" وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ القُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا " (الأنعام‏:92) .


هذا النص القرآني المعجز جاء في مطلع النصف الثاني من سورة الأنعام‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ ومن طوال سور القرآن الكريم، إذ يبلغ عدد آياتها‏165‏ بدون البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود ذكر الأنعام فيها في أكثر من موضع ‏.‏ويدور المحور الرئيسي للسورة حول عدد من العقائد والتشريعات الإسلامية‏,‏ وقصص عدد من الأنبياء والمرسلين السابقين على بعثة سيدنا محمد ـ‏ صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏ ـ وقصص عدد من الأمم البائدة‏,‏ وعدد كبير من الآيات الكونية الدالة على طلاقة القدرة الإلهية‏ .‏ ويمكن إيجاز ذلك في النقاط التالية ‏:‏

أولاً :‏ من العقائد الإسلامية‏ :‏
‏(1)‏ الإيمان بالله الخالق‏,‏ الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور‏,‏ الإله الواحد الأحد‏,‏ الفرد الصمد‏,‏ الذي لم يلد‏ ولم يولد‏,‏ ولم يكن له كفواً أحد،‏ الإله الحق‏,‏ الذي لا إله غيره‏,‏ ولا معبود سواه‏,‏ مالك الملك‏,‏ ومحصي أعمال الخلق‏,‏ فاطر السماوات والأرض و قيومهما‏,‏ خالق الإنسان من طين‏,‏ ومحدد الأجل والرزق له‏,‏ وجامع الناس ليوم لا ريب فيه‏,‏ السميع العليم‏,‏ كاشف الضر‏,‏ ومنزل الخير‏,‏ القاهر فوق عباده‏,‏ الذي يطعِم ولا يطعَم‏,‏ والذي لا يشبهه أحد من خلقه‏,‏ ولا ينازعه أحد في ملكه‏,‏ ولا يشاركه أحد في سلطانه‏,‏ الباعث الشهيد‏,‏ البر الودود‏,‏ الغفور الرحيم‏,‏ بديع السماوات و الأرض‏,‏ رب كل شيء ومليكه‏,‏ خالق كل شيء ومبدعه‏,‏ والعليم بكل شيء من السر والعلن‏,‏ والقادر على كل شيء مهما عظم‏،‏ عالم الغيب والشهادة‏ الحكيم الخبير‏،‏ فالق الإصباح‏,‏ وفالق كلٍ من الحب والنوى‏,‏ مخرِج الحي من الميت‏,‏ ومخرِج الميت من الحي‏، ‏أحكم الحاكمين‏,‏ وأعدل العادلين‏,‏ وخير الفاصلين الذي لا يُردُّ بأسه عن القوم المجرمين‏,‏ الغني‏,‏ ذو الرحمة الواسعة التي لا تضيق بشيء‏،‏ منزل الكتاب‏،‏ ومرسل الأنبياء والمرسلين،‏ الذي يدرك الأبصار‏ ولا تدركه الأبصار‏‏ وهو اللطيف الخبير.
(2)‏ الإيمان بملائكة الله‏,‏ وكتبه‏,‏ ورسله‏,‏ وبخاتمهم أجمعين‏,‏ وبأنهم ما أرسلوا إلا مبشرين ومنذرين‏ .‏
(3)‏ الإيمان بعوالم الغيب التي أخبرنا بها‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ‏ دون الخوض في هذه العوالم الغيبية بغير علم ‏.‏
(4)‏ الإيمان بأن الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ بجوده‏,‏ وكرمه‏,‏ وإحسانه يجازي الحسنة بعشر أمثالها‏ (‏ إلى سبعمائة ضعف‏)‏ ، ولإيجازي السيئة إلا بمثلها .‏ ومن هنا كانت ضرورة التوبة وحسن الاستغفار‏ .‏
(5)‏ الإيمان بحتمية البعث‏,‏ وبحتمية الحساب والجزاء في الآخرة‏,‏ التي هي خلود بلا موت‏,‏ إما في الجنة أبداً أو في النار أبداً‏ .‏
ومن هنا كان وصف ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ للحياة الدنيا بأنها لعب ولهو كما جاء في قوله ‏ـ تبارك وتعالى‏ ـ :‏
" وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ "(‏الأنعام‏:32) .‏
(6)‏ اليقين بأن من عمل سوءاً بجهالة ممن يؤمنون بالله وبآياته ثم تاب من بعده وأصلح فإن الله غفور رحيم ‏.‏
(7)‏ الإيمان بأن الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ قد أتم وحيه‏ في القرآن الكريم‏,‏ رسالته الخاتمة‏,‏ وأنه‏ ـ‏ سبحانه ـ‏ قد أكمل دينه الذي أنزله لعباده"‏ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ‏ "‏ في هذه الرسالة الخاتمة‏,‏ ولذلك تعهد‏ ـ سبحانه وتعالى ـ بحفظها من التبديل والتحريف الذي تعرضت له كل الرسالات السابقة ‏.‏

ثانياً ‏:‏ من التشريعات الإلهية في سورة الأنعام‏ :‏
‏(1)‏
تحريم الشرك بالله‏ .‏
(2)‏ تحريم وقتل الأولاد من إملاق‏ ـ(‏ أي من فقر)‏ .
(3)‏ الأمر بالإحسان إلى الوالدين‏ .‏
(4)‏ تحريم قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ‏.‏
(5)‏ تحريم أكل مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده ‏.‏
(6)‏ الأمر بالتزام صراط الله المستقيم، وعدم اتباع السبل الملتوية فتتفرق بالناس عن سبيله‏,‏ فيضيعون في الدنيا‏,‏ ويذلون ويهلكون في الآخرة‏ .‏
(7) الأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة‏,‏ وبتقوى الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ في جميع الأحوال ‏.‏
(8)‏ تحريم الاقتراب من الفواحش ما ظهر منها وما بطن ‏.‏
(9)‏ الأمر بوفاء الكيل والميزان بالقسط‏,‏ وتحريم كل إخلال بذلك‏ .‏
(10)‏ الأمر بالعدل في القول‏,‏ وبالإخلاص في العمل‏،‏ وبالوفاء بعهود الله‏ .‏
(11) ‏تحريم أكل كل ما لم يذكر اسم الله عليه وما أهل لغير الله به،‏ وكذلك تحريم أكل الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير إلا من اضطُّر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم‏ .

ثالثاً ‏:‏ من قصص الأمم البائدة ‏:
‏(1)‏ جاء ذكر عدد من أنبياء الله ورسله السابقين على بعثة النبي والرسول الخاتم ـ‏ صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏ ـ وهم‏:‏ نوح‏,‏ إبراهيم‏,‏ لوط‏,‏ إسماعيل‏,‏ إسحاق‏,‏ يعقوب‏,‏ داود‏,‏ سليمان‏,‏ أيوب‏,‏ يوسف‏,‏ ى,‏ هارون‏,‏ زكريا‏,‏ يحيى‏,‏ عيسى‏,‏ إلياس‏,‏ اليسع‏,‏ ويونس‏ ـ‏ على نبينا وعليهم جميعاً من الله أفضل الصلاة وأزكى التسليم .‏
(2) وصف عناد الأمم الكافرة الباغية‏,‏ ورفضها لآيات ربها‏,‏ وإعراضها عنها‏,‏ على الرغم من إهلاك أمثالها من الأمم السابقة عليها‏,‏ وقد استمرت البشرية في تكرار أخطائها إلى زمن خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم ولا تزال مستمرة في ذلك إلى زماننا الراهن‏,‏ وحتى قيام الساعة دون استخلاص للعبر‏‏ وأخذ للدروس ‏.‏
(3)‏ أكدت سورة الأنعام تحريف اليهود للتوراة‏,‏ وانحرافهم عن منهج الله‏,‏ كما أكدت تكامل كل رسالات السماء في القرآن الكريم الذي أنزله الله ـ‏ تعالى ـ‏ على خاتم أنبيائه ورسله لينذر به أهل مكة المكرمة ومن حولها أهل الأرض جميعا‏ًً .‏
(4) استنكار افتراء الكذب على الله‏,‏ والادعاء الباطل من قبل بعض المشعوذين بتلقي شيء من الوحي‏,‏ أو بالقدرة على الإتيان بشيء من مثل القرآن الكريم‏,‏ وهي افتراءات وادعاءات صاحبت مسيرة الكفر والشرك وغيرهما من الانحرافات البشرية عبر التاريخ‏‏ إلى زماننا الراهن‏ وحتى قيام الساعة ‏.

الآيات الكونية التي استعرضتها سورة الأنعام ‏:‏
‏(1)‏ خلق السماوات والأرض بالحق .‏
(2)‏ خلق الظلمات والنور ‏.‏
(3)‏ خلق الإنسان من طين‏,‏ وتحديد أجله‏(‏ زماناً ومكاناً‏) .‏
(4)‏ خلق كائنات تسكن بالليل وأخرى تسكن بالنهار‏ .‏
(5)‏ إثبات أن كل خلق من خلق الله يشكل أمة مثل أمة بني الإنسان ‏.‏
(6)‏ الإخبار من قبل ألف وأربعمائة سنة مضت بالتقدم العلمي والتقني المذهل الذي تحققه اليوم الأمم الكافرة‏,‏ وأن هذا التقدم دون التزام ديني‏ وأخلاقي وروحي سوف يكون وبالاً عليهم‏,‏ ومن أسباب إفنائهم والقضاء عليهم‏,‏ ونحن نرى بوادر ذلك الانهيار واضحة في مختلف أرجاء الأرض .‏
(7)‏ التأكيد على أن بالكون غيوباً مطلقة لا يعلمها إلا الله‏ .‏
(8)‏ التأكيد على حقيقة أن النوم صورة من صور الوفاة‏,‏ وأن اليقظة من النوم صورة مصغرة عن البعث بعد الموت‏ .‏
(9)‏ التأكيد على ظلمات كلٍ من البر والبحر‏,‏ بمعنى أن الظلمة هي الأصل في الكون‏,‏ وأن النور نعمة يمنُّ بها الخالق على خلقه ‏.‏
(10)‏ الإشارة إلى توسط موقع مكة المكرمة بالنسبة إلى اليابسة ‏.‏
(11)‏ التلميح إلى معجزة فلق كلٍ من الحب والنوى لحظة الإنبات ‏.‏
(12)‏ استخدام تبادل الليل والنهار في الإشارة اللطيفة إلى دوران الأرض حول محورها أمام الشمس .‏
(13)‏ تشبيه طلوع الصبح من ظلمة الليل بفلق الحبة أو النواة لإخراج السويقة والجذير منها لحظة الإنبات ‏.‏
(14)‏ الإشارة إلى الحكمة الإلهية من جعل الليل للسكن‏,‏ وجعل النهار لعمارة الأرض وللجري وراء المعايش ‏.‏
(15)‏ التأكيد على أن الشمس والقمر يجريان بنظام محكم دقيق يمكن الإنسان من حساب الزمن‏,‏ والتأريخ للأحداث‏,‏ وأداء العبادات والحقوق ‏.‏
(16)‏ خلق النجوم : ومن فوائدها للإنسان الاهتداء بها في ظلمات البر والبحر‏ .‏
(17)‏ الإشارة إلى خلق السلالة البشرية كلها من نفس واحدة ‏.‏
(18)‏ إخراج الحَب المتراكب من الخضر الذي يخلقه الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ داخل كل نباتات الحبوب ‏.‏
(19)‏ إخراج القنوان الدانية‏ ـ وهي العراجين المتدلية من النخل‏,‏ جمع قنو‏,‏ وهو العزق أو عنقود التمر‏ ـ من طلوع النخل، وهو أول ما يبدو من ثمر النخل، وهو يخرج كالكيزان ‏.‏
(20)‏ كذلك إخراج جنات من أعناب‏,‏ ومن الزيتون والرمان‏,‏ مشتبهاً وغير متشابه وذلك بإنزال الماء من السماء إلى الأرض‏,‏ واعتبار ثمره إذا أثمر وينعه من الآيات لقوم يؤمنون‏ .‏
(21)‏ إثبات أن التصعد في السماء‏ (‏ بغير وقاية حقيقية‏)‏ يجعل صدر الصاعد ضيقاً حرجاً ‏.‏
(22)‏ إخراج جنات من المعروشات وغير المعروشات‏,‏ والنخل والزرع مختلفاً أكله‏,‏ والزيتون والرمان متشابهاً وغير متشابه مما يؤكد طلاقة القدرة الإلهية الخلاقة‏ .‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى مدارسة خاصة بها‏,‏ ولذلك فسوف أقصر حديثي هنا على النقطة العاشرة فقط في القائمة السابقة ، ألا وهي توسط موقع مكة المكرمة لليابسة المستنتج من خطاب الحق ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ‏ الموجَّه إلى خاتم أنبيائه ورسله‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ بقوله‏ ـ عز من قائل‏ ـ :" وَلِتُنذِرَ أُمَّ القُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا‏ "
(الأنعام:92) ,‏ وهو المبعوث رحمة للعالمين‏ .‏ وقبل الدخول إلى ذلك لابد من الرجوع إلى أقوال عدد من كبار المفسرين‏,‏ من القدامى والمعاصرين‏,‏ في تفسير هذه الآية الكريمة‏ .‏


  • من أقوال المفسرين:
    في تفسير قوله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ :‏
    " وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ القُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ " ‏   (‏الأنعام‏:92)‏ .
    ذكر ابن كثير‏ ـ‏ يرحمه الله ـ‏ ما نصه‏: "‏ وَهَذَا كِتَابٌ‏ "
    يعني القرآن‏ ." أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ القُرَى"‏ يعني مكة‏ ." وَمَنْ حَوْلَهَا‏ " من أحياء العرب ومن سائر طوائف بني آدم من عرب وعجم‏,‏ كما قال في الآية الأخرى‏ : "‏ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً‏ " (الأعراف:158) ,‏ وقال‏ : " لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ ‏" (الأنعام:19) ,‏ وقال‏:" وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ‏ " (هود:17) ,‏ وقال‏: "‏ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً " (الفرقان:1) ,‏ وثبت في الصحيحين أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال‏ :"‏ أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي‏ "‏ وذكر منهن‏:"‏ وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة‏ " (رواه البخاري),‏ ولهذا قال‏ ربنا ـ تبارك وتعالى ـ :"‏ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ‏ "  أي كل من آمن بالله واليوم الآخر يؤمن بهذا الكتاب المبارك الذي أنزلناه إليك يا محمد وهو القرآن‏, " بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ‏ "‏ أي يقيمون بما فرض عليهم من أداء الصلوات في أوقاتها‏ .‏ (انتهى قول المفسر)
    وجاء في تفسير الجلالين‏ ـرحم الله كاتبيه‏ ـ‏ ما نصه‏: " وَهَذَا "‏
    القرآن‏ ."‏ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْه "‏ قبله من الكتب‏ ."‏ وَلِتُنذِرَ‏ " بالتاء والياء‏,‏ عطف على معنى ما قبله‏ ,‏ أي‏:‏ أنزلناه للبركة والتصديق ولتنذر به‏ . "‏ أُمَّ القُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا‏ " أي‏:‏ أهل مكة وسائر الناس، والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون خوفاً من عقابها ـ أي خوفا من عقاب تاركها ـ‏ وخص الصلاة بالذكر لأنها أشرف العبادات وأفضلها بعد الإيمان ‏.‏ (انتهى قول المفسر)
    وجاء في الظلال‏ ـ‏ رحم الله كاتبها برحمته الواسعة‏ ـ‏ ما نصه‏: إنها سنة من سنن الله أن يرسل الرسل‏,‏ وأن ينزل الله عليهم الكتب‏,‏ وهذا الكتاب الجديد‏,‏ الذي ينكرون تنزيله‏,‏ هو كتاب مبارك‏ ، وصدق الله‏ ، فإنه والله لمبارك . " مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْه "
    فهو يصدق ما بين يديه من الكتب التي نزلت من عند الله في صورتها التي لم تحرف‏,‏ لا فيما حرفته المجامع وقالت‏‏ إنه من عند الله .
    فأما حكمة إنزال هذا الكتاب‏,‏ فلكي ينذر به الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أهل مكة ـ أم القرى ـ وما حولها‏"‏ وَلِتُنذِرَ أُمَّ القُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا‏ "
    وسميت مكة أم القرى لأنها تضم بيت الله الذي هو أول بيت وضع للناس؛ ليعبدوا الله فيه وحده بلا شريك‏,‏ وجعله مثابة أمن للناس وللأحياء جميعاً‏,‏ ومنه خرجت الدعوة العامة لأهل الأرض‏,‏ ولم تكن دعوة عامة من قبل ‏.‏ (انتهى قول المفسر)
    وذكر صاحب صفوة البيان لمعاني القرآن ـ رحمه الله‏ ـ‏ ما نصه‏: "‏ مُبَارَكٌ "‏
    القرآن‏ . " أُمَّ القُرَى‏ "‏ مكة والمراد أهلها‏،‏ وسميت بذلك لأنها قبلة أهل القرى ومحجهم‏ ."‏وَمَنْ حَوْلَهَا‏‏ "‏ من أهل المشارق والمغارب‏;‏ لعموم بعثته صلى الله عليه وسلم للناس كافة ‏.‏ (انتهى قول المفسر)
    وذكر أصحاب المنتخب في تفسير القرآن الكريم‏ ـ‏ جزاهم الله خيرا‏ًً ـ‏ ما نصه ‏:‏ وهذا القرآن كتاب أنزلناه ـ كما أنزلنا التوراة ـ كثير الخير‏,‏ باقٍ إلى يوم القيامة‏,‏ مصدق لما تقدمه من الكتب المنزلة‏,‏ مخبر عن نزولها‏,‏ لتبشر به المؤمنين‏,‏ وتخوف الكفار من أهل مكة ومن حولها في جميع أنحاء الأرض من غضب الله‏,‏ إذا لم يذعنوا له‏,‏ والذين يصدقون بيوم الجزاء يحملهم رجاء الثواب والخوف من العقاب على الإيمان به‏,‏ وهم لذلك يحافظون على أداء صلاتهم كاملة مستوفاة ‏.‏ (انتهى قول المفسر)
    وجاء في صفوة التفاسير‏ ـ جزى الله كاتبه خيرا‏ًً ـ‏ ما نصه‏ : أي وهذا القرآن الذي أنزل على محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ مبارك كثير النفع والفائدة‏ ."‏ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْه "‏
    أي يصدق أصول كتب الله المنزلة كالتوراة والإنجيل ـ في أصولهما الصحيحة ـ‏"‏ وَلِتُنذِرَ أُمَّ القُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا‏‏ "‏ أي لتنذر به يا محمد أهل مكة ومن حولها، وهم سائر أهل الأرض قاله ابن عباس‏ ."‏ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ" أي والذين يصدقون بالحشر والنشر يؤمنون بهذا الكتاب لما انطوى عليه من ذكر الوعد والوعيد، والتبشير والتهديد . ‏"‏ وَهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ "‏ أي يؤدون الصلاة على الوجه الأكمل في أوقاتها‏,‏ قال الصاوي‏:‏ خص الصلاة بالذكر لأنها أشرف العبادات‏ . (انتهى قول المفسر)

    توسط مكة المكرمة لليابسة يفسر دلالة النص القرآني أم القرى ومن حولها ‏:
    كانت حركة الاستشراق في جذورها حركة استخبارية‏,‏ تجسسية حقيرة‏,‏ معادية للإسلام والمسلمين‏,‏ حريصة على تصيد كل فرصة لمهاجمة دين الله الخاتم بدون وجه حق‏,‏ ومن القضايا التي أثاروها ـ زوراً ـ اقتطاع هذا النص الكريم الذي نحن بصدده" وَلِتُنذِرَ أُمَّ القُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا "
    من القرآن كله وقصره على أهل مكة وبعض القرى من حولها‏,‏ واعتباره معارضاً للعديد من النصوص القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة التي تؤكد عالمية الرسالة الخاتمة ، مثل قول الحق ـ‏ تبارك وتعالى ـ مخاطباً خاتم أنبيائه ورسله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ :‏ " وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ"‏ (‏ الأنبياء‏:107)‏،وقوله‏ ـ عز من قائل‏ ـ :‏ " وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ‏ " (‏ سبأ‏:28) .‏
    وقول المصطفى ‏ـ صلى الله عليه وسلم ـ :‏ " أُعْطِيتُ
    خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي, وذكر منهن‏ وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً "‏.‏ (رواه البخاري)
    وفي محاولة علمية جادة لتحديد الاتجاهات الدقيقة إلى القبلة ـ أي إلى الكعبة المشرفة‏ ـ من المدن الرئيسية في العالم باستخدام الحاسوب ‏(‏ الكمبيوتر‏)‏ ذكر الأستاذ الدكتور حسين كمال الدين ـ رحمه الله برحمته الواسعة‏ ـ (‏ الذي شغل درجة الأستاذية لمادة المساحة بكلية الهندسة في عدد من الجامعات والمعاهد العليا مثل جامعات القاهرة‏,‏ وأسيوط‏,‏ والرياض‏,‏ وبغداد‏,‏ والأزهر الشريف‏,‏ والمعهد العالي للمساحة بالقاهرة‏)‏ أنه لاحظ تمركز مكة المكرمة في قلب دائرة تمر بأطراف جميع القارات‏,‏ أي أن اليابسة على سطح الكرة الأرضية موزعة حول مكة المكرمة توزيعاً منتظماً‏,‏ وأن هذه المدينة المقدسة تعتبر مركزاً لليابسة‏,‏ وصدق الله العظيم إذ يقول ‏:‏
    " وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِياًّ لِّتُنذِرُ أُمَّ القُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ لاَ رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ " (‏الشورى‏:7) .
  • قد ثبت علمياً أن القارات السبع التي تكون اليابسة على أرضنا في هذه الأيام كانت في الأصل قارة واحدة، ثم تفتتت بفعل الصداع والخسوف الأرضية إلى تلك القارات السبع التي أخذت في التباعد عن بعضها البعض ولا تزال تتباعد‏,‏ وبمتابعة جهود الأستاذ الدكتور حسين كمال الدين ـ رحمه الله برحمته الواسعة ـ وجدت أنه في كل الحالات واليابسة قطعة واحدة‏,‏ وبعد تفتتها إلى القارات السبع مع قربها من بعضها البعض ، وفي كل مراحل زحف هذه القارات ببطء شديد متباعدة عن بعضها البعض حتى وصلت إلى أوضاعها الحالية‏,‏ في كل هذه الحالات كانت مكة المكرمة دائماً في وسط اليابسة ‏.
    وقد ثبت علمياً أيضاً أن أرضنا في مرحلة من مراحلها الابتدائية كانت مغمورة غمراً كاملاً بالماء‏,‏ ثم فجَّر الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ قاع هذا المحيط الغامر بثورة بركانية عارمة عن طريق تصدع وخسف هذا القاع‏,‏ وأخذت الثورة البركانية تلقي بحممها فوق قاع هذا المحيط لتبني سلسلة من سلاسل جبال أواسط المحيطات‏,‏ ومع ارتفاع أعلى قمة في تلك السلسلة فوق مستوى سطح ماء هذا المحيط الغامر تكونت أول مساحة من اليابسة على هيئة جزيرة بركانية تشبه العديد من الجزر البركانية المتكونة في أواسط محيطات اليوم كجزر اليابان‏,‏ الفلبين‏,‏ إندونيسيا‏,‏ هاواي‏,‏ وغيرها‏ .‏
    ويروى عن رسول الله‏ ـ صلى الله عليه وسلم ـ قوله الشريف‏ :‏ " كانت الكعبة خشعة على الماء فدحيت منها الأرض " وهذا الحديث ذكره الهروي في غريب الحديث‏ (362/3)‏ وذكره الزمخشري في الفائق في غريب الحديث‏(371/1) ؛‏ وذلك لأن مدلوله العلمي سابق لزمانه بألف وأربعمائة سنة‏،‏ والخشعة هي الأكمة المتواضعة، فهل يمكن أن تكون أرض الكعبة المشرفة أول جزء من اليابسة ظهر فوق سطح المحيط الذي غمر الأرض في مراحلها الأولي؟ هذا سؤال لم تكتمل الإجابة عليه بعد‏ .‏

    خصوصية انتفاء الانحراف المغناطيسي عند خط طول مكة المكرمة :
    أضاف الأستاذ الدكتور حسين كمال الدين ـ رحمه الله رحمة واسعة ـ‏ في بحثه القيم المُعَنْوَن " إسقاط الكرة الأرضية بالنسبة لمكة المكرمة " والمنشور في العدد الثاني من المجلد الأول لمجلة البحوث الإسلامية الصادرة بالرياض سنة‏1396/1395‏ هـ ‏(‏ الموافق‏1976/1975‏ م‏)‏ أن الأماكن التي تشترك مع مكة المكرمة في نفس خط الطول‏(39,817‏ شرقا‏),‏ تقع جميعها في هذا الإسقاط على خط مستقيم‏,‏ هو خط الشمال الجنوب الجغرافي المار بها، أي إن المدن التي تشترك مع مدينة مكة المكرمة في خط الطول يكون اتجاه الصلاة فيها إلى الشمال أو الجنوب الجغرافي تماماً ، والمدن التي تتجه في الصلاة إلى الجنوب الجغرافي تبدأ من القطب الشمالي للأرض إلى خط عرض مكة المكرمة‏(437‏ و‏21‏ شمالا‏)،‏ وأما المدن التي تقع على خطوط العرض الممتدة من جنوب مكة المكرمة إلى القطب الجنوبي فإن اتجاه القبلة فيها يكون ناحية الشمال الجغرافي تماما‏ًً .‏
    وكذلك الحال على خط الطول المقابل لخط طول مكة المكرمة‏ ـ‏ وهو خط الطول المرقم‏ 183‏ و‏140‏ درجة غربا‏ًً ـ‏ فإن المدن الواقعة عليه تصح الصلاة فيها نحو الشمال الجغرافي أو الجنوب الجغرافي تماماً حسب موقع خط عرض كلٍ منها بالنسبة إلى خط عرض مكة المكرمة‏ ،‏ فالمدن الواقعة إلى الجنوب من خط العرض المقابل لخط عرض أم القرى ـ أي من خط عرض‏21,437‏ جنوباً إلى القطب الجنوبي ـ تتجه في صلاتها إلى الجنوب الجغرافي تماما‏ًً,‏ والمدن الواقعة شمالاً من خط العرض ذلك إلى القطب الشمالي تتجه في صلاتها إلى الشمال الجغرافي تماما‏ًً .‏
    أما المدينة الواقعة على خط الطول المقابل لمكة المكرمة تماماً وعلى خط عرضها تماماً فإن الصلاة تجوز فيها نحو أي من الشمال أو الجنوب الجغرافيين تماماً‏,‏ كما تجوز في كل الاتجاهات الأخرى شرقاً وغرباً‏,‏ وذلك لوقوع تلك المدينة على امتداد قطر الكرة الأرضية المار بمكة المكرمة‏ .‏
    معنى هذا الكلام أنه لا يوجد انحراف مغناطيسي عند خط طول مكة المكرمة‏ ، ‏وعند جميع الخطوط الموازية له‏‏ باستثناء حالة واحدة ‏.‏
    والسبب في ذلك أن قطبي الأرض المغناطيسيين في تجوال مستمر حتى يتم انقلابهما، فيصبح القطب الشمالي جنوباً والقطب الجنوبي شمالا‏ًً,‏ وعند ذلك يحدث الكثير من الكوارث الطبيعية واندثارات الحياة‏,‏ وقد ثبت حدوث مثل هذه الانقلابات المغناطيسية في تاريخ الأرض عدة مرات‏ .‏
    وتعلل المغناطيسية الأرضية بوجود مغناطيسي كبير يمر بمركز الأرض‏,‏ ويميل محوره حاليا بمقدار ‏11,5‏ درجة بالنسبة للمحور القطبي الجغرافي للكرة الأرضية‏,‏ ويُعتقد بأن هذا المجال المغناطيسي ناتج عن حركة لب الأرض المائع مع دوران كوكبنا حول محوره ‏.‏
    وعلى ذلك فإن الاتجاه المغناطيسي الذي يحدد بالبوصلة أو بغيرها من الأجهزة المساحية التي تستخدم الإبرة الممغنطة تختلف عن الاتجاه الحقيقي بزاوية تعرف باسم زاوية الانحراف المغناطيسي‏,‏ وهي تحدد على جميع أنواع الخرائط لكي يحسب الاتجاه الحقيقي بمعرفة كلٍ من الاتجاه المغناطيسي وزاوية الانحراف المغناطيسي‏ .‏
    ومن الثابت تاريخياً أن خط طول جرنيتش قد فرضته بريطانيا بالقوة إبان هيمنتها على العالم في سنة‏1884‏ م أثناء مؤتمر عقد في واشنطن‏/‏ كولومبيا لتحديد خط طول الأساس، وكان اختباراً سيئاً فرضته الهيمنة البريطانية الغاشمة في العقود المتأخرة من القرن التاسع عشر الميلادي؛ لأن زاوية الانحراف المغناطيسي في الجزر البريطانية كما قيست في سنة‏1972‏ كانت في حدود‏8,5‏ درجة إلى الغرب من الشمال، وهذه القيمة تتناقص بمعدل نصف درجة تقريباً كل أربع سنوات إذا بقيت تلك المعدلات ثابتة ،‏ يظهر ذلك خصوصية خط طول مكة المكرمة بانطباق الشمال المغناطيسي على الشمال الحقيقي‏,‏ ومن هنا كان اختيار الأستاذ الدكتور حسين كمال الدين ـ رحمه الله ـ لخط طول مكة المكرمة كخط طول أساسي للكرة الأرضية، وإعادة إسقاط خطوط طول الكرة الأرضية بدءاً منه ـ أي بالنسبة إلى مكة المكرمة ـ لتماثل خطوط الطول حول خط طول تلك المدينة المقدسة تماثلاً مذهلاً .
     وتذكر المراجع العلمية أن هناك خطاً من خطوط الطول يمر بمدينة سنسنائي أوهايو تتضاءل عنده زاوية الانحراف المغناطيسي إلى قرابة الصفر، ويعرف باسم خط انعدام زاوية الانحراف المغناطيسي
    ‏(The Agonicline) ،‏ وعلاقة هذا الخط بخط طول مكة المكرمة لم تدرس بعد‏ .‏

مكة المكرمة مركز الكون :
استقراءاً لآيات القرآن الكريم ولأحاديث خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلى الله عليه وسلم ـ يتضح بجلاء توسط مكة المكرمة بين السماوات السبع والارضين السبع، وهي حقيقة دينية لا يمكن للعلم الكسبي أن يصل إليها؛ وذلك لأن الإنسان لا يستطيع أن يرى من فوق سطح الأرض إلا شريحة صغيرة من السماء الدنيا ووسيلته في ذلك هي النجوم التي تزين السماء الدنيا وحدها لقول الحق‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ :" وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ "     (‏الملك‏:5)‏ .
ومن مبررات ذلك ما يلي ‏:‏
‏(1)‏ ورود ذكر الأرض في مقابلة السماء في عشرات الآيات القرآنية على ضآلة حجم الأرض إذا ما قورنت بالسماء، مما يشير إلى تميز موقع الأرض بالنسبة إلى السماء‏ .‏
(2)‏ إشارة القرآن الكريم إلى البينية الفاصلة للسماء أو السماوات عن الأرض‏ في عشرين آية صريحة‏,‏ وهذه البينية لا يمكن أن تتم مع تناهي الأرض في الضآلة وتناهي السماوات في الضخامة إلا إذا كانت الأرض في المركز بين السماوات السبع والارضين السبع‏ .‏
(3)‏ إشارة القرآن الكريم في سورة الرحمن إلى أقطار السماوات والأرض، وقطر أي شكل هندسي هو الخط الواصل بين طرفين من أطرافه مروراً بمركزه‏,‏ وإذا كانت أقطار السماوات والأرض واحدة، فلابد وأن تكون أرضنا في المركز من السماوات السبع ‏.‏
(4)‏ حديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي يرويه مجاهد‏ ـ‏ رحمه الله‏ ـ‏ عنه بقوله : " إن الحرم حرم مناء من السماوات السبع والارضين السبع "، ولفظة ‏(‏ مناء‏)‏ معناها القصد في الاتجاه والاستقامة مع كل من السماوات السبع والأرضين السبع ـ أي التواجد بينهما‏ ـ‏ وعلى استقامة مراكزها ، وتأكد ذلك بإثبات توسط الكعبة المشرفة للأرض الأولى ـ أي اليابسة ‏.‏
(5)‏ حديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ المروي عنه بقوله‏:‏ " البيت المعمور منا مكة " ووصف ذلك البيت المعمور في حديث آخر يروى عنه‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ بقوله : " هو بيت في السماء السابعة على حيال الكعبة تماما حتى لو خر لخر فوقها‏ " .‏
من ذلك كله تتضح ومضة الإعجاز القرآني في قول الحق ـ  تبارك وتعالى‏ ـ‏ مخاطباً خاتم أنبيائه ورسله‏ ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " وَهَذَا
كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ القُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ "     (الأنعام-92) .
فتتضح وسطية أم القرى ليابسة الأرض، ومن هنا يكون المنذرون هم جميع أهل الأرض بلا استثناء‏,‏ ويتضح وضع الكعبة المشرفة في وسط الأرض الأولى ـ وهي اليابسة ـ ودونها ست أراضين‏,‏ ويحيط بذلك كله سبع سماوات، وفوق الكعبة المشرفة البيت المعمور ـ زادها الله تشريفاً وتعظيماً ‏.‏
والحمد لله على نعمة الإسلام والحمد لله على نعمة القرآن . وصل اللهم وسلم وبارك على النبي الخاتم الذي تلقاه، وعلى آله وصحبه، ومن تبع هداه، ودعا بدعوته إلى يوم الدين‏ .‏