" لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى "(طه:6).


هـذه الآية الكريمة جاءت في مقدمات سورة طه، وهي سورة مكية‏,‏ وعدد آياتها ‏(135)‏ بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم تكريماً لخاتم الأنبياء والمرسلين ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ‏ لأن‏ (‏ طه‏)‏ اسم من أسمائه الشريفة بدليل توجيه الخطاب إليه مباشرة بعد هذا النداء‏,‏ وإن اعتبره نفر من المفسرين من المقطعات الهجائية التي استهل بها عدد من سور القرآن الكريم والخطاب من الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ إلى خاتم أنبيائه ورسله‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ فيه من التكريم‏,‏ والتشريف مافيه‏,‏ خاصة أنه قد جاء تطييباً لخاطره‏,‏ وتسرية عنه‏,‏ وتخفيفاً لثقل ماكان يلقاه من كفار قريش ومشركيها من إنكار لنبوته‏,‏ وتكذيب لرسالته‏,‏ وصد لدعوته‏,‏ وتجريح لشخصه الكريم، وهو الذي اشتهر بينهم بالصادق الأمين‏ .‏
والسورة من بدايتها إلى نهايتها خطاب موجه من الله ‏ـ‏ تعالى‏ ـ إلى خاتم أنبيائه ورسله ـ عليه وعليهم أجمعين أفضل الصلاة وأزكى التسليم ‏ـ‏ وفي هذا الخطاب الإلهي تأكيد لنبوته‏,‏ وتأييد لرسالته‏,‏ وتهوين للأمر عليه بحصر رسالته في البلاغ عن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ والإنذار والتبشير‏,‏ وترك الخيار للناس‏,‏ استجاب من استجاب‏,‏ وأبى من أبى؛ لأن أمرهم بعد ذلك متروك لله وحده‏، فيغفر لمن يشاء، ويعذب من يشاء، والله على كل شيء قدير .
ويدور المحور الرئيسي للسورة حول عدد من ركائز العقيدة الاسلامية‏,‏ وفي مقدمتها الإيمان بالله‏,‏ وتوحيده‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ وتنزيهه عن كل وصف لايليق بجلاله‏,‏ والإيمان بملائكة الله‏,‏ وكتبه‏,‏ ورسله‏,‏ واليوم الآخر‏,‏ وبحقيقة الوحي‏,‏ ونبوة الأنبياء والمرسلين‏,‏ وحتمية البعث والنشور‏,‏ والحساب والجزاء بعد العرض الأكبر أمام الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ ولذلك أوردت السورة الكريمة بعض مشاهد القيامة‏,‏ وأحداث يوم الحشر حتى يدخل أهل الجنة الجنة‏,‏ ويدخل أهل النار النار ‏.‏

كذلك عرضت السورة الكريمة لقصة موسى وهارون‏ ـ عليهما السلام‏ ـ‏ بتفاصيلها‏,‏ ومن ذلك موقفهما مع فرعون مصر‏,‏ ومادار بينهما من حوارات وجدل انتهى بتحدي السحرة وهزيمتهم‏,‏ ثم خضوعهم لأمر الله وإيمانهم به‏ ـ‏ سبحانه‏ ـ‏ وبما جاء به موسى‏,‏ وغير ذلك من تفاصيل لموقف المناجاة‏,‏ والتكليف بالرسالة‏,‏ وتمتدح السورة القرآن الكريم الذي أنزله الله ـ تعالى ـ قرآناً عربيا‏ًً,‏ وصرَّف فيه من الوعيد لعل الخلق يتقون أو يُحدث لهم القرآن عظة واعتبارا‏ًً .‏
وفي عجالة عرضت هذه السورة الكريمة ايضاً لقصة أبينا آدم‏ ـ‏ عليه السلام‏ ـ الذي غفر الله ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ له خطيئته‏,‏ وهداه كما هدى ذريته بإرسال الأنبياء والمرسلين إليهم مبشرين ومنذرين‏,‏ وترك الخيار للناس‏ " .. فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ " ( يونس:108) .وختمت سورة طه كما بدئت بخطاب إلى رسول الله وخاتم النبيين ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يصبر على مايقول الكفار والمشركون، وأن يسبح بحمد الله قبل طلوع الشمس وقبل الغروب، ومن آناء الليل وأطراف النهار‏,‏ وأن يأمر اهله بالصلاة، وأن يصطبر عليها‏,‏ وأن ينفض يده من الكفار والمشركين بعد أن يخبرهم بقرار رب العالمين الذي يقول فيه ‏: ‏" قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى ‏" (‏ طه‏:135).‏ والخطاب كما كان موجهاً إلى كفار ومشركي قريش‏,‏ هو موجه إلى الكفار والمشركين‏,‏ وإلى الظلمة المتجبرين على الخلق في كل زمان وعصر إلى قيام الساعة‏..‏ خاصة في زمن الفتن الذي يعيشه أهل عصرنا في هذه الأيام النحسات من تاريخ البشرية على هذه الأرض‏..!!‏


من ركائز العقيدة في سورة طه :
(1)‏ إن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله سيدنا محمد بن عبدالله‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ الذي ذكرته السورة الكريمة باسم‏ (‏ طه‏),‏ وأنزلت السورة لتكون تذكرة لمنِّ ـ سبحانه وتعالى‏ ـ هو الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى ‏ استواءاً يليق بجلاله،‏ وإن من صفاته ـ‏ جل جلاله ـ أنه لا يضل ولا ينسى ‏.‏
‏(2)‏ وإن له‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ " لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى.
(3)‏ وإنه‏ ـ‏ سبحانه‏ ـ‏ " يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى " ‏,‏ وأنه " وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً ".
(4)وأنه يعلم مابين أيدي خلقه وما خلفهم‏,‏" وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ",‏ وأنه" لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى " ‏. 
‏(5)‏ وإنه‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ خلق الناس من الأرض‏,‏ وفيها يعيدهم‏,‏ ومنها يخرجهم تارة أخرى‏ .‏ ‏
(6)‏ إن عبادة الله‏ ـ تعالى‏ ـ بما أمر‏,‏ وإقامة الصلاة لذكره ـ جلت قدرته ـ هي من حقوق الله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ على خلقه‏,‏ ومن هنا فلا يجوز التقصير فيها أبداً‏,‏ وفي ذلك يقول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ :" وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْمَى . قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً ‏ . قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنسَى . وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى " (‏طه :‏124‏ ـ‏127)‏.
‏(7)‏ إن الساعة آتية لامحالة‏,‏ يكاد الله ـ ‏تعالى‏ ـ‏ يخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى‏,‏ وإن من لايؤمن بها كافر هالك‏,و "‏ أَنَّ العَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّى " ‏,‏ وأنه " قَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى " ‏.‏
(8) ‏" إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَى ‏. وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ العُلَى . جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَن تَزَكَّى ‏" (‏طه :‏74‏ ـ‏76) .
‏(9)‏ وإن من يحلل عليه غضب الله فقد هوى‏,‏ وإن الله ‏ـ‏ تعالى‏ ـ‏ لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى‏ .
‏(10)‏ إن الشيطان للإنسان عدو مبين‏,‏ وإن السحر من الكبائر‏,‏‏" ..‏ وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى " ‏(‏ طه‏:69),‏ وإنه من أبشع أنواع الظلم‏.. " وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً " ‏(‏ طه‏:111)‏ .
‏(11)‏ إنه لايجوز للمسلم أن يكشف عورات إنسان آخر‏,‏ وفي ذلك يقول الحق ـ‏ تبارك وتعالى ـ :‏وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى‏ " (‏ طه‏:131)‏ .


من الاشارات الكونية في سورة طه :
‏(1)‏ إن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ هو خالق الأرض والسماوات العلى‏,‏ بمعنى أنها كلها مخلوقة‏,‏ وليست أزلية ولا أبدية‏,‏ بل لها بداية يحاول العلم التجريبي حسابها‏,‏ وكل ماله بداية لابد وأن ستكون له في يوم من الأيام نهاية‏ .
‏(2)‏ " لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى " (طه‏:‏‏6)‏ .
وفي الآية الكريمة إشارة إلى مركزية الأرض من الكون‏,‏ وإلى وجود حياة مزدهرة في قطاع التربة‏,‏ وهي حقائق لم تكن معروفة لأحد من الخلق غير رسول الله‏‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ في زمن الوحي‏,‏ ولا لقرون متطاولة من بعده‏,‏ وتظل مجهولة لغالبية الناس في زمن تفجر المعارف العلمية الذي نعيشه اليوم ‏.‏
‏(3)‏" وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ‏" (‏طه‏:7)‏ .
وهي اشارة إلى ثلاث مراتب من التعبير، وهي ‏:‏ الجهر الذي يعلمه صاحبه‏,‏ ويعلمه من سمعه‏,‏ ويعلمه الله ‏ـ تعالى ـ‏ والسر هو ماحدَّث الانسان به غيره في خفاء‏,‏ والذي يعلمه صاحبه ومن أسرَّ به اليه ويعلمه الله‏,‏ ويجهله من لم يسمع به‏,‏ والأخفى هو الأخفى من السر‏,‏ وقد يشير إلى الخواطر النفسية التي لايحدِّث المرء بها غيره، أو مايُعرف باسم حديث النفس‏,‏ أو هو مااستقر في العقل الباطن ولايدري به صاحبه ولكن الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ يعلمه؛ لأنه‏ ـ‏ سبحانه‏ ـ‏ علام الغيوب ‏.‏ ‏
(4)‏ " قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ‏" (‏ طه‏:50)‏ وهي إشارة إلى حقيقة الخلق وربوبية الخالق‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ وإلى السنن الحاكمة لكل صغيرة وكبيرة في هذا الكون، وهي كلها من أمر الله وهدايته ‏.‏
‏(5)‏ " الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى .‏ كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي النُّهَى . مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى "‏ (‏طه‏:53‏ ـ‏55)‏ وفي هذه الآيات الكريمة إشارات إلى تمهيد الأرض‏,‏ وشق السبل فيها‏,‏ وإنزال الماء من السماء في دورته حول الأرض‏,‏ وإخراج مئات الآلاف من أنواع النبات المختلفة‏,‏ وكلها في زوجية واضحة‏,‏ وهي سنة عممها ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ‏ على جميع خلقه حتى يبقى متفرداً بالوحدانية المطلقة دون سواه‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ ثم تأمر الآيات الانسان بالأكل مما خلق له الله‏ ـ تعالى ـ من هذه النباتات‏,‏ ويرعى فيها أنعامه‏,‏ وأن يتأملها بنظرة العاقل البصير؛ لأن في كل منها آيات لأولي النهى .
وتؤكد الآيات خلق الخلق من الأرض‏,‏ ودفنهم فيها‏,‏ وحتمية اخراجهم منها‏ .‏ ‏
(6)‏ الإشارة إلى معجزة شق البحر لنبي الله موسى‏ ـ عليه السلام‏ ـ‏ ولمن آمن معه‏,‏ والمعجزات خوارق للسنن‏,‏ وبالتالي لاتستطيع العلوم المكتسبة تفسيرها‏,‏ ولكن من رحمة الله بخلقه أن يترك لهم عدداً من الآثار الحسية المترتبة على وقوع المعجزة حتى يمكنهم التسليم بوقوعها‏,‏ وياليتنا نهتم بتحقيق تلك الشواهد الحسية وبإبرازها للناس على هيئة ورقة دعوية مقنعة في زمن العلم الذي نعيشه‏ .‏

‏(7)‏ وصف مصير الجبال في الآخرة وصفاً علمياً دقيقاً‏,‏ وإن كنا نؤمن بأن الاخرة لها من السنن والقوانين مايغاير سنن الدنيا تماما‏ًً,‏ إلا أنه من رحمة الله بنا أن يبقي لنا من الشواهد الحسية في صخور الأرض‏,‏ وفي صفحة السماء ما يؤكد إمكانية حدوث ما وصفه الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ في الآخرة‏ . وفي وصف نهاية الجبال في الاخرة يقول ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ‏ في سورة طه مانصه‏ :‏ " وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً ‏ . فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً. لاَ تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَلاَ أَمْتاً ‏" (‏طه‏:105‏ ـ‏107)‏ ونحن نرى في حياتنا الدنيا أن الجبال تتكون بعمليات الطي ‏(‏العوج‏)‏،أو عمليات التصدع ومالها من صفات رفع سطح الأرض وخفضه ‏(‏الأمت‏),‏ وقد تشترك العمليتان في تشكيل العديد من جبال الأرض اليوم‏,‏ وهي حقائق لم تُدرك إلا بعد تطور المعارف العلمية في مجال علوم الأرض عبر القرنين الماضيين‏,‏ وورودها في كتاب أنزل من قبل أربعة عشر قرنا‏ًً,‏ على نبي أمي ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ‏ وفي أمة كانت غالبيتها الساحقة من الأميين لمما يجزم بأن القرآن الكريم لا يمكن ان يكون صناعة بشرية‏,‏ بل هو كلام الله الخالق‏,‏ الذي أنزله بعلمه‏,‏ على خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ وتعهد‏ ـ سبحانه وتعالى ـ‏ بحفظه كلمة كلمة‏,‏ وحرفاً حرفا‏ًً,‏ فحفظ‏‏ في نفس لغة وحيه ـ‏ اللغة العربية‏ ـ ولذلك بقي محتفِظاً بجلال الربوبية الذي يتلألأ بين آياته وكلماته‏,‏ وبعدد من صفاته التي تشهد بإعجازه، ومن أوضحها الآيات الكونية في هذا الكتاب العزيز الذي قال عنه ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ :‏ " إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ‏" (‏ الحجر‏:9)‏.

وكل آية من هذه الآيات الكونية التي أنزلها ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ‏ في سورة طه تحتاج إلى معالجة خاصة‏,‏ ولذلك فسوف أقصر حديثي هنا على النقطة الثانية من القائمة السابقة‏,‏ والتي جاءت في الآية السادسة من سورة طه‏,‏ وقبل البدء في ذلك لابد من استعراض سريع لأقوال عدد من المفسرين في شرح دلالة هذه الآية الكريمة‏ .‏


من أقوال المفسرين :
في تفسير قوله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ :‏
" لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى" (‏ طه‏:6)‏.
 ذكر ابن كثير ـ رحمه الله‏ ـ مامختصره‏ : ...‏ وقوله‏ : " لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى ‏ "‏ أي الجميع ملكه وفي قبضته‏,‏ وتحت تصرفه ومشيئته‏,‏ وإرادته وحكمه‏,‏ وهو خالق ذلك ومالكه‏,‏ وإلهه لا إله سواه‏,‏ وقوله‏ : "‏ وَمَا تَحْتَ الثَّرَى ‏ "‏ قال محمد بن كعب‏ :‏ أي ماتحت الأرض السابعة‏... (انتهى قول ابن كثير)‏
وجاء في تفسير الجلالين‏ ـ‏ رحم الله كاتبيه‏ ـ مانصه ‏:.. " لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا "‏ من المخلوقات . ‏"‏ وَمَا تَحْتَ الثَّرَى ‏" هو التراب الندي‏,‏ والمراد الأرضون السبع؛ لأنها تحته‏..‏ (انتهى قول المفسر)
 وذكر صاحب الظلال ـ رحمه الله رحمة واسعة‏ ـ‏ مانصه‏ :‏ ‏..‏ ومع الهيمنة والاستعلاء الملك والإحاطة‏ : "‏ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى "..‏ والمشاهد الكونية تستخدم في التعبير لإبراز معنى الملك والإحاطة في صورة يدركها التصور البشري ‏.‏ والأمر أكبر من ذلك جدا‏ًً .‏ ولله مافي الوجود كله، وهو أكبر مما في السماوات وما في الأرض ومابينهما وماتحت الثرى ‏..‏ (انتهى قول المفسر) ‏‏
وجاء في صفوة البيان لمعاني القرآن‏ ـ‏ رحم الله كاتبها‏ ـ‏ مانصه‏ :‏ ‏.."‏ وَمَا تَحْتَ الثَّرَى " الثرى‏:‏ التراب الندي‏.‏ يقال‏:‏ ثريت الأرض ـ كرضيت ـ ثرى فهي ثرية‏,‏ إذا نديت ولانت بعد الجدوبة واليبس‏,‏ والمراد‏:‏ ماوراء الثرى، وهو تخوم الأرض إلى نهايتها‏,‏ وخص بالذكر مع دخوله في قوله ‏: "‏ وَمَا فِي الأَرْضِ " لزيادة التقرير ‏.‏ (انتهى قول المفسر)
 وذكر أصحاب المنتخب في تفسير القرآن الكريم‏ ـ‏ جزاهم الله خيراً‏ ـ‏ مانصه‏ :‏ له ـ وحده ـ سبحانه ملك السماوات ومافيها والأرض وماعليها‏,‏ وملك مابينهما‏,‏ وما اختبأ في الأرض من معادن وخيرات ‏.‏ (انتهى قول المفسر)
‏ وجاء في صفوة التفاسير‏ ـ جزى الله كاتبها خيرا‏ًً) ـ‏ مانصه‏ :..‏ "‏ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى " أي له ـ سبحانه ـ ما في الوجود كله‏:‏ السماوات السبع‏,‏ والأرضون ومابينهما من المخلوقات‏,‏ وماتحت التراب من معادن ومكنونات‏,‏ الكل ملكه وتحت تصرفه وقهره وسلطانه‏..‏ (انتهى قول المفسر)



من الدلالات العلمية للآية الكريمة:
أولاً ‏:"‏ مَا فِي السَّمَوَاتِ "‏:‏ السماء لغةً اسم مشتق من السمو بمعنى الارتفاع والعلو‏,‏ وعلى ذلك فإن سماء كل شيء أعلاه‏,‏ ولذلك قيل ‏:‏ كل ماعلاك فأظلك فهو سماء‏,‏ والسماء الدنيا هي كل مايقابل الأرض من الكون‏,‏ ويراد بها ذلك العالم العلوي من حولنا، والذي يضم الأجرام السماوية المختلفة الموجودة على هيئات متعددة، ومايوجد فيها، أو حولها، أو ينتج منها، أو عنها من مختلف صور الطاقة التي تملأ فسحة الكون بصورة واضحة جلية‏,‏ أو مستترة خفية ‏.‏
وقد خلق الله ـ‏ تعالى‏ ـ‏ السماء ـ وهو خالق كل شيء ـ ورفعها بغير عمد نراها‏,‏ وجعل لها عمَّاراً من الملائكة‏,‏ ومما لانعلم من الخلق‏,‏ وحرسها من كل شيطان مارد‏,‏ فهي محفوظة بحفظه‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ إلى أن يرث هذا الكون بما فيه ومن فيه ‏.‏
أما من الناحية الفلكية فإن علماء الفلك يقدرون الجزء المدرَك من الكون المرئي بأكثر من أربعة وعشرين بليوناً من السنين الضوئية (‏24‏ بليونا ‏× 9.5‏ مليون مليون كم‏=228‏ الف مليون مليون مليون كم )، وهذا كله في السماء الدنيا‏,‏ وهو دائم الاتساع بسرعات مذهلة إلى نهاية لايعلمها إلا الله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ وذلك لقوله ‏ـ‏ تعالى‏ ـ : "
وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ ‏..‏‏ " (‏الملك‏:5)‏ولقوله‏ ـ عز من قائل‏ ـ :‏ " وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ‏"(‏الذاريات‏:47)‏.

وهذا الجزء المدرك من الكون مبني بدقة بالغة‏,‏ وعلى نمط واحد‏,‏ يبدأ بتجمعات عدد من الكواكب‏,‏ والكويكبات‏,‏ والأقمار، والمذنبات‏,‏ والشهب‏,‏ والنيازك حول كل نجم من النجوم التي تنتظم بملايين الملايين في مجرات‏,‏ وتنتظم المجرات في مجموعات محلية‏,‏ ثم في الحشود المجرية‏,‏ ثم في تجمعات محلية للحشود المجرية‏,‏ ثم في حشود مجرية عظمى‏,‏ ثم في تجمعات محلية للحشود المجرية العظمى إلى ماهو أكبر من ذلك في تصاعد إلى نهاية لايعلمها إلا الله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ .‏
ويحصي العلماء في الجزء المدرك من السماء الدنيا أكثر من مائتي ألف مليون مجرة‏,‏ بعضها أكبر كثيراً من مجرتنا‏ ـ‏ مجرة الطريق اللبني‏,‏ درب اللبانة‏,‏ أو سكة التبانة‏ ـ‏ والبعض الآخر أصغر قليلاً منها‏,‏ وبالمجرات أيضا السدم بمختلف أشكالها وأحجامها‏,‏ والمادة الداكنة أو المادة الخفية ‏.‏
وتنتشر المادة بين النجوم‏,‏ وبين المجرات على هيئة سحب دخانية يغلب على تركيبها غاز الأيدروجين المحمل بهباءات متناهية الدقة من المواد الصلبة، وتتخلق النجوم من الدخان الكوني في داخل السدم‏ .‏ وللنجوم مراحل حياة من الميلاد والطفولة، إلى الشباب والكهولة‏,‏ ثم الشيخوخة والاحتضار لتعود إلى دخان السماء‏,‏ ومن مراحل النجوم ما يعرف باسم النجوم الابتدائية ـ‏ ومنها النجوم العادية‏ ـ ومنها العماليق الضخمة‏ ,‏ وعند انفجار النجوم العادية تتحول ـ‏ حسب كتلتها‏ ـ إلى العماليق الحمر، أو العماليق الحمر العظام‏,‏ وبعد ذلك تتحول العماليق الحمر إلى السدم الكوكبية والأقزام البيض‏,‏ ثم إلى المستعر الأعظم من النوع الأول ، ويتحول العملاق الأحمر الأعظم إلى المستعر الأعظم من النوع الثاني، ثم إلى النجم النيوتروني أو إلى الثقب الأسود حسب الكتلة الابتدائية للنجم‏ .‏
وهناك أيضاً أشباه النجوم، وهي أجسام ضئيلة الكثافة جداً، تنتشر على أطراف الجزء المدرك من السماء الدنيا، وتصدر موجات راديوية عالية‏,‏ وإن كان بعضها صامتاً لا يُصدر مثل تلك الموجات‏ .‏
وهذه الأجرام المعروفة لنا في الجزء المدرك من السماء الدنيا لا يعرف أحد من أهل العلم إن كانت معمورة بخلق من خلق الله أم لا‏,‏ ولكن الآية القرآنية الكريمة التاسعة والعشرين من سورة الشورى يقول فيها ربنا‏ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ : "
وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ  (‏الشوري‏:29)‏.
وهذه الآية الكريمة تشير إلى وجود خلق في السماوات ‏.‏ والعلوم المكتسبة لاتعرف إلا جزءاً يسيراً من السماء الدنيا‏,‏ ولولا أن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ قد أخبرنا في محكم كتابه أنه خلق سبع سماوات طباقاً، ما كان أمام الإنسان من وسيلة لإدراك ذلك‏,‏ والسماوات السبع وما فيها ومن فيها ملك لله الخالق‏ ـ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ وحده ‏.‏

ثانيا‏ًً :‏ "وَمَا فِي الأَرْضِ "‏
:‏ يقدر حجم الأرض بمائة وثمانية ملايين كيلو متر مكعب‏,‏ ومتوسط كثافتها بحوالي‏5.52‏ جم‏/‏ سم‏3,‏ تقدر كتلتها بحوالي الستة آلاف مليون مليون مليون طن‏,‏ والأرض بداخلها ست أرضين على النحو التالي ‏:‏
‏1‏ ـ الأرض الأولى ‏:‏ وتُمثل بقشرة الأرض الصلبة التي نحيا عليها‏,‏ ويتراوح سُمكها بين حوالي‏5‏ ـ ‏8‏ كيلو متراً تحت المحيطات‏ ,30‏ ـ ‏40‏ كيلو متراً في القارات‏ .‏
‏2‏ ـ الأرض الثانية‏ :‏ وتمثل بما دون القشرة من الغلاف الصخري للأرض، ويتراوح سُمكها بين‏70,60‏ كيلو متراً تحت المحيطات‏,‏ و‏80‏ و‏90‏ كيلو متراً تحت القارات ‏.‏
‏3‏ ـ الأرض الثالثة‏ :‏ وتُمثل بالجزء العلوي من وشاح الأرض، والذي يعرف باسم نطاق الضعف الأرضي، وتوجد فيه الصخور في حالة لدنة‏,‏ شبه منصهرة‏,‏ عالية الكثافة واللزوجة‏,‏ ويقدر سُمكها بحوالي‏280‏ كيلو مترا‏ًً (‏ من عمق‏120‏ كم إلى عمق‏400‏ كم‏)‏ .
‏4‏ ـ الأرض الرابعة‏ :‏ وتعرف باسم الجزء الأوسط من وشاح الأرض‏,‏ وتوجد فيه الصخور في حالة صلبة جامدة‏,‏ ويقدر سُمكها بحوالي‏270‏ كيلو مترا‏ًً (‏ من عمق‏400‏ كم إلى عمق‏670)‏ .
‏5‏ ـ الأرض الخامسة ‏:‏ وتعرف باسم الجزء السفلي من وشاح الأرض‏,‏ وتوجد فيه الصخور في حالة صلبة جامدة‏,‏ ويقدر سُمكها بحوالي ‏2215‏ كيلو مترا‏ًً (‏ من عمق‏670‏ كم إلى عمق‏2885‏ كم تحت مستوى سطح البحر‏)‏ .
6_الأرض السادسة :‏ وتعرف باسم لب الأرض السائل‏,‏ ويتكون أساساًً من الحديد ‏(90%)‏، والنيكل‏ (9%)‏، وقليل من العناصر الخفيفة‏ (1%)،‏ والكل في حالة منصهرة‏,‏ ويبلغ سُمك الأرض السادسة حوالي ‏(2270)‏ كيلو مترا‏ًً (‏ من عمق‏2885‏ كم إلى عمق‏5155‏ كم تحت مستويى سطح البحر‏) .‏
‏7‏ ـ الأرض السابعة‏ :‏ وتعرف باسم لب الأرض الصلب، وهو عبارة عن كرة مصمطة من الحديد‏ (90%)‏، والنيكل‏ (10%)‏، وبعض العناصر الخفيفة مثل الكبريت‏,‏ والفوسفور‏,‏ والكربون أو السيليكون‏(1%)‏، ويبلغ نصف قطر هذه النواة حوالي ‏(1216)‏ كيلو مترا‏ًً .‏
وعلى ذلك يقدر متوسط نصف قطر الأرض بحوالي ‏6371‏ كيلو مترا‏ًً,‏ ومتوسط محيطها بحوالي ‏40042‏ كيلو متراً‏,‏ ومساحة سطحها بحوالي‏510‏ ملايين كيلو متر‏ .‏
ويقدر حجم الغلاف المائي للأرض بحوالي ‏1.4‏ بليون كيلو متر مكعب‏,‏ تغطي مساحة ‏362‏ مليون كيلو متر مربع من مساحة سطح الأرض‏ تاركة ‏148‏ مليون كيلو متر مربع من اليابسة ‏.‏
ويحيا على سطح الأرض اليوم أكثر من ستة مليارات نسمة من الآدميين ترجع كلها إلى أب واحد هو آدم ـ‏ عليه السلام‏ ـ‏ وأم واحدة هي حواء ـ عليها رضوان الله‏ .‏
ويعيش على سطح الأرض وفي أوساطها المائية أكثر من مليون ونصف المليون نوع من أنواع الحياة‏,‏ بالإضافة إلى وجود كل سجل أحفوري لأكثر من ربع مليون نوع من الأحافير المنقرضة‏,‏ وبمعدل الاكتشافات السنوية لأنواع جديدة من أنواع الحياة المزدهرة اليوم‏,‏ والمنقرضة‏,‏ والتي تكتشف بقاياها في صخور الأرض على هيئة الأحافير‏,‏ يعتقد العلماء أن عدد أنواع الحياة على الأرض تصل إلى حوالي الخمسة ملايين نوع‏,‏ يمثل كلٌ منها في الماضي أو يمثل اليوم ببلايين الأفراد.
ويقدر أقل عمر للأرض بحوالي الخمسة بلايين من السنين ‏(4.600,000,000‏ سنة‏),‏ بينما يقدر عمر الكون بأكثر من عشرة بلايين من السنين‏,‏ ويقدر متوسط عمر الإنسان بحوالي الخمسين سنة تقريبا‏ًً .‏
والأرض بها العديد من الثروات المعدنية من مختلف العناصر‏,‏ والمركبات الكيميائية‏,‏ ومصادر الطاقة المتعددة‏,‏ ومصادر الماء‏,‏ والثروات النباتية والحيوانية ‏.‏
وغير ذلك مما نعلم وما لا نعلم من خيرات الله‏,‏ وينزل عليها سنوياً ملايين الأطنان من العناصر والمركبات‏,‏ والأشعات والطاقات‏ .‏
وهذا كله ملك لله وحده‏,‏ ومن فضله‏,‏ وكرمه‏,‏ وجوده وإحسانه‏ .‏

ثالثا‏ًً:‏"وَمَا بَيْنَهُمَا"
:‏ في عشرين آية قرآنية صريحة جاءت الإشارة إلى البينية بين السماوات‏ ـ على ضخامة أبعادها‏ ـ‏ والأرض ـ‏ على ضآلة أبعادها بالنسبة إلى الجزء المدرك من السماء الدنيا‏ ـ‏ وهذه البينية بالإضافة إلى شواهد عديدة من القرآن الكريم، ومن السنة النبوية المطهرة تشير إلى أن الأرض، وهي تضم السبع أراضين في هيئة كروية‏,‏ متطابقة يغلف الخارج منها الداخل فيها تقع في مركز السماوات السبع التي خلقت كذلك بهيئة كروية مغلفة يغلف الخارج منها الداخل ‏.‏
أما عن ما بين السماوات والأرض فهو حيز مكاني‏ - زماني، يفصل بين السماوات والأرض‏,‏ وهذا الحيز ملئ بمختلف صور المادة والطاقة‏,‏ ومسخر به السحاب بنص القرآن الكريم‏,‏ ومسخرة به الملائكة‏,‏ وربما غيرهم من خلق الله‏,‏ وأن الأوامر الإلهية المنزلة تتنزل عبر هذا الحيز الفاصل بين السماوات والأرض‏ .‏
وتشير العلوم المكتسبة إلى أن خلق السماوات والأرض بعملية كالتي تصفها نظرية الانفجار العظيم ـ‏ والتي يؤيدها القرآن الكريم‏ ـ‏ تشير إلى أن خلق كلٍ من المكان والزمان‏,‏ والمادة والطاقة قد تم في وقت واحد‏,‏ فلا يوجد‏ ـ‏ في الجزء المدرك لنا من الكون ـ‏ مكان بلا زمان‏,‏ ولا زمان بلا مكان‏,‏ كما لايوجد مكان وزمان بغير مادة وطاقة‏,‏ وعلى ذلك فالمادة والطاقة موجودتان بين كل أجرام السماء ، مثل مابين كلٍ من الأرض والشمس‏,‏ وما بينهما وبين بقية أفراد المجموعة الشمسية‏,‏ ثم شاءت إرادة الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ أن تُدحى الأرض بثورة براكينها‏,‏ فأخرج الله ـ‏ سبحانه‏ ـ‏ من داخل الأرض كلاً من غلافيها المائي والغازي‏,‏ والماء عاد بإرادة الله‏ ـ تعالى‏ ـ إلى الأرض، ودار حولها في دورة مذهلة‏,‏ وغازات الأرض حين اندفعت من داخل الأرض اختلطت بدخان السماء لتكون نطاقاً متميزاً عن كلٍ من الأرض والسماء، وهو ما أطلق عليه القرآن الكريم وصف مابين السماء والأرض؛ لأنه مغاير لكلٍ منهما‏,‏ وهذا النطاق يعرف اليوم باسم نطاق الرجع
‏(The Troposphere)
، وهو يمتد من سطح البحر إلى ارتفاع يختلف باختلاف النطق المناخية‏,‏ ويتراوح بين ‏6‏ كم و‏17‏كم‏,‏ ويتكدس فيه أكثر من ‏66%‏ من مادة الغلاف الغازي للأرض كله‏، وتتناقص فيه درجة الحرارة مع الارتفاع باستمرار حتى تصل إلى ستين درجة مئوية تحت الصفر فوق خط الاستواء‏,‏ ويعرف هذا المستوي باسم مستوى الركود الجوي‏؛ وذلك لتناقص الضغط الجوي فيه إلى حوالي عشر الضغط الجوي فوق مستوى سطح البحر ‏.‏
ويتركب هذا النطاق الفاصل بين السماوات والأرض أساساً من جزيئات النيتروجين‏ (‏بنسبة‏78.1%‏ بالحجم‏),‏ والأكسجين ‏(‏بنسبة‏21%‏ بالحجم‏),‏ والأرجون ‏(‏بنسبة‏0.93%‏ بالحجم‏),‏ وثاني أكسيد الكربون‏ (‏بنسبة‏0,03%‏ بالحجم‏),‏ وذلك بالإضافة إلى نسب ضيئلة من بخار الماء‏,‏ وآثار طفيفة من كلٍ من غازات الميثان‏,‏ وأول اكسيد الكربون‏,‏ وأكاسيد النيتروجين‏,‏ والأيدروجين‏,‏ والهيليوم‏,‏ والأوزون‏,‏ وبعض الغازات الخاملة مثل الأرجون ‏.‏ وهذا التركيب مغاير تماماً لتركيب المادة بين الكواكب الأخرى والنجوم‏,‏ ومغاير لتركيب الدخان الكوني الذي خُلقت منه السماوات والأرض ابتداء‏اً,‏ ومن هنا كانت الإشارة إليه من المعجزات العلمية في كتاب الله‏,‏ وفي سنة رسوله‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ الذي يروى عنه قوله الشريف‏ :‏ " سبحان الله عدد ماخلق في السماء‏,‏ سبحان الله عدد ماخلق في الأرض‏,‏ سبحان الله عدد ماخلق بينهما‏,‏ سبحان الله عدد ماهو خالق " .
 وهذا النطاق الفاصل بين السماوات والأرض بكل مافيه ومن فيه هو ملك كامل للذي فطر السماوات والأرض‏,‏ لاينازعه في سلطانه أحد من خلقه‏,‏ وليس له شريك في ملكه‏,‏ ولا شبيه من عباده‏,‏ ولا صاحبة‏,‏ ولا ولد ‏.‏

رابعاً ‏:‏ " وَمَا
تَحْتَ الثَّرَى " ‏:‏ احتار المفسرون في تفسير قوله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ : "‏ وَمَا تَحْتَ الثَّرَى "‏ فقال بعضهم : إن المقصود بذلك هو أن جميع الموجودات ملكه وخلقه‏,‏ وتحت قهره وسلطانه‏,‏ وقال آخرون‏ :‏ أي إن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ هو المالك لكل شيء من الخلق والعجائب ‏.‏
و‏(‏الثرى‏)‏ في اللغة : هو التراب الندي‏,‏ ومن المعروف علمياً أن التربة الدبالية‏ ـ‏ أي المحتوية على الدبال ـ وهو المادة السمراء التي تنشأ عن تحلل المواد العضوية ـ نباتية كانت أم حيوانية‏ ـ‏ لها قدرة عالية على الاحتفاظ بالماء‏,‏ وهي تربة غنية بمركبات معدنية عديدة، مثل نترات وكبريتات العناصر‏,‏ وهي جيدة التهوية‏,‏ وتعطي مابها من ماء بسهولة‏,‏ ونتيجة لذلك فقد ثبت أن هذه التربة‏,‏ وماتحتها من نطق قطاع التربة غنية جداًً بالكائنات الحية التي تسكنها ومن ذلك مايلي‏ :‏
‏(1) مجموعات من النباتات الدقيقة ومن البقايا الدقيقة للنباتات الكبيرة، وذلك مثل البكتيريا‏,‏ والفطريات‏,‏ والطحالب، وحبوب اللقاح‏,‏ وغيرها بمختلف أشكالها وهيئاتها‏,‏ ومن البكتيريا مايعمل على تثبيت النيتروجين‏,‏ أو الايدروجين‏,‏ أو ثاني اكسيد الكربون، أو الكبريت‏,‏ أو الحديد‏,‏ أو المنجنيز، أو غير ذلك من العناصر والمركبات التي تزيد من خصوبة التربة‏,‏ ومنها مايقوم بتكسير المواد الكربوهيدراتية‏,‏ أو السيليولوزية‏,‏ أو البروتينية‏,‏ أو الدهنية في البقايا العضوية الموجودة بالتربة، فتثريها بما يحتاجه النبات النامي فوقها من غذاء ‏.‏
‏(2)‏ مجموعات من الحيوانات المتباينة الأحجام والصفات، منها الدقيقة مثل الأوليات ‏(‏الطلائعيات‏),‏ والمتوسطة إلى الكبيرة مثل الديدان‏,‏ والرخويات‏,‏ والحشرات ويرقاتها‏,‏ والعناكب‏,‏ وبعض القشريات‏,‏ والفقاريات الحفارة‏,‏ وغيرها‏ .‏
وتقسم التربة عادة إلى ثلاثة نطق متميزة تعلو صخور الأرض التي استمدت منها بفعل عوامل التعرية المختلفة‏,‏ وهذه النطق هي من أعلى إلى أسفل على النحو التالي‏ :‏
‏(1) المنطقة العليا ‏(‏نطاق الثرى‏) :‏ وهي أكثر أجزاء التربة تعرية ورطوبة، وقد تمتد من سطح الأرض إلى الركام الصخري أو إلى الصخر غير المعرى ذاته‏،وتتجمع فيها بعض البقايا العضوية‏,‏ ولكن حركة الماء فيها من أعلى إلى أسفل تنزع منها كثيراً من محتواها الغذائي للنبات‏,‏ ويتراوح سمكها بين سنتيمترات قليلة إلى عشرات السنتيمترات‏ .‏
‏(2)‏ المنطقة الوسطى ‏(‏نطاق ماتحت الثري‏) :‏ وتمتد من قاعدة نطاق الثرى إلى عمق يصل إلى قرابة المتر‏,‏ وهي منطقة متوسطة التعرية، لكن حركة الماء من أعلى إلى أسفل حتى تصلها تثريها بالعديد من المركبات الكيميائية المهمة المنزوعة من منطقة الثرى، ولذلك فهي أغنى قطاعات التربة في الحياة‏ .‏
‏(3) النطاق الصخري‏:‏ وهو الذي استمد منه النطاقان العلويان مادتيهما بفعل عوامل التعرية بصورها المختلفة‏ .‏
وازدهار الحياة فيما تحت الثرى من التربة حقيقة لم تكن معروفة في زمن تنزل القرآن الكريم‏,‏ ولا لقرون متطاولة من بعده‏,‏ ووجود الإشارة إليها في القرآن الكريم يشهد له بأنه كلام الله الخالق‏,‏ ويشهد بالنبوة وبالرسالة للنبي الخاتم الذي تلقاه‏,‏ وبأنه كان موصولاً بالوحي‏,‏ ومعلمَّاً من قبل خالق السماوات والأرض‏,‏ فصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه، ومن تبع هداه، ودعا بدعوته إلى يوم الدين‏,‏ والحمد لله رب العالمين .