" وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرَى "(النجم:47).


هذه الآية الكريمة جاءت في بداية الربع الأخير من سورة النجم‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ وعدد آياتها اثنتان وستون‏(62)‏ بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم‏ (‏النجم‏)‏ لاستهلالها بقسم من الله ـ‏ تعالى ـ‏ يقول فيه‏: ‏" وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى ‏" (‏ النجم‏:1)‏ .
وربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ غني عن القسم لعباده‏,‏ ولكن إذ جاءت الآية الكريمة بصيغة القسم كان في ذلك تنبيهاً لنا بأهمية المقسوم عليه، وهو هنا
" النَّجْمِ إِذَا هَوَى " ‏.‏
وفي تفسير ذلك قال بعض المفسرين‏ :‏ هو جبريل‏ ـ‏ عليه السلام ـ‏ في أول نزوله بالوحي‏,‏ وقال آخرون هو القرآن الكريم‏,‏ أو هو الثريا إذا سقطت مع الفجر‏,‏ أو‏‏ هي الشهب إذا رُجمت بها الشياطين التي تحاول استراق السمع على أهل السماء‏,‏ هي النجوم‏ ـ نجوم السماء ـ‏ على إطلاقها‏‏ ،  ومع تسليمنا بأن نص الآية الكريمة يحتمل كل ذلك ـ اتساقاً مع طبيعة الآيات الكونية في القرآن الكريم ـ إلا أن إشارته إلى إحدى الظواهر الكونية المهمة التي تتحول فيها النجوم في نهاية دورة حياتها إلى الدخان الكوني بالانفجار هي عندي أبلغ تفسير ‏.‏

وبعد هذا القسم الرباني العظيم بالنجم إذا هوى، يأتي جواب القسم تأكيداً من الله ـ‏ تعالى‏ ـ على صدق نبوة خاتم أنبيائه ورسله ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ وصدق الوحي الذي جاءه‏,‏ وبلغ به عن ربه في استقامة واعتدال تامين‏,‏ وأمانة بالغة هيأه الله‏ لها كما هيأها له‏ .‏ وفي جواب القسم تأكيد على وقوع معجزة الإسراء والمعراج التي كرَّم الله ـ تعالى ـ بها خاتم أنبيائه ورسله تكريماً لم ينله أحد من قبل ولا من بعد‏ .‏ وفي ذلك تقول الآيات في سورة النجم‏ :‏
" وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى . مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى . وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى . إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى . عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوَى . ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى . وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى . ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى . فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى . فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى . مَا كَذَبَ الفُؤَادُ مَا رَأَى . أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى . وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى . عِندَ سِدْرَةِ المُنتَهَى . عِندَهَا جَنَّةُ المَأْوَى . إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى . مَا زَاغَ البَصَرُ وَمَا طَغَى . لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الكُبْرَى "       (‏ النجم‏:1‏ ـ‏18) .
وسدرة المنتهي شجرة في السماء السابعة‏,‏ وإليها ينتهي كل ما يعرج به من الأرض فيقبض منها‏,‏ و ينتهي كل ما يهبط به من فوقها فيقبض منها‏ .‏
وإجماع المفسرين على أن هذه الآيات الكريمة تصف لقاء جبريل‏ ـ‏ عليه السلام‏ ـ بخاتم الأنبياء والمرسلين ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ .‏
ثم تتابع الآيات في سورة النجم باستنكار شرك المشركين‏,‏ وعبادتهم الأصنام والأوثان بدعوى أنها تقربهم إلى الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ زلفى‏,‏ وتنعي عليهم تطاولهم على الذات الإلهية بنسبة الملائكة ـ زوراً ـ إليه‏ ـ‏ سبحانه‏ ـ‏ وهم من خلقه‏,‏ واعتبارهم إناثاً ، وهو خوض بغير حق في أمور غائبة عنهم غيبة كاملة . وفي ذلك تقول الآيات‏ :‏
" أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى . وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى . أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى . تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى . إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الهُدَى " ‏ ‏        (النجم‏:19‏ ـ‏23) .
وكانت هذه الأصنام والأوثان الثلاثة ضمن عدد كبير من الطواغيت التي اتخذها مشركو العرب بيوتاً تُعظَّم ويُنحر عندها ‏,‏ وتُهدى إليها الهدايا‏ ,‏ ويُطاف بها كما يطاف حول الكعبة تماما‏ًً ,‏ مع إدراكهم فضل الكعبة المشرفة على أصنامهم وأوثانهم‏,‏ بصفتها أول بيت وضع للناس في الأرض‏,‏ وقد حرم الله ‏ـ تعالى ـ‏ بلدتها يوم خلق السماوات والأرض‏,‏ ثم رفع قواعد البيت كلٌ من نبي الله إبراهيم وولده البِكر نبي الله إسماعيل‏ ـ‏ على نبينا وعليهما من الله تعالى أفضل الصلاة وأزكى التسليم .‏
وتستمر الآيات في استنكار شرك المشركين فتقول ‏:
" أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّى . فَلِلَّهِ الآخِرَةُ وَالأُولَى . وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَـاءُ وَيَرْضَى . إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ المَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنثَى . وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئاً "         ‏(‏النجم‏:24‏ـ‏28) .‏
وتؤكد هذه الآيات أن الإنسان لايحصل على كل ما يتمناه‏؛‏ لأن أمر كلٍ من الدنيا والآخرة هو بيد الله رب العالمين‏,‏ واهب النعم‏,‏ ومجري الخيرات‏,‏ وتتساءل الآيات‏ :‏ إذا كان الملائكة المقربون لا يملكون الشفاعة إلا بإذن من الله ‏ـ تعالى‏ ـ‏ لمن يشاء ويرضى منهم‏,‏ فكيف يتخيل المشركون إمكانية شفاعة أصنامهم وأوثانهم وأندادهم التي زعموها بغير دليل‏,‏ وأشركوها في عبادة الله‏ ـ سبحانه وتعالى‏ ـ ,‏ أو عبدوها من دونه ‏؟ .
وتعتب الآيات على هؤلاء المشركين جورهم وانحرافهم وغرورهم باختيارهم الذكور لأنفسهم‏ ,‏ وادعاء الأنوثة للملائكة‏ ,‏ ونسبتهم ـ زوراً وبهتاناً ـ إلى الله‏ ـ تعالى ـ ,‏ وهو‏ ـ‏ سبحانه‏ ـ‏ المنزَّه عن الشريك ‏,‏ والشبيه ‏,‏ والمنازع‏ ,‏ والصاحبة ‏,‏ والولد‏؛‏ لأن هذه كلها من صفات المخلوقين‏,‏ والله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ مغاير لجميع صفات خلقه‏.‏ وهذه الادعاءات الباطلة من الكفار والمشركين نابعة من ظنهم السيئ‏,‏ والظن لايغني من الحق شيئا‏ًً .‏
وبعد ذلك تنطق الآيات بأمر من الله ـ‏ تعالى ـ‏ إلى خاتم أنبيائه ورسله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ‏ والأمر إليه ينسحب على جميع المؤمنين برسالته من بعده‏,‏ ويتضمن الأمر الإلهي ضرورة الإعراض عن الجاهلين من الكفار والمشركين‏,‏ وعن جميع الذين تولوا عن ذكر الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ وأغرقوا أنفسهم إلى الآذان في الحياة الدنيا، فضلوا عن سبيل الله‏,‏ وفي ذلك تقول الآيات ‏:
" فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الحَيَاةَ الدُّنْيَا . ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ العِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى  "  ‏  (‏ النجم‏:30,29)‏ .
وتعاود الآيات في سورة النجم التأكيد على أن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ هو رب كل شيء ومليكه‏,‏ وهو‏ ـ‏ سبحانه ـ الحكم العدل الذي يجازي كلاً بعمله‏,‏ ويعفو عن صغائر الذنوب ويغفرها‏,‏ ويستر فاعليها إذا تابوا وأقلعوا عنها‏؛ لأن رحمة الله واسعة‏ ,‏ ومغفرته عظيمة‏ ,‏ وهو‏ ـ سبحانه وتعالى‏ ـ أعلم بخلقه من علم خلقه بأنفسهم ‏,‏ وفي ذلك تقول الآيات‏ :‏
" وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى . الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ المَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلاَ تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى "      (النجم‏:32,31)‏ .
وبذلك ينتهي الشوط الأول من سورة النجم ‏,‏ ويأتي الشوط الثاني على هيئة عدد من التساؤلات التقريرية‏ ,‏ التقريعية‏ ,‏ التوبيخية لكل كافر‏,‏ ومشرك ‏,‏ ومتشكك‏ ,‏ محذرة إياهم من التولي عن طاعة الله‏,‏ أو الإقلال منها ‏,‏ أو الانقطاع عنها‏ ,‏ ومثبتة عدداً من الحقائق الدينية‏ ,‏ والكونية ‏,‏ والصفات الإنسانية‏,‏ والأحداث التاريخية‏ ,‏ ومنذرة بفجائية الآخرة فتقول‏ :  
" أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى . وَأَعْطَى قَلِيلاً وَأَكْدَى . أَعِندَهُ عِلْمُ الغَيْبِ فَهُوَ يَرَى . أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى . وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى . أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى . وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى . وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى . ثُمَّ يُجْزَاهُ الجَزَاءَ الأَوْفَى . وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ المُنتَهَى . وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى . وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا . وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى . مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى . وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرَى . وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى . وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى . وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الأُولَى . وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى . وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى . وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى . فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى . فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى . هَذَا نَذِيرٌ مِّنَ النُّذُرِ الأُولَى . أَزِفَتِ الآزِفَةُ . لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ "       (النجم‏:33‏ـ‏58) .
وتختتم سورة النجم بخطاب إلى كفار ومشركي قريش ‏,‏ والخطاب موجه إلى كل كافر ومشرك ومتشكك في بعثة النبي الخاتم في زمانهم ومن بعدهم حتى قيام الساعة ‏,‏ وهذا الخطاب الإلهي يستنكر تكذيب المكذبين للقرآن الكريم ‏,‏ كما يستنكر استهانتهم بالأمر‏ ,‏ وأخذهم إياه بغير مأخذ الجد ‏,‏ ويأمر كل مستمع لهذه الآيات بالسجود لله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ طاعة وعبادة‏ ,‏ في خشية وخضوع وانكسار وخشوع، فتقول معاتبة أهل الكفر والشرك والضلال‏ :‏
" أَفَمِنْ هَذَا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ . وَتَضْحَكُونَ وَلاَ تَبْكُونَ . وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ . فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا "      (‏النجم‏:59‏ـ‏62) .     
                           
    
من ركائز العقيدة في سورة النجم :

‏(1)‏ الإيمان بالله‏ ـ‏ تعالى ‏ـ‏ رباً واحداً أحدا‏ًً ‏بغير شريك ‏,‏ ولا شبيه ‏,‏ ولا منازع‏ ,‏ ولا صاحبة ولا ولد ‏؛‏ لأن هذه كلها من صفات المخلوقين، والله ـ تعالى ـ منزه عن جميع صفات خلقه،‏ واليقين بأن لله الآخرة والأولى ‏,‏ وأن إليه منتهى كل شيء‏ ,‏ وأنه‏ " ..‏ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى " ‏,‏ وأن له‏ ـ سبحانه‏ ـ‏ ما في السماوات وما في الأرض " ‏...‏ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى " ‏,‏ وأنه‏ ـ‏ تعالى‏ ـ واسع المغفرة‏,‏ وأنه أعلم بخلقه إذ أنشأهم من الأرض، وإذ هم أجنة في بطون أمهاتهم ‏.‏
‏(2)‏ الإيمان بملائكة الله‏,‏ وكتبه‏,‏ ورسله‏,‏ وباليوم الآخر ‏.‏
‏(3)‏ التصديق
بنبوة النبي الخاتم والرسول الخاتم ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ وبرسالته التي ختمت بها رسالات السماء‏,‏ ولذلك تعهد ربنا‏ ـ تبارك وتعالى ـ بحفظها فحفظت على مدى الأربعة عشر قرناً الماضية‏,‏ وإلى أن يرث الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ الأرض ومن عليها ‏.‏
‏(4)‏ إنكار شرك المشركين بالله ـ‏ تعالى ـ‏ والإصرار على مجانبتهم في أمور الدين ‏.‏
‏(5)‏ الإيمان بالغيب المطلق‏,‏ والتوقف عن الخوض فيه بغير ما أنزل الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ وماتكلم به خاتم أنبيائه ورسله‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ .‏
‏(6)‏ التسليم بأن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ هو خالق كل شيء‏,‏ وأنه‏ ـ سبحانه وتعالى‏ ـ " خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى . مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى‏ . وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرَى ‏" (النجم:45ـ46) .‏
‏(7)‏ التصديق بمعجزة الإسراء والمعراج‏,‏ وبكل ما ذكره المصطفى ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ‏ عنها. ‏‏(8)‏ اليقين بأن شفاعة الملائكة لاتغني شيئا " إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَـاءُ وَيَرْضَى "‏ (النجم:26) .‏
‏(9)
الإيمان بحقيقة البعث والحساب والجنة والنار‏,‏ وبأنه‏ " لاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى . وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى‏ .‏ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى .‏ ثُمَّ يُجْزَاهُ الجَزَاءَ الأَوْفَى "‏ (النجم:38ـ41) .
‏(10)‏ التصديق بما وقع للكفار والمشركين في الأمم السابقة من صور العذاب الذي سجَّله القرآن الكريم‏,‏ وأثبته خاتم الأنبياء والمرسلين ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ .‏
‏(11)‏ الإيمان بأن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ مستحق للشكر على نعمه العديدة‏,‏ وللحذر من نذره الكثيرة‏,‏ والاستعانة به على كل شدة‏,‏ ومن أخطرها أهوال الآخرة التي‏‏" لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ "‏ (النجم:58) ,‏ وأنه‏ ـ‏ تعالى ـ‏ مستحق للخضوع له وحده بالعبادة‏,‏ والسجود في خشوع وخضوع وطاعة ‏.‏


من الأوامر التعبدية والسلوكية في سورة النجم :
‏(1)‏ النهي عن اتباع الظن‏,‏ وماتهوى الأنفس‏؛ لأن ذلك لايغني من الحق شيئا‏ًً .‏
‏(2)‏ الأمر بالمداومة على عبادة الله ‏ـ تعالى‏ ـ بما أمر‏,‏ وبفعل الصالحات واجتناب السيئات‏ .‏
‏(3)‏ النهي عن مصاحبة الذين تولوا عن ذكر الله‏ ,‏ وغرقوا إلى آذانهم في أمور الحياة الدنيا ‏,‏ ونسوا أو تناسوا حقيقة الآخرة ‏,‏ وحتمية الحساب‏ ,‏ وعدل الجزاء‏ .‏
‏(4)‏ النهي عن تزكية النفس التي يعلم الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ دفينة مكنونها وتفاصيل خفاياها ‏.‏
‏(5)‏ النهي كذلك عن البخل‏ ,‏ وعن استغلال الآخرين ‏,‏ وعن المماراة بآلاء الله ‏,‏ وعن جحود نعمه العديدة على جميع خلقه‏ .‏


من الإشارات الكونية في سورة النجم :
‏(1)‏
الإشارة إلى موت النجوم بانفجارها‏"‏ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى‏ " (النجم:1) .‏
‏(2)‏
الرمز إلى ضخامة الكون بوصف الأفق بتعبير‏ "‏ الأُفُقِ الأَعْلَى " .‏
‏(3)‏ وصف البصر بأنه يزيغ ويطغى‏ ,‏ والإشارة إلى أن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ قد ميز الانسان بالقدرة على الضحك والبكاء ‏.‏
‏(4) ذكر‏ الآخرة والأولى‏ مما يؤكد حتمية فناء الكون وإعادة خلقه‏,‏ كما يؤكد حقيقة الغيب الذي تجري البحوث العلمية وراءه في محاولة لكشفه ‏.‏
‏(5)‏
التأكيد على إنشاء الإنسان من الأرض ‏,‏ وعلى خلقه في مراحل جنينية متتابعة في بطن أمه ‏.‏
‏(6)‏ إثبات حقيقة خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تُمنى ‏,‏ وهو سبق لكل المعارف العلمية التي لم تدرك هذه الحقيقة إلا في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي ‏(1186‏هـ‏/1775‏م‏) .‏
‏(7)‏ التأكيد على حتمية البعث‏ ,‏ وعلى أن الله‏ ـ تعالى ‏ـ‏ الذي أنشأ النشأة الأولى قد تعهد بالنشأة الأخرى‏ .‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة خاصة بها ‏,‏ ولذلك فسوف أقصر الحديث هنا على النقطة السابعة والأخيرة في القائمة السابقة، والتي جاء ذكرها في قول ربنا ‏ـ تبارك وتعالى‏ ـ :  
" وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرَى " (‏النجم‏:47).                                                       
وقبل البدء في ذلك أرى لزاماً عليَّ استعراض أقوال عدد من المفسرين في شرح دلالة هذه الآية الكريمة .


من أقوال المفسرين في تفسير قوله ‏ـ‏ تعالى‏ ـ :‏
" وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرَى "     (‏النجم‏:47) .  
ذكر ابن كثير ‏ـ رحمه الله‏ ـ‏ ما مختصره‏ : أي كما خلق البداءة هو قادر على الإعادة‏ ,‏ وهي النشأة الآخرة يوم القيامة ‏. (انتهى قول المفسر)‏
 وجاء في الظلال ـ رحم الله كاتبها برحمته الواسعة ـ ما مختصره‏ : والنشأة الأخرى غيب ‏,‏ ولكن عليه من النشأة الأولى دليل ‏،‏ دليل على إمكان الوقوع‏ ,‏ فالذي خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى‏ ,‏ قادر ـ ولاشك ـ على إعادة الخلق من عظام ورفات ‏، ودليل على حكمة الوقوع ‏. هذا التدبير الخفي الذي يقود الخلية الحية الصغيرة في طريقها الطويل الشاق حتى تكون ذكراً أو أنثى‏ ..‏ هذا التدبير لا بد أن يكون مداه أبعد من رحلة الأرض التي لايتم فيها شيء كامل‏,‏ ولايجد المحسن جزاء إحسانه كاملا‏ًً,‏ ولا المسيء جزاء اساءته كاملاً كذلك؛ لأن في حساب هذا التدبير نشأة أخرى يبلغ فيها كل شيء تمامه‏،‏ فدلالة النشأة الأولى على النشأة الأخرى مزدوجة ‏,‏ ومن هنا جاء ذكرها هكذا قبل النشأة الأخرى . (انتهى قول المفسر)‏
 وجاء في بقية التفاسير كلام مشابه لا أرى حاجة إلى تكراره ‏.‏



من الدلالات العلمية للآية الكريمة :
إن عملية النشأة الأولي‏ (‏أو الخلق‏)‏ بأبعاده الثلاثة‏:‏ خلق الكون‏,‏ خلق الحياة‏,‏ وخلق الانسان، تعتبر من الأمور الغيبية التي لم يشهدها أي من المخلوقات المكلفة ‏ـ الإنس أو الجن ـ وفي ذلك يقول ربنا ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ : 
" مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُداً "     (الكهف‏:51)‏ .
وعلى الرغم من ذلك فإن الله‏ ـ تعالى‏ ـ يطالب كل إنسان سوي بالنظر في أمر الخلق بمعيار العقل فيقول ـ عز من قائل‏ ـ :‏ " أَوَ لَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ . قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " ‏       (‏العنكبوت‏:20,19) .
والجمع بين هذه الآيات يشير إلى أنه على الرغم من الطبيعة الغيبية لعملية الخلق إلا أن الله ـ‏ تعالى‏ ـ‏ من رحمته بنا قد أبقى لنا في صخور الأرض‏,‏ وفي صفحة السماء من الشواهد الحسية مايمكن أن يعين الانسان ـ بقدراته المحدودة ـ على فهم كيفية الخلق إذا آمن بالخالق العظيم‏، وتجاوز هذه الحقيقة أو إغفالها يمكن أن يدفع بالانسان في أنفاق من الظلام لا خروج له منها مهما كان بيده من الشواهد الحسية‏ .‏
وإذا كان هذا هو الحال في النشأة الأولى‏ (أو الخلق)‏ على الرغم من معايشتنا لتجدده في حياتنا كل لحظة‏,‏ فإن الغيبة المطلقة للنشأة الأخرى‏ (‏أو البعث‏)‏ تكون أشد بالنسبة للإنسان‏,‏ لولا بيان الله‏ ـ‏ تعالى ‏ـ بحتميتها، وأمره لعباده بقياسها على النشأة الأولى ‏.‏
وفي ذلك يقول ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى ‏ـ :‏
‏(1)‏ " إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللَّهِ حَقاًّ إِنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ "         (‏يونس‏:4) .
(2) " ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي المَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي القُبُورِ
"          (الحج‏:7,6)‏ .                     
(3)‏ ويقول‏ ـ جل شأنه ـ :‏ " اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ " ‏    (‏الروم‏:11) .
(4)‏ ويكرر ذلك في نفس السورة بقوله العزيز‏ :‏  " وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ المَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ "      (الروم‏:27) .
(5)‏ ويعجب القرآن الكريم من استبعاد الكافرين لعملية البعث فيقول‏ :‏ " انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً . وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً "     (‏الإسراء‏:49,48)‏ .
(6)‏ ويتكرر المعنى في نفس السورة معتبراً إنكار البعث كفراً بالله ـ تعالى ـ فتقول ‏:‏ " ذَلِكَ جَزَاؤُهُم بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَئِـنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً "     (الإسراء‏:98) .
(7)‏
ويستشهد ربنا ‏ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ‏ بالنشأة الأولى على حتمية النشأة الآخرة ، فيقول‏ ـ‏ عز من قائل ـ :‏ " أَوَ لَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ . وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْيِي العِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ . قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ "    (‏يس‏:77‏ـ‏79) .

أحاديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ تشرح كيفية البعث‏ :‏
أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة‏ ـ رضي الله عنه ‏ـ‏ أن رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏  قال ‏:‏
‏(1) " كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب‏ ,‏ منه خلق وفيه يركب "‏.‏
‏(2)‏
"وليس من الانسان شيء إلا يبلى إلا عظماً واحداً هو عجب الذنب‏ ,‏ ومنه يركب الخلق يوم القيامة‏ " .‏
‏(3)‏ "إن في الإنسان عظماً لا تأكله الأرض أبداً فيه يركب يوم القيامة " قالوا‏ :‏ أي عظم هو يارسول الله ؟ قال ‏:‏ " عجب الذنب " ‏.‏
 وأخرج الإمام أبو داود في سننه عن أبي هريرة‏ ـ رضي الله عنه‏ ـ‏ أن رسول الله‏ ـ صلى الله عليه وسلم ‏ـ قال‏ :‏
" كل ابن آدم تأكله الأرض إلا عجب الذنب ‏,‏ منه خلق وفيه يركب " .
‏ وأخرج الإمام ابن حبَّان عن أبي سعيد الخدري ‏ـ‏ رضي الله عنه ‏ـ‏ أن رسول الله ‏ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ قال‏ :‏ " يأكل التراب كل شيء من الإنسان إلا عجب ذنبه " قيل‏ :‏ وماهو يارسول الله؟ قال‏:‏ " مثل حبة خردل منه ينشأ " .
- وأخرج الإمام البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ـ‏ رضي الله عنه‏ ـ أنه قال‏:‏ قال رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ
: ‏" مابين النفختين أربعون , ثم ينزل الله من السماء ماء ‏,‏ فينبتون كما ينبت البقل ‏,‏ ليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظماً واحدا‏ًً ,‏ وهو عجب الذنب‏,‏ ومنه يركب الخلق يوم القيامة‏ " .‏
قالوا ‏:‏ أربعون يوماً ؟ قال أبوهريرة‏:‏ أبيْت‏ ,‏ قالوا‏:‏ أربعون شهراً ؟ قال‏:‏ أبيْت ‏,‏ قالوا‏:‏ أربعون سنة ؟ قال‏:‏ أبيْت‏,‏ أي أن أباهريرة أبى أن يحدد الأربعين هل هي يوماً أو شهراً أو سنة‏ ,‏ وقد جاءت الأربعون سنة مفصلة في قول للإمام النووي‏ .‏
اكتشاف عجب الذنب في بدايات الثلث الثاني من القرن العشرين في محاولة لدراسة التطور الجنيني للبرمائيات لاحظ أحد العلماء الألمان واسمه (هانز سبيمان - ‏Hans Speman)‏ في مطلع الثلاثينيات من القرن العشرين أنه بمجرد إخصاب البيضة تبدأ النطفة الأمشاج‏ (‏الزيجوت‏)‏ في الانقسام عدة مرات حتى تتحول إلى قرص من الخلايا مكون من طبقتين‏ :‏ فوقية تسمى (Epiplast) ,‏ وتحتية تسمى ‏(Hypoplast) ,‏ وهذا القرص لا يبدو له أي قدر من التمايز حتى يظهر على طبقته الفوقية خيط دقيق سماه الخيط الأولي أو الابتدائي ‏(The Primary or the primitive Streak)‏ ، له عقدة في نهايته سماها العقدة الأولية‏(The Primary or the primitive Knot or Node)‏ فيحدد موضع ظهورهما مؤخرة الجنين‏,‏ ثم يبدأ هذا الخيط والعقدة الأولين في تنظيم عمليات تخلق جميع أعضاء وأجهزة الجنين بتحرك خلايا الطبقة الفوقية في اتجاه كلٍ من الخيط والعقدة الأولين، فتدخل وتنغرس فيهما، فيشكلانها حسب وظيفة كلٍ منها ‏,‏ ويوجهانها إلى موضع كلٍ منها من جسم الجنين ‏,‏ وأول مايتكون منها الخلايا العصبية التي ينبني منها الجهاز العصبي للجنين، وذلك بمرور خلايا الطبقة الفوقية عبر العقدة الأولية ،‏ وبعد تمام نمو جميع أجهزة الجسم ينسحب الشريط الأولي ليختزن في نهاية العمود الفقري‏ (‏العصعص) ، وقد اندهش سبيمان ومعاونوه بظاهرة تخلق جميع أجهزة الجنين من خلال مرور الخلايا الأولية عبر هذا الخيط والعقدة الابتدائيين اللذين أطلق عليهما اسم المنظم الأول (‏The Primary Organize ) .‏ وفي محاولة لاستجلاء طبيعة ذلك المنظم الأول قام بقطعه وزرعه في جنين آخر فنتج عنه نمو جنين ثانوي غير الجنين المضيف‏,‏ وعلى محور مغاير لمحوره ‏.
وفي سنة ‏(1931‏م‏)‏ قام هانز سبيمان ومعاونوه ـ وكان من أبرزهم هيلدا مانجولد‏
(Hilde Mangold)‏
ـ بسحق الشريط الأولي وزرعه في جنين من أجنة البرمائيات فنما على محور جنيني آخر على هيئة جنين ثانوي غير الجنين المضيف، مما يشير إلى أن هذا المنظم الأولي لم يتأثر بالسحق‏،‏ ثم قام سبيمان ومعاونوه بغلي المنظم الأول و زرعه في جنين آخر فنما على محور جنيني آخر مما يشير إلى عدم تأثره بالغلي ‏.‏
وفي سنة ‏(1935‏م‏)‏ مُنح سبيمان جائزة نوبل في العلوم تقديراً لاكتشافه المنظم الأول ‏,‏ وإثبات دور ذلك المنظم في تخلق جميع خلايا‏,‏ وأنسجة‏,‏ وأعضاء‏ ,‏ وأجهزة الجسم‏ ,‏ ثم إثبات حقيقة أنه لا يبلى أبداً، فأُثبت بذلك دقة أحاديث عجب الذنب التي ذكرها خاتم الأنبياء والمرسلين ‏ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ من قبل أكثر من ثلاثة عشر قرناً ‏,‏ وهو على غير علم بها‏ .‏
وبعد سبعين عاماً من تجارب هانز سبيمان ومعاونوه قام الأخ اليمني الدكتور عثمان جيلان في رمضان سنة‏ 1424‏هـ‏ (2003‏م‏)‏ بأخذ فقرتين من خمسة عصاعص للأغنام‏ ,‏ وقام بإحراقها باستخدام مسدس غاز فوق أحجار لمدة عشر دقائق حتى تفحمت بالكامل‏ ,‏ ثم بفحصها بواسطة عدد من المختصين بعلم الأنسجة في جامعة صنعاء، ثبت أن خلايا عظمة العصعص لم تتأثر بالحرق وإن احترقت جميع العضلات‏ والأنسجة الدهنية وخلايا النخاع الموجودة فيها والمحيطة بها ‏,‏ أما خلايا عظمة العصعص فلم تتأثر بالحرق على الإطلاق ‏.‏
من هذا الاستعراض يتضح أن الحديث النبوي الشريف عن عجب الذنب،‏ (‏والذي جاء بروايات متعددة‏ ,‏ وأخرجه أغلب أئمة السنة‏)‏ قد سبق كل المعارف الانسانية بأكثر من ثلاثة عشر قرناً ‏,‏ وجاءت تجارب العلماء مؤكدة ماذكره المصطفى‏ ـ صلى الله عليه وسلم ‏ـ من أن عجب الذنب يخلق منه جميع خلايا وأنسجة وأعضاء وأجهزة جسم الجنين ‏,‏ وأنه لا يبلى أبداً بجميع الوسائل المتاحة للإنسان‏ ,‏ مما يرشحه للإنبات في يوم البعث كما أكد المصطفى‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم .‏

عجب الذنب في الإنسان :
بتطبيق ملاحظات سبيمان ومدرسته في مجال دراسة الجنين الإنساني اتضح لعلماء الأجنة ما يلي ‏:‏
‏(1)‏
تتكون النطفة الأمشاج بمجرد إخصاب خلية التكاثر الأنثوية ‏(‏البييضة)‏ بالحيوان المنوي‏ (‏خلية التكاثر الذكرية) .‏
‏(2)‏ تبدأ النطفة المختلطة هذه في الانقسام إلى خلايا أصغر فأصغر تعرف باسم (القسيمات الجرثومية أو الأرومية ‏Blast-omeres)‏ حتى تتحول بعد أربعة أيام إلى كتلة كروية من الخلايا تعرف باسم (التويتة‏-Morula) .‏
(3‏)
في اليوم الخامس تنشطر التويتة إلى نصفين مكونة مايعرف باسم (الكيسة الأرومية‏Blastocyst )‏ التي تبدأ في الانغراس بجدار الرحم في اليوم السادس، وذلك بواسطة عدد من الخلايا الرابطة التي تنشأ منها ‏,‏ وتتعلق بها في جدار الرحم متحولة إلى طور العلقة ‏,‏ وتتحول الخلايا الرابطة بجدار الرحم إلى المشيمة ‏.‏
‏(4)‏ في حوالي اليوم الخامس عشر من عمر النطفة الأمشاج تبدأ حزمة من خلايا الطبقة العليا للقرص الجنيني في الترتيب على هيئة خط طولي يعرف باسم الشريط الابتدائي أو الأولي (The Primary or Primitive Steak) ،‏ وباستطالة هذا الشريط الابتدائي بإضافة خلايا جديدة عند نهايته الخلفية‏ تتضخم نهايته الأمامية على هيئة ما يعرف باسم  (العقدة الابتدائية - ‏The Primitive Knot or Node)‏، وفي نفس الوقت يتكون على الشريط الأولي انخفاض أولي ضيق ‏(A Narrow Primitive Groove)‏ يستمر إلى حفرة ضئيلة في العقدة الابتدائية تعرف باسم (الحفرة الابتدائيةThe Primitive Pit  ) .‏
‏(5)‏ في اليوم السادس عشر من عمر النطفة الأمشاج تبدأ الطبقة الوسطى من الخلايا في الظهور‏ (The Intra embryonic Mesoderm)‏ بين الطبقة الخارجية للجنين  (‏The Embryonic Ectoderm)‏ وطبقته الداخلية‏ (The Embryonic Endoderm) ، وهذه الخلايا الوسطي أعطاها الخالق ‏ـ سبحانه وتعالى ـ‏ القدرة على التكاثر السريع ‏,‏ والتنوع والتخصص إلى مختلف أنواع الخلايا ‏,‏ والهجرة لتكوين مختلف الأنسجة والأعضاء والأجهزة‏ .‏ ومن تنوع هذه الخلايا تحركها من العقدة الأولية لتكوين بدايات الحبل الظهري(‏Notochordal Process) الذي ينشأ عنه الجهاز العصبي بتفرعاته المختلفة‏,‏ ثم تتحرك لتكوين باقي أجهزة الجسم‏.‏ ويستمر الشريط الابتدائي في تكوين الخلايا الوسطية‏ (Intra embryonic Mesodermal Cells)‏ بنشاط واضح حتى نهاية الأسبوع الرابع من عمر الجنين تقريبا‏ًً ,‏ ثم يبدأ إفراز مثل هذه الخلايا في التباطؤ‏,‏ ويبدأ الشريط الأولى في الانكماش السريع في الحجم حتى يتضاءل إلى حيز لا يكاد يدرك، وينسحب إلى منطقة العجز‏(‏العصعص‏)  من الجنين ‏(The Sacrococcygeal Region of the Embryo)‏ ،ويدرك علماء الأجنة أن خلايا الشريط الأولي قد وهبها الخالق‏ ـ سبحانه وتعالى‏ ـ قدرات فائقة على عملية التخليق، ولذلك تعرف باسم خلايا الشريط الأولي ذات القدرات المتعددة (Pleuripotent Primitive Streak Cells‏)، ويتضح ذلك من حقيقة أن هذه الخلايا الخاصة إذا تعرضت لبعض المؤثرات ـ مثل الإشعاع ـ فإنها تنمو على هيئة أعداد من الأورام المسخية (‏Teratoma)‏ المحتوية على أنسجة مختلفة‏,‏ وفي بعض الأحيان على أعضاء مختلفة، مما يؤكد قدرتها على الإنبات بإذن الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ في يوم البعث كما ذكر المصطفى ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ في حديثه الشريف الذي قال فيه‏ : " ثم ينزل الله من السماء ماء‏,‏ فينبتون كما ينبت البقل‏,‏ ليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظماً واحدا وهو عجب الذنب‏,‏ ومنه يركب الخلق يوم القيامة‏ " (أخرجه البخاري ومسلم).‏
وفي ذلك قال ـ‏ تعالى ‏ـ :‏ " وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرَى "       (‏النجم‏:47) .
هذا السبق العلمي في كلٍ من كتاب الله وأحاديث خاتم أنبيائه ورسله‏ ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏ مما يقطع بأن القرآن الكريم لا يمكن أن يكون صناعة بشرية‏,‏ بل هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله، وحفظه بعهده في نفس لغة وحيه‏ ـ‏ اللغة العربية‏ ـ‏ على مدى الأربعة عشر قرناً الماضية ، وحتى قيام الساعة‏.‏ وهذا السبق العلمي يشهد لسيدنا محمد ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ بالنبوة وبالرسالة‏ ,‏ وبأنه كان دوماً موصولاً بالوحي، ومعلَّماً من قبل خالق السماوات والأرض .
‏ فصل اللهم وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه، ومن تبع هداه، ودعا بدعوته إلى يوم الدين‏ .‏ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏ .