"......وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ " (الجاثية:5)


هذا النص القرآني اللافت للنظر جاء في مقدمات سورة الجاثية‏ ,‏ وهي سورة مكية‏ ,‏ وعدد آياتها سبع وثلاثون ‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود حقيقة من حقائق الآخرة في الآية الثامنة والعشرين منها‏,‏ تقرر بأن الخلائق سوف تجثو على ركبها في انتظار الحساب يوم القيامة من هول الفزع والهلع الذي يجتاحهم في هذا اليوم العصيب الذي نسأل الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ أن ينجينا من أهواله‏ .‏ آمين .‏
ويدور محور السورة أساساً حول القرآن الكريم، وما يدعو إليه من ركائز الإيمان‏,‏ ويحذر من الإصرار على مختلف صور الضلال، مثل الكفر والشرك، وإنكار البعث‏,‏ وإتباع الهوى‏,‏ والمكابرة في الحق، ومن عواقب ذلك كله يوم القيامة ‏.‏
وقد استهلت سورة الجاثية بحرفين من الحروف المقطعة ‏(‏حم‏)‏، وهذان الحرفان قد وردا في مطلع سبع من سور القرآن الكريم المتتابعة‏ (‏من غافر إلى الأحقاف‏),‏ إلا أنه في سورة الشورى قد استفتحت بهما السورة، ثم لحقت بهما ثلاثة حروف أخرى في الآية التالية، فيقول ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :‏ " حم . عـسق ".وهذه
الفواتح الهجائية التي جاءت في مستهل عدد من سور القرآن الكريم هي من أسراره‏ التي حاول عدد من الكتاب استجلاء كنهها‏,‏ ووضع عدد من التفسيرات لها‏,‏ دون أن يجزم أحد بالوصول إلى جواب نهائي لذلك‏ .‏
وتتابع سورة الجاثية بتقرير أن القرآن الكريم هو كتاب منزل من الله العزيز الحكيم‏,‏ شامل لكل الرسالات السماوية التي أنزلت من قبل‏,‏ فكلها كتاب واحد متكامل في القرآن الكريم‏,‏ واستدلت السورة بعدد من آيات الله في الأنفس وفي الآفاق على صحة الوحي الإلهي الحق الذي أنزل به هذا الكتاب الكريم‏ .‏
وتتساءل السورة ‏:‏ إذا لم تكن آيات الله في الأنفس والآفاق‏,‏ ولا آياته المنزلة على خاتم أنبيائه ورسله كافية لإقناع المكابرين من الخلق، فأي حديث آخر يمكن أن يقنعهم بأن للكون إلهاً‏,‏ خالقاً مبدعاً‏,‏ عظيماً‏,‏ خلق الكون بكل من فيه وما فيه‏,‏ وخلق الإنسان لعبادة الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ بما أمر، ولحسن القيام بواجبات الاستخلاف في الأرض‏,‏ وإقامة عدل الله فيها‏,‏ والإيمان بالبعث والحساب والجنة والنار‏,‏ والاستعداد للقاء الله لكي تُجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون ؟ .‏
وتنعي سورة الجاثية على المكذبين بكتاب الله‏,‏ الجاحدين لنعمه‏,‏ وتؤكد أن الويل لكل كذاب أثيم، يسمع آيات الله تتلي عليه ثم يصر على إنكارها من قبيل الاستكبار والعناد كأن لم يسمعها‏,‏ وإذا علم منها شيئا تطاول على خالقه بالسخرية منها‏,‏ والاستهزاء بها‏,‏ وتطلب السورة الكريمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم‏(‏ ومن ثم من كل مؤمن برسالته‏)‏ أن يبشر هذا المنكر وأمثاله بعذاب أليم؛ لأن جزاء كل من يفعل ذلك عذاب مهين في الآخرة‏,‏ وخلود في جهنم التي تنتظرهم في لهفة‏,‏ وفيها لن يغني عنهم شيء مما كسبوا في الحياة الدنيا‏,‏ ولا مما اتخذوا من دون الله من أولياء ، فجميعهم ينتظرهم عذاب عظيم ‏.‏
والواقعة لها سبب محدد ، ولكن حكمها عام مطلق إلى يوم الدين‏؛‏ لأن العبرة في القرآن الكريم بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ‏.‏
ثم تعاود سورة الجاثية مرة أخرى التأكيد أن القرآن الكريم هو هدى من الله‏,‏ وأن الذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من أشد صور العذاب إيلاماً ‏.‏
وذكرت السورة عدداً من نعم الله وأفضاله على عباده‏,‏ وأشارت إلى أن تلك النعم والأفضال تستدعي التفكير فيها، والوصول إلى عدد من الاستنتاجات والقناعات من خلال تدبرها‏,‏ فهي من دلائل الربوبية‏,‏ والألوهية‏,‏ والوحدانية‏ .‏
ويأمر ربنا ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ‏ خاتم أنبيائه ورسله ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ في هذه السورة الكريمة أن يطالب المؤمنين بالتجاوز عما يصدر من الكفار والمشركين من بذاءات مؤذية في حق الله ورسوله‏,(‏مثل ما يملأ صفحات شبكة المعلومات الدولية اليوم‏)‏؛ لأن الله ـ تعالى ـ سوف يعاقبهم في الآخرة بما كانوا يكسبون في الدنيا‏,‏ وسوف يجزي الصالحين بأعمالهم الصالحة في الدنيا، ومنها الصبر على إيذاء كلٍ من المشركين والكافرين‏ .‏
وتؤكد الآيات الكريمة أن الله‏ ـ تعالى ـ هو الذي يجزي كل نفس بما كسبت، فمن عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها‏,‏ وإلى الله سوف ترجع الخلائق‏ .‏
وتنعي سورة الجاثية على بني إسرائيل تزويرهم للتوراة‏,‏ واختلافهم في الدين من بعد ما جاءهم من العلم بغياً بينهم‏,‏ ومن بعد ما بيَّن الله لهم شرائع الفصل بين الناس‏,‏ وبعد إنعام الله ـ تعالى ـ على أسلافهم بعدد من الطيبات‏,‏ وإكرامهم بالنعم الكثيرة التي لم يشكروها‏،‏ وتؤكد الآيات أن الله ـ‏ تعالى ـ‏ يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون‏ .‏
وتخاطب السورة الكريمة رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ بأن الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ قد جعله على النهج الصحيح للدين الذي أنزله‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ‏ على فترة من الرسل‏,‏ وأكمله وأتمه في الوحي الذي آتاه إياه‏,‏ وأمره باتباعه‏,‏ والانصراف عن أهواء الذين لا يعلمون؛ لأن الظالمين بعضهم أولياء بعض‏,‏ وأن الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ ولي المتقين ‏.‏
وتعاود سورة الجاثية للمرة الثالثة التأكيد على أن القرآن الكريم هو بيِّنات من الله للناس، وهدى، ورحمة للذين يؤمنون به ويوقنون بثوابه وعقابه ‏.‏
وتستنكر السورة الكريمة أن يظن الذين اكتسبوا السيئات، واقترفوا المعاصي من الكفار والمشركين‏,‏ أن يساويهم الله‏ ـ تعالى ـ‏ في كلٍ من الحياة والممات بالذين آمنوا وعملوا الصالحات‏;‏ وتؤكد أن الله ـ‏ تعالى ـ‏ خلق السموات والأرض بالحق، ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون ‏.‏
وتسأل السورة الكريمة خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ عن نموذج من البشر يتخذ هواه معبوداً‏ يخضع له‏,‏ ويستجيب لشهواته بغير تعقل ولا بصيرة‏,‏ فيضله الله‏ ـ‏ تعالى ـ على علم‏,‏ ويختم على سمعه وقلبه‏,‏ ويجعل على بصره غشاوة‏,‏ فلا يهزه الوعظ‏,‏ ولا تحركه الآيات‏,‏ ولا يستطيع أن يرى الهدى، أو أن يميزه من الضلال‏,‏ فهل يمكن لأحد أن يهدي مثل هذا الضال من بعد الله؟، وهذا الضال وأمثاله ممن أنكروا البعث بالظن الخاطيء دون أدنى قدر من العلم أو المعرفة، فكانت دعواهم في إنكار البعث كلما تلا على مسامعهم القرآن الكريم، وجاء ذكره إلا ان قالوا ‏:
".. قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ "    (‏الجاثية:‏25) .
ثم يأتي الجواب القاطع من الله‏ ـ تعالى ـ‏ بأنه هو الذي يحيي الخلق في الدنيا من العدم‏,‏ ثم يميتهم فيها عند انقضاء الأجل، ثم يبعثهم من مراقدهم، ويجمعهم جميعاً إلى يوم القيامة لا ريب فيه ولكن أكثر الناس لا يعلمون، وأن " لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ المُبْطِلُونَ " ‏(‏الجاثية:‏27) .
‏ ومن مظاهر الهول والهلع‏,‏ والترقب والفزع في هذا اليوم‏,‏ أن جميع الخلائق سوف تجثو على ركبها وهم يُدعون إلى كتبهم، وسجلات أعمالهم ، ويقال لهم‏ :‏ اليوم تجزون ما كنتم تعملون
(‏الجاثية:‏28)‏، ويقال لهم كذلك‏ :‏ هذا كتابنا الذي سجلنا فيه تاريخ حياة كلٍ منكم من لحظة ميلاده إلى لحظة وفاته، ينطق عليكم بالحق‏ : " ..‏إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ . فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ المُبِينُ ‏"   (‏الجاثية:‏29‏ ـ‏30) .‏
وأما الذين كفروا بالله‏,‏ وملائكته‏,‏ وكتبه‏,‏ ورسله‏,‏ وكذبوا بالبعث بعد أن اخبروا بحتميته‏,‏ واستمعوا الأدلة العديدة لإثبات امكانيته، فيقال لهم توبيخاً وتحقيرا‏ًً :
"..‏ أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ "  (‏الجاثية‏31) .‏
وحينئذٍ يتبين لهؤلاء المكذبين مدى سوء جرمهم أن كذبوا بآيات ربهم‏,‏ فينالهم من العقاب ما يستحقون‏,‏ وحينئذٍ يقال لهم كذلك‏ :‏ ‏" ...‏ وَقِيلَ اليَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ "‏(‏الجاثية:‏34) .‏
أي اليوم تنسون في العذاب كما نسيتم أنكم ملاقوا ربكم يوم الحساب‏,‏ ومقركم النار‏,‏ وليس لكم من ناصرين يغيثونكم من عذابها‏,‏ أو يمكن لهم أن يخرجوكم منها‏,‏ وذلك جزاء تكذيبكم لآيات الله‏,‏ واستهزائكم بها‏,‏ واغتراركم بالدنيا وزخرفها وبهرجاتها، ولا عتبى لكم اليوم عندنا ‏.‏
وتختتم السورة الكريمة بإقرار الحمد لله رب السموات ورب الأرض رب العالمين‏,‏ الذي له وحده الكبرياء في السماوات والأرض‏,‏ بغير ولد ولا صاحبة‏,‏ ولا منازع‏,‏ ولا شبيه‏,‏ ولا شريك وهو العزيز الحكيم ‏.‏


من الآيات الكونية في سورة الجاثية:‏
(‏1‏) ما
في السماوات والأرض من آيات ‏.‏
(2‏ )تسخير ما في السماوات والأرض جميعاً لخدمة الإنسان‏,‏ ورعايته وحمايته ‏.‏
‏(3‏ )
الآيات الكثيرة في خلق كلٍ من الإنسان والحيوان‏ .‏
‏(4‏ )
الآيات في اختلاف الليل والنهار ‏.‏
‏(5‏ )
الآيات في إنزال الرزق من السماء فتحيا به الأرض بعد موتها ‏.‏
‏(6‏ )
الآيات البينات في تصريف الرياح‏ .‏
‏(7)
الآيات الواضحات في تسخير البحر لتجري الفلك فيه بأمر الله ، وليبتغي الخلق مما فيه من خيرات الله وفضله لعلهم يشكرون ‏.‏
وسوف أختار هنا النقطة السادسة فقط، وهي آيات الله البينات في تصريف الرياح‏,‏ وأبدأ بذكر الرياح في القرآن الكريم‏ .‏

الرياح في القرآن الكريم :
المناطق المناخية على سطح الأرض ودورها فى تصريف الرياح : يعرف‏(‏ الريح‏)‏ بأنه الهواء المتحرك‏,‏ وجاء ذكر الريح في تسعة وعشرين‏(29)‏ موضعاً من القرآن الكريم، منها‏(14)‏ مرة بالمفرد‏(‏ ريح‏)، وأربع‏(4)‏ مرات بالصياغة‏(‏ ريحا‏),‏ ومرة واحدة بالصياغة‏(‏ ريحكم‏),‏ وعشر‏(10)‏ مرات بصفة الجمع المُعرَّف‏(‏ الرياح‏) .‏ كما جاءت الإشارة إلى الرياح بعدد من صفاتها ، مثل‏(‏الذاريات‏)،‏ وهي الرياح التي تذرو التراب وغيره لقوتها‏,‏ و‏(‏العاصفات‏)،‏ وهي الرياح الشديدة المدمرة لمن تُرسل عليهم‏,‏ و‏(‏المرسلات‏)،‏ وهي الرياح المرسلة لعذاب الكافرين‏‏ والمشركين والمكذبين‏ .‏ ومعظم الآيات القرآنية التي ذكر فيها ارسال‏(‏ الريح‏)‏ بالإفراد‏ ـ أي بلفظ الواحد ـ‏ جاءت في مقام العذاب، ومعظم المواضع التي ذكرت فيها‏(‏ الرياح‏)‏ بلفظ الجمع جاءت في مقامات الرحمة والثواب ‏.‏ ومن آيات ذكر الريح بالإفراد قول الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ :‏
‏(1) ‏" مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هَذِهِ الحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ " (‏آل عمران‏:117) .‏ ‏
(2) ‏" هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ المَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ "‏ (‏يونس‏:22) .‏ ‏
(3)‏ " مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ البَعِيدُ " (‏إبراهيم‏:18)‏ .‏
(4)‏ " أَمْ أَمِنتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفاً مِّنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لاَ تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعاً " ‏(‏الإسراء‏:69) .
‏(5) "‏ وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ الَتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ"(‏الأنبياء‏:81) .‏
‏(6) ‏" حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ " ‏(‏الحج‏:31).‏ ‏
(7)‏" وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا ....... " (‏سبأ‏:12)‏ .
‏(8) ‏" فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ "‏ (‏ص‏:36). ‏ ‏
(9) ‏" وَمِنْ آيَاتِهِ الجَوَارِ فِي البَحْرِ كَالأَعْلامِ . إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ " ‏(‏الشورى‏:33,32) ‏ .
‏(10)‏ " فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ "    (‏الأحقاف‏:24).‏ ‏
(11) " وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ العَقِيمَ "   (‏الذاريات‏:41).‏ ‏
(12) " وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ "    (‏الحاقة‏:6).‏
‏(13) " وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَّظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ "‏   (‏الروم‏:51).‏
‏(14) "..‏ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً" (‏الأحزاب‏:9) .‏ ‏
(15)‏ " فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لاَ يُنصَرُونَ "  (‏فصلت‏:16) .‏
‏(16) ‏" إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ ‏ "      (‏ القمر‏:19) .‏
ومن آيات ذكر‏(‏ الرياح‏)‏ بالجمع قول الله‏(‏ تعالى‏):
(1)"...‏ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ‏ " ‏(‏ البقرة‏:164).‏
‏(2) ‏" وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ المَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ "  ‏(‏الأعراف‏:57) .‏
‏(3)‏" وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ "   (‏الحجر‏:22) .‏
‏(4) "..‏ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ ‏..."  ‏(‏ الكهف‏:45) .‏ ‏
(5) ‏" وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً " (‏الفرقان‏:48) .‏
‏(6) "...‏ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ‏.."     (‏ النمل‏:63) .‏
‏(7)‏" وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ ‏..."   ‏(‏ الروم‏:46) .‏ ‏
(8) ‏" اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا ‏..."     ‏(‏ الروم‏:48) .‏
‏(9) ‏" وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً ‏..." ‏    (‏ فاطر‏:9) .
‏(10)"...‏ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ "   (‏ الجاثية‏:5) .



أقوال المفسرين :
تصريف الرياح حول الأرض :
في تفسير قوله ـ تعالى ـ :‏ " إِنَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ .‏ وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ . وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ "  (‏الجاثية‏:3‏ ـ‏5) .‏
ذكر ابن كثير‏ ـ‏ يرحمه الله‏ ـ ما نصه‏:‏ يرشد الله ـ تعالى ـ خلقه إلى التفكير في آلائه ونعمه‏,‏ وقدرته العظيمة التي خلق بها السماوات والأرض وما فيهما من المخلوقات المختلفة الأجناس والأنواع‏ من الملائكة والجن والإنس والدواب‏,‏ والطيور والوحوش والسباع والحشرات‏,‏ وما في البحر من الأصناف المتنوعة‏,‏ واختلاف الليل والنهار في تعاقبهما دائبين لا يفتران‏,‏ هذا بظلامه‏,‏ وهذا بضيائه‏,‏ وما أنزل الله ـ تبارك وتعالى ـ من السحاب‏ من المطر في وقت الحاجة إليه‏,‏ وسماه رزقاً؛ لأن به يحصل الرزق‏" فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا "‏ أي بعد ما كانت هامدة لا نبات فيها ولا شيء‏,‏ وقوله عز وجل‏ "‏ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ "‏ أي جنوباً وشمالاً، برية وبحرية‏,‏ ليلية ونهارية‏,‏ ومنها ما هو للمطر‏,‏ ومنها ما هو للقاح‏,‏ ومنها ما هو غذاء للأرواح‏,‏ ومنها ما هو عقيم لا ينتج‏ . (انتهى قول المفسر)‏
وذكر صاحبا تفسير الجلالين ـ رحمهما الله رحمة واسعة ـ ما نصه ‏:" إِنَّ
فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ"‏ أي‏:‏ في خلقهما ." لآيَاتٍ " دالة على قدرة الله ووحدانيته ـ تعالى‏ . "‏ وَفِي خَلْقِكُمْ ‏"‏ أي‏:‏ في خلق كل منكم من نطفة‏,‏ ثم علقة‏,‏ ثم مضغة‏,‏ إلى أن صار إنسانا .‏"‏ وَ‏ "‏ خلق‏ . "مَا يَبُثُّ "‏ يفرق في الأرض . "‏ مِن دَابَّةٍ "‏ هي‏:‏ ما يدب على الأرض من الناس وغيرهم . ‏" آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ‏"‏ بالبعث ،"‏ وَ ‏"‏ في . ‏"‏ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ‏ " ذهابهما ومجيئهما ‏(‏متعاقبين‏,‏ أو زيادة أحدهما ونقصان الآخر‏) ."‏ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ ‏" أي‏:‏ السحاب‏ . "‏ مِن رِّزْقٍ ‏"‏ مطر‏؛ لأنه سبب الرزق .‏"‏ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ ‏"‏ تقليبها مرة جنوباً ، ومرة شمالاً‏,‏ وباردة وحارة‏, (‏وشديدة ولينة‏) . " آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ‏"‏ الدليل فيؤمنون ‏. (انتهى قول المفسر)‏‏
وذكر صاحب الظلال‏ ـ‏ رحمه الله رحمة واسعة‏ ـ ما نصه ‏:‏ وقبل أن يعرض للقوم وموقفهم من هذا الكتاب‏,‏ يشير إلى آيات الله المبثوثة في الكون من حولهم‏,‏ وقد كانت وحدها كفيلة بتوجيههم إلى الإيمان‏,‏ ويوجه قلوبهم إليها لعلها توقظها وتفتح مغاليقها‏,‏ وتستجيش فيها الحساسية بالله منزل هذا الكتاب‏,‏ وخالق هذا الكون العظيم‏: ...."
وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ"..‏ وهي تمضي شمالاً وجنوباً‏,‏ وشرقاً وغرباً‏,‏ منحرفة ومستقيمة‏,‏ دافئة وباردة‏,‏ وفق النظام الدقيق المنسوق المقصود في تصميم هذا الكون العجيب‏، وحساب كل شيء فيه حساباً دقيقاً، لا يترك شيئاً للمصادفة العمياء‏ .‏ ولتصريف الرياح علاقة معروفة بدورة الأرض‏,‏ وبظاهرتي الليل والنهار‏,‏ وبالرزق الذي ينزل من السماء‏,‏ وكلها تتعاون في تحقيق مشيئة الله في خلق هذا الكون‏,‏ وتصريفه كما أراد‏،‏ وفيها‏ "‏ آيَاتٌ‏ "‏ معروضة في الكون‏,‏ ولكن لمن؟‏"‏ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ‏ "..‏ فللعقل هنا عمل‏,‏ وله في هذا الميدان مجال ‏.‏ (انتهى قول المفسر)‏‏

وجاء في صفوة البيان لمعاني القرآن ـ‏ رحم الله كاتبه برحمته الواسعة ـ‏ ما نصه‏ :‏ اشتملت هذه الآيات الثلاث على ستة أدلة كونية‏:‏ خلق السموات والأرض‏,‏ والمتأمل فيهما يعلم أنه لابد لهما من صانع حكيم‏,‏ فيؤمن به‏,‏ وخلق الإنسان وانتقاله في أطواره‏,‏ وخلق ما على الأرض من صنوف الحيوان،‏ والمتأمل فيهما وفي ارتباط تكونهما بالعالم العلوي يصل بالتأمل إلى مرتبة اليقين‏,‏ والحوادث المتجددة في كل وقت من اختلاف الليل والنهار‏,‏ ونزول المطر الذي به حياة الأرض بالنبات‏،‏ وتقلب الرياح وآثارها في البر والبحر‏، والتأمل فيها يؤدي إلى استحكام العلم وقوة اليقين‏,‏ وذلك لا يكون إلا بالعقل الكامل، ولذا اختتمت كل آية بما يناسب ما سبق فيها من الدليل ‏.
و‏"‏ يَبُثُّ "
‏ أي ينشر ويفرق‏..."وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ‏"‏ تقلبها من جهة إلى أخرى‏,‏ ومن حالة إلى حالة‏ .‏ وهنا أشار إلى الآية‏(164)‏ من سورة البقرة حيث ذكر في تفسير قوله ـ تعالى ـ ‏: "‏ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ "‏ ما نصه ‏:‏ تقليبها جنوباً وشمالاً ودبوراً‏,‏ حارة وباردة‏,‏ عاصفة ولينة‏,‏ عقيماً ولواقح‏,‏ بالرحمة تارة وبالعذاب أخرى‏,‏ وتصريف مصدر مضاف للمفعول‏,‏ والفاعل هو الله‏,‏ أي وتصريف الله الرياح أو مضاف للفاعل‏,‏ والمفعول السحاب‏,‏ أي‏:‏ وتصريف الرياح السحاب ‏.‏ (انتهى قول المفسر)‏‏
وذكر أصحاب المنتخب في تفسير القرآن الكريم‏ ـ‏ جزاهم الله خيرا‏ًً ـ‏ ما نصه ‏:...‏ وفي اختلاف الليل والنهار في الطول والقصر‏,‏ والنور والظلام مع تعاقبهما على نظام ثابت‏,‏ وفيما أنزل الله من السماء من مطر فأحيا به الأرض بالإنبات بعد موتها بالجدب‏،‏ وبتصريف الرياح‏ (‏في جهات متعددة مع اختلافها برودة وحرارة‏,‏ وقوة وضعفاً) علامات واضحة على كمال قدرة الله لقوم فكروا بعقولهم فخلص يقينهم ‏. (انتهى قول المفسر)‏‏‏
وجاء في صفوة التفاسير‏ ـ جزى الله كاتبه خير الجزاء‏ ـ ما نصه‏:..... "‏ إِنَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ‏ "‏
أي إن في خلق السماوات والأرض وما فيهما من المخلوقات العجيبة‏,‏ والأحوال الغريبة‏,‏ والأمور البديعة‏,‏ لعلامات باهرة على كمال قدرة الله وحكمته‏,‏ لقوم يصدقون بوجود الله ووحدانيته . وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون‏ " وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ "‏ أي وفي خلقكم أيها الناس من نطفة ثم من علقة‏,‏ متقلبة في أطوار مختلفة إلى تمام الخلق،‏ وفيما ينشره ـ تعالى ـ ويفرقه من أنواع المخلوقات التي تدب على وجه الأرض‏‏ آيات باهرة أيضاً لقوم يصدقون عن إذعان ويقين بقدرة رب العالمين . "‏ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ "‏ أي وفي تعاقب الليل والنهار‏,‏ دائبين لا يفتران‏,‏ هذا بظلامه وذاك بضيائه‏,‏ بنظام محكم دقيق .‏"‏ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن رِّزْقٍ "أي وفيما أنزله الله ـ تبارك وتعالى ـ من السحاب‏‏ من المطر الذي به حياة البشر في معاشهم وأرزاقهم ‏..." فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا "‏ أي فأحيا بالمطر الأرض بعد ما كانت هامدة يابسة لا نبات فيها ولا زرع‏ ..."‏ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ "‏ أي وفي تقليب الرياح جنوباً وشمالاً‏,‏ باردة وحارة . ‏"‏ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ‏ "‏ أي علامات ساطعة واضحة على وجود الله ووحدانيته‏,‏ لقوم لهم عقول نيرة وبصائر مشرقة ‏....‏

تصريف الرياح في منظور العلوم المكتسبة :

يعرف الريح بأنه الهواء المتحرك بالنسبة للأرض‏ ,‏ والذي يمكن إدراكه إلى ارتفاع يصل إلى‏65‏ كم تقريباً فوق مستوى سطح البحر‏ ,‏ وإلى هذا الارتفاع تحكم حركة الرياح نفس العوامل التي تحكمها فوق سطح البحر وهي‏ :‏ الجاذبية الأرضية‏,‏ قدر الاحتكاك بسطح الأرض‏ ,‏ وتدرج معدلات الضغط الجوي‏ ,‏ أما في المستويات الأعلى من ذلك فإن عوامل أخرى تسود ، مثل الكهربية الجوية‏,‏ المغناطيسية ‏,‏ وعمليات المد والجزر الهوائيين ‏.‏
وبما أن 99%‏ من كتلة الغلاف الغازي للأرض تقع دون ارتفاع ‏50‏ كم فوق مستوى سطح البحر ـ أي دون مستوى الركود الطبقي‏
(
TheStratopause) ـ فإن دراسة حركة الرياح تتركز ـ أساساً ـ في هذا الجزء السفلي من الغلاف الغازي للأرض‏ .‏

وتقسم الرياح بالنسبة إلى ارتفاعها عن سطح الأرض إلى ما يلي‏ :‏
‏(1)‏ رياح سطحية : وتمتد من مستوى سطح البحر إلى بضعة كيلو قليلة فوقه ‏.‏
‏(2)‏ رياح متوسطة : وتمتد فوق الرياح السطحية إلى ارتفاع‏35‏ كم فوق مستوى سطح البحر ‏.‏
‏(3)‏ ورياح مرتفعة : وتمتد في المستوى من‏35‏ إلى‏65‏ كم فوق مستوى سطح البحر‏ .‏
وتقسم الرياح السطحية حسب شدتها على النحو التالي ‏:‏
ويصف القرآن الكريم الصنفين الأول والثاني من هذا التصنيف باسم الريح الساكن‏,‏ والأصناف من الثالث إلى السادس باسم الريح الطيبة‏,‏ والأصناف من السابع إلى التاسع باسم الريح العاصف‏,‏ والأصناف من التاسع إلى الثالث عشر باسم الريح القاصف‏,‏ وهذا سبق قرآني بأكثر من عشرة قرون للمعرفة العلمية المكتسبة في هذا المجال‏ .‏
ويمكن تصنيف الرياح بحسب القوى المحركة لها، وأهمها التأثير المشترك للعوامل التالية ‏:
التوازن الإشعاعي للشمس‏,‏ وتوزيع درجات الحرارة عبر خطوط العرض المختلفة‏,‏ ودوران الأرض حول محورها أمام الشمس‏,‏ بالإضافة إلى التضاريس الأرضية المختلفة ‏.‏
ويقدم كم الطاقة الشمسية التي تصل إلى الأرض الطاقة اللازمة لحركة الرياح‏؛‏ وذلك لأن أشعة الشمس التي تتعامد على خط الاستواء، وتميل ميلاً كبيراً فوق القطبين تؤدي إلى التباين في توزيع درجات الحرارة على سطح الأرض‏,‏ هذا التباين الذي ينتج عنه حركة صاعدة للهواء الساخن حول خط الاستواء‏,‏ وحركة هابطة للهواء البارد فوق القطبين ‏.‏
كذلك فإن دوران الأرض حول محورها من الغرب إلى الشرق يؤدي إلى دفع الهواء المحيط بالمنطقة الاستوائية في اتجاه الغرب‏,‏ والحقيقة أن الدورة الفعلية للرياح لها عدد من الخلايا بين خط الاستواء وكل قطب من قطبي الأرض‏,‏ وعند تحرك كتلة من الهواء فوق خط الاستواء باتجاه أحد القطبين، فإنه نتيجة لحفظ العزم الزاوي للهواء المتحرك فوق أرض تدور، فإن الهواء المتحرك في اتجاه القطب لابد أن ينحرف شرقاً‏,‏ والهواء المتحرك فوق خط الاستواء لابد أن ينحرف في اتجاه الغرب‏,‏ وبالمثل الرياح السطحية تتجه إلى الشرق‏,‏ بينما تتجه الرياح الوسطي إلى الغرب‏ .‏
والنتيجة هي دورة عامة للرياح شديدة الانتظام حول الأرض‏,‏ وذات عدة دوائر كبيرة بين خط الاستواء ، وكل قطب من قطبي الأرض منها دوائر حارة فوق المناطق الاستوائية‏,‏ ودوائر باردة فوق القطبين‏,‏ ودوائر معتدلة الحرارة بينهما‏,‏ مع وجود عدد من الجبهات الهوائية بين تلك الدوائر‏,‏ وبالإضافة إلى ذلك تتدخل الظروف الجغرافية المحلية فيكون الهواء دافئاً ورطباً فوق المحيطات المدارية‏,‏ وحاراً جافاً فوق الصحاري‏,‏ وبارداً جافاً فوق المناطق المكسوة بالجليد‏,‏ وتتداخل هذه الكتل الهوائية‏,‏ وتتكون بذلك السحب ـ ومنها الممطر والعقيم ـ وتحدث الأعاصير بمراحلها المختلفة، وتتحرك كتل الهواء الساخن من المناطق الاستوائية في اتجاه القطبين‏,‏ كما تتحرك كتل الهواء البارد من القطبين في اتجاه خطوط العرض العالية‏‏ في تموجات واضحة تظهر آثارها على كلٍ من أسطح البحار‏,‏ وفي شواطئها‏(‏ نيم البحر‏),‏ وفي تموجات أسطح الكثبان الرملية‏(‏ علامات النيم‏)‏ وغير ذلك من آثار حركات كلٍ من الرياح وأمواج البحار‏ .‏

ومن الظروف الجغرافية المحلية التي تؤثر في حركة الرياح تضاريس سطح الأرض، مثل السلاسل الجبلية‏,‏ والتلال‏,‏ والهضاب‏,‏ والسهول والمنخفضات‏,‏ والكتل المائية المختلفة‏ .‏ ففي الصيف تسخن اليابسة بسرعة أكبر من المحيطات‏,‏ وفي الشتاء يحتفظ ماء المحيطات بالحرارة لمدة أطول فتكون أدفأ من اليابسة‏,‏ وينشأ عن تلك الفروق نسيم البر والبحر‏,‏ كما ينشأ عن فروق التضاريس دورة الرياح بين الجبال والأودية والمنخفضات‏,‏ وهذه الحركات الأفقية للكتل الهوائية تصاحبها حركات رأسية‏,‏ فإذا ارتفعت درجة حرارة كتلة من الهواء بحيث تصبح أدفأ من الهواء المحيط بها‏,‏ فإن الهواء الساخن يصعد إلى أعلى‏,‏ فيتناقص ضغطه وتنخفض درجة حرارته‏,‏ وتبدأ ما فيه من رطوبة في التكثف إذا وصلت درجة الحرارة إلى نقطة التشبع ‏(‏ نقطة تكون الندى‏),‏ وبذلك تتكون السحب وتتهيأ الفرص لهطول المطر بإذن الله ‏.‏
من هذا العرض يتضح أن الرياح التي تبدو للمراقب من الناس هوجاء عاصفة لها في الحقيقة توزيع دقيق على سطح الأرض‏,‏ تحكمه قوانين شديدة الانضباط‏,‏ وقد وصف القرآن الكريم هذه الدقة في التوزيع والانضباط في الحركة بوصف معجز هو تصريف الرياح‏,‏ بمعنى أن الرياح لا تتحرك هذه الحركات العديدة بذاتيتها‏,‏ ولكن بقدرة الله الذي يصرفها بعلمه وبحكمته كيفما يشاء‏ .
 والرياح تقوم بدور رئيسي ‏ـ‏ بإذن الله ـ‏ في تكوين السحب‏,‏ وإنزال المطر‏,‏ وإتمام دورة الماء حول الأرض وإلا فسد‏,‏ وفي تفتيت الصخور وتعريتها‏,‏ وتكوين التربة والرمال السافية وتحريكها‏,‏ وفي تلطيف الجو وتكييفه‏,‏ وتطهيره من الملوثات التي تحملها حركة الرياح جنوباً وشمالاً في اتجاه قطبي الأرض وغير ذلك من المهام الرئيسية في جعل الأرض صالحة للعمران.‏ فسبحان مصرف الرياح‏,‏ ومجري السحاب‏,‏ ومنزل القطر الذي أنزل في محكم كتابه‏,‏ وعلى خاتم أنبيائه ورسله‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ من قبل ألف وأربعمائة من السنين هذا الوصف المعجز‏"‏ تَصْرِيفِ الرِّيَاحِ‏ " ، وهو وصف لم يدرك العلم الكسبي دلالته إلا في القرن العشرين، وبعد مجاهدة استغرقت جهود آلاف من المتخصصين‏,‏ وهو مع دقته يؤكد أن حركة الرياح ـ وإن فهمنا بعض القوى الدافعة لها ـ تبقى من جند الله‏,‏ يجريها وفق مشيئته بالخير لمن يشاء من عباده‏,‏ كما يجريها وفق إرادته لإبادة العاصين من الكفار والمشركين المتجبرين في الأرض والمحاربين لعباد الله فيها‏,‏ ففهمنا لميكانيكية الحدث لا يخرجه عن إطار كونه من جند الله‏,‏ خاضعاً لإرادته ومشيئته .
فالحمد لله الذي أنزل القرآن بعلمه‏,‏ وعلمه خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ وأبقاه شاهداً على حقيقة نبوته ورسالته‏,‏ وحفظه بلغة وحيه حفظاً كاملاً على مدى أربعة عشر قرناً أو يزيد وإلى يوم الدين‏,‏ هادياً لطلاب الحق في كل مكان وزمان‏ .‏
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد‏ .