطلسي‏,‏ ولذلك فإن ماء المحيط الهادي يمثل أقدم ماء المحيطات على الإطلاق ‏.‏ وعلى العكس من ذلك فإن الماء السطحي لا يكاد يبقى في مكانه لأكثر من ‏10‏ إلى ‏20‏ سنة، ولذلك يمثل أحدث ماء المحيطات عمرا‏ًً .‏

التمايز بين ماء البحار شبه المغلقة والمفتوحة :
ويظهر التمايز بين كتل الماء المتجاورة أكثر ما يظهر بين البحار شبه المغلقة والمحيطات، وذلك مثل البحر الأبيض المتوسط عند اتصاله بالمحيط الأطلسي عبر مضيق جبل طارق‏,‏ والبحر الأحمر عند اتصاله مع خليج عدن عبر باب المندب‏,‏ والخليج العربي عند اتصاله مع خليج عمان عبر مضيق هرمز‏,‏ والبحر الأسود عند اتصاله ببحر إيجه عبر مضيق البوسفور‏ ‏الدردنيل‏) ‏
فالماء في البحر الأبيض المتوسط تزداد ملوحته بالتدريج؛ لأن مجموع مايتبخر منه سنوياً يبلغ ثلاثة أضعاف ما يسقط عليه من مطر‏,‏ وما يفيض إليه من ماء الأنهار خاصة بعد إتمام مشروع السد العالي في سنة‏1970‏ م‏,‏ ويعوض ذلك بتيار ماء سطحي من المحيط الأطلسي يدخل عبر مضيق جبل طارق بمحاذاة السواحل الشمالية للقارة الإفريقية، ثم يتحرك شرقاً في عكس اتجاه عقارب الساعة مكوناً الثمانين متراً العليا من الماء في البحر الأبيض المتوسط ليجدد ماءه باستمرار‏,‏ وكذلك يتلقي البحر الأبيض المتوسط تياراً سطحياً متواضعاً من البحر الأسود عبر مضيق الدردنيل ‏.‏
ومع ازدياد البخر في الصيف تزداد نسبة الأملاح في الماء السطحي للبحر الأبيض المتوسط فتزداد كثافته ويهبط إلى القاع‏,‏ ومع الرياح الباردة التي تهب عليه في الشتاء يبرد الماء السطحي في هذا البحر فتزداد كثافته أيضاً ويهبط إلى القاع‏,‏ ويفيض هذا الماء العميق‏,‏ البارد‏,‏ ذو الملوحة النسبية والكثافة العاليتين عبر مضيق جبل طارق ليفيض من فوق كتلة الصخر المكونة للمضيق منحدراً بشدة إلى أعماق الجزء الشرقي من المحيط الأطلسي على هيئة لسان من الماء عالي الكثافة والملوحة يمكن إدراكه على عمق ألف متر تقريباً ممتداً لآلاف الكيلو مترات غرباً ‏.‏
وكل كتلة من هذه الكتل المائية الداخلة من المحيط الأطلسي إلى البحر الأبيض المتوسط‏,‏ والخارجة من ذلك البحر إلى المحيط ، والكائنة في الأجزاء المختلفة من كلٍ منهما تختلط بالكتل الأخرى، ولا تمتزج بها امتزاجاً كاملا‏ًً,‏ وذلك بتكون نطق من ماء ذي طبيعة وسطية بين كل كتلتين متجاورتين ‏.‏
وكذلك الحال بالنسبة للبحر الأحمر‏,‏ وهو بحر طولي عميق‏,‏ يبلغ طوله حوالي الألفي كيلو متر‏,‏ ويتراوح عرضه بين ‏145‏ كم‏,306‏ كم‏,‏ وتقدر مساحته بحوالي‏438.000‏ كيلو متر مربع‏,‏ ويصل عمقه إلى‏2920‏ مترا‏ًً,‏ وماؤه دافيء‏,‏ عالي الملوحة؛ لأن متوسط البخر من هذا البحر يقدر بحوالي‏200‏ سنتيمتر في السنة تقريبا‏ًً .‏
وينقسم هذا البحر الطولي إلى غور خسيف شديد العمق في وسط حوض محوري عميق يحيط به رصيف قاري ضحل نسبياً، يتدرج في العمق باتجاه المحور المركزي بواسطة سلسلة من الصدوع السُلَّمية ‏.‏
والماء في عمق هذا البحر‏ ـ‏ في الخمسين متراً السفلي منه‏ ـ تتراوح درجة حرارته بين الخمسين والمائة درجة مئوية‏,‏ وتبلغ ملوحته ثمانية أضعاف متوسط ملوحة البحار والمحيطات‏ ـ أي حوالي27.2% .‏
ويندفع الماء الدافيء المالح الكثيف نسبياً من البحر الأحمر إلى خليج عدن عبر باب المندب، فينساب تحت ماء المحيط الهندي على عمق ثمانمائة متر تقريباً تحت مستوى سطح البحر‏,‏ ويندفع تيار مائي معاكس من خليج عدن إلى داخل البحر الأحمر يحمل إليه ماءاً أقل كثافة‏,‏ وحرارة وملوحة، وأعلى في الأوكسجين المذاب وبالنسبة للخليج العربي يندفع ماؤه الدافيء المالح كذلك إلى خليج عمان عبر مضيق هرمز ويتم إدراكه على عمق ثلاثمائة متر تقريباً تحت سطح الماء في الجزء الشمالي من المحيط الهندي‏,‏ ويندفع تيار معاكس من خليج عمان إلى الخليج العربي‏ .‏
وفي هذه الحالات الثلاث وأمثالها يتكون بين كل كتلتين مائيتين متجاورتين حزام من ماء ذي طبيعة وسطية يعرف باسم الماء المختلط أو الجبهة المائية الفاصلة بين كتلتين متجاورتين‏,‏ ويتحرك هذا الحزام بهيئة رأسية أولاً ليفصل بين الكتلتين المائيتين المتجاورتين أفقياً‏,‏ ثم ينحني بالتدريج حتى يصير في وضع مائل ثم أفقي ليفصل بين كتلتين مائيتين تعلو إحداهما الأخري‏ .‏
وهذه الجبهة عبر عنها القرآن الكريم بتعبير البرزخ مرة‏,‏ وبتعبير الحاجز في الآية الكريمة التي نحن بصددها‏,‏ وهو حاجز حقيقي وإن كان لا يُرى بطريقة مباشرة‏؛‏ لأنه يفصل بين الكتلتين المائيتين المتجاورتين فصلاً كاملاً على الرغم من نشاط التيارات والأمواج البحرية التي تعمل على خلط أنواع الماء المتباينة في صفاتها مع بعضها البعض‏,‏ وبذلك يتكون هذا الحاجز الذي يزداد سعة أو ينقص حتى يتلاشى ليتكون من جديد بين كتلتين مائيتين أخريين‏ .‏
وتبدو كتل الماء المتجاورة في البحر الواحد متجانسة‏,‏ ولكن بالتحليل الكيميائي الدقيق، وبالتصوير من الفضاء بواسطة الأشعة تحت الحمراء يتضح تمايزها إلى كتل متجاورة مفصولة فصلاً كاملاً بحواجز غير مرئية، تحول دون امتزاج كامل لتلك الكتل المتجاورة من الماء أفقياً أو رأسياً ‏.‏
فسبحان الذي أنزل من قبل ألف وأربعمائة سنة قوله الحق ‏: "..... وَجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حَاجِزاً..... "‏    (‏النمل‏:61)‏.وهي حقيقة لم يدركها العلم المكتسب إلا في صورة بدائية جداً ، وذلك في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي‏ (1872‏ ـ‏1876‏ م‏),‏ ولم تتم بلورتها‏,‏ وقبولها من العلماء المتخصصين إلا في منتصف الأربعينيات من القرن التاسع عشر .فسبحان الذي أنزل القرآن الكريم‏ ـ‏ أنزله بعلمه‏ ـ وحفظه بلغة وحيه‏,‏ وبصفائه الرباني وقدسيته‏,‏ وإشراقاته النورانية وصدقه‏,‏ وبإعجازه المبهر والمتجدد باستمرار‏,‏ حتى يبقى حجة على الخلق أجمعين منذ اللحظة الأولى للوحي به‏,‏ وإلى قيام الساعة إن شاء الله رب العالمين‏,‏ وصلى الله وسلم وبارك على النبي الخاتم الذي تلقي القرآن من لدن حكيم عليم‏,‏ وعلى آله وصحبه، ومن تبع هداه ،ودعا بدعوته إلى يوم الدين‏ .‏