" وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَواتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " (المائدة‏:17).


هذا النص القرآني المعجز جاء في الربع الأول من سورة المائدة، وهي سورة مدنية آياتها مائة وعشرون‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود ذكر المائدة التي طلبها الحواريون من نبي الله عيسى‏ ـ‏ على نبينا وعليه من الله السلام‏ ـ‏ في ختام السورة‏ .‏
ويدور المحور الرئيسي لسورة المائدة حول التشريعات اللازمة لإقامة الدولة الاسلامية‏,‏ وتنظيم مجتمعاتها على أساس من الإيمان بوحدانية الخالق‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ وربوبيته‏,‏ وألوهيته‏,‏ وتفرده بالسلطان في ملكه‏,‏ بغير شريك‏,‏ ولا شبيه ولا منازع‏..‏ ومن ثم فلابد وأن تتلقى هذه الدولة الإسلامية دستور حياتها‏,‏ وجميع تشريعاتها‏,‏ ونظمها‏,‏ وقيمها من وحي السماء كما تكامل في بعثة النبي الخاتم والرسول الخاتم الذي تعهد ربنا ‏ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ بحفظه فحُفظ‏ .
‏ وأول بنود هذا الدستور الإسلامي عقد الإيمان بالله رباً وبالاسلام دينا‏ًً,‏ وبسيدنا محمد‏ ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏ نبياً ورسولاً‏,‏ وهو العقد الذي تقوم عليه سائر العقود في حياة الناس‏ ـ‏ أفراداً ومجتمعات‏ ـ‏ من عقيدة‏,‏ وعبادة‏,‏ ودستور أخلاق‏,‏ وتشريعات للمعاملات‏ , أي يقوم عليه الدين بتفاصيله الربانية‏,‏ بمعنى كل الضوابط السلوكية‏,‏ والعقائد الغيبية‏,‏ والشرائع التعبدية كما قررها الله ـ تعالى‏ ـ‏ ومن ذلك نصت السورة الكريمة على بيان الحلال والحرام في قضايا عديدة ، مثل قضايا الذبائح‏,‏ والمطاعم‏,‏ والمشارب‏,‏ والزواج وغيرها‏,‏ وعلى شرح العقيدة الصحيحة ،‏ وتوضيح علاقات المسلمين بغيرهم من أصحاب الملل والنِحَل المنحرفة ـ‏ أفرادا‏ًً,‏ وجماعات‏,‏ وأمما‏ًً ـ‏ وتحذرهم من الافتتان بهؤلاء الكافرين عن بعض ما أنزل الله‏,‏ ومن الحيود عن العدل تحت ضغوط المشاعر الشخصية‏,‏ حتي تصل إلى هذا الحكم الالهي القاطع ‏:‏
‏‏
" اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ " ‏    (‏المائدة‏:3) .
وتعرض السورة الكريمة للصلاة‏,‏ ولأحكام الطهارة لها‏,‏ ويكل الله ـ‏ تعالى‏ ـ‏ الإنسان في ذلك كله إلى التقوى‏,‏ وتأمر الآيات المؤمنين أن يكونوا‏ قوامين لله شهداء بالقسط، وتبشرهم بالمغفرة والأجر العظيم‏,‏ وتتهدد الذين كفروا وكذبوا بآيات الله أن مصيرهم إلى الجحيم‏,‏ كما تستعرض مواقف بعض أهل الكتاب من مواثيقهم‏,‏ وما حل بالكافرين منهم من دمار نتيجة نقضهم لمواثيقهم ، مثل أتباع كلٍ من موسى وعيسى ـ عليهما السلام‏ ـ وتنادي على أهل الكتاب بنداء يتكرر عدة مرات يقول فيه ربنا ـ‏ تبارك وتعالى ـ :
" يَا أَهْلَ الكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "      (‏المائدة‏:19)‏ .
 ثم تعرض السورة الكريمة لعدد من الأحكام المتعلقة بحماية النفس‏,‏ والمال‏,‏ والملكيات الفردية‏,‏ والمجتمعات الإنسانية‏,‏ وصيانتها‏,‏ والسلطة وحقوقها‏,‏ وتقدم لهذا كله بقصة ولدي آدم كرمز للصراع بين الحق والباطل في هذه الحياة‏ .‏
ثم تعرج السورة الكريمة إلى شيء من مواساة رسول الله‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ في مواجهته لكفر الكافرين‏,‏ وكذبهم‏,‏ وأكلهم السحت‏,‏ وتنتقل إلى قضية الحكم بما أنزل الله‏,‏ وجريمة الخروج على ذلك؛‏ لأن حق التشريع بالحل والحرمة هو لله وحده، ولذلك كان قبول شرع الله‏,‏ والرضى بحكمه هو إقرار لله بالألوهية‏,‏ والربوبية‏,‏ والوحدانية‏,‏ والقوامة على خلقه بغير شريك، ولا شبيه، ولا منازع‏ .‏
 وتؤكد سورة المائدة قضية الولاء والبراء على أنها من الوسائل النفسية الأساسية للتربية الاسلامية‏,‏ ولضبط سلوك الأفراد والجماعات المسلمة‏,‏ وتعرج السورة إلى عدد من الأحكام الشرعية في الإيمان،‏ وتؤكد تحريم كلٍ من الخمر‏,‏ والميسر‏,‏ والأنصاب‏,‏ والأزلام‏,‏ وتضع ضوابط للصيد‏ ـ ومنها تحريمه والعبد في إحرامه‏ ـ‏ وتدعو إلى تعظيم الكعبة المشرفة والأشهر الحرم‏,‏ كما تعرض لانحراف أهل الكتاب عما قد أُنزل إليهم‏,‏ وتأمر بطاعة الله ورسوله‏,‏ وتنهى عن مخالفتهما خشية عذاب الله‏,‏ وتذكر بحتمية الآخرة ‏.‏
وتلمح السورة الكريمة لعدد من الضوابط التربوية الأخرى في حياة المسلمين‏ ـ أفراداً وجماعات‏ ـ ومنها عدم الانبهار بكثرة الخبيث‏,‏ وآداب التعامل مع الله ورسوله‏,‏ وإبطال ما كان قد بقي من تقاليد الجاهلين المبتدعة‏,‏ وحكم الإشهاد على الوصية في حالة السفر وغير ذلك من التشريعات التي ربطتها كلها بمراقبة الله وتقواه، ومخافة معصيته ‏.

‏ومن الأحكام التي تناولتها سورة المائدة ما يلي ‏:

أحكام العقود‏,‏ الذبائح‏,‏ الصيد‏,‏ الإحرام‏,‏ زواج الكتابيات‏,‏ حد الردة‏,‏ أحكام الطهارة‏,‏ حد السرقة‏,‏ حد البغي والإفساد في الأرض‏,‏ أحكام الخمر والميسر‏,‏ كفارة اليمين‏,‏ تحريم قتل الصيد في الإحرام‏,‏ أحكام الوصية عند الموت‏,‏ أحكام البَحيرة والسائبة‏,‏ حكم من ترك العمل بشريعة الله‏,‏ وأحكام الولاء والبراء.
وتختتم السورة الكريمة بذكر يوم القيامة الذي يجمع الله ـ تعالى ـ فيه كل الخلق ـ وفي مقدمتهم الأنبياء والمرسلون‏ .‏ وذلك للحساب والجزاء‏,‏ وبالإشارة إلى عدد من المعجزات التي أيد الله ـ‏ تعالى ـ‏ بها عبده ورسوله عيسى بن مريم‏,‏ ومنها إنزال المائدة من السماء‏,‏ ثم إلى تبرئة السيد المسيح ـ‏ على نبينا وعليه السلام‏ ـ‏ وتبرئة أمه الصديقة مما ألصق بهما من دعاوى الألوهية الكاذبة، فالله واحد أحد‏,‏ فرد صمد‏,‏ لا منازع له في سلطانه‏,‏ ولا شريك له في ملكه ‏.‏


ومن الآيات العلمية المعجزة في هذه السورة الكريمة ما يلي‏ :‏
(1)تحريم
كلٍ من الميتة‏,‏ والدم‏,‏ ولحم الخنزير‏,‏ وما أُهلَّ لغير الله به‏,‏ والمنخنقة‏,‏ والموقوذة‏,‏ والمتردية‏,‏ والنطيحة‏,‏ وما أكل السبع الا ما ذكي‏ .‏
(2) التأكيد على أن لله ملك السموات والأرض وما بينهما في موضعين متتابعين من السورة‏ (الآيات 18,17), كما أكدت على ملك الله لما في السماوات وما في الأرض‏ ‏(الآية 120) .‏
(3) 
التأكيد على أن اليهود قد حرَّفوا دينهم ‏(الآية 41) .‏
(4) وأنهم سمَّاعون للكذب أكَّالون للسحت ‏( الآية 42).‏
(5) وأن كثيراً من الناس فاسقون ‏( الآية 49) .‏
(6)وأن كثيراً من اليهود يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت‏ (الآية 62) .‏
(7) وأن
أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا‏,‏ وأن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى (الآية 82) .‏
(8) تحريم كلٍ من الخمر‏,‏ والميسر‏,‏ والأنصاب‏,‏ والأزلام‏ (الآية 90) .‏
(9)جعل الكعبة المشرفة قياماً للناس‏ (الآية 97) .‏
(10)التأكيد على إنزال المائدة التي طلبها حواريو عيسى ‏ـ عليه السلام ـ‏ من السماء‏ (الآيات 115,114) .‏
(11)التأكيد على معجزات السيد المسيح‏ ـ‏ عليه السلام‏ ـ (الآيات 111,110),‏ وعلى بشريته الكاملة‏ (الآية 117) .‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة مستقلة في مقال أو أكثر من مقال‏,‏ ولكني سوف أقصر الكلام هنا على قضية واحدة وصفها القرآن الكريم بما بين السماوات والأرض‏ .‏

التعبير بـ"رب السماوات والأرض وما بينهما "في القرآن الكريم ورد التعبير القرآني : "رب السماوات والأرض وما بينهما " في عشرين موضعاً من القرآن الكريم على النحو التالي ‏:‏
‏(1)
" لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَواتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "       (‏المائدة‏:17)‏ .
‏(2)‏
" وَقَالَتِ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ المَصِيرُ " (‏المائدة:‏18) .
‏(3)‏
" وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ "     (‏الحجر‏:85)‏ .
‏(4)‏
" وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِياًّ . رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِياّ "ً        ‏(‏مريم‏:65,64)‏ .
‏(5)‏
"تَنزِيلاً مِّمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ العُلَى . الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى . لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى "       ‏(‏طه‏:4‏ ـ‏6) .
‏(6)‏
" وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ "          (الأنبياء‏:16)‏ .
‏(7) ‏" الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْئَلْ بِهِ خَبِيراً
"        (‏الفرقان‏:59)‏ .
‏(8)‏
"قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ العَالَمِينَ . قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ "  (‏الشعراء‏:23‏ ـ‏24)‏ .
‏(9)‏
" أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِم مَّا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ "      (الروم‏:8) .‏
‏(10)‏
" اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ شَفِيعٍ أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ "       (‏السجدة‏:4) .
‏(11)‏
"إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ . رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ المَشَارِقِ "     (‏الصافات‏:5,4) .‏    
(12)‏
" أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ العَزِيزِ الوَهَّابِ . أَمْ لَهُم مُّلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الأَسْبَابِ "     (‏ص‏:10,9)‏ .
‏(13)‏
"وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّار"ِ     (‏ص‏:27)‏ .
‏(14)‏
" رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا العَزِيزُ الغَفَّارُ " ‏     (‏ص‏:66) .‏
‏(15)‏
" وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الحَكِيمُ العَلِيمُ . وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ " ‏     (‏الزخرف‏:85,84) .
‏(16)‏
" لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ "         (‏الدخان‏:7)‏ .
‏(17)‏
"وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ . مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ "       (‏الدخان‏:38-39) .               ‏
(18)‏
" مَّا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى "  ‏ (‏الروم‏:8) .    
‏(19)‏
"وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ "   (‏ق‏:38) .
‏(20)‏
" رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً " ‏    (‏النبأ‏:37).
(‏بين‏)‏ في اللغة العربية بالتخفيف ظرف مكان أو زمان بمعنى وسط‏,‏ أو موضوع للخلالة بين الشيئين أو الزمنين‏,‏ ووسطهما‏,‏ قال ـ تعالى ـ‏‏ : " لقد تقطع بينكم " أي (‏ما‏ بينَكم‏)‏ على الحذف، فإن جعلته اسماً فاعلاً أعربته . تقول‏:‏ لقد تقطع ‏(‏بينُكم‏)‏ أي وصلكم‏,‏ فـ‏(‏البين‏)‏ هو الوصل‏,‏ وهو‏(‏البينونة‏)‏ أيضاً الفراق؛ لأنه من الأضداد‏,‏ و‏(‏البون‏)‏ و‏(‏البين‏)‏ هو الفضل والمزية أو البعد‏,‏ يقال‏:‏ بينهما ‏(‏بون‏)‏ أو‏ (‏بين‏)‏ بعيد ,‏ والواو أفصح‏ ،‏ فأما بمعنى البعد فيقال‏:‏ إن بينهما‏(‏بيناً‏)‏ لا تميد‏ .‏



ما بين السماوات والأرض في أقوال المفسرين في قوله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ :‏
" لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَواتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير . وَقَالَتِ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ المَصِيرُ " ‏    (‏المائدة‏18,17)‏.
جاء التعبير القرآني‏,‏ ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما مرتين . قال ابن كثير‏ ـ رحمه الله‏ ـ‏ في تفسير الأولي منهما‏:‏ أي جميع الموجودات ملكه وخلقه‏,‏ وفي تفسير الثانية قال‏:‏ أي الجميع ملكه‏,‏ وتحت قهره وسلطانه‏ ...‏ (انتهى قول المفسر)
وقال صاحب الظلال‏ ـ‏ رحمه الله رحمة واسعة ـ:‏ أي أن الله هو المالك لكل شيء ‏.
(انتهى قول المفسر)‏
وذكر صاحب صفوة التفاسير‏ ـ‏ جزاه الله خيراً‏ ـ‏ في الأولى‏:‏ أي من الخلق والعجائب ، وفي الثانية‏:‏ أي الجميع ملكه، وتحت قهره وسلطانه . (انتهى قول المفسر)
 وفي التعليق على نص مشابه ‏ـ ‏في الآية‏59‏ من سورة الفرقان ـ ذكر أصحاب المنتخب في تفسير القرآن الكريم ما نصه : أن هذا النص يشير إلى سائر أجرام السماء من نجوم، وكواكب، وأقمار، وأتربة كونية ، وغازات، وطاقات يتألف الكون منها ‏.‏ والحقيقة ان هناك آيتين من آيات القرآن الكريم تلقيان بعض الضوء على دلالة ما بين السماوات والأرض‏,‏ في أولاهما يقول ربنا ـ تبارك وتعالى‏ ـ :‏
" إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ الَليْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَتِي تَجْرِي فِي البَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُون"‏(‏البقرة‏:164)‏
ومن هذه الآية الكريمة يفهم أن السحاب هو مما بين السماء والأرض ‏.‏
وفي الآية الثانية يقول ربنا‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ :‏
" اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً "‏       (‏الطلاق‏:12)‏
ومن هذه الآية الكريمة يفهم أن الأمر الإلهي هو مما يتنزل بين السماوات السبع والأرضين السبع‏ .‏
وفي الحديث المروي عن رسول الله‏ ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏ يقول فيه:‏ " سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ فِي السَّمَاءِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ فِي الْأَرْضِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ بَيْنَ ذَلِكَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا هُوَ خَالِقٌ ... "‏ (رواه أبو داوود في سننه) .
ويقول‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ في حديث آخر‏:" أَطَّتْ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ، مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لِلَّهِ . وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا ‏..."‏ (أخرجه الترمذي).
ما بين السماوات والأرض في العلوم المكتسبة:
وصل معظم المفسرين ـ قدامى ومعاصرين ـ إلى أن من دلالات قوله‏ ـ تعالى ـ :‏ (رب السماوات والأرض وما بينهما) أنه‏ ـ‏ تعالى ـ‏ هو رب العوالم علويها وسفليها‏,‏ فلا ربوبية لغيره‏,‏ ولا شريك له في ملكه‏،‏ وهذا صحيح‏,‏ ولكنه لا يفسر لنا ماهية الموجود بين السماوات والأرض‏,‏ الذي تشير الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة والعلوم المكتسبة إلى أنه يشمل‏ :‏
‏(1)‏ المكان والزمان في حدود نطاق يفصل بين السماوات والأرض ‏.‏
‏(2)‏ المادة والطاقة في هذا النطاق ‏.‏
‏(3)‏ السحاب المسخر بين السماء والأرض في هذا النطاق ‏.‏
‏(4)‏ الملائكة وغيرهم من الخلائق في هذا النطاق ‏.‏
‏(5)‏
الأوامر الإلهية المتنزلة في هذا النطاق وعبره ‏.‏
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو‏:‏ لماذا اعتبر القرآن الكريم أن هناك فاصلاً بين السماوات والأرض؟ وماذا تقول العلوم المكتسبة عن هذا الفاصل ؟
تجمع العلوم المكتسبة في مجالي علم الفلك والفيزياء الفلكية على أن خلق كلٍ من المكان والزمان والمادة والطاقة قد تزامن مع عملية الانفجارالعظيم‏;‏ فلا يوجد في الكون الذي نعرفه مكان بلا زمان‏,‏ ولا زمان بلا مكان‏,‏ كما لا يوجد مكان وزمان بغير مادة وطاقة‏ .‏
فالمادة والطاقة موجودتان بين كلٍ من الأرض والشمس‏,‏ وبينهما وبين كافة أجرام المجموعة الشمسية‏,‏ ليس هذا فقط بل بين النجوم وحولها‏,‏ وبين المجرات وحولها‏,‏ بل في الجزء المدرك من الكون كله‏ .‏
وعلماء الفلك والطبيعة الفلكية يتحدثون اليوم عن المادة حول الكواكب
(Circum-Planetary matter) ,وبين الكواكب ‏(Inter-Planetary matter)، وحول النجوم ‏(Circum-Stellar Matter) ، ‏وبينها (Inter-Stellar Matter وحول المجرات ‏(Circum-galactic Matter)،‏ وبينها
(
Inter-galactic matter) ,وبين كل تجمع سماوي مهما تعاظم حجمه وفسحة السماء؛‏ وذلك لأن تحرك كلٍ من المادة والطاقة بين أجرام السماء، وبين المكان والزمان والمحيطين بهما من الأمور التي أكدتها الدراسات الفلكية مؤخرا‏ًً,‏ ومن أثقلتها تخلق النجوم من الدخان الكوني وعودتها إليه في دورة حياة النجوم‏,‏ ومن أمثلة المادة المنتشرة بين الأرض والسماء ما يلي‏ :‏
‏(1)‏ المادة بين الكواكب ‏(The Inter-Planetary Matter):
وهي عبارة عن خليط من الغازات والجسيمات الصلبة المتناهية في دقة الحجم‏ (‏ من‏0.001‏ من الملليمتر إلى‏0.1‏ من المليمتر في القطر، وإن كانت أقطار تلك الجسيمات الصلبة قد تصل في حالات نادرة إلى أقطار كلٍ من النيازك والكويكبات‏)‏، وتنتشر مادة ما بين الكواكب بين الأرض والشمس‏,‏ وبينهما وبين بقية كواكب المجموعة الشمسية‏,‏ وتتراوح كثافة تلك المادة بين‏ (10-21)‏ و‏(10-23)‏ جراماً للسنتيمتر المكعب‏,‏ وتقدير كميتها في مدار الأرض بحوالي واحد من مائة مليون من كتلة الأرض ‏(10-8)‏ من كتلة الأرض‏،‏ وتتكون هذه المادة أساساً من غاز الإيدروجين المتأين‏ ـ أي من البروتونات والإليكترونات‏ ـ ومن نوى ذرات الهيليوم ‏.‏
ويقدر ما يصل إلى الأرض من مادة الشهب والنيازك بحوالي عشر الطن إلى مائة طن في اليوم الواحد‏,‏ وتختلف حركة الجسيمات الصلبة في مادة ما بين الكواكب حسب اختلاف أقطارها، وحسب قوانين الميكانيكا السماوية ‏.‏
وفي نفس الوقت يتصاعد من فوهات البراكين الأرضية كميات هائلة من الغازات والأبخرة التي يغلب على تركيبها بخار الماء ‏(‏حوالي70%)‏ بالإضافة إلى أخلاط من الغازات المختلفة التي تترتب حسب نسبة كلٍ منها على النحو التالي‏:‏ ثاني أكسيد الكربون‏,‏ الإيدروجين‏,‏ أبخرة حمض الكلور‏,‏ النيتروجين‏,‏ فلوريد الإيدروجين‏,‏ ثاني أكسيد الكبريت‏,‏ كبريتيد الإيدروجين‏,‏ غازات الميثان والأمونيا وغيرها‏,‏ بالإضافة إلى بعض الجسيمات الصلبة ‏.‏
الغلاف الغازي للأرض‏ :‏ باختلاط ما يتصاعد من فوهات البراكين مع ما حول الأرض من مادة ما بين الكواكب تكون الغلاف الغازي للأرض، وهو خليط من كلٍ من مادة الأرض ومادة السماء الدنيا‏,‏ ومن هنا كان حديث القرآن الكريم عن السماوات والأرض وما بينهما‏ .‏
وتقدر كتلة الغلاف الغازي للأرض بأكثر من خمسة آلاف مليون طن ‏(5.2 × 10^15‏ من الأطنان‏),‏ ويقدر سُمكه بعدة آلاف من الكيلو مترات فوق مستوى سطح البحر‏,‏ ويتناقص ضغطه من نحو الكيلو جرام على السنتيمتر المربع عند هذا المستوى إلى واحد من المليون من ذلك في أجزائه العليا ‏.‏
ويقسم الغلاف الغازي للأرض إلى قسمين رئيسيين على النحو التالي‏:‏
‏(‏أ‏)‏ الجزء السفلي من الغلاف الغازي للأرض‏:
‏ ويتكون أساساً من خليط من جزئيات النيتروجين والأوكسجين، وعدد من الغازات الأخرى، ويعرف باسم النطاق المتجانس، ويقسم إلى ثلاثة نطيقات متميزة من أسفل إلى أعلى على النحو التالي ‏:‏
(1)‏ نطيق التغيرات الجوية ‏(‏نطيق الطقس أو الرجع‏) (The Troposphere) :
وهو الملامس للأرض مباشرة، ويمتد من مستوى سطح البحر إلى ارتفاع حوالي ‏17‏ كم فوق خط الاستواء‏,‏ متناقصاً في السُمك إلى ما بين ‏6‏ كم‏,8‏ كم فوق القطبين‏,‏ ويختلف سُمكه فوق خطوط العرض الوسطى باختلاف ظروفها الجوية‏,‏ فينكمش إلى ما دون السبعة كيلو مترات في مناطق الضغط المنخفض، ويمتد إلى حوالي‏13‏ كم في مناطق الضغط المرتفع ‏.‏
ويضم هذا النطيق حوالي ثلثي كتلة الغلاف الغازي للأرض‏ (66%),‏ وتتناقص درجة الحرارة فيه باستمرار مع الارتفاع بمعدل ستة درجات مئوية كل كيلو متر ارتفاع في المتوسط حتي تصل إلى ستين درجة مئوية تحت الصفر في قمة هذا النطيق المعروفة باسم مستوى الركود الجوي
‏(The Tropo-pause) ؛ وذلك لتناقص الضغط فيه إلى حوالي عشر الضغط الجوي عند سطح البحر ‏.‏
ويحدث ذلك نتيجة للبعد عن سطح الأرض، وهو مصدرالتدفئة الصاعدة إلى هذا النطاق بعد امتصاص جزء من حرارة الشمس في كل نهار وإعادة إشعاعه إلى جو الأرض‏ .‏ ويتكثف بخار الماء الصاعد من الأرض في نطيق الثغيرات الجوية‏,‏ وتتكون السحب فيه‏,‏ ويهطل كلٌ من المطر والبَرَد والثلج منه‏,‏ وتحدث ظواهر الرعد ، والبرق‏,‏ والعواصف‏,‏ والدوَّامات‏,‏ وتيارات الحمل الهوائية وغير ذلك من حركات الرياح فيه، ولذا يقول الحق‏ ـ تبارك وتعالى ـ‏ في محكم كتابه‏:‏
" وَالسَّحَابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ "    (‏البقرة‏:164)‏ .
ويتركب هذا النطيق أساساً من جزيئات كلٍ من غازات النيتروجين ‏(‏بنسبة78.1% بالحجم‏)‏، والأوكسجين‏ (‏بنسبة21%‏ بالحجم‏),‏ والأرجون‏ (‏بنسبة 0.93% بالحجم‏),‏ وثاني أكسيد الكربون ‏(‏بنسبة0.03%‏ بالحجم‏),‏ بالإضافة إلى نسب ضئيلة من بخار الماء‏,‏ وآثار طفيفة من كلٍ من غازات الميثان‏,‏ وأكاسيد النيتروجين‏,‏ وأول أكسيد الكربون‏,‏ والإيدروجين‏,‏ والهيليوم‏,‏ والأوزون‏,‏ وبعض الغازات الخاملة مثل الأرجون‏ .‏
‏(2)‏ نطيق التطبق‏ (stratosphere The) :
ويمتد من فوق مستوى الركود الجوي إلى قرابة الخمسين كيلو متراً فوق مستوى سطح البحر ، ‏(‏ويتراوح سُمكه بين‏44,33‏ كيلو مترا‏ًً)،‏ وينتهي بمستوى الركود الطبقي‏,(The stratos-pause ‏وترتفع درجة الحرارة في هذا النطيق من حوالي الستين مئوية تحت الصفر عند قاعدته إلى نحو الثلاث درجات مئوية فوق الصفر عند قمته‏,‏ ويرجع ذلك إلى امتصاص قدر من الأشعة فوق البنفسجية القادمة مع أشعة الشمس بواسطة جزيئات الأوزون المنتشرة فيما يسمى باسم حزام الأوزون ‏( Belrorthe (The ozone ozonosphere)) ‏الموجود في الجزء السفلي من هذا النطيق‏ ـ‏ بين ارتفاعي ‏30.18‏ كم فوق مستوى سطح البحر‏ ـ ويتركز غاز الأوزون في هذا الحزام بنسبة 0.001%‏، ولكنها ـ على ضآلتها ـ تعتبر نسبة كافية لحماية الحياة على الأرض من أضرار الأشعة فوق البنفسجية، وهي أشعة حارقة ومدمرة لكافة الخلايا الحية‏,‏ ولولا هذه الحماية الربانية والعديد غيرها من صور الحماية التي وضعها الخالق ـ سبحانه وتعالى ـ بين السماء والأرض ـ والتي لا يتسع المقام لسردها لاستحالت الحياة على سطح الأرض‏,‏ ويستمر الضغط الجوي في الانخفاض في نطيق التطبق من قاعدته إلى قمته حتى يصل إلى واحد من الألف من الضغط الجوي عند سطح البحر ‏.‏
‏(3)‏ النطيق المتوسط‏ (The Mesosphere):
ويمتد من مستوى الركود الطبقي إلى ارتفاع ‏80‏ ـ‏90‏ كم فوق مستوى سطح البحر،‏(‏فيتراوح سُمكه بين‏40,30‏ كم‏)‏، وتنخفض درجة الحرارة في هذا النطيق بمعدل ثلاث درجات لكل كيلو متر ارتفاع تقريباً حتي تصل إلى نحو مائة درجة مئوية تحت الصفر عند حده العلوي،  والمعروف باسم مستوى الركود الأوسط ‏
(the Meso pause)، وإن كانت درجة الحرارة تلك‏‏ تتغير باستمرار مع تغير الفصول المناخية ‏.‏
كذلك يستمر الضغط في الانخفاض مع الارتفاع حتى يصل في قمة هذا النطيق إلى أربعة من المليون من الضغط الجوي عند سطح البحر ‏.‏
‏(‏ب‏)‏ الجزء العلوي من الغلاف الغازي للأرض‏ :
وهذا الجزء من الغلاف الغازي للأرض يختلف اختلافاً كلياً عن جزئه السفلي، ولذا يعرف باسم غلاف التباين‏ (The Hetrosphere) ، ‏وتبدأ جزئيات مكوناته في التفكك إلى ذراتها وأيوناتها بفعل كلٍ من أشعة الشمس والأشعة الكونية‏,‏ كذلك تسود فيه ذرات الغازات الخفيفة ،مثل الإيدروجين والهيليوم على حساب الذرات الكثيفة نسبياً مثل الأوكسجين والنيتروجين‏ .‏
وتواصل درجات الحرارة الارتفاع في هذا الجزء حتى تصل إلى أكثر من ألفي درجة مئوية‏,‏ ويواصل الضغط في الانخفاض حتى يصل في قمته إلى أقل من واحد في المليون من الضغط الجوي على سطح الأرض‏,‏ ويحوي هذا الجزء من الغلاف الغازي للأرض على نطيقين متميزين هما من أسفل إلى أعلى كما يلي‏ :‏
‏(1)‏ نطيق الحرارة ‏(The Thermosphere):
ويمتد من مستوى الركود المتوسط إلى عدة مئات من الكيلو مترات في مستوى سطح البحر‏ ، ويقدر سُمكه عدة كيلومترات,‏ وتواصل درجة الحرارة في الارتفاع فيه من نحو مائة درجة مئوية إلى مابين ‏500,227‏ درجة مئوية عند ارتفاع مائة وعشرين كيلو متراً فوق مستوى سطح البحر‏,‏ وتبقى درجة الحرارة ثابتة تقريباً عند درجة‏500‏ م إلى ارتفاع يتراوح بين‏400,300‏ كم فوق مستوى سطح البحر‏,‏ ثم تقفز بعد ذلك إلى مابين ‏2000,1500‏ درجة مئوية في نهاية النطيق، وتزيد عن ذلك في فترات النشاط الشمسي ‏.‏
‏(2)‏ النطيق الخارجي
‏(The Exosphere) :
ويعلو النطاق الحراري مباشرة‏,‏ وتثبت فيه درجة الحرارة نسبياً‏,‏ ولذا يطلق عليه أحياناً اسم نطاق التساوي الحراري‏
(the Isothermal sphere),ويتضاءل الضغط فيه وتتمدد الغازات بشكل كبير وتتحرك ذراتها بحرية كاملة في مساراتها فتقل فرص التلاقي بينها بعد ارتفاع يطلق عليه اسم الارتفاع الحرج أو خط ركود الضغط الجوي أو قاعدة العوالم الخارجية عن الأرض‏.‏ وعند هذا الحد يبدأ الغلاف الغازي للأرض في الالتحام بقاعدة السماء الدنيا، أو ما يطلق عليه اسم المادة بين السماء والأرض‏ .‏
وهنا تتضاءل سيطرة الجاذبية الأرضية على ذرات الجزء العلوي من هذا النطيق الخارجي، مما يزيد من قدرات تلك الذرات على الانفلات من قيود الجاذبية الأرضية والهروب بعيداً عن الأرض ‏.‏
وفي المنطقة من قمة النطاق المتوسط إلى أقصى الحدود العلوية للغلاف الغازي للأرض، تتأين ذرات الغازات بفعل كلٍ من الأشعة فوق البنفسجية والسينية القادمة مع أشعة الشمس‏,‏ وبعض جسيمات كلٍ من الأشعة الشمسية والكونية ‏.‏
ويطلق على هذا السمك اسم نطاق التأين
‏(The Ionosphere‏والمنطقة التي تفوق فيها طاقة الأيونات الطاقة الحرارية فإنها تتحرك بين خطوط قوى مجال الجاذبية الأرضية مكونة منطقة تعرف باسم النطاق المغناطيسي للأرض ‏(The Magnelosphere‏وتمتد إلى نهاية الغلاف الغازي للأرض‏، وقد تتداخل في نطاق المادة بين الكواكب ‏.‏
كذلك تم اكتشاف زوجين من الأحزمة الإشعاعية
‏(The radiation Belrs) ‏التي تحيط بالأرض على هيئة هلالية مزدوجة، تزيد في السمك عند خط الاستواء، وترق رقة شديدة عند القطبين‏,‏ وفيها تحتبس الأيونات واللينات الأولية للمادة التي يقتنصها المجال المغناطيسي للأرض فتتحرك عبر ذلك المجال من أحد قطبي الأرض إلى الآخر وبالعكس في حركة دائبة‏ .‏
وهذه الحقائق لم يدركها العلماء إلا في بداية الستينات من القرن العشرين‏,‏ وهي تمثل فاصلاً حقيقياً بين الأرض والسماء‏,‏ ومن هنا تأتي الإشارات القرآنية بقول الحق‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ : "‏ رب السماوات والأرض وما بينهما " في أكثر من عشرين موضعا من كتاب الله سبقا علميا يقطع بأن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق ويشهد بالنبوة وبالرسالة للنبي الخاتم والرسول الخاتم الذي تلقاه فصلى الله وسلم وبارك عليه والحمد لله رب العالمين‏ .‏