"وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً" (آل عمران:97).


هذا النص القرآني الكريم جاء في منتصف سورة آل عمران‏,‏ وهي سورة مدنية‏,‏ ومن طوال سور القرآن الكريم إذ يبلغ عدد آياتها مائتين بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلى أسرة السيدة مريم ابنة عمران‏,‏ أم نبي الله عيسى‏ ـ‏ عليهما السلام ـ‏ وإلى المعجزات الإلهية المصاحبة لميلادها‏ وميلاده‏‏ وميلاد نبي الله يحيى لأبيه ـ على الكبر ـ وهو نبي الله زكريا‏ ـ عليهما السلام ـ‏ والمعجزات التي أجراها الله‏ ـ سبحانه وتعالى ـ على يد كلٍ منهم حتى تكون شاهدة ومؤيدة له ‏.‏
ويدور المحور الرئيسي للسورة حول عدد من القضايا التي سبق وأن عرضناها في مقالين سابقين،  ونوجزها هنا فيما يلي‏:‏
أولاً ‏:‏ الرد على أهل الكتاب في قضية العقيدة‏,‏ وتأكيداً للتوحيد الخالص لله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ بغير شريك‏,‏ ولا شبيه‏,‏ ولا منازع‏,‏ وتنزيهاً لهذا الإله الواحد الأحد‏,‏ الفرد‏ الصمد عن كل وصف لايليق بجلاله‏ (‏ من نحو نسبة الزوجة أو الولد إليه‏,‏ وهما من صفات المخلوقين‏,‏ ولايليقان بكمال الله الخالق وجلاله‏) .‏
وانطلاقاً من ذلك استهلت سورة آل عمران بالتأكيد على وحدانية الله‏ ـ‏ سبحانه ـ‏ وبعرض شيء من صفاته العليا‏,‏ وأسمائه الحسنى‏ .‏ وانتقلت إلى عدد من القضايا الأساسية التي عرضتها على النحو التالي‏ :‏
‏(1)‏ التأكيد على أن الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ هو مُرسِل الوحي‏,‏ ومنزل الكتب السماوية‏,‏ التي جاءت كلها بالإسلام‏,‏ وتكاملت في رسالة النبي الخاتم والرسول الخاتم‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ متمثلة في القرآن الكريم ، وفي سنة سيدنا محمد ـ‏ عليه أفضل الصلاة وأزكي التسليم‏ ـ وقد تعهد ربنا ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ‏ بحفظ هذه الرسالة الخاتمة بنفس لغة الوحي‏ ـ اللغة العربية‏ ـ فحفظت حفظاً كاملاً تحقيقاً لهذا الوعد الإلهي القاطع ‏.‏
وتؤكد سورة آل عمران أن اختلاف الناس في أمر الدين‏,‏ وتفرقهم عن الحق‏ ناتج عن تظالمهم فيما بينهم، على الرغم من وضوح الحق أمام أعينهم‏،‏ ولذلك تجزم السورة بأن‏ "..‏ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ
"، وبأنه‏ ـ‏ سبحانه‏ ـ‏ سريع الحساب ‏.‏
‏(2)‏ أشارت السورة الكريمة إلى قضية المُحكَم والمتشابه في القرآن الكريم‏ .‏
‏(3)‏ أكدت حتمية البعث والحساب‏,‏ والخلود في الدار الآخرة‏,‏ إما في الجنة أبداً أو في النار أبدا‏ًً .‏
‏(4)
‏ وقررت أن النصر من الله، وأنه‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ يؤيد بنصره من يشاء ‏.‏
‏(5)‏ وأن ثواب الآخرة خير من متاع الدنيا الفانية‏‏ وشهواتها الزائلة‏ .‏
‏(6)‏ وأكدت السورة الكريمة ضرورة اتباع خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ‏ صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏ ـ‏ وطاعته واتباع سنته‏,‏ علماً بأنه‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ ما عليه إلا البلاغ بدين الإسلام، وترك الاختيار للناس أفراداً وجماعات‏ .‏
‏(7)‏ تجريم كل صور الشرك بالله‏,‏ وكفر اليهود بآيات الله‏,‏ وقتلهم النبيين بغير حق‏,‏ وقتلهم للذين يأمرون بالقسط من الناس‏,‏ وهؤلاء المجرمون من الكفار والمشركين يبشرهم الله بعذاب أليم في الدنيا والآخرة ‏.
‏(8)‏ تؤكد السورة الكريمة قضية الولاء والبراء في أكثر من موضع منها ‏.‏
‏(9)‏ تجرِّم السورة الكريمة الردة عن الدين الحق‏,‏ وتضع الضوابط الشرعية للتعامل مع المرتدين‏ .‏

ثانيا‏ًً :‏ تأكيد وحدة الرسالة السماوية‏,‏ ووحدة النبوة‏,‏ ووحدة الإنسانية‏ في عدد من الآيات الواردة في هذه السورة الكريمة‏,‏ وذلك من مثل قوله ـ‏ تعالى‏ ـ : -
" إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى العَالَمِينَ . ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ "    (‏آل عمران‏:34,33). 
" إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ المُؤْمِنِينَ "   (‏آل عمران‏:68)‏ .
" قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ   (‏آل عمران‏:84)‏ .

ثالثا‏ًً :‏ ربط رسالات السماء كلها بالكعبة المشرَّفة في مكة المكرمة‏,‏ وهي أول بيت وضع للناس‏,‏ وقد ترك لنا ربنا‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ‏ فيه من الآيات الحسية البينة ما يشهد له بالكرامة والبركة والخصوصية‏,‏ وجعل الحج حقاً لله‏‏ على المستطيع من الناس .وفي ذلك يقول ربنا‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ :‏
" إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وَضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ . فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ   (‏آل عمران‏: 96-97) .
وفي ذلك يقول المصطفى‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ :‏
" كان النبي من الأنبياء إذا هلكت أمته لحق بمكة فيتعبد فيها النبي ومن معه حتى يموت فيها‏,‏ فمات بها نوح‏,‏ وهود‏,‏ وصالح‏,‏ وشعيب‏,‏ وقبورهم بين زمزم والحجر " ‏.

رابعا‏ًً :‏ أكدت السورة الكريمة من مطلعها إلى ختامها على معنى توحيد الله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ توحيداً خالصاً دون أدنى شبهة‏,‏ وتنزيهاً كاملاً يليق بجلال الله‏,‏ مثل قوله‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :‏
 
" الــم . اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ . نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ..."(‏آل عمران‏:1‏ ـ‏3) .
 
"  شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا العِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ . إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ العِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسَابِ "  (‏آل عمران‏:19,18)‏ .
" إِنَّ هَذَا لَهُوَ القَصَصُ الحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ (‏آل عمران‏:62) .
 " مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِّي مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ " (‏آل عمران‏:79)‏ .
" وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ   (‏آل عمران‏:85) .

خامسا‏ًً :‏ تدعو الآيات المسلمين إلى توحيد الصف‏,‏ وجمع الكلمة‏,‏ والاعتصام بحبل الله جميعاً . وفي ذلك يقول ربنا‏ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :‏ 
" وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً "  ‏(‏آل عمران‏:103) .
" وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ   ‏(آل عمران‏:104) .‏
 
" وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ " ‏  ‏(‏آل عمران‏:133) .

سادسا‏ًً :‏ دعت الآيات في سورة آل عمران إلى تحريم الربا، وذلك بقول الحق ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ : ‏
" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ . وَاتَّقُوا النَّارَ الَتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ "(‏آل عمران‏:131,130) .

سابعا‏ًً :‏ وتشجيعاً على الجهاد في سبيل الله تؤكد الآيات أن كل نفس ذائقة الموت‏,‏ وأن الموت والحياة بيد الله‏ .‏
وفي ذلك يقول ربنا‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ :‏
" وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُّؤَجَّلاً وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ " ‏ ‏‏ (‏آل عمران‏:145) .
" كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الغُرُورِ " (‏آل عمران‏:185)‏ .

ثامنا‏ًً :‏ وتأكيداً على جبن الكافرين‏,‏ وعلى تنزل النصر من عند رب العالمين تقول الآيات‏ :‏
" لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ . ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ "  ‏ (‏آل عمران‏:112,111) .‏
" بَلَى إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ . وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ " (‏آل عمران‏:126,125) .
" وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ . إِِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ . وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الكَافِرِينَ " ‏ ‏(آل عمران‏:139‏ ـ‏141)‏ .
" وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ . وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى القَومِ الكَافِرِينَ . فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ " (‏آل عمران‏:146‏ ـ‏148) .                      
" وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ " ‏ ‏ (‏آل عمران‏:157) .‏
" إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ " ‏ (‏آل عمران‏:160)‏‏  ‏    ‏   
" وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ . فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ. يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المُؤْمِنِينَ "(‏آل عمران‏:169‏ ـ‏171) .

‏تاسعاً ‏:‏ بعد حوار مع أهل الكتاب استغرق نصف مجموع آياتها تقريباً‏,‏ تؤكد السورة الكريمة ان أهل الكتاب ليسوا سواءاً‏ .
وفي ذلك يقول ربنا ـ تبارك وتعالى ـ :‏
" لَيْسُوا سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ . يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ . وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ "  (‏آل عمران‏:113‏ ـ‏115)‏ .
"
وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَناًّ قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسَابِ " (‏آل عمران‏:199) .‏
عاشراً ‏:‏ تدعو الآيات في سورة آل عمران إلى الإيمان بالقدر خيره وشره‏,‏ وبأن البلاء من سنن الحياة‏,‏ ولابد من مقابلته بالتسليم والصبر‏,‏ والرضى بقضاء الله‏ .‏
وفي ذلك يقول ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ :‏
" وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ التَقَى الجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ ‏. وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا ‏... " ‏ (‏آل عمران‏:167,166)‏ .
" الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ القَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ . الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ (‏آل عمران‏:173,172) .‏
" مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ "  (‏آل عمران‏:179) .
"
لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ "   (‏آل عمران‏:186)‏ .
"
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ "   (‏آل عمران‏:200)‏ .
حادي عشر‏: ‏وفي آيات سورة آل عمران مايدعو إلى تدبر خلق الله‏,‏ وإلى التأمل في بديع صنعه في الأنفس وفي الآفاق‏,‏ حتى يكون في ذلك حافز للتعرف على شيء من صفات الخالق العظيم، مما يدعم الإيمان به ـ سبحانه ـ وبوحدانيته المطلقة فوق جميع خلقه‏,‏ وينزهه‏ ـ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ عن كل وصف لايليق بجلاله‏ .‏
ومن ذلك قوله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ :‏
" هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ "  ‏ (‏آل عمران‏:6) .‏
"
تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ "‏  ‏(‏آل عمران‏:27).
"
وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى " ‏ (‏آل عمران‏:36 )‏ .
"
قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ " ‏(‏آل عمران‏:47)‏ .
"
إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ " ‏ ‏(‏آل عمران‏:59) .‏
" أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ "   ‏ (‏آل عمران‏:83)‏ .  
" كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ " ‏ ‏(‏آل عمران‏:185) .
" إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الأَلْبَابِ . الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ " ‏
  (‏آل عمران‏:191,190)‏ .  ‏    ‏  
وكل آية من هذه الآيات القرآنية الكريمة‏,‏ وكل جزء منها يحتاج إلى وقفة خاصة‏,‏ ولما كان المقام لا يتسع لذلك، فسوف أتوقف هنا على النص القرآني المعجز في وصف الحرم المكي بقول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ : ‏" وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً "  (آل عمران:97) .
وقبل شرح الدلالة العلمية لذلك أعرج إلى قول عدد من المفسرين فيه ‏.‏



من أقوال المفسرين :
‏ ذكر ابن كثير‏ ـ‏ رحمه الله ـ‏ في تفسيره ما نصه ‏:‏ وقوله ـ تعالى ـ ‏:" وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً‏ "
يعني حرم مكة إذا دخله الخائف يأمن من كل سوء‏,‏ وكذلك كان الأمر في حال الجاهلية‏,‏ كما قال الحسن البصري وغيره‏ :‏ كان الرجل يقتل فيضع في عنقه صوفة ويدخل الحرم‏,‏ فيلقاه ابن المقتول فلا يهيجه حتى يخرج‏,‏ وعن ابن عباس قال‏:‏ من عاذ بالبيت أعاذه البيت‏,‏ ولكن لا يُؤوى ولا يُطعم‏,‏ ولايُسقى‏,‏ فإذا خرج أخذ بذنبه‏,‏ وقال ـ تعالى ـ ‏: " أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ‏ " الآية‏,‏ وقال ـ تعالى ـ ‏: "‏ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا البَيْتِ . الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ ",‏ وحتى إنه من جملة تحريمها حرمة اصطياد صيدها وتنفيره عن أوكاره‏,‏ وحرمة قطع شجرها وقلع حشيشها‏,‏ كما ثبتت الأحاديث والآثار في ذلك ‏.‏
ففي الصحيحين ـ واللفظ لمسلم ـ
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏ :‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة ‏: "‏ لا هجرة ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا‏",‏ وقال‏: "‏ ان هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض‏,‏ فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة‏,‏ وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي‏,‏ ولم يحل لي إلا في ساعة من نهار‏,‏ فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة‏:‏ لايعضد شوكه‏,‏ ولاينفر صيده‏,‏ ولاتلتقط لقطته إلا من عرفها‏,‏ ولا يختلى خلاه ‏",‏ فقال العباس‏:‏ يارسول الله إلا الإذخر فإنه لقينهم ولبيوتهم‏.‏ فقال‏: "‏ إلا الإذخر".‏
وعن أبي شريح العدوي أنه قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى مكة ‏:‏ ائذن لي أيها الأمير أن أحدثك قولاً قال به رسول الله ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ الغد من يوم الفتح‏,‏ سمعته أذناي، ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي حين تكلم به‏ :‏ إنه حمد الله وأثنى عليه ثم قال‏ :‏
" إن مكة‏ حرمها الله ولم يحرمها الناس فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما‏,‏ أو يعضد بها شجرة‏,‏ فإن أحد ترخص بقتال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ فيها فقولوا له‏:‏ إن الله أذن لنبيه ولم يأذن لكم‏,‏ وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار‏,‏ وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس فليبلغ الشاهد الغائب ",‏ فقيل لأبي شريح ما قال لك عمرو؟ قال‏:‏ أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح‏,‏ إن الحرم لا يعيذ عاصياً ولا فاراً بدم ولا فاراً بخربة‏ ـ‏ أي سرقة إبل‏ .‏
وعن جابر رضي الله عنه قال ‏:‏ سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول ‏: "‏ لا يحل لأحد ان يحمل السلاح بمكة ‏".
‏وعن عبد الله بن الحمراء الزهري‏‏ أنه سمع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو واقف بالحرورة بسوق مكة يقول‏ : "‏ والله إنك لخير أرض الله‏,‏ وأحب أرض الله إلى الله‏,‏ ولولا أني أخرجت منك ماخرجت‏ " .‏
وأضاف ابن كثير في نهاية هذه التطوافة المباركة قوله‏ :‏ وقال بعضهم في قوله ـ تعالى ـ‏ : "‏ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً‏‏ "‏
قال‏:‏ آمنا من النار‏,‏ وهذا بعد بالمعنى عن الأمن الدنيوي الذي هو واضح القصد من النص‏ .‏ (انتهى قول المفسر)
ولم يزد بقية المفسرين على هذا التفصيل شيئاً يستحق تكراره هنا‏ .‏


من الدلالات العلمية للنص القرآني الكريم :
رأى المفسرون في هذا النص القرآني الكريم الذي يقول فيه ربنا‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ : " وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً "  (آل عمران:97).
التأكيد على أمن من دخل إلى الحرم المكي على اتساع مساحته‏,‏ فكل من دخل في هذا الحرم صار آمناً على نفسه‏,‏ مطمئناً على ماله ولو كان مطلوباً للثأر ولاذ به‏,‏ كان ذلك في الجاهلية‏‏ من بقايا إجلال الناس هذا المكان‏ الذي كرمه ربنا‏ ـ تبارك وتعالى ـ وفضله على جميع الأرض‏,‏ وجعله أشرف بقاعها على الإطلاق‏,‏ متبوعاً في هذا التشريف الإلهي بالمدينة المنورة‏,‏ ثم بيت المقدس‏ (‏ فك الله إساره من الاحتلال الصهيوني الجائر له ولجميع أرض فلسطين إن شاء الله رب العالمين اللهم آمين آمين آمين‏) .‏
أما اليوم فمن اقترف جرماً فيه من جرائم الحدود أقيم عليه الحد ‏.‏
وفي أثناء الفتح الإسلامي لمكة المكرمة أمر رسول الله‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ بمنادٍ ينادي‏:‏ من دخل المسجد فهو آمن‏,‏ ومن دخل داره فهو آمن‏,‏ ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن ‏.‏
وأشار بعض المفسرين إلى أن الأمن في الحرم المكي ليس للإنسان فقط‏,‏ بل هو أيضاً للحيوان والنبات‏,‏ فقد حرم رسول الله‏ ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏ أن يُعضد شوكه‏,‏ أو يُقلع حشيشه‏,‏ أو يُقطع شجره‏,‏ أو يُنفر صيده ‏.‏
وقد لاحظ المراقبون أن الحيوانات الضارية لا تصطرع في الحرم المكي‏,‏ ولا يؤذي بعضها بعضا‏ًً,‏ بل تخالط من الحيوانات ما تعودت على افتراسه خارج الحرم المكي‏,‏ ولا تتعرض له فيه أبداً ‏.‏ كما لاحظ المراقبون أن الطيور لا تعلو الكعبة المشرفة أبدا‏ًً ,‏ بل تنحرف عنها كلما طارت في اتجاهها‏,‏ وكأنها هي الأخرى في طواف حولها‏ .‏
ويروي لنا التاريخ أن كل جبار قصد الحرم المكي بسوء أهلكه الله‏,‏ ولم يمكنه من ذلك‏,‏ كما حدث مع أصحاب الفيل‏ .‏
وربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ‏ يقرر حمايته لبيته العتيق بقوله‏ ـ عز من قائل ـ :
‏" وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ "   (‏الحج‏:25) .
وتحقيقاً لهذا الوعد الإلهي تعجلت العقوبة لمن انتهك حرمة في الحرم المكي‏ ،‏ لذلك قال المصطفى ‏ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ :‏
" لَيْسَ مِنْ بَلَدٍ إِلَّا سَيَطَؤُهُ الدَّجَّالُ إِلَّا مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ " (أخرجه الشيخان في صحيحيهما) .
"تغزى مكة بعد هذا العام أبدا "‏(أخرجه الإمام أحمد في مسنده) .

بعض الشواهد العلمية على أمن الحرم المكي ‏:‏
أولاً ‏:‏ حماية مكة المكرمة من الهزات الأرضية والثورات البركانية ‏:‏
على الرغم من انفتاح قاع البحر الأحمر بخسوف أرضية عميقة‏,‏ واتساع هذا القاع بمعدل ‏1‏ـ‏3‏ سنتيمترات في كل سنة‏ (‏ تقاس عند باب المندب‏),وعلى الرغممن تحرك الجزيرةالعربية ككل في الاتجاه الشمالي الشرقي ـ‏ أي في عكس اتجاه عقرب الساعة‏ ـ متباعدة عن القارة الإفريقية‏,‏ وعلى الرغم من السجلات الزلزالية المدونة‏,‏ و‏الثورات البركانية العنيفة التي تركت طفوحاً هائلة من الحمم والرماد البركاني‏ في المنطقة قديماً وحديثاً‏,‏ والتي تقدر بنحو‏2586‏ حدثاً زلزالياً ‏(‏ بقدر يتراوح من‏3.1‏ إلى‏6.7‏ درجة‏)‏ خلال الفترة من سنة‏627‏ م إلى‏1989‏ م‏,‏ وما تلى ذلك من زلازل حتى سنة‏1996‏ م بلغ قدر أعلاها‏6‏ درجات على مقياس ريختر‏(‏ أو فوق ذلك قليلا‏ًً),‏ وامتدت من اليمن جنوباً ـ‏ مثل زلزال ذمار الذي حدث في‏1982/12/13‏ م‏ ـ‏ إلى العقبة شمالا‏ًً,‏ فلم تسجل هزة أرضية واحدة في الحرم المكي كله الممتد من وادي الشميسي غربا‏ًً (‏ على بعد‏15‏ كم من مكة المكرمة‏)‏ إلى الجعرانة شرقاً (‏ على بعد‏16‏ كم‏),‏ ومن أضاه جنوباً ‏(‏ على بعد‏12‏ كم‏)‏ إلى التنعيم شمالاً ‏(‏ على بعد‏6‏ كم‏),‏ وإلى وادي نخلة في الشمال الشرقي من مكة المكرمة‏(‏ على بعد‏14‏ كم‏),‏ أي في منطقة تقدر مساحتها بنحو ستمائة كيلومتر مربع‏,‏ وذلك على الرغم من وقوع زلزال مروِّع في المدينة المنورة سنة‏1256‏ م‏,‏ صاحبته ثورة بركانية عنيفة‏,‏ وعلى الرغم من وجود أكثر من تسعين ألف كيلومتر مربع من الطفوح البركانية وآلاف الفوهات البركانية على طول أرض الحجاز ‏.

ثانيا‏ًً :‏ إثبات توسط مكة المكرمة لليابسة‏ :‏
في دراسة علمية دقيقة لتحديد اتجاهات القبلة من المدن الرئيسية في العالم‏‏ أثبت الأستاذ الدكتور حسين كمال الدين ـ رحمه الله رحمة واسعة ـ‏ تمركز مكة المكرمة في قلب دائرة تمر بأطراف جميع القارات‏,‏ أي أن اليابسة موزعة حول مكة المكرمة توزيعاً منتظما‏ًً,‏ واستنتج من ذلك أن هذه المدينة المباركة تعتبر مركزاً لليابسة ‏.‏

ثالثا‏ًً :‏ انتفاء الانحراف المغناطيسي على مسار خط طول مكة المكرمة‏ :‏
كذلك أثبت هذا العالم المصري الجليل‏ ـ الذي نسأل الله تعالى له الرحمات ـ‏ أن الأماكن التي تشترك مع مكة المكرمة في نفس خط الطول‏ (39.817‏ درجة شرقا‏)‏ تقع جميعها في الإسقاط الذي قام به على خط مستقيم هو خط الشمال (الجنوب الجغرافي)‏ بمعنى انعدام الانحراف المغناطيسي على طول هذا الخط‏,‏ مع وجوده على باقي خطوط الطول الأخرى‏,‏ وهي ميزة ينفرد بها خط طول مكة المكرمة ‏.‏ هذه الخصوصية لا ‏(‏ ولم‏)‏ تمنع تعرض تلك الأرض المباركة لبعض التغيرات المناخية التي تسبب هطول الأمطار الموسمية بغزارة على ندرة حدوث ذلك‏,‏ وقد تصاحب هذه الأمطار الغزيرة بالسيول الجارفة التي طاف فيها بعض الطائفين حول الكعبة المشرفة سباحة‏ًً .‏

بعض الشواهد الإسلامية على كرامة الحرم المكي :
في عشرات الآيات يقابل القرآن الكريم الأرض‏ ـ على ضآلتها النسبية‏ ـ بالسماء‏ ـ على اتساعها المذهل‏ ـ وهذه المقابلة لابد أنها متعلقة بوضع خاص للأرض بالنسبة إلى السماء ‏.‏ يذكر القرآن الكريم تعبير السماوات والأرض وما بينهما في عشرين آية قرآنية صريحة‏,‏ وهذه البينية لا تتم إلا إذا كانت الأرض في مركز السماوات‏,‏ أي في مركز الكون‏ .  يؤكد هذا الوضع ‏(‏ قرآنياً‏)‏ قول الحق‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ في سورة الرحمن‏ :‏
" يَا مَعْشَرَ الجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ "‏‏ (‏ الرحمن‏:33) ‏.
وذلك لأن قطر أي شكل هندسي هو الخط الواصل بين طرفيه مروراً بمركزه‏,‏ فإذا انطبقت أقطار السماوات ـ‏ مع ضخامتها النسبية‏ ـ‏ مع أقطار الأرض‏ ـ على ضآلتها النسبية ـ‏ فلابد أن تكون الأرض في مركز السماوات ‏.
إثبات الأستاذ الدكتور حسين كمال الدين‏ ـ‏ رحمه الله رحمة واسعة ـ‏ توسط مكة المكرمة لليابسة‏,‏ وإثبات وجود الأرضين السبع كلها في أرضنا‏,‏ انطلاقاً منحديث سيد المرسلين‏ ـ عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم‏ ـ‏ الذي قال فيه‏:
" من أخذ شيئا من الأرض بغير حقه خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين " (رواه البخاري)، ومن دراسات التركيب الداخلي للأرض ثبت ذلك‏,‏ مما ينطبق وقول رسول الله‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ :‏ " إن الحرم حرم مناء من السماوات السبع والأرضين السبع "‏,‏ وقوله‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ :‏ " يامعشر قريش‏,‏ يامعشر أهل مكة‏,‏ إنكم بحذاء وسط السماء‏,‏ وأقل الأرض ثيابا‏ًً,‏ فلا تتخذوا المواشي‏ " ، وقوله ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ :‏ " البيت المعمور منا مكة "‏ ،‏ ووصفه البيت المعمور بأنه بيت في السماء السابعة على حيال الكعبة تماما حتى لو خر لخر فوقها‏ .‏
كل ذلك يؤكد لنا أن الأرض في مركز الكون‏,‏ وأن الكعبة المشرفة في مركز الأرض الأولى‏,‏ ودونها ست أرضين‏,‏ وحولها سبع سماوات‏,‏ والكعبة تحت البيت المعمور مباشرة‏,‏ والبيت المعمور تحت العرش‏,‏ هذا الموقع المتميز للحرم المكي أعطاه من الشرف والكرامة‏,‏ والبركة والعناية الإلهية ما جعل من هذا الوصف القرآني‏:"...‏ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً "
حقيقة مدركة ملموسة؛ لأنه دخل في أمان الله وظل عرشه‏,‏ وهل يمكن أن يُضام من نال شرف التواجد في هذا المكان ؟ .
من هنا كان اختيار الحرم المكي ليكون أول بيت عُبد الله‏ ـ تعالى ـ‏ فيه على الأرض‏,‏ وجعله قبلة للمسلمين‏,‏ ومقصداً لحجهم واعتمارهم‏,‏ وجعل الصلاة فيه بمائة ألف صلاة‏,‏ والحسنة فيه بمائة ألف حسنة‏,‏ لذلك قال رسول الله ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ‏ في حق مكة المكرمة عشرات الأحاديث النبوية الشريفة التي تؤكد خصوصية المكان‏,‏ ومكانته عند الله ـ سبحانه وتعالى‏ ـ ومنها قوله‏ ـ‏ عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم‏ ـ :‏ " هذا البيت دعامة الإسلام‏,‏ من خرج يؤم هذا البيت من حاج أو معتمر كان مضمونا على الله إن قبضه أن يدخله الجنة‏,‏ وإن رده أن يرده بأجر وغنيمة ‏" .
‏فسبحان الذي اختار مكة المكرمة موقعاً لأول بيت عُبد فيه في الأرض‏,‏ واختاره بهذه المركزية من الكون‏,‏ وغمره بالكرامات والبركات‏,‏ وقرر أن من دخله كان آمناً‏ .‏ وهذه حقائق ما كان للإنسان أن يدركها لولا نزول القرآن الكريم‏,‏ وحفظه بلغة وحيه بحفظ الرحمن الرحيم‏,‏ فالحمد لله على نعمة الاسلام‏,‏ والحمد لله على نعمة مكة المكرمة‏,‏ والحمد لله على نعمة القرآن‏,‏ والحمد لله على بعثة خاتم الأنبياء والمرسلين الذي قال فيه ربه ـ تبارك وتعالى‏ ـ :"يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً . وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً " 
 (‏الأحزاب‏:46,45) .
فصل اللهم وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه‏ ,‏ ومن تبع هداه، ودعا بدعوته إلى يوم الدين‏ ,‏ والحمد لله رب العالمين‏ .‏