"فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً"(آل عمران: 97).


هذا النص القرآني الكريم جاء في منتصف سورة آل عمران‏,‏ وهي سورة مدنية‏,‏ ومن طوال سور القرآن الكريم، إذ يبلغ عدد آياتها مائتي آية بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلى أسرة السيدة مريم ابنة عمران‏,‏ أم نبي الله عيسى‏,‏وقصة ميلادها‏‏ وميلاده‏ ـ‏ عليهما السلام‏ ـ ونذرها لله من قِبَل أمها ـ‏ عليها رضوان الله‏ .‏وذلك بقول الحق‏ ـ تبارك وتعالى ـ :‏ " إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ . ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيم . إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ‏ . فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ " ‏(‏آل عمران‏:33‏ ـ‏36)‏ .وجاء بالسورة نفسها ذكر نبي الله زكريا‏ ـ‏ عليه السلام‏ ـ‏ وكيف وهبه الله ـ على الكبر ـ ابنه يحيى‏..‏ مصدقاً بكلمة من الله وسيداً وحصوراً ونبياً من الصالحين ‏.‏وجاء ذكر ميلاد السيد المسيح‏ ـ‏ عليه السلام‏ ـ‏ بمعجزة من الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ من أم بلا أب‏,‏ وفي ذلك تقول الآيات‏ :‏ " إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ .‏ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ . قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ . ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل . وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ‏" (‏آل عمران‏:45‏ ـ‏49)‏ .

كذلك جاء ذكر كثير من المعجزات التي أجراها ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ على يد هذا النبي الذي جعله ربنـ تبارك وتعالى ـ‏ واحداً من أولى العزم من الرسل‏,‏ شهادة له بالنبوة وبالرسالة ‏.‏
ويذكر عدد من المفسرين أن الآيات من‏ (1‏ ـ‏83)‏ في هذه السورة الكريمة نزلت في الرد على وفد نصارى نجران ـ‏ الذي قدم المدينة المنورة في السنة التاسعة للهجرة ـ‏ تصحيحاً لمعتقداتهم‏,‏ وتأكيداً لمعنى توحيد الله‏,‏ توحيداً خالصاً لا تشوبه أدنى شبهة من شبهات الشرك‏,‏ ذلك التوحيد الخالص الذي جاءت به كل رسالات السماء‏,‏ وفصلته الرسالة الخاتمة التي بعث بها النبي الخاتم‏ ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولذلك استهلت سورة آل عمران بقول الحق‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ :‏
" الم . اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ . نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَل التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ‏ . مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ "  (‏آل عمران‏:1‏ ـ‏4)‏ .
وقوله ـ‏ تعالى ـ :‏ " شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ " (‏آل عمران‏:19,18)‏ .
كذلك أوردت سورة آل عمران تحذيرات شديدة من أخطار اليهود وانحرافاتهم‏,‏ واعتداءاتهم‏,‏ ودسائسهم‏,‏ ومؤامراتهم ضد أنبياء الله ورسله‏,‏ وضد دينه وشرائعه‏,‏ وضد مختلف عباده، وذلك مثل قوله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ :‏
" إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ . أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ "  (‏آل عمران‏:22,21)‏ .
وقوله ـ‏ تعالى‏ ـ :‏ " وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ "  (آل عمران:187) .
ولذلك كثر توجيه الخطاب في سورة آل عمران إلى أهل الكتاب، والذي جاء في إثني عشر موضعاً في خلال السورة الكريمة‏,‏ وشغل نصف عدد آياتها تقريبا‏ًً,‏ وذلك من مثل قوله‏ ـ‏ تعالى ـ :‏ " قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ " (آل عمران:64) .

 
ولذلك حفلت سورة آل عمران بمعنى توحيد الله‏,‏ وبتنزيهه‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ عن كل وصف لايليق بجلاله‏,‏ وبإثبات ما أثبت الله‏‏ ـ جلت قدرته ـ‏ لذاته العلية من الأسماء الحسنى، والصفات العلا مما لايليق إلا بجلاله‏,‏ ومن ذلك أنه هو الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم‏,‏ الذي لايخفى عليه شئ في الأرض ولا في السماء‏,‏ والذي يصور الخلائق في الأرحام كيف يشاء‏,‏ وهو العزيز الحكيم‏,‏ البصير بالعباد‏,‏ والذي منه وحده النصر، فيؤيد بنصره من يشاء من عباده‏,‏ والذي هو مالك الملك‏,‏ يؤتي الملك من يشاء‏,‏ وينزعه ممن يشاء‏,‏ ويعز من يشاء‏,‏ ويذل من يشاء بيده الخير وهو على كل شئ قدير‏,‏ وأن الهدى هداه‏,‏ يهدي به من يشاء‏,‏ وأن الفضل بيده يؤتيه من يشاء‏,‏ وأنه واسع عليم‏,‏ يختص برحمته من يشاء، والله ذو الفضل العظيم‏,‏ وهو ـ‏ تعالى ـ‏ رؤوف بالعباد‏,‏ وفي الوقت نفسه هو عزيز ذو انتقام‏,‏ وأنه‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ لايخلف الميعاد‏ .‏
وقد شغل الحوار مع أهل الكتاب أكثر من نصف السورة الكريمة التي أكدت حتمية الإيمان بجميع الرسالات السماوية‏,‏ وفي ذلك تخاطب الآيات خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ‏ صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏ ـ‏ بقول الحق ‏ـ تبارك وتعالى ـ‏ :‏
" قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ " (آل عمران:84) .
وانطلاقاً من ذلك اتبعت هذه الآية الكريمة مباشرة بقرار الله ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ ذلك القرار الجازم الحاسم والذي يقول فيه‏ ـ عز من قائل ـ :‏ " وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ " (آل عمران:85) .
وخاطبت السورة الكريمة أمة الإسلام بقول الحق ـ‏ تبارك وتعالى ـ :‏
" كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ " (آل عمران:110) .
وامتدحت سورة آل عمران الذين آمنوا من أهل الكتاب، وذلك بقول الحق ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :‏ " لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ .‏ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ . وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ " (‏آل عمران‏:113‏ ـ ‏115)‏ .

وجاءت السورة الكريمة في ختامها بذكر أهل الكتاب الذين منهم من سلك طريق الهداية الربانية‏,‏ فانتهى إلى نفس النهاية الايمانية‏,‏ فآمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر‏ بغير تفريق ولا تمييز‏,‏ بما في ذلك الإيمان بخاتم الأنبياء والمرسلين ـ‏‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ وبالقرآن الكريم الذي أُنزل إليه‏,‏ فمنَّ الله‏ ـ‏ تعالى‏‏ ـ عليهم بالقبول‏,‏ ووعدهم بالأجر العظيم‏,‏ وامتدحهم بقوله‏ ـ عز من قائل ـ :‏
" وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ " (آل عمران:199) .
أما النصف الآخر من سورة آل عمران فقد اهتم بالحديث عن معركة أحد‏,‏ وما أصاب المسلمين فيها من انكسار بسبب مخالفتهم لأوامر رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ على أرض المعركة‏,‏ وذكَّرت الآيات بانتصارات معركة بدر الكبرى للمقارنة بين أسباب النصر وأسباب الهزيمة‏,‏ فالآيات هنا ليست مجرد وصف لما حدث في الواقعتين‏,‏ ولكنها توجيهات ربانية دائمة لبناء الجماعة الاسلامية‏,‏ وتوضيح إلهي لقواعد وسنن النصر والهزيمة إلى يوم الدين ‏.‏
وفي هذا السياق أشارت السورة الكريمة إلى حكم الردة في الإسلام‏,‏ ودعت إلى الإنفاق في سبيل الله‏,‏ وحذرت من تحريف اليهود للتوراة‏,‏ وأمرت باتباع ملة ابراهيم حنيفاً وما كان من المشركين ، وتحدثت السورة الكريمة عن الكعبة المشرفة بوصفها أول بيت وضع للناس‏,‏ وعن الآيات المادية العديدة التي تركها ربنا‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ‏ في الحرم المكي لتشهد له بالكرامة والخصوصية والبركات ‏.‏
كما أشارت إلى فريضة الحج على كل مسلم‏,‏ بالغ‏,‏ عاقل‏,‏ حر‏,‏ مستطيع مرة في العمر‏,‏ وأوصت الآيات في سورة آل عمران بتقوى الله‏,‏ والاعتصام بحبله‏,‏ وذكَّرت بنعم الله على عباده وكافة خلقه‏,‏ ودعت إلى نفرة طائفة من المسلمين للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر‏,‏ والحض على كل خير‏,‏ ووصفت أولئك بالمفلحين‏,‏ ونهت عن فرقة الكلمة‏,‏ ووصفت المصائر المتباينة لكلٍ من المؤمنين والكافرين في يوم القيامة، ومصير ما ينفق الكافرون في هذه الحياة الدنيا لاكتساب السمعة والشهرة‏,‏ وحذرت من بغضهم وحقدهم على المؤمنين‏,‏ وأكدت أن القرآن الكريم هو كلام الله الذي أوحي به إلى خاتم أنبيائه ورسله ‏ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ بياناً من الله إلى الناس وهدى ورحمة للمتقين‏,‏ وأن الله‏ ـ تعالى‏ ـ لايريد ظلماً للعالمين‏,‏ وأن له ما في السماوات وما في الأرض‏,‏ وأن إليه ترجع الأمور‏ .‏
وتنهى سورة آل عمران عن أكل الربا‏,‏ وتحذر من عذاب النار‏,‏ وتأمر بطاعة الله ورسوله‏,‏ وبالمسارعة في طلب المغفرة من الله‏,‏ وسؤاله الجنة التي أُعدت للمتقين الذين أوردت شيئا من صفاتهم‏,‏ وتوصي بالسير في الأرض للاعتبار بعواقب المكذبين‏ .‏
ثم عاودت السورة الكريمة ذكر معركة أحد في مواساة رقيقة للمسلمين‏,‏ مؤكدة لهم أنهم هم دائماً الأعلوْن ماداموا مؤمنين‏,‏ على الرغم من تعرضهم أحياناً لبعض النكسات‏؛ لأن الأيام دول يداولها الله بين الناس‏,‏ والنصر والهزيمة من سنن الله في الحياة بحكمة يعلمها هو‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ منها أن يتخذ من المؤمنين شهداء‏,‏ وأن يميز بين المنافقين والمؤمنين‏,‏ وأن يطهر المؤمنين من الذنوب بشئ من التمحيص‏,‏ ويهلك الكافرين والمنافقين بذنوبهم؛ لأن الله‏ ـ تعالى ـ‏ لايحب الظالمين من المعتدين‏,‏ كما لايحب المتخاذلين في الدفاع عن الحق وأهله ‏.‏
وتعليقاً على ما أشيع أثناء معركة أحد أن رسول الله ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ قد قتل‏,‏ وتصور عدد من المنافقين أن رسالته قد انتهت‏,‏ وأن بإمكانهم الارتداد عن دينه‏,‏ تؤكد لهم سورة آل عمران أن من يرتد عن الإسلام فلن يضر الله شيئا‏,‏ ولكنه مهلك نفسه بتعريضها لسخط الله وعذابه‏,‏ كما تؤكد السورة الكريمة أن الموت حق على هذا النبي الخاتم والرسول الخاتم، فقد خلت من قبله الرسل‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏ .‏
وتؤكد الآيات كذلك أن الله‏ ـ تعالى ـ‏ قد جعل لكل نفس أجلاً محدداً لاتموت إلا عنده‏,‏ وذلك حسب تقدير الله ومشيئته‏,‏ وفي ذلك تشجيع للمؤمنين على الجهاد في سبيل الله دون مهابة الموت‏,‏ كما تؤكد أن الأعمال بالنيات وأن لكل أمرئ ما نوى‏,‏ فمن قصد بعمله أجر الدنيا أعطاه الله إياها,‏ وليس له في الآخرة من نصيب، وأن من قصد بعمله أجر الآخرة أعطاه الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ أجرَيْ الدنيا والآخرة‏,‏ وإن كان ذلك حكماً عاماً إلا أن فيه تعريضاً واضحاً بمن رغبوا في غنائم الحرب أثناء معركة أحد، فتسببوا في هزيمة جيش المسلمين ‏.‏
وتشير الآيات إلى أن أعداداً كثيرة من العلماء الربانيين‏,‏ والمجاهدين الصادقين الذين قاتلوا مع أنبياء الله ورسله‏,‏ في سبيل الله ومن أجل إعلاء دينه‏,‏ قد قتل منهم من قتل‏,‏ وأصيب من أصيب فما ذلوا‏,‏ وما انهاروا أمام أعداء الله وأعدائهم‏,‏ ولذلك تصفهم الآيات بقول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :‏
"‏ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ . وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ . فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ " (‏آل عمران‏:146‏ ـ ‏148)‏ .
وتحذر سورة آل عمران في مواضع عديدة منها من موالاة أيٍ من المشركين أو الكافرين‏,‏ وفي ذلك يقول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :‏ " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ‏ . بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ .‏ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ ‏" (‏آل عمران‏:149ـ‏151).
وتعاود الآيات (‏من‏152‏ إلى‏175)‏ مرة أخرى للحديث عن معركة أحد، واستعراض ملابساتها في كلٍ من ساحة القتال وساحة النفس الانسانية‏,‏ وذلك كله من أجل تربية المسلمين‏,‏ وتصحيح مفاهيمهم وتصوراتهم‏,‏ وتحذيرهم من اندساس المنافقين في صفوفهم‏,‏ ومن كيد الأعداء المحيط بهم ، ‏كما هو الحال اليوم وفي كل يوم إلى قيام الساعة‏ .‏
وتؤكد الآيات أن الشيطان يحاول جعل أوليائه من الكفار والمشركين مصدر إرهاب للمؤمنين‏,‏ وفي ذلك يقول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ :‏
" إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ " (آل عمران:175) .
وتطلب الآيات من رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ‏ ألا يحزن على الذين يسارعون في الكفر، فإنهم لن يضروا الله شيئا‏,‏ ولكن يريد الله ـ‏ تعالى‏ ـ ألا يجعل لهم حظاً في الآخرة‏,‏ وأن يجعل لهم العذاب العظيم‏,‏ ولذلك يمهلهم‏,‏ ويمدد آجالهم حتى يزدادوا من المعاصي والآثام، فيتضاعف عذابهم المهين في الآخرة ـ إن شاء الله رب العالمين ‏.‏
وتؤكد الآيات في سورة آل عمران أن الله‏ ـ تعالى‏ ـ يبتلي عباده ليميز الخبيث من الطيب، وهو ‏ـ ‏تعالى أعلم بهم‏ ـ وليُظهر نتيجة ذلك لمن يشاء، كما فعل في معركة أحد فكشف المنافقين من الصادقين‏,‏ وعرَّف بهم خاتم أنبيائه ورسله ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏‏ فقال‏ ـ عز من قائل‏ :‏
" مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ " (آل عمران:179) .
وتنصح الآيات ببذل المال في سبيل الله‏,‏ وتتوعد الذين يبخلون فيقول ربنا‏ ـ تبارك وتعالى ـ :‏ " وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ " (آل عمران:180) .
وتعاود السورة المباركة التخفيف عن رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ‏ من وقع كفر الكافرين‏,‏ وشرك المشركين‏,‏ وتكذيبهم لبعثته الشريفة فتقول ‏:‏ " فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ " (آل عمران:184)  .
وتؤكد الآيات أن مصير الخلائق كلها إلى الفناء‏,‏ وأن كل نفس ميتة لا محالة‏,‏ وأن الخلائق سوف تلقى جزاء أعمالها وافياً يوم القيامة، وفي ذلك يقول ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ‏ :‏" كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ " (آل عمران:185) .
وتتابع السورة الكريمة بتوجيه الناس كافة إلى تأمل خلق السماوات والأرض‏,‏ والتعرف على بديع صنع الله فيهما‏؛‏ لأن في ذلك من دعائم الإيمان ما فيه‏,‏ وتنتهي بابتهال إلى الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ طلباً لمغفرته، وطمعاً في جنته‏,‏ فيستجيب هذا إلاله العظيم لابتهال المبتهلين من الذين جاهدوا في سبيل الله حق جهاده من الذكور والإناث‏,‏ ثم تأتي السورة الكريمة في نهايتها بتوجيه إلى رسول الله‏ ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومن بعده إلى كل مسلم ومسلمة ألا يغتروا بتقلب الذين كفروا في البلاد في شئ من النعمة والجاه والسلطان‏,‏ فمتاع الدنيا قليل‏,‏ وسوف ينتهي بهم إلى جهنم وبئس المصير‏,‏ بينما عباد الله المتقون قد يعيشون في الدنيا تحت ظل الفقر والحرمان، ولكن الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ قد أعد لهم في الآخرة .‏   " لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ " (آل عمران:198) .
وتختتم سورة آل عمران بوصية من الله‏ ـ تعالى‏ ـ للمؤمنين تُعتبر عُدةً لهم في مواجهة أهل الباطل في كل زمان ومكان، يقول فيها ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ :‏ " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ " (آل عمران:200) 
 وفي مقال سابق استعرضنا ركائز العقيدة‏,‏ والتشريعات التي حفلت بها سورة آل عمران‏,‏ وكذلك الآيات الكونية التي استشهدت بها‏,‏ وفي هذا المقال نتوقف عند قوله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ في وصف أول بيت وضع للناس ‏: " فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ " (آل عمران:97) .
وقبل الدخول إلى ذلك لابد من استعراض سريع لأقوال المفسرين في شرح هذه الآية الكريمة ‏.‏



من أقوال المفسرين :
في تفسير قوله ـ تعالى ـ ‏:‏
" إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ‏ . فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ " (‏آل عمران‏:97,96)‏.
ذكر ابن كثير‏ ـ‏ رحمه الله‏ ـ ما يلي ‏:‏ وقوله ـ تعالى ـ : " فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ "‏ أي دلالات ظاهرة‏...,‏ وأن الله عظمه وشرفه‏,‏ ثم قال ـ تعالى ـ : "‏ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ "‏ يعني الذي لما ارتفع البناء استعان به على رفع القواعد منه والجدران‏,‏ حيث كان يقف عليه ويناوله ولده إسماعيل‏,‏ وقد كان ملتصقاً بجدار البيت حتى أخَّره عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ‏ في إمارته إلى ناحية الشرق‏,‏ بحيث يتمكن الطوَّاف منه‏,‏ ولا يشوشون على المصلين عنده بعد الطواف ‏.‏ وقال ابن عباس في قوله‏ :"‏ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ ‏"‏ أي فمنها مقام إبراهيم والمشاعر‏,‏ وقال مجاهد‏:‏ أثر قدميه في المقام آية بينة‏..,‏ وقال ابن أبي حاتم عن عطاء عن ابن عباس في قوله ـ تعالى ـ :‏" مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ‏ "‏ قال‏:‏ الحرم كله مقام إبراهيم‏,‏ وقوله ـ تعالى ـ : "‏ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً‏ "يعني حرم مكة، إذا دخله الخائف يأمن من كل سوء‏,‏ وكذلك كان الأمر في حال الجاهلية‏...‏ وحتى إنه من جملة تحريمها حرمة اصطياد صيدها وتنفيره عن أوكاره‏,‏ وحرمة قطع شجرها، وقلع حشيشها كما ثبتت الأحاديث والآثار في ذلك ‏....‏ (انتهى قول المفسر)
وذكر بقية المفسرين كلاماً مشابهاً لتفسير ابن كثير ـ رحمه ورحمهم الله ‏ـ‏ ولا أرى حاجة إلى تكراره هنا‏ .‏


من الدلالات العلمية للآية الكريمة :
في تفسير قوله‏ ـ‏ تعالى ـ : " إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ‏ . فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ " (‏آل عمران‏:97,96)‏.
ذكر ابن كثير‏ ـ‏ رحمه الله‏ ـ‏ أن المقصود بتعبير‏" مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ "هو تلك الصخرة التي استعان بها سيدنا إبراهيم‏ ـ على نبينا وعليه السلام‏ ـ‏ بالوقوف عليها وهو يرفع القواعد من البيت العتيق‏,‏ وولده اسماعيل‏ ـ على نبينا وعليه السلام‏ ـ‏ يناوله الحجارة حتى تتم البناء‏ .‏وانطلاقاً من ذلك قال مجاهد‏ ـ‏ يرحمه الله ـ‏ : إن الآيات البينات التي جاء ذكرها في هاتين الآيتين الكريمتين هي أثر قدمي سيدنا إبراهيم‏ ـ‏ عليه السلام‏ ـ‏ في تلك الصخرة المعروفة باسم " مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ" .‏
ولكن ابن عباس‏ ـ رضي الله عنهما‏ ـ ذكر أن المقصود بقول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ :"‏ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ" هو الحرم على اتساعه‏,‏ وأن الآيات البينات التي فيه منهن مقام ابراهيم والمشاعر‏,‏ وأيد ذلك عطاء‏ ـ‏ رحمه الله‏ ـ كما رواه ابن أبي حاتم فقال :‏ الحرم كله مقام إبراهيم‏,‏ ويؤيد ذلك قوله‏ ـ تعالى‏ ـ:‏" وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً ",‏ أي من دخل إلى الحرم المكي ‏.‏
وتقدر مساحة هذا الحرم الملكي بحوالي ‏600‏ كيلو متراً مربعاً على هيئة سلسلة من الأودية والمنخفضات، تمتد من مكة المكرمة غرباً إلى ساحة عرفات شرقاً‏‏ مروراًً بكلٍ من وادي منى ووادي المزدلفة‏ .‏
ولهذا الحرم حدود حددها ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ‏ لأبينا آدم‏ ـ عليه السلام‏ ـ‏ وحملها جبريل‏ ـ عليه السلام‏ ـ‏ إلى أبي الأنبياء إبراهيم‏ ـ‏ على نبينا وعليه من الله السلام ـ وقد نُصبت على هذه الحدود أعلام في جهات خمس تعتبر المداخل الرئيسية للحرم المكي‏,‏ وهذه الأعلام على هيئة أحجار مرتفعة قدر متر واحد‏,‏ منصوبة على جانبي كل طريق من الطرق المؤدية إلى منطقة الحرم المكي ‏.‏ وهنا يتبادر السؤال ماهي الآيات البينات التي أشارت إليها الآية الكريمة التي نحن بصددها في هذه المساحة الكبيرة التي تشكل الحرم المكي؟، وماهي دلالاتها على شرف المكان وعظمته وبركاته؟ ، وللاجابة على ذلك نورد ما يلي‏ :‏

الآيات البينات في الحرم المكي‏ :
أولاً‏:‏ توسط مكة المكرمة لليابسة‏ :‏
وقد قام بإثبات ذلك الأستاذ الدكتور حسين كمال الدين‏ ـ‏ رحمه الله رحمة واسعة‏ ـ وذلك في بحث قيم بهذا العنوان في أثناء تحديده لاتجاهات القبلة من المدن الرئيسية في العالم، فلاحظ تمركز مكة المكرمة في قلب دائرة تمر بأطراف جميع القارات السبع التي تكون اليابسة ‏.‏
فإذا كانت الأرض هي مركز السماوات السبع بنص الآية الكريمة التي يقول فيها ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ في سورة الرحمن ‏:‏
" يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ " (الرحمن:33) ؛ وذلك لأن قطر أي شكل هندسي هو الخط الواصل بين طرفيه مروراً بمركزه‏,‏ وأقطار السماوات على ضخامتها تنطبق على أقطار الأرض على ضآلتها النسبية بحسب نص الآية الكريمة‏,‏ فلابد أن تكون الأرض في مركز الكون‏ .‏ ويدعم هذا الاستنتاج ورود الإشارة بذكر السماوات والأرض وما بينهما في عشرين آية قرآنية صريحة‏,‏ ومقابلة السماوات بالأرض في عشرات الآيات القرآنية الأخرى ‏.‏
ويدعم هذا الاستنتاج كذلك ما روي عن المصطفى‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ من أقوال منها:‏
_ كانت
الكعبة خشعة على الماء فدُحيت منها الأرض ‏.‏
ـ إن الحرم حرم مناء من السماوات السبع والأرضين السبع‏ .‏
ـ البيت المعمور منا مكة، ووصفه بقوله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ بأنه بيت في السماء السابعة على حيال الكعبة تماماً حتى لو خر لخر فوقها ‏.‏
كل هذه النصوص تؤكد مركزية مكة المكرمة لليابسة ـ أي الأرض الأولى‏ ـ ومركزية الأرض للسماوات السبع‏,‏ فالحرم المكي مركز بين السماوات السبع والأرضين السبع كما وصفه المصطفى‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ .‏

ثانيا‏ًً :‏ انتفاء الانحراف المغناطيسي عند خط طول مكة المكرمة ‏:‏
كذلك ذكر الأستاذ الدكتور حسين كمال الدين ـ رحمه الله رحمة واسعة ـ‏ في بحثه القيم المُعَنْوَن " إسقاط الكرة الأرضية بالنسبة لمكة المكرمة "، والمنشور في العدد الثاني من المجلد الأول لمجلة البحوث الإسلامية الصادرة بالرياض سنة ‏1396/1395‏ هـ ‏(‏الموافق‏1976/1975‏ م‏)‏، ذكر أن الأماكن التي تشترك مع مكة المكرمة في نفس خط الطول ينطبق فيها الشمال المغناطيسي الذي تحدده الإبرة الممغنطة في البوصلة مع الشمال الحقيقي الذي يحدده النجم القطبي‏,‏ ومعنى ذلك أنه لايوجد أي قدر من الانحراف المغناطيسي على خط طول مكة المكرمة‏,‏ بينما يوجد عند جميع خطوط الطول الأخرى ‏.‏

ثالثا‏ًً :‏ ضبط اتجاه أضلاع الكعبة المشرفة‏ :‏
الكعبة المشرفة مبنية بأضلاعها الأربعة في الاتجاهات الأربعة الأصلية تماما‏ًً ،‏ فضلعها الذي به المزراب والمطل على حجر إسماعيل، والذي يضم الركنين العراقي والشامي يقام في اتجاه الشمال الحقيقي‏,‏ ويقابله في اتجاه الجنوب الضلع الذي يضم ركن الحجر الأسعد والركن اليماني، وضلعها الذي به الباب والملتزم، والذي يضم كلاً من ركن الحجر الأسعد والركن العراقي يواجه الشرق تماماً، ويقابله الضلع الغربي الذي يضم كلاً من الركنين الشامي واليماني‏ .‏
وتحديد تلك الاتجاهات بهذه الدقة في زمن موغل في التاريخ كالذي بنيت فيه الكعبة المشرفة ينفي إمكانية كونه عملاً بشرياً ‏.‏

رابعا‏ًً :‏ الحجر الأسعد من أحجار السماء‏ :‏
روى أبيُّ بن كعب عن النبي‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال : " الحجر الأسود نزل به ملك من السماء"‏ .وأخرج الإمام الترمذي في سننه عن ابن عباس‏ ـ‏ رضي الله عنهما‏ ـ أن رسول الله‏ ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏ قال‏ : "‏ نَزَلَ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ مِنْ الْجَنَّةِ وَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنْ اللَّبَنِ فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ "وروي عنه أيضاً قوله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ لأم المؤمنين السيدة عائشة‏ ـ‏ رضي الله عنها‏ ـ‏ وهي تطوف معه بالكعبة المشرفة حين استلم الركن‏:‏ " لولا ما طبع على هذا الحجر يا عائشة من أرجاس الجاهلية وأنجاسها إذن لاستشفي به من كل عاهة‏,‏ ولألفى اليوم كهيئته يوم أنزله الله‏ ـ عز وجل ـ‏ وليعيدنه إلى ما خلقه أول مرة‏,‏ وإنه لياقوتة بيضاء من يواقيت الجنة‏,‏ ولكن الله‏ ـ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ غيَّره بمعصية العاصين‏,‏ وستر زينته عن الظلمة والأثمة‏؛‏ لأنه لاينبغي لهم أن ينظروا إلى شئ كان بدؤه من الجنة "  (رواه الأزرقي عن وهب بن منبه‏)‏ .
كذلك أخرج كلٌ من الترمذي‏,‏ وأحمد‏,‏ والحاكم‏,‏ وابن حبان قول رسول الله ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ :‏ " إِنَّ الرُّكْنَ وَالْمَقَامَ يَاقُوتَتَانِ مِنْ يَاقُوتِ الْجَنَّةِ ".‏
وجاء في رواية للبيهقي أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏ أضاف ‏:‏ " ولولا ما مسهما من خطايا بني آدم لأضاء ما بين المشرق والمغرب‏,‏ وما مسهما من ذي عاهة ولا سقم إلا شُفي ‏" .‏
وحينما قرأ المستشرقون هذه الأحاديث النبوية الشريفة ظنوا الحجر الأسعد قطعة من البازلت الذي جرفته السيول من الحرات المجاورة، وألقت به إلى منخفض مكة المكرمة ‏.‏
ومن أجل إثبات ذلك استأجرت الجمعية الملكية الجغرافية البريطانية ضابطاً بريطانياً باسم " ريتشارد فرانسيس بيرتون
‏(Richard Francis Burton)‏ جاء إلى الحجاز في هيئة حاج أفغاني، وذلك في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي ‏(1269‏ هـ‏/1853‏ م‏)‏ بهدف سرقة جزء من الحجر الأسود والفرار به إلى بريطانيا‏,‏ وبالفعل تم له ذلك‏,‏ وبدراسة العينة المسروقة ثبت أنها من أحجار السماء‏؛‏ لأنها تشبه أحجار النيازك‏,‏ وإن تميزت بتركيب كيميائي ومعدني خاص‏,‏ وكان هذا الاكتشاف سبباً في إسلامه‏,‏ وقد سجل قصته في كتاب من جزءين بعنوان رحلة إلى مكة‏ (Mecca A Journey To),‏ وتوفى بيرتون في سنة ‏1890‏ م‏/1308‏ هـ‏ .

خامسا‏ًً :‏ مقام إبراهيم ـ‏ عليه السلام‏ ـ يحمل طبعة قدميه‏ :‏
أشرنا مسبقاً بأن كلمة‏ (‏المَُقام) بفتح الميم الأولى وضمها تأتي بمعنى الإقامة‏,‏ من الفعل ‏(‏أقام‏), (‏يقيم‏), (‏إقامة‏),‏  و‏(‏مقاماً‏),‏ ومن هنا أُخذ التعبير القرآني‏"‏ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ‏ "‏ على أنه الحرم المكي بكامل حدوده‏,‏ ولكن من مدلول الكلمة أيضا‏ًً (‏موضع القيام‏)‏ من الفعل‏ (‏قام‏)، (‏يقوم‏)، (‏مقاما‏ًً),‏ ولذلك فهم تعبير‏ "‏ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ ‏" بالصخرة التي‏ (‏قام‏)‏ عليها وهو يرفع القواعد من البيت‏,‏ وبهذا المفهوم فإن هذه الصخرة تحمل آية بينة، وهي أنه على الرغم من صلادتها ‏(‏صلابتها‏)‏ الشديدة فإنها تحمل طبعة غائرة لقدمي أبي الأنبياء إبراهيم‏ ـ ‏عليه السلام‏ .
ولين هذه الصخرة الصلدة إلى الحد الذي يمكنها من حمل طبعة قدمي هذا النبي الكريم معجزة بكل المقاييس العلمية يقف العلم عاجزاً أمام إمكانية تفسيرها‏؛‏ لأن المعجزات خوارق للسنن والقوانين‏,‏ ولذلك لايمكن للعلم الكسبي أن يفسرها‏,‏ وهي آية محسوسة لكل ذي بصيرة ‏.‏ وفي الأثر أن هذا المقام كان يرتفع بإبراهيم‏ ـ عليه السلام‏ ـ‏ حتى يضع الحجر في مكانه المحدد من البناية‏,‏ ثم يهبط به ليتناول حجراً آخر من ولده اسماعيل‏ ـ‏ عليه من الله السلام .‏
وفيما
يروى عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قوله ‏:‏ " الركن والمقام من الجنة‏ ",‏ وقوله ‏:‏ " الحجر والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة "

سادساً‏:‏ بئر زمزم آية من آيات الحرم المكي‏ :‏
إن تدفق الماء من بئر زمزم على مدى أكثر من ثلاثة آلاف سنة‏,‏ من قلب صخور نارية ومتحولة شديدة التبلور هو أمر لافت للنظر‏ على الرغم من طمرها وحفرها لعدة مرات‏,‏ ولم يُعرف مصدر هذا الماء المتدفق إلى البئر إلا بعد حفر الأنفاق حول مكة المكرمة‏,‏ حين أدرك العاملون في حفر تلك الأنفاق أن الماء يتدفق من تشققات شعرية دقيقة تمتد لمسافات بعيدة خارج حدود مكة المكرمة، وفي جميع الاتجاهات من حولها‏,‏ وهذه الملاحظة تؤكدوصف المصطفى‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ لهذه البئر المباركة بأنها نتجت عن طرقة شديدة وصفها بقوله الشريف ‏:‏ " هي هزمة جبريل، وسُقيا الله لإسماعيل " ؛ لأن الهزمة في اللغة هي الطرقة الشديدة ‏.‏
وبئر زمزم هي إحدى الآيات المادية الملموسة الدالة على كرامة المكان، ويصف رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ ماءها بقوله‏ :‏
" خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم‏,‏ فيه طعام طعم، وشفاء سقم " وقوله‏ :‏ " مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ ‏" (رواه أحمد وابن ماجه) .‏

سابعا‏ًَ :‏ إن أعداداً كبيرة من الأنبياء والصالحين مدفونون في الحرم المكي، وفي مسجد الخيف‏:‏
فعلى سبيل المثال يُذكر أن سيدنا إسماعيل ـ عليه السلام ـ وأمه السيدة هاجر‏ ـ رضي الله عنها‏ ـ‏ مدفونان في حجر إسماعيل‏,‏ ويروى عن رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ أنه قال‏ :‏
" في مسجد الخيف قبر سبعين نبيا‏ًً " .‏
ويروى عن سعد بن أبي وقاص‏ ـ‏ رضي الله عنه‏ ـ‏ قوله : " لو كنت من أهل مكة ما أخطأتني جمعة لا أصلي فيه‏,‏ ولو يعلم الناس مافيه لضربوا إليه أكباد الإبل‏.. "‏
وقال مجاهد‏ :‏ " حج خمسة وسبعون نبياً كلهم قد طاف بهذا البيت وصلى في مسجد منى‏ ".‏ وآثار هذه الأعداد الكبيرة من الأنبياء والصالحين لاتزال موجودة في هذه المنطقة المباركة من الأرض، وهي من الآيات البينات التي جاءت الإشارة إليها في الآية التي نحن بصددها، والتي يقول فيها ربنا ـ‏ تبارك وتعالى ـ :‏
" فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنا " (آل عمران: من الآية97)
وسوف أرجئ التعليق على بقية الآية إلى مقال آخر إن شاء الله‏ .
‏ فالحمد لله على نعمة الإسلام والحمد لله على نعمة القرآن، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد‏ .‏