" وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ ... "(الرعد:4).


هذه الآية الكريمة جاءت في مطلع سورة الرعد‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ وآياتها ‏43‏ بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلى حقيقة أن الرعد ـ وهو من الظواهر الجوية المتكررة ـ يمثل صورة من صور تسبيح تلك الظواهر لله انطلاقاً من قوله ـ سبحانه وتعالى‏ ـ : ‏" تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً ‏" (‏الإسراء‏:44) ‏ يدور المحور الرئيسي لسورة الرعد حول قضية العقيدة‏,‏ ومن ركائزها توحيد الله‏,‏ وتنزيهه‏ ـ‏ تعالى ـ‏ عن الشريك، والشبيه، والمنازع، وعن كل وصف لايليق بجلاله‏,‏ والخضوع له وحده بالعبودية الكاملة‏,‏ والإيمان بملائكته وكتبه ورسله‏,‏ وبالوحي الخاتم الذي أوحاه إلى خاتم أنبيائه ورسله‏ ـ صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين ـ‏ والإيمان كذلك بحتمية البعث والحساب والجنة والنار‏,‏ كما جاء في كل رسالات السماء ، وتكامل وحفظ في القرآن الكريم، وفي سنة خاتم الأنبياء والمرسلين ـ عليه وعليهم أجمعين من الله أفضل الصلاة وأزكى التسليم‏ ‏.
وقد استهلت سورة الرعد بأربعة من الحروف الهجائية المقطعة هي ‏(‏المر‏),‏ وهذه المقطعات هي من أسرار القرآن الكريم التي لم يستطع العلم الكسبي أن يصل إلى تفسيرها بعد‏ .
‏ وبعد هذا الاستهلال انتقلت السورة الكريمة بالخطاب إلى خاتم الأنبياء والمرسلين ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ مؤكدة أن القرآن الكريم هو الوحي الإلهي الخاتم الذي أنزله ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ عليه‏,‏ وإن كان أكثر الناس لايؤمنون بذلك ‏.
‏ واستشهدت بعدد من الحقائق الكونية على وجود الله، وعلى طلاقة قدرته في إبداع الخلق‏,‏ وهيمنة سلطانه على الكون، وعلى كل من فيه وما فيه‏,‏ واستنكرت موقف الكافرين من قضية البعث‏,‏ واستبعادهم لإمكانية حدوثه بعد تحلل الأجساد وتحولها إلى تراب‏,‏ وتعرض الآيات لشيء من عقاب هؤلاء المكذبين في يوم القيامة‏,‏ والذين كانوا ـ من فرط جهلهم وضلالهم ـ يستعجلون وقوع عذاب الله بهم بدلاً من طلب الهداية منه‏,‏ وقد مضت عقوبات أمثالهم من الأمم التي كفرت من قبل بربها فأهلكها الله‏ بذنوبها‏,‏ ولايزال الإيمان والكفر يقسم البشرية كلها إلى فسطاطين متمايزين حتى يوم الدين‏,‏ والله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ غفار للذنوب، ولكنه في الوقت نفسه شديد العقاب ‏.‏
كذلك تنعي سورة الرعد على الكافرين طلبهم للمعجزات والآيات الحسية بدلاً من القرآن الكريم‏,‏ جحوداً به‏,‏ وإنكاراً لفضله، وهو المعجزة الكبرى لخاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏ ـ‏ وترد الآيات الكريمة في سورة الرعد بأن رسالة الرسول الخاتم‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ كانت ـ ولاتزال ـ هي رسالة كل نبي وكل رسول من قبل‏,‏ ألا وهي الهداية إلى دين الله والإنذار من عذابه ‏.‏
واستعرضت سورة الرعد جانبا من صفات الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ ومنها إحاطة علمه بكل شيء‏,‏ ودقة من صنعه في كل شيء‏,‏ وأنه‏ ـ سبحانه‏ ـ هو الكبير المتعال‏,‏ الذي ليس لخلقه من دونه من وال‏,‏ وهو‏ ـ‏ تعالى ـ‏ خالق البرق، ومنشيء السحاب الثقال‏,‏ وهو الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته‏,‏ والذي يرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء‏,‏ وهو الذي يسجد له من في السماوات ومن في الأرض طوعاً وكرهاً وظلالهم بالغدو والآصال‏,‏ وهو خالق كل شيء‏,‏ وهو الواحد القهار‏,‏ وهو رب السماوات والأرض ومن فيهن‏,‏ القائم على كل نفس بما كسبت‏ .
‏ كذلك ساقت سورة الرعد عدداً من الأمثال لكلٍ من الحق والباطل‏,‏ والهدى والضلال‏,‏ ولسلوك كلٍ من المصلحين في الأرض والمفسدين فيها‏,‏ وأوضحت جزاء كل صنف من هذه الأصناف‏,‏ ومايزت بين الجنة ونعيمها والنار وجحيمها‏,‏ كما مايزت بين الدنيا والآخرة‏,‏ وقررت أن الحياة الدنيا ليست إلا متاعاً عارضاً، وأن الآخرة هي دار القرار‏,‏ وأن الله‏ ـ‏ تعالى ‏ـ يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب‏,‏ وأنه ـ سبحانه وتعالى ـ‏ قد أرسل خاتم أنبيائه ورسله ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ في أمة قد خلت من قبلها أمم ليتلو عليهم القرآن الكريم ـ معجزته الكبرى ـ وهم يكفرون بالرحمن كما يكفرون بالقرآن‏,‏ ولله الأمر جميعا‏ًً .‏ " وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُخْلِفُ المِيعَادَ ‏ " (‏الرعد‏:31)‏.
وفي مواساة رقيقة لرسول الله‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ تذكر الآيات أنه إذا كان نفر من الكفار والمشركين قد استهزأ بما أرسل به من حق فقد استهزيء برسل من قبله فأملى الله ‏ـ‏ تعالى ـ‏ للذين كفروا ثم أخذهم بعقاب شديد‏ .‏
كذلك تنعي الآيات على الذين أشركوا بالله ـ مكراً وصداً عن السبيل ـ وتصف شيئاً من عذابهم في الحياة الدنيا، وتقرر أن عذاب الآخرة أشقُّ، وما لهم من الله من واق ‏.‏
وتصف الآيات في سورة الرعد جانباً من الجنة، وتقرر أنها جزاء المتقين، وأن جزاء الكافرين والمشركين هو النار‏,‏ كما تقرر أن الذين يعلموا شيئاً من علم الكتب المنزلة من قبل من شأنهم أن يفرحوا بما أنزل إلى خاتم الأنبياء والمرسلين ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ‏ لأنه الصورة النهائية التي تكاملت فيها كل الرسالات السماوية السابقة، فهو امتداد لها وتأكيد عليها‏,‏ أما الذين يتخذون التدين وسيلة للتحزب الأعمى، والتعصب غير البصير فإنهم يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض‏,‏ ويشترون بآيات الله ثمناً قليلا‏ًً,‏ وفي مقابلة هؤلاء تدعو الآيات في سورة الرعد خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ إلى أن يقول ‏:‏ ‏"...‏ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلاَ أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَئَابِ ‏"‏ (‏الرعد‏:36)‏ .
وتؤكد الآيات له‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ أن القرآن الكريم أنزله الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ باللغة العربية حكماً للناس فيما بينهم‏,‏ وحاكماً على جميع الكتب السماوية السابقة، ومن ثم فلا يجوز مسايرة المشركين من أهل الكتاب فيما ذهبوا إليه من شرك بعد ما جاءه من علم قائم على التوحيد الخالص لله ـ‏ تعالى ـ‏ بغير شريك، ولا شبيه، ولا منازع‏,‏ وإلا فما له من الله من ولي ولا واق‏ .‏
وتخاطبه‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ الآيات بأن تعجب المشركين من أن الله‏ قد جعل له أزواجاً وذرية‏,‏ وقد خصه بإنزال القرآن الكريم عليه . وذلك بقول الحق ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :‏ " وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ ‏" (‏الرعد‏:38) وتؤكد الآيات أن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ يمحو ما يشاء من شرائع‏,‏ ويثبت ما يشاء‏,‏ وأن عنده أصل كل ذلك‏,‏ وإنما على رسول الله البلاغ‏,‏ وعلى الله الحساب‏ .‏ كما تؤكد حقيقة إنقاص الأرض من أطرافها، وأن الله‏ ـ تعالى‏ :‏ " ... يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الحِسَابِ ‏ " (‏الرعد‏:41)‏. وتشير الآيات إلى مكر الكافرين والمشركين في الأمم التي سبقت كفار ومشركي قريش فتقول ‏: ‏" وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ المَكْرُ جَمِيعاً يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ " (‏الرعد‏:42).

‏ وتختتم سورة الرعد بخطاب كريم من الله‏(‏ تعالى‏)‏ إلى خاتم أنبيائه ورسله‏(‏ صلى الله عليه وسلم‏)‏ أنه إذا كان من مراء كلٍ من الكافرين والمشركين‏,‏ وصلفهم وعنادهم إنكارهم لنبوته‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ‏ فإن الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ شاهد على صدق نبوته‏,‏ وإن كل من عنده علم من الكتب السماوية السابقة يجد عنده ما يؤكد ذلك‏,‏ والتنزيل الخاتم ينطق بقول الحق ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :‏ " وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكِتَابِ " (‏الرعد‏:43)‏.



من الاشارات الكونية في سورة الرعد :
جاء في سورة الرعد إشارات إلى عدد غير قليل من حقائق الكون وآفاقه وظواهره منها ما يلي ‏:
‏(1)‏ ـ رفع السماوات بغير عمد مرئية ‏.‏ ‏
(2)‏ ـ تسخير الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ‏.‏ ‏
(3)‏ ـ مد الأرض‏ ـ‏ بمعنى تكويرها‏ ـ‏ وخلق الجبال رواسي فيها‏,‏ وعلاقة ذلك بتكون الأنهار وتدفقها بالماء‏ .‏
‏(4)‏ ـ خلق الثمرات النباتية‏ ـ‏ وخلق كل شيء‏ ـ في زوجية واضحة ‏.
(5)‏ ـ إغشاء الليل بالنهار في إشارة ضمنية رقيقة إلى كروية الأرض، وإلى دورانها حول محورها أمام الشمس ‏.‏
‏(6)‏ خلق الغلاف الصخري للأرض على هيئة قطع متجاورات‏,‏ وجعل الصخور المكونة لكلٍ منها قطعاًً متجاورات كذلك ؛ لأنها صخور مختلفة النشأة‏,‏ متباينة في صفاتها الطبيعية والكيميائية‏,‏ ومن ثم في أنواع التربة الناتجة عن تحللها‏ (‏بالتجوية والتحات‏),‏ وفي تباين كلٍ من ذلك في قدرته على الإنبات تحت الظروف البيئية ـ‏ المناخية والتضاريسية ـ‏ المختلفة ‏.‏ ‏
(7)‏ ـ خلق جنات من أعناب في الأرض‏,‏ وخلق الزرع والنخيل من أصل واحد ومن أصول متفرقة‏,‏ يُسقى بماء واحد‏,‏ ويفضل الله‏ بعضها على بعض في الأكل ‏.‏ وفي ذلك إشارة واضحة إلى تنوع المجتمعات النباتية على التربة الواحدة التي تُسقى بماء واحد في الظروف البيئية الواحدة‏,‏ وفي ذلك تعظيم لهذا التنوع في قطع الأرض المتجاورات‏‏ ذات التركيب الصخري والمعدني المختلف‏,‏ وتحت الظروف البيئية المختلفة‏,‏ وما يمكن أن ينتجه ذلك من أنواع متعددة من التربة، ومن البيئات الزراعية المتعددة‏ .‏ وفي تنوع النباتات النامية في البيئة الواحدة إلماح إلى ما أودعه الله ـ‏ تعالى ـ‏ من أسرار في كل نبتة من نبات الأرض تحاول علوم الوراثة اليوم تفسيرها بالشفرة الوراثية الخاصة بكل نوع‏,‏ ولما يحدث من تنوع في الصفات الوراثية أثناء عملية التلقيح بين الخلايا الذكرية والأنثوية في النوع الواحد ، وانعكاسات ذلك على الاختلافات في الطعوم والألوان والأحجام والأشكال‏ .‏
‏(8)‏ الإشارة إلى حقيقة تحول أجساد الأحياء إلى تراب الأرض بعد الموت‏,‏ وإلى حقيقة بعثها من تراب الأرض مرة أخرى ‏.‏ ‏
(9)‏ ـ الإشارة إلى حقيقة علم الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ بما تحمل كل أنثى، وبما تغيض الأرحام وما تزداد، وأن كل شيء عنده بمقدار‏ .‏ ‏
(10)‏ ـ الإشارة إلى تكوين كلٍ من الرعد والبرق ،وإرسال الصواعق، وعلاقة ذلك بإنشاء السحاب الثقال ‏.‏
‏(11)‏ الإشارة إلى حقيقة أن كل من في السماوات والأرض يسجد لله ـ تعالى ـ طوعاً وكرهاً، وظلالهم بالغدو والآصال ‏.‏
‏(12)‏ ـ المقابلة العلمية الدقيقة بين الظلمات والنور‏ .‏
‏(13)‏ ـ الإشارة إلى عملية إنزال الماء من السماء بقدر الله‏,‏ وتدفقه في الأودية كلٌ بقدره أيضاً بمشيئة من الله وإرادته وتقديره‏ .‏
‏(14)‏ ـ تشبيه الحق بما يمكث في الأرض مما ينفع الناس من الثروات المعدنية التي تحملها السيول‏,‏ وتشبيه الباطل بالزبد الطافي على وجه السيل، أو الخبث الذي يطفو فوق سطح الفلذات النفيسة حال صهرها لتنقيتها مما تحمله من شوائب‏ .‏
‏(15)‏ ـ الإشارة إلى حقيقة إنقاص الأرض من أطرافها‏,‏ وإلى استخدامات تلك الحقيقة في مقامات التشبيه والمجاز‏.‏
‏(16)‏ ـ التأكيد على وجود البشارات بمقدم خاتم الأنبياء والمرسلين‏(‏ صلى الله عليه وسلم‏)‏ في جميع الكتب السماوية السابقة على بعثته الشريفة ‏.‏ ‏
(17)‏ التأكيد على قيمة العقل في حياة الانسان، وعلى حتمية توظيفه في التفكير الجاد والتدبر العميق في الأنفس والآفاق حتى يتمكن الانسان من فهم حقيقة وجوده ودوره في الحياة ‏.‏



من أقوال المفسرين:
في تفسير قوله ـ تعالى‏ ـ :‏ " وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ‏" (‏الرعد‏:4)‏.ذكر ابن كثير ـ‏ يرحمه الله‏ ـ‏ ما نصه ‏:..‏ أي أراض يجاور بعضها بعضا‏ًً,‏ مع أن هذه طيبة تنبت ما ينفع الناس، وهذه سبخة مالحة لا تنبت شيئا‏ًً .‏ ويدخل في هذه الآية اختلاف ألوان بقاع الأرض‏,‏ فهذه تربة حمراء‏,‏ وهذه بيضاء‏,‏ وهذه صفراء‏,‏ وهذه سوداء‏,‏ وهذه محجرة‏,‏ وهذه سهلة‏,‏ وهذه سميكة‏,‏ وهذه رقيقة‏,‏ والكل متجاورات‏,‏ فهذا كله مما يدل على الفاعل المختار لا إله إلا هو‏ .‏ وقوله‏:" وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ ‏ "‏ يحتمل أن تكون عاطفة على جنات فيكون‏ "‏ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ " مرفوعين‏,‏ ويحتمل أن يكون معطوفاً على أعناب فيكون مجرورا‏ًً .‏ وقوله‏ : " صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ‏ " الصنوان هي الأصول المجتمعة في منبت واحد‏ ،‏ وغير الصنوان ما كان على أصل واحد‏ .‏ وقوله‏:" يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ‏ "..‏ أي هذا الاختلاف في أجناس الثمرات والزروع في أشكالها وألوانها وطعومها وروائحها وأوراقها وأزهارها‏..‏ مع أنها كلها تستمد من طبيعة واحدة وهو الماء‏..‏ ففي ذلك آيات لمن كان واعياً‏,‏ وهذا من أعظم الدلالات على الفاعل المختار الذي بقدرته فاوت بين الأشياء وخلقها على ما يريد، ولهذا قال ـ تعالى ـ‏ :"‏ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ " (انتهى قول المفسر)
‏ وجاء في كل من تفسير الجلالين والظلال وصفوة البيان لمعاني القرآن، وصفوة التفاسير والمنتخب في تفسير القرآن الكريم كلام مشابه‏,‏ إلا أن الخبراء أضافوا على هامش المنتخب ما نصه ‏:‏ تشير الآية الكريمة إلى علوم الأراضي والبيئة وأثرها على صفات النبات ، فمن المعروف علمياً أن التربة الزراعية تتكون من حبيبات معدنية مختلفة المصدر والحجم والترتيب‏,‏ ومن الماء ـ ومصدره المطر‏ ـ ومن الهواء‏,‏ ومن المادة العضوية التي يرجع وجودها إلى بقايا النبات والأحياء الأخرى التي توجد على سطح التربة أو في داخلها‏,‏ وفضلاً عن ذلك توجد ملايين الكائنات الحية الدقيقة التي لا تُرى بالعين المجردة لصغر حجمها، وتختلف أعدادها من عشرات الملايين إلى مئاتها في كل جرام من التربة السطحية الزراعية‏ .‏
إن النظرة الشاملة لصفات التربة الطبيعية والكيميائية والحيوية إن دلت على شيء فإنما تدل على قدرة الخالق وروعة الخلق‏,‏ فالأرض كما يقول الزراعيون بحق تختلف من شبر إلى شبر ‏.‏ ومعروف للعلماء أن أي نقص في أحد المواد الأساسية للتغذية يتبعه تغيير مميز، تظهر أعراضه على النبات‏,‏ ولذلك يعمد الزراعيون إلى تعويض النقص بالتسميد الملائم‏,‏ وعوامل البيئة أكثر من أن تُحصى، ولها أثر ملحوظ على النمو والإثمار، سواء أكان النبات متحد الأصل أو مختلفه . فسبحان من بيده ملكوت كل شيء وهو على كل شيء قدير‏ .‏ (انتهى قول المعلق)


من الدلالات العلمية للأية الكريمة :
في هذه الأية الكريمة عدد من الحقائق العلمية التي يمكن إيجازها فيما يلي ‏:‏

أولاً:‏ في قوله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ : "‏ وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ "
:‏
يشمل هذا التعبيرالقرآني المعجز الحقائق التالية ‏:‏
‏(1)‏ تكون الغلاف الصخري للأرض من عدد من الألواح المتجاورة، والتي يقدر عددها باثني عشرلوحاً أرضياً كبيراً بالإضافة إلى عدد من الألواح الصغيرة‏,‏ ويفصل هذه الألواح عن بعضها البعض شبكة هائلة من الخسوف الأرضية التي تتراوح أعماقها بين‏65‏ كيلو مترا‏ًً,150‏ كيلو مترا‏ًً,‏ ويبلغ طولها عشرات الآلاف من الكيلو مترات‏,‏ والتي تحيط بالأرض إحاطة كاملة، وكأنها صدع واحد متعرج، يشبهه العلماء باللحام على كرة التنس ‏.‏وكل واحد من ألواح الغلاف الصخري للأرض له منشؤه الخاص به‏,‏ وبالتالي تتباين هذه الألواح في تركيبها الصخري والمعدني وفي متوسط كثافة مادتها وسمكها ‏.‏
‏(2)‏ تكون كل واحد من ألواح الغلاف الصخري للأرض من الأنواع الرئيسية الثلاثة للصخور، وهي‏ :‏ الصخور النارية والرسوبية والمتحولة بتفرعاتها المختلفة‏,‏ والتي تشكل قطعاً متجاورة في كل واحد من ألواح الغلاف الصخري للأرض‏,‏ تتباين فيما بينها في صفاتها الطبيعية والكيميائية ، وفي مظاهرها الخارجية‏,‏ وأشكالها على سطح الأرض‏ .‏
فالصخور النارية ـ على سبيل المثال ـ تنقسم إلى مجموعات حامضية وفوق حامضية‏,‏ ومجموعات متوسطة الحامضية‏,‏ ومجموعات قاعدية وفوق قاعدية‏,‏ وكل مجموعة من تلك المجموعات منها الصخور عميقة المنشأ‏,‏ عالية التبلور‏,‏ التي تبلغ فيها البلورات أحجاماًًً كبيرة‏,‏ ومنها الصخور الناشئة في أعماق متوسطة من القشرة الأرضية‏,‏ وبالتالي فهي متوسطة التبلور ومتوسطة حجم البلورات‏,‏ ومنها الصخور البركانية الزجاجية‏ ـ‏ أي عديمة التبلور‏ ـ‏ أو دقيقة البلورات‏ .‏ وبالمثل تتباين الصخور الرسوبية والمتحولة تبايناً شديدا‏ًً,‏ وحسب غلبة أيٍ من هذه المجموعات الصخرية في أيٍ من أجزاء الغلاف الصخري للأرض يكون التباين في القطع المتجاورة المكونة لكل واحد من هذه الألواح‏,‏ وبالتالي للغلاف الصخري للأرض ‏.‏
‏(3)‏ تباين انواع التربة الناتجة من تحلل كل نوع من أنواع هذه الصخور‏ ـ بفعل عوامل التعرية المختلفة خاصة عوامل التجويه والتحات‏ ـ‏ تبايناً شديداً بتباين صخر المصدر واختلاف تركيبه الكيميائي والمعدني‏,‏ وبتباين الظروف البيئية‏ ـ‏ من المناخ، والتضاريس، والأنواع السائدة من صور الحياة وغيرها‏ ـ بحيث تختلف التربة المغطية لكل نوع من أنواع الصخور المكونة لكل واحد من ألواح الغلاف الصخري للأرض اختلافاً هائلاً من بقعة إلى اخرى على هيئة قطع متجاورات‏,‏ مما أعطى للأرض قدراً هائلاً من التنوع في صفاتها الطبيعية والكيميائية، وفي قدرتها على الإنبات ‏.‏
وعلى ذلك فإن الأرض تتباين إلى قطع متجاورات بتباين الألواح المكونة لغلافها الصخري‏,‏ وبتباين أنواع الصخور المكونة لكل واحد من تلك الألواح‏,‏ وبتباين انواع التربة الناتجة عن تجوية وتحات كل نوع من أنواع تلك الصخور تحت الظروف البيئية المتعددة بتعدد النطق المناخية والتضاريس وأنواع الحياة السائدة فيها‏,‏ ومن ثم فإن هذه القطع المتجاورات من الأرض تتباين تبايناً هائلاً في قدرتها على الإنبات‏,‏ وفيما تحمله من أنواع الكساء الخضري، وما يحمله هذا الكساء من ثمار‏ .
 فقد ثبت أخيراً ان لكل نوع من أنواع الحياة بيئته الخاصة التي يحيا فيها‏,‏ وبذلك يتكون الغلاف الحيوي للأرض من العديد من المجالات‏,‏ والمواطن‏,‏ والمنظومات البيئية التي تتميز كل منها بخصائصها الجغرافية من التضاريس‏,‏ والمناخ‏,‏ وأنواع الصخور‏,‏ والتربة‏,‏ والمجموعات الإحيائية المرتبطة بها‏,‏ فعلى سبيل المثال هناك انواع من أنواع الحياة قد وهبها الله ـ‏ تعالى‏ ـ‏ القدرة على التعايش مع بعضها البعض في عشرة مفيدة لكل نوعين متعايشين في تكافل حيوي متبادل‏,‏ وقد يكون هذا التعايش مفيداً لأحدهما دون الآخر‏,‏ ولكنه غير ضار بهذا الآخر‏,‏ وحين يكون ضاراً به تسمى العلاقة باسم التطفل ‏.‏
وكل كائن حي له مجاله البيئي أي موقعه في موطن بيئي محدد‏,‏ من نظام بيئي معين‏,‏ يشمل نوع الصخور‏,‏ وأنواع التربة‏,‏ وتضاريس سطح الأرض‏,‏ والظروف المناخية‏,‏ وأنواع الكائنات الحية المتعايشة معه في نفس البيئة والتي تتفاعل معه وتؤثر فيه أو تتأثر به ‏.‏
وتتوزع النظم البيئية على سطح الأرض‏، فتتفاوت بين المناطق الاستوائية التي تتميز بشدة الحرارة وارتفاع نسبة الرطوبة‏,‏ والمناطق القطبية التي تتميز بجوها القارس البرودة الجاف‏,‏ والمناطق المعتدلة بينهما‏,‏ كما تتفاوت في الموقع الواحد بين القمم السابقة والسفوح الهابطة والسهول المنبسطة‏,‏ فعلى القمم التي يزيد ارتفاعها عن ثلاثة آلاف متر تتضاءل الحياة إلى بعض الطحالب التي تنمو على الجليد أو في برك الماء الناتجة عن انصهار الجليد‏,‏ وبين‏3000,2500‏ متر تقريباً تنتشر زهور دقيقة بين شقوق الصخور‏,‏ وبين حوالي‏2500,2000‏ متر تقريباً تنتشر أشجار الصنوبر الجبلي‏,‏ وبين حوالي‏2000,1500‏ متر تنتشر الغابات المخروطية‏,‏ وبين حوالي‏2000,1000‏ متر تقريباً تنتشر الغابات النفضية‏,‏ ودون ذلك تنتشر الغابات والزراعات المختلفة من السهول المنبسطة إلى ارتفاع الف متر تقريباًً فوق مستوى سطح البحر ‏.‏
وكثير من هذه الأنظمة البيئية يتداخل في بعضه البعض بتدرج ملحوظ‏,‏ وإن كان البعض منها ينتهي إلى حدود متميزة تتغير عندها البيئات تغيراًً فجائياً ‏.‏
وكل واحد من هذه النظم البيئية معرَّض للتغير بتغير الظروف المناخية بصورة تدريبية أو فجائية، أو بتدخل الانسان مما يؤدي إلى تغير الكساء الخضري أو إزالته‏,‏ وإلى هجرة الحيوانات أو انقراضها‏,‏ وكل ذلك يساعد على تباين الأرض إلى قطع متجاورات تختلف في تكوينها الصخري‏,‏ وصفاتها الطبيعية والكيميائية‏,‏ كما تختلف باختلاف التربة المتكونة فوق تلك الصخور‏,‏ وباختلاف ظروفها البيئية ومحتواها من صور الحياة‏,‏ وباختلاف ذلك كله مع الزمن ‏.‏
ولما كان أحوال قطع الأرض المتجاورات في تغير مستمر جاءت الإشارة إليها في الآية الكريمة التي نحن بصددها بالتنكير دون التعريف‏ (‏قطع وليست القطع‏) ، وهي من الومضات المبهرة في هذه الآية الكريمة‏.‏
هذه الحقائق لم يدركها العلم الكسبي إلا في العقود المتأخرة من القرن التاسع عشر وفي ثنايا القرن العشرين‏,‏ وورودها في كتاب الله المنزل في أوائل القرن السابع الميلادي على نبي أمي‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ‏ في أمة كانت غالبيتها الساحقة من الأميين لمما يقطع بأن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق‏,‏ ومما يشهد للرسول الخاتم الذي تلقاه بالنبوه وبالرسالة . فصلى الله وسلم وبارك عليه ، وعلى آله وصحبه ، ومن تبع هداه، ودعا بدعوته إلى يوم الدين ‏.‏

ثانياً‏:‏ في قوله‏ ـ‏ تعالى ـ "‏ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ ":
إشارة إلى عدد من الحقائق العلمية في هذه النباتات نوجزها فيما يلي‏ :‏
‏(1) "‏ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ ‏"
:‏ جاء ذكر العنب في أحد عشر موضعاً من كتاب الله، منها موضعان بصيغة الافراد‏ (‏عنب وعنباً‏)،‏ وتسعة مواضع بصيغة الجمع‏ (‏أعناب وأعنابا‏ًً),‏ وفي أغلب هذه الحالات جاء ذكر النخل بالإفراد والجمع مع ذكر العنب أو الأعناب ‏.‏وثمرة العنب ثمرة مميزة، فبالإضافة إلى محتواها العالي من المواد السكرية بالنسبة إلى جميع الفواكه الأخرى فإنها تحتوي على العديد من الفيتامينات ، مثل فيتامين‏(‏أ‏),(‏ ج‏),‏ وعلى المواد العضوية ، مثل البروتينات النباتية‏,‏ والأحماض‏,‏ والخمائر‏,‏ وأملاح العديد من العناصر مثل البوتاسيوم‏,‏ والصوديوم‏,‏ والكالسيوم‏,‏ والفوسفور‏,‏ والحديد‏,‏ وغيرها من المركبات العضوية وغير العضوية التي توجد في ثمرة العنب بنسب متوازنة‏,‏ مما يجعلها أنسب انواع الغذاء، ومن أنقى ما يمكن أن يتناوله الانسان من ثمار ‏.‏
ولذلك أثبت العنب فعالية ملحوظة في تنقية الدم من السميات‏,‏ والفضلات والرواسب العضوية وغير العضوية، ومن الفيروسات والفطريات والجراثيم المسببة للعديد من الأمراض‏,‏ وفي تقوية مناعة الجسم‏,‏ وفي تجديد بناء خلاياه المتهدمة ، خاصة إذا تم تناوله وحده على معدة خالية ـ أي بعد صيام يوم كامل‏ ـ‏ ولفترة تتراوح بين خمسة وسبعة أسابيع متواصلة‏ .‏
وتعزي سرعة تفاعل العنب مع جسم الانسان إلى امتصاص الجسم له مباشرة دون الحاجة إلى هضمه ‏.‏
وقد استخدم العنب بنجاح في علاج العديد من الأمراض ، مثل النقرس‏,‏ الأمراض الروماتيزمية‏,‏ الأمراض الناتجة عن الإصابة بدودة البلهارسيا‏,‏ فقر الدم‏,‏ وأمراض الجهاز الهضمي والإخراجي‏‏ والتنفسي‏,‏ والتهابات الكبد والمثانة‏,‏ والالتهابات والقرح الداخلية والخارجية‏,‏ وتقيحات الفم واللثة وتسوس الأسنان‏,‏ وأمراض السرطان في حالات كثيرة خاصة في مراحلها الأولية ‏.‏
وقد أكتشف أخيراً أن ثمرة العنب تحتوي على مركب شديد الفعالية في مقاومة أمراض السرطان وغيره من الأمراض المستعصية في مراحلها المختلفة، ويعرف هذا المركب باسم‏ (‏ريزفيراترول‏=
Resveratrol)‏ ، وهذا المركب موجود في ثمار‏72‏ نبات آخر منها التوت‏,‏ الفول السوداني‏,‏ وبعض البقول مثل الحمص والفول البلدي والعدس ولكن بنسب أقل من نسب وجوده في العنب ‏.‏
وقد شهد بذلك كلٌ من ‏(‏الدكتورة جوهانابراندت‏)‏ التي شفاها الله‏ ـ تعالى ـ عن طريق تناولها العنب بعد صراع مع هذا المرض الخبيث‏ (‏السرطان‏)‏ استمر لتسع سنوات‏,‏ ونشرت قصتها في كتاب بعنوان " قصة الاكتشاف " طبع بمدينة نيويورك سنة ‏1928‏ م، وتم نشره عدة مرات بعد ذلك ‏.‏
كما شهد بذلك‏ (‏السيد‏/‏ باسيل شاكلتون‏)‏ بعد صراع مع الفشل الكلوي استمر زهاء الأربعين عاماً‏,‏ ونشر كتاباً بعنوان التداوي بالعنب‏(The Grade Cure)‏
ذكر فيه قصته وقصة‏ (‏الدكتورة جوهانا براندت‏)‏ وغيرهما من القصص التي تروي فضل العنب في علاج العديد من الأمراض‏ .‏ وقد قام بترجمة الكتاب الأخير الدكتور محمد الشيخ عمر ، وقامت بطبعه مؤسسة المدني‏ (68‏ شارع العباسية ـ بالقاهرة‏)‏ ، وتقوم بتوزيعه مجاناً مكتبة الدكتور عبدالرحمن عمر نصيف‏ (‏في مدينة جدة ـ بالمملكة العربية السعودية‏)‏ .
 وعصير العنب ـ مركز ومخفف ـ يعتبر من المطهرات القوية‏,‏ وتستخدم محاليله المخففة في تطهير كلٍ من الآذان‏,‏ والأنف‏,‏ والفم‏,‏ والحنجرة‏,‏ كما يمكن استخدامه على هيئة ضمادات في معالجة الجروح والتقيحات الخارجية‏,‏ وثمرة العنب يمكن تجفيفها وتحويلها إلى زبيب دون أن ينقص ذلك من قيمتها الغذائية والعلاجية التي يظل الزبيب محتفظاً بها لفترات طويلة‏ .‏
هذه الفوائد الجليلة لثمرة العنب وغيرها مما لم يكتشف بعد ربما كان من وراء ذكر القرآن الكريم له على وجه الخصوص في أحد عشر موضعاً من عشر سور كريمة‏,‏ ووصف مناطق زراعته بالوصف جنات في أغلب ما ذكر فيه من آيات‏,‏ وجعله من ثمار الجنة‏,‏ وإن كانت الجنة غيب لا يعلمه إلا الله‏,‏ وكانت سننها وقوانينها وأوصاف الأشياء فيها مغايرة للدنيا وما فيها من خلائق ، وإن جاء الوصف في ‏(‏سورة النبأ‏)‏ من باب تقريب الأمر لأهل الدنيا، ولكنه يبقى تشريفاً لشجرة العنب ولثمرتها الطيبة المباركة‏ .‏
‏(2) " وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ "
:‏ لفظة زرع هنا تشمل كل أنواع الزروع‏ ـ ‏النباتات‏ ـ وذكرها هنا وفي مواضع‏‏ أخرى كثيرة من القرآن الكريم تبلغ المواضع العشرة‏ ـ‏ غير أربعة مواضع أخرى جاءت فيها بصيغة الفعل أو الفاعل ـ‏ جاء ليؤكد كل أنواع النبات مع التركيز على أنواع خاصة منها كالأعناب، والنخيل في الآية التي نحن بصددها‏,‏ وكالتين والزيتون والرمان والموز‏ ـ‏ الطلح‏ ـ‏ في مواضع أخرى تأكيداً على أهمية خاصة في كلٍ منها تميزها عن بقية الثمار والزروع‏ .‏
والنخيل من الأشجار دائمة الخضرة‏,‏ وتتميز بساق طويلة باسقة تنتهي بمجموعة من الأوراق في قمتها‏,‏ وليست لها فروع‏,‏ وهي لا تسقط أوراقها التي تستر براعمها في قمتها إلا بفعل الإنسان، وثمار النخيل من‏ (‏بسر‏),‏ و‏(‏رطب‏),‏ و‏(‏بلح‏),‏ و‏(‏تمر‏) يعتبر من الثمار النباتية المتميزة بقيمة غذائية عالية‏,‏ فالتمر الجاف يحتوي على مواد كربوهيدراتية بما فيها من السكريات بنسب تزيد على‏70%,‏ وعلى ماء بنسبة 13%,‏ وألياف بنسبة‏10%,‏ وعلى مواد دهنية بنسب تصل إلى 2.5%,‏ وعلى أملاح معدنية بنسب تصل إلى 1.5%,‏ وعلى فيتامينات (‏أ‏),(‏ب‏),(ج‏)‏ ، روتينات وهرمونات ومضادات حيوية بالنسب المتبقية .‏
ومن هذه الهرمونات‏‏ ما يتكون من تسعة أحماض أمينية‏,‏ ويشبه هرمون الأدكستيوسين الذي يلعب أدواراً مهمة في جسم الإنسان ذكراً كان أم أنثى ، مثل إيقاف النزيف‏,‏ وعلى إدرار اللبن والمساعدة على يسر المخاض‏,‏ وعلى اندمال الوحم وانقباضه بعد الولادة‏,‏ وعلى ترقيق المشاعر‏,‏ وتثبيت الفؤاد‏,‏ وانشراح الصدر‏,‏ وجلاء الأحزان عند الجنسين‏,‏ ومنها هرمون الأستروجين الذي له وظائف كثيرة في جسم الإنسان من أهمها ضبط توازن كلٍ من الدهون والأملاح في الجسم‏,‏ ومن أهم مكونات التمر أملاح المغنسيوم، والمنجنيز، والحديد التي توجد بنسب مناسبة وبصورة سهلة الامتصاص بواسطة جسم الانسان . والأول له تأثير بالغ على الغدد الموجودة بالجسم بما في ذلك الغدد الصماء التي تقوم على إفراز الهرمونات‏,‏ وله دور كذلك في تهدئة الجهاز العصبي‏,‏ وسلامة كلٍ من العظام والأسنان‏,‏ وفي زيادة معدلات نمو الخلايا‏,‏ ومرونة الأنسجة‏,‏ ومقاومة السموم الحمضية‏,‏ وخفض حرارة الجسم وترطيبه‏ .‏ أما المنجنيز فأملاحه مهدئة للأعصاب‏,‏ ومرققة للمشاعر والعواطف‏,‏ ومزيلة للهموم والمخاوف‏,‏ ومطمئنة للنفس‏ .‏ والحديد يلعب دوراً هاماً في بناء المادة الحمراء في الدم‏,‏ ويصل إلى الأطفال الرضع عن طريق لبن الأمهات في أثناء الرضاعة الطبيعية‏ .‏
من هنا كان تركيز القرآن الكريم على النخيل لتميزه على غيره من النباتات ، ولأهمية ثمره البالغة‏,‏ ولذلك جاء ذكره في عشرين آية قرآنية مباركة في ست عشرة سورة‏,‏ ومن هذه الآيات ما ذكر ‏(‏النخلة‏)‏ مفردة كما جاء في سورة مريم مرتين لتحديد نخلة معينة بذاته‏,‏ ومنها ما ذكر ‏(‏النخل‏)‏ معرفاً في عشر آيات‏,‏ وما ذكر ‏(‏نخيل‏)‏ بصيغ الجمع غير المعرفة سبع مرات‏,‏ و‏(‏نخلاً‏)‏ مرة واحدة ‏.‏

ثالثا‏ًً:‏ في قوله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ : " صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ ‏"
:
يعرف العلماء اليوم أكثر من أربعمائة ألف نوع من أنواع النباتات‏,‏ منها حوالي ‏250.000‏ نوع من أنواع النباتات الزهرية التي أعطاها الله ـ‏ تعالى‏ ـ‏ القدرة على إنتاج غذائها بعملية التمثيل الضوئي‏,‏ وحوالي ‏150.000‏ نوع من النباتات غير الزهرية التي ليست لها قدرة على القيام بعملية التمثيل الضوئي، فتتغذى بطرائق أخرى ‏.‏
وكل نوع من هذه النباتات مرتبط ارتباطاً وثيقاً ببيئته المحكومة بوضعه الجغرافي من التضاريس والمناخ‏,‏ وتباين أنواع الصخور والتربة ووفرة الماء أو قلته‏,‏ وتعدد الكائنات المصاحبة له وغير ذلك من عوامل‏,‏ ولكنه محكوم أكثر بشفرته الوراثية التي تتحكم في صفاته وقدراته المختلفة، ومنها قدرته على اختيار أنواع محددة من عناصر ومركبات الأرض التي تحيا عليها لتعطي ثماراً أو حبوباً وبذوراً خاصة لكل منها طعمه‏,‏ ورائحته‏,‏ ولونه‏,‏ وشكله‏,‏ وحجمه‏,‏ مع اتفاق كل الظروف البيئية المحيطة ، فكل نوع من أنواع النبات ـ كأي كائن حي ـ له عدد من مجدد من الصيغيات يميزه عن غيره‏,‏ وكل واحد من هذه الصيغيات يحمل عوداً من المورثات ‏(الجينات‏)‏ ، يصدر منها كل التعليمات اللازمة للخلية لتصنيع بروتين محدد .‏ ومع تباين المورثات من نبات إلى آخر تتباين البروتينات المنتجة بداخل الخلايا‏,‏ ومن ثم تتباين ثمارها طعوماً، ورائحة، وألواناً، وأشكالاً، وأحجاماً، وهي متماثلة من نوع واحد‏ "صِنْوَانٌ ‏"‏
أو غير متماثلة من أنواع متعددة ‏"‏ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ " تسقى بماء واحد ، ويفضل الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ بعضها على بعض في الأكل‏ .‏
ويتم هذا التنوع بين أفراد النوع الواحد من النبات أثناء عملية التكاثر واتحاد المورثات بين الخلايا الذكرية والأنثوية بنسب مختلفة‏,‏ فتتنوع الثمار تحت نفس الظروف البيئية، وفي النوع الواحد "
صِنْوَانٌ‏"‏,‏ كما يتم بين الأنواع المختلفة في البيئة الواحدة ‏"‏ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ " وبين البيئات المختلفة حتى تتعدد الثمار والحبوب والمنتجات النباتية لتفي بكل احتياجات الحياة على الأرض ‏.‏
وفي الآية الكريمة إشارة إلى علوم التصنيف والوراثة والبيئة والأراضي، وهي حقائق لم تتكشف للإنسان إلا بصورة بدائية في نهايات القرن الثامن عشر الميلادي، ولم يتم تبلورها إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين‏,‏ وورودها في كتاب الله الذي أُنزل في مطلع القرن السابع الميلادي بهذه الدقة العلمية والشمول والإحاطة لمما يقطع بأن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق‏,‏ ويشهد بالنبوة وبالرسالة للنبي الخاتم الذي تلقاه ، ولذلك نزلت الاية يقول الحق ـ‏ تبارك وتعالى ـ "‏ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ‏
(النحل:67).
‏ فصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى أله وصحبه، ومن تبع هداه، ودعا بدعوته إلى يوم الدين والحمد لله رب العالمين .