" أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً ‏" (الفرقان:45).


هاتان الآيتان الكريمتان جاءتا في مطلع النصف الثاني من سورة الفرقان‏ ,‏ وهي سورة مكية‏ ,‏ وآياتها سبع وسبعون‏ (77)‏ بعد البسملة‏ ,‏ وقد سميت بهذا الاسم لاستهلالها بتعظيم الله وتمجيده‏ ,‏ لإنزاله القرآن الكريم على خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله عليه وسلم‏) ,‏ وجعله فارقا بين الحق والباطل‏ ,‏ ونذيرا للعالمين‏ .‏
ويدور المحور الرئيسي لسورة الفرقان حول قضية العقيدة الإسلامية القائمة على الإيمان بالله‏ ,‏ وملائكته‏ ,‏ وكتبه‏ ,‏ ورسله‏ ,‏ واليوم الآخر‏ ,‏ وعلى التوحيد الخالص لله ـ تعالى ـ وتنزيهه ـ سبحانه وتعالى ـ عن كل وصف لا يليق بجلاله من مثل ادعاء الشريك‏ ,‏ أو الشبيه‏ ,‏ أو المنازع‏ ,‏ أو الصاحبة والولد‏ ,‏ لأن هذه كلها من صفات المخلوقين‏ ,‏ والله ـ الخالق منزه عن جميع صفات خلقه‏ ,‏ فلا يحده أي من المكان أو الزمان لأنهما من إبداعه وصنعته‏ ,‏ ولا يشكله أي من المادة أو الطاقة لأنهما من إيجاده وخلقه‏ ,‏ والمخلوق لا يحد خالقه أبدا‏ ,‏ والمصنوع لا يحكم صانعه أبدا‏ . .!!‏ ولذلك تبدأ هذه السورة المباركة باستنكار شرك المشركين‏ ,‏ وذلك بقول ربنا عز من قائل ‏:
" تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً . الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً . وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلاَ يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ ضَراًّ وَلاَ نَفْعاً وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلاَ حَيَاةً وَلاَ نُشُوراً "‏ (‏الفرقان‏:1‏-‏3) .‏
كذلك تنعي سورة الفرقان على هؤلاء المشركين والكفار ـ من القدامى والمعاصرين ـ كفرهم برسالة خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله عليه وسلم‏) ,‏ وتشكيكهم في بعثته الشريفة‏ ,‏ وفي الوحي الذي أتاه الله إياه‏ ,‏ وفي ذلك تقول‏ :‏
" وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْماً وَزُوراً  .وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ‏ . قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً " (الفرقان‏:4‏-‏6) .‏
وتنعي السورة الكريمة على هؤلاء الكفار والمشركين كذلك‏ ,‏ تطاولهم على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين واتهامهم له بالسحر‏ (شرفه الله تعالى عن ذلك‏) ,‏ وإنكارهم للآخرة‏ ,‏ ومطالبتهم للرسول الخاتم‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ بالمعجزات والخوارق حتى يصدقوه ويؤمنوا بما جاء به‏ ,‏ وتتوعدهم الآيات بعذاب الآخرة فتقول‏ :‏
" بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً  . إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً  . وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُّقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُوراً "‏ ‏(الفرقان‏:11‏-‏14) .‏
وتقارن الآيات في سورة الفرقان بين عذاب الكفار والمشركين في نار جهنم‏ ,‏ وبين نعيم المتقين في جنات الخلد‏ ,‏ كما تصف تخلي الذين أشركوا عن الذين أشركوا يوم الحساب وتنصلهم من شركهم تنصلا كاملا‏ .‏
ومن قبيل التخفيف عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ تقرر الآيات أن جميع من سبقوه من الأنبياء والمرسلين كان لهم أعداء من مجرمي الكفار والمشركين‏ ,‏ الذين تطاولوا على الله العظيم وعلى رسوله الكريم‏ ,‏ واعترضوا على تنزل القرآن منجما‏ (أي مفرقا‏) ,‏ وكانت جميع الكتب السابقة قد أنزلت جملة واحدة‏ ,‏ وفي ذلك تقول الآيات ‏:
‏" وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُواًّ مِّنَ المُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً  .وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً  . وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً "‏ (الفرقان‏:31‏-‏33) .‏

وعرضت سورة الفرقان لقصص عدد من الأنبياء ولتفاعل أممهم معهم‏ ,‏ ولما كان لهذا التفاعل من عقاب أو ثواب‏ ,‏ وكان من هؤلاء قوم موسي وهارون‏ (على نبينا وعليهما من الله السلام‏) ,‏ وأقوام كل من نبي الله نوح ولوط‏ (عليهما السلام‏) ,‏ وكل من أقوام عاد وثمود وفرعون وأصحاب الرس‏ ,‏ وأقوام بين هؤلاء جميعا على مر العصور‏ . ‏وتؤكد السورة الكريمة عبادة كل من الكفار والمشركين لأهوائهم واتخاذها أربابا من دون الله‏ ,‏ وعدم استماعهم إلى صوت الحق‏ ,‏ وفي ذلك تقول ‏: ‏" أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً  . أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً "‏ (الفرقان‏:43‏-‏44) .‏
وتستمر سورة الفرقان لتستعرض عددا من الآيات الكونية التي تستدل بها على حقيقة الألوهية‏ ,‏ وعلى صدق نبوة النبي والرسول الخاتم‏ (صلى الله عليه وسلم‏) ,‏ وعلى ربانية الوحي الذي أوحي إليه به‏ ,‏ ولتثبت بعد ذلك فساد كفر الكافرين‏ ,‏ وشرك المشركين‏ ,‏ ثم تقول ‏:
"وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً  . وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً  . فَلاَ تُطِعِ الكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَاداً كَبِيراً "‏‏ (الفرقان‏:50‏-‏52) .‏
وفي ذلك أمر من الله ـ تعالى ـ إلى خاتم أنبيائه ورسله‏ (صلى الله عليه وسلم‏) ,‏ وبالتالي فهو أمر إلى كل من تبعه من المؤمنين إلى يوم الدين ـ بضرورة مخالفة الكافرين وضرورة جهادهم بالقرآن الكريم جهادا كبيرا‏ ,‏ وذلك لدحض كل دعاوي كفرهم وشركهم بالله - تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا - وفي ذلك تقول ‏:‏
" وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُهُمْ وَلاَ يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيراً  . وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً  . قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَن شَاءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً  . وَتَوَكَّلْ عَلَى الحَيِّ الَّذِي لاَ يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً  .الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ الرَّحْمَنُ فَسْأَلْ بِهِ خَبِيراً ‏" ‏‏(‏الفرقان‏:55‏-‏59) .‏
وتؤكد هذه الآيات خسران شرك المشركين‏ ,‏ وفساد تعاضدهم مع الشيطان ضد أوامر رب العالمين‏ ,‏ مؤكدة لرسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ أنه ما أرسل إلا مبشرا ونذيرا للناس كافة وأن يقول للناس إنه‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ لا يسألهم أجرا على هذا البلاغ من الله تعالى وهذا الإنذار منه‏ ,‏ ولكنه‏ (صلوات الله وسلامه عليه‏)‏ يفعل ذلك ابتغاء وجه الله الكريم‏ ,‏ وهداية لمن شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا‏ ,‏ أي طريقا ومنهجا يقتدي فيه بما جاء به خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏ .‏
كما تأمر الآيات خاتم الأنبياء والمرسلين وكل المسلمين من بعده ـ بضرورة التوكل على الله ـ الحي الذي لا يموت ـ والتسبيح بحمده لأنه ـ سبحانه وتعالى ـ هو الخبير بذنوب عباده‏ ,‏ القادر على مجازاتهم بعفوه وغفرانه أو بعدله وميزانه‏ .‏

 وتختتم سورة الفرقان باستعراض عدد من صفات عباد الرحمن‏ ,‏ في دعوة ربانية كريمة من الله سبحانه وتعالى لجميع عباده كي يتحلوا بمكارم الأخلاق‏ ,‏ وفي ذلك تقول الآيات‏ : ‏" وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً . وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً . وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً . إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَراًّ وَمُقَاماً . وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً . وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً .يُضَاعَفْ لَهُ العَذَابُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً .إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً . وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً . وَالَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً . وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُماًّ وَعُمْيَاناً .‏ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً .‏ أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاماً . خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَراًّ وَمُقَاماً "‏ (الفرقان‏:63‏-‏76) .‏
ومن مكارم أخلاق عباد الرحمن الواردة في الآيات السابقة ما يلي ‏:‏ التواضع‏ ,‏ والحلم‏ ,‏ والاجتهاد في العبادة وفي مقدمتها التهجد‏ ,‏ والخوف من الله‏ ,‏ وترك التطرف بالإسراف أو الإقتار‏ ,‏ والبعد عن الشرك بالله والتنزه عن جريمتي الزنا والقتل‏ ,‏ والتوبة إلى الله‏ ,‏ وتجنب كل من الكذب وشهادة الزور‏ ,‏ والعزوف عن اللغو‏ ,‏ وتدبر آيات الله بعمق‏ ,‏ والابتهال الدائم إليه ـ سبحانه وتعالى ـ طلبا للذرية الصالحة والعمل الصالح‏ .‏
وتختتم سورة الفرقان بخطاب إلى الكفار والمشركين تقول فيه ‏:‏
" قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً "‏ ‏(‏الفرقان‏:77) , أي‏ :‏ قل يا خاتم الأنبياء والمرسلين للكفار والمشركين من حولك ـ وليقل كل مسلم ومسلمة إلى أمثال هؤلاء الكفار والمشركين في كل زمان ومكان‏:‏ إن الله ـ تعالى ـ لا يكترث ولا يحفل بكم لولا تضرعاتكم إليه واستغاثاتكم به في كل شدة ومحنة تمر بكم‏ ,‏ ولكن نظرا لتكذيبكم به أو شرككم بعبادته آخر معه‏ ,‏ أو إنكاركم لرسالته الخاتمة ولرسوله الخاتم‏ ,‏ فسوف يكون العذاب ملازما لكم في الآخرة‏ ,‏ لا انفكاك لكم عنه‏ ,‏ ولا مهرب لكم منه جزاء كفركم أو شرككم بالله ـ تعالى ـ وإنكاركم لنبوة رسوله الخاتم‏ ,‏ ولرسالته الخاتمة التي تطاول كثير من جهالكم عليها بغير علم‏ . . .!!‏

من ركائز العقيدة في سورة الفرقان :
‏(1)‏ الإيمان بالله ـ تعالى ـ وبملائكته‏ ,‏ وكتبه‏ ,‏ ورسله‏ ,‏ واليوم الآخر‏ ,‏ وبأنه ـ تعالى ـ قد نزل القرآن الكريم على خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ ليكون للعالمين نذيرا‏ ,‏ وأنه ـ تعالى ـ قد نزله منجما ليثبت به فؤاد رسوله‏ ,‏ وقد أمر جبريل ـ عليه السلام ـ أن يرتله لهذا الرسول الخاتم والنبي الخاتم ترتيلا‏ ,‏ وعلى ذلك فلا يجوز لعاقل إنكار ربانية القرآن الكريم‏ ,‏ ولا يجوز لمسلم أن يهجره وقد أنزله الله الغفور الرحيم الذي يعلم السر في السماوات والأرض‏ ,‏ والذي هو على كل شيء قدير‏ .‏
‏(2)‏ التصديق بأن الله ـ الواحد الأحد‏ ,‏ الفرد الصمد ـ له ملك السماوات والأرض‏ ,‏ وأنه ـ تعالى ـ لم يتخذ ولدا‏ ,‏ ولم يكن له شريك في الملك‏ ,‏ وأنه خلق كل شيء فقدره تقديرا‏ .‏
‏(3)‏ اليقين بأن الشرك بالله ـ تعالى ـ كفر به‏ ,‏ وانحراف عن السوية الدينية‏ ,‏ وبأن الذين أشرك بهم المشركون هم مخلوقون‏ ,‏ خلقهم الله ـ تعالى ـ بقدرته‏ ,‏ والمخلوق لا يرتقي أبدا إلى مقام الخالق‏ ,‏ ولا يستطيع خلق أي شيء‏ ,‏ ولا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا‏ ,‏ ولا موتا‏ ,‏ ولا حياة‏ ,‏ ولا نشورا‏ ,‏ ومن هنا كان الشرك بالله ـ سبحانه وتعالى ـ أكبر الكبائر التي لا تغفر أبدا‏ .‏
‏(4)‏ التسليم بأن جميع الأصوات المنكرة التي تطاولت ـ في القديم والحديث ـ على خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏)‏ هي أصوات كاذبة‏ ,‏ مزورة‏ ,‏ مضللة‏ ,‏ استذلها الشيطان ـ وهو للإنسان عدو مبين وخَذول حقير‏ ,‏ فأطلقها بسلسلة من الافتراءات الضالة المضلة والتي منها‏:‏ الافتراء بأن القرآن الكريم ليس وحيا سماويا‏ ,‏ وأنه من كتابة سيدنا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأن قوما آخرين قد أعانوه على ذلك‏ ,‏ وأنه من أساطير الأولين التي كانت تملي عليه بكرة وأصيلا‏ ,‏ وهذه كلها أباطيل كاذبة أطلقت لصرف الناس عن القرآن الكريم‏ ,‏ وهو الصورة الوحيدة من هداية رب العالمين المحفوظة بين أيدي الناس اليوم بنفس لغة وحيها‏ (اللغة العربية‏) ,‏ والتي تعهد الله ـ تعالى ـ بحفظها فحفظت كلمة كلمة‏ ,‏ وحرفا حرفا‏ .‏
‏(5)‏ الإيمان بجميع أنبياء الله ـ تعالى ـ ورسله‏ ,‏ الذين كانوا كلهم من البشر‏ ,‏ وكانوا يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق‏ ,‏ وأن كلا منهم بعث مبشرا ونذيرا‏ ,‏ وكان له أعداء من المجرمين‏ ,‏ وأن الذين كذبوهم من أقوامهم عاقبهم الله في الدنيا عقابا شديدا‏ ,‏ ولهم في الآخرة من العذاب ما هو أشد وأبقي‏ .‏
‏(6)‏ اليقين بحتمية الآخرة وبضرورتها‏ ,‏ وبكل من الجنة والنار‏ ,‏ وبأنها لجنة أبدا أو نار أبدا‏ .‏
‏(7)‏ التسليم بضرورة المحافظة على أرواح وأعراض وأموال وممتلكات وعقائد الناس‏ ,‏ وبأن مجاهدة كل من الكفار والمشركين والجبابرة المستبدين‏ ,‏ بالقرآن الكريم‏ ,‏ هو واجب على كل مسلم ومسلمة‏ ,‏ وبأن التوكل على الله ـ تعالى ـ حق التوكل‏ ,‏ والتسبيح بحمده‏ ,‏ والسجود لجلاله‏ ,‏ هو حق لله ـ تعالى ـ على جميع مخلوقاته‏ .

من الإشارات الكونية في سورة الفرقان :
‏(1)‏ تقرير أن ملك السماوات والأرض لله الواحد الأحد‏ , ...‏ الذي لم يتخذ ولدا‏ ,‏ ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرا‏ ,‏ والعلوم المكتسبة تؤكد حقيقة الخلق‏ ,‏ وتشير إلى وحدانية الخالق‏ ,‏ وإلى تنزيهه ـ سبحانه وتعالى ـ عن جميع صفات خلقه‏ ,‏ وإلى حتمية وجود مرجعية للكون في خارجه يسمونها نقطة المرجعية ‏
(A Reference Point)‏ ومن كان خارج الكون كان مغايرا للمخلوقين‏ ,‏ لا يحده المكان ولا الزمان‏ ,‏ ولا تشكله المادة ولا الطاقة ولا يشبهه أحد من خلقه ليس كمثله شيء‏ ....
‏(2)‏ ذكر الآخرة بتعبير الساعة‏ ,‏ وعلوم الكون تثبت حتمية فنائه‏ ,‏ والإشارة إلى أن من علامات انهيار النظام الكوني تشقق السماء بالغمام‏ ,‏ والعلوم المكتسبة تشير إلى شيء من ذلك‏ .‏
‏(3)‏ الإشارة إلى مد الظل وقبضه‏ ,‏ وهذه العملية من الأدلة العلمية على دوران الأرض حول محورها أمام الشمس‏ ,‏ وعلى ميل هذا المحور‏ ,‏ كما تدل على جري الأرض في مدارها حول هذا النجم‏ ,‏ ولولا ذلك ما تغير طول الظل‏ ,‏ ولا تبادلت فصول السنة‏ ,‏ وتكون الظلال من الأدلة العلمية أيضا‏ ,‏ على أن الأشعة المرئية لا تخترق الأجسام الصلبة‏ ,‏ وقد اتبعت آيتا مد الظل وقبضه بتخصيص الليل للراحة‏ ,‏ والنوم للاستجمام واستجماع القوي‏ ,‏ والنهار لليقظة‏ ,‏ والحركة‏ ,‏ والجري وراء المعايش‏ .‏
‏(4)‏ تأكيد أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ هو الذي يصرف الرياح برحمته‏ ,‏ ويحرك دورة الماء حول الأرض بعلمه وحكمته‏ ,‏ حتى ينزله من السحاب ماء طهورا‏ ,‏ يحيي به الأرض الميتة‏ ,‏ ويسقيه للناس وأنعامهم‏ .‏
‏(5)‏ الإشارة إلى أن الماء ـ وهو أقوى مذيب نعرفه ـ يلتقي ولا يمتزج امتزاجا كاملا‏ .‏
‏(6)‏ الإشارة إلى خلق الإنسان من ماء يربط البشرية كلها برباط النسب والمصاهرة‏ ,‏ ويؤكد طلاقة القدرة الإلهية المبدعة في الخلق‏ .‏
‏(7)‏ ذكر حقيقة أن الله تعالى هو الذي "‏ خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام‏ "‏ أي ‏:‏ ست مراحل متتالية‏ .‏
‏(8)‏ تأكيد أن الله ـ تعالى ـ هو الذي‏ " جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا "‏‏ وفي ذلك تفريق علمي دقيق بين الضياء والنور‏ ,‏ وهو من حقائق العلم التي لم تدرك إلا أخيرا‏ .‏
‏(9)‏ الإشارة إلى حقيقة أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ هو الذي "‏ جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا "‏ ,‏ وفي ذلك تلميح ضمني رقيق إلى دوران الأرض حول محورها أمام الشمس‏ .‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة خاصة بها‏ ,‏ ولذلك فسوف أقصر الحديث هنا على النقطة الثالثة من القائمة السابقة‏ ,‏ التي يقول فيها ربنا تبارك وتعالى ‏: ‏" أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً . ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً "‏‏‏ (الفرقان‏:46,45) .‏





من الدلالات اللغوية للآيتين الكريمتين :
(مد‏):‏ أصل‏ (المد‏)‏ الجر‏ ,‏ ومنه‏ (المدة‏)‏ للوقت‏ (الممتد‏) ,‏ و‏(‏مد‏)‏ الظل يقصد به تحريكه بانتظام عبر الزمن‏ ,‏ والدليل على ذلك قوله ـ تعالى‏:
" وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً ‏" (الفرقان‏:45) , ‏‏و‏(‏الظل‏)‏ لغة ضد الضحى‏ ,‏ وهو أقل من الظلمة وأعم من الفيء‏ ,‏ ويقال لكل موضع لم تصل إليه الشمس‏ (ظل‏) ,‏ وجمعه‏ (ظلال‏)‏ و‏(‏أظلال‏) ,‏ و‏(‏المظلل‏)‏ ما يغمره‏ (الظل‏) ,‏ ولا تستخدم لفظة الفيء إلا لما زالت عنه الشمس‏ ,‏ يقال‏: (استظل‏)‏ بالشيء أي استدري به‏ ,‏ ويقال‏ : (ظللني‏)‏ الغمام و‏(‏أظلني‏) ,‏ أي حجب عني أشعة الشمس‏ ,‏ ويقال‏: (ظل ظليل‏) ,‏ أي ‏:‏ فائض الظل ودائمة‏ .‏
و‏(‏الظلة‏)‏ سحابة‏ (تظل‏)‏ وجمعها‏ (ظلل‏)‏ و‏(‏ظلال‏) .‏
ويستخدم التعبيران‏ (ظللت‏)‏ و‏(‏ظلت‏) (ظلولا‏)‏ لكل ما يفعل في أثناء النهار‏ .‏ و‏(‏المظلة‏)‏ كل ما يستظل به‏ ,‏ وجمعها‏ (مظلات‏)‏ و‏(‏ظلائل‏) .‏
(سكن‏): (السكون‏)‏ ثبوت الشيء بعد تحرك‏ ,‏ ولذلك يستعمل في الاستيطان‏ .‏
واسم المكان‏ (مسكن‏)‏ والجمع‏ (مساكن‏) ,‏ و‏(‏السكن‏) (السكون‏)‏ وما‏ (يسكن‏)‏ إليه‏ .‏
‏ (قبض‏): (القبض‏)‏ ضد البسط‏ ,‏ والانقباض ضد الانبساط‏ ,‏ و‏(‏قبض‏)‏ الشيء أخذه‏ ,‏ يقال‏ (قبض‏)‏ الشيء‏ (قبضا‏)‏ و‏(‏قبض‏)‏ الشيء‏ (تقبيضا‏) ,‏ إذا جمعه وزواه‏ ,‏ ويقال‏: (قبض‏)‏ فلان‏ ,‏ أي مات‏ ,‏ فهو‏ (مقبوض‏)‏ على سبيل الكفاية‏ .‏
‏ (يسر‏):‏ بمعني سهل‏ ,‏ و‏(‏اليسر‏)‏ ضد العسر‏ ,‏ و‏(‏ياسره‏)‏ أي ساهله‏ ,‏ يقال‏: (تيسر‏)‏ و‏(‏استيسر‏) ,‏ أي‏:‏ تسهل‏ ,‏ و ‏(‏اليسرى‏)‏ السهل‏ ,‏ وكذلك‏ (اليسير‏) ,‏ و ‏(‏الميسور‏) ,‏ و ‏(‏اليسير‏)‏ يقال في الشيء القليل الهين‏ ,‏ و‏ (‏الميسور‏)‏ و ‏(‏اليسار‏)‏ عبارة عن الغني والسعة‏ .

من الدلالات العلمية للنص القرآني الكريم :
أولا ‏:‏ في قوله تعالى ‏:‏
" أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً " (الفرقان‏:45) .
الظل آية من آيات النهار‏ ,‏ تنتج عن حجب أشعة الضوء المرئي عن منطقة من مناطق سطح الأرض بواسطة أحد الأجسام المعتمة‏ ,‏ كالجبال‏ ,‏ أو الأشجار‏ ,‏ أو الأبنية أو أجساد الكائنات أو كالسحب الكثيفة وغيرها من الأجسام التي تلقي ظلالا إذا سقطت عليها الأشعة المرئية من حزمة الضوء في اتجاه واحد‏ .‏ ويتكون الظل في عكس الاتجاه الذي تأتي منه حزمة الضوء المرئي‏ ,‏ والظل قد يطول ويقصر‏ ,‏ ويتسع ويضيق وفقا لحركات مصدر الضوء‏ .‏
ويعتبر كل من كسوف الشمس وخسوف القمر صورة من صور تكون الظل‏ ,‏ الذي يتكون بمرور الأرض في ظل القمر‏ ,‏ أو بمرور القمر في ظل الأرض‏ ,‏ وكذلك تتكون الأشكال المتتالية للقمر من المحاق إلى البدر الكامل‏ , (الهلال الأول أو الوليد أو المتنامي‏ ,‏ التربيع الأول‏ ,‏ والأحدب الأول‏) ,‏ ثم من البدر الكامل إلى المحاق‏ (الأحدب الثاني‏ ,‏ التربيع الثاني‏ ,‏ ثم الهلال الثاني أو المتناقص إلى المحاق‏) ,‏ وكلها تمثل مراحل متدرجة لخروج نصف القمر المواجه للأرض من ظلال نصفه الآخر بالتدريج‏ ,‏ أو دخوله فيها بالتدريج كذلك‏ .‏وفي قول ربنا ـ تبارك وتعالى
: " أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً "‏ (الفرقان‏:45) . إشارة واضحة إلى كل من كروية الأرض ودورانها حول محورها أمام الشمس‏ ,‏ وإلى جريها في مدار محدد لها حول ذلك النجم بمحور مائل على مستوي مدار الشمس‏ ,‏ وإلا ما تكون الظل‏ ,‏ ولا تبادلت الفصول المناخية‏ .‏ فلو أن الأرض لم تكن كرة ولم تكن دوارة حول محورها أمام الشمس ما امتد الظل‏ ,‏ ولا تبادل الليل والنهار‏ ,‏ ولو أن كوكبنا لم يكن جاريا باستمرار في مدار محدد حول الشمس‏ ,‏ وبمحور مائل على مدارها ما تبادلت الفصول المناخية ولا تغيرت زوايا سقوط أشعة الشمس على الأرض وبالتالي تغيرت شدتها ولظلت أشعة الشمس مسلطة باستمرار على أحد نصفي الأرض المغمور في نهار دائم فتبخر الماء‏ ,‏ وتخلخل الهواء وتحرق كل حي أو تصيبه بالأمراض والعلل‏ ,‏ بينما نصفها الآخر يبقي مغمورا في ليل دائم تتجمد فيه الأحياء وتفنى فناء كاملا لحرمانها من طاقة الشمس‏ ,‏ ويختل التوازن الحراري للأرض بالكامل في كل من نصفيها‏ ,‏ وباختلاله تنعدم الحياة‏ ,‏ وفي مثل هذا الوضع الثابت للأرض‏ ,‏ تسكن الظلال ولا تتحرك لا بالزيادة ولا بالنقصان‏ .‏ كذلك فإنه لولا وصول سرعة دوران الأرض حول محورها إلى معدلاتها الحالية‏ ,‏ ما صلحت الأرض للعمران‏ ,‏ فمن الثابت علميا أن هذه السرعة كانت في بدء خلق الأرض أعلى من ستة أضعاف معدلاتها الحالية‏ ,‏ مما جعل طول الليل والنهار معا أقل من أربع ساعات‏ ,‏ وجعل عدد الأيام في السنة أكثر من ‏(2200)‏ يوم‏ ,‏ ومن الثابت علميا كذلك‏ ,‏ أن ساعتين فقط من شروق الشمس لا تكفيان لازدهار الحياة الأرضية المعروفة لنا‏ ,‏ ولا لراحة أو كدح مخلوق عاقل كالإنسان‏ .‏

ويتكرر انتفاء صلاحية الأرض للحياة‏ ,‏ إذا كانت سرعة دورانها حول محورها هي نفس سرعة جريها في مدارها حول الشمس فيصبح يومها هو سنتها التي يقتسمها نهار واحد وليل واحد‏ ,‏ طول كل منهما ستة أشهر كاملة‏ ,‏ كما هو الحال في القمر‏ ,‏ الذي يتم دورته حول محوره في نفس مدة جريه في مداره حول الأرض فيصبح يومه هو الشهر القمري يقتسمه ليل لمدة أسبوعين‏ ,‏ ونهار لمدة أسبوعين آخرين‏ .‏ ويطلق تعبير‏ (الظل‏)‏ على احتجاز النور عن منطقة ما‏ ,‏ بوجود حاجز معتم يعترض مسار موجات هذا النور (الضوء المرئي‏)‏ القادم من أحد مصادر الضوء في اتجاه واحد‏ ,‏ ويفسر تكون الظل بأن موجات الضوء المرئي تتحرك في الأوساط المتجانسة في خطوط مستقيمة‏ ,‏ ولا تستطيع الانحناء حول الأجسام المعتمة الواقعة في طريقها‏ ,‏ فإذا كان مصدر الضوء نقطيا كان الظل هو المسقط الهندسي للعائق‏ ,‏ ولكن إذا كان مصدر الضوء مستمرا في السقوط‏ ,‏ وممتدا على الحاجز المعتم فإن المقطع الهندسي للعائق يتكون من منطقة ظل داخلية تحيط بها منطقة شبه ظل خارجية أقل عتمة من منطقة الظل ومتدرجة في فقد تلك العتمة حتى تلتقي بطبقة النور‏ ,‏ وعلى ذلك فإن منطقة الظل تكون محددة بحدود دقيقة تعكس شكل الحاجز المعترض لمسار أحزمة الضوء المرئي بدقة‏ ,‏ إذا كانت هذه الأحزمة عمودية على الحاجز‏ ,‏ ويزداد حجم الظل أو يتناقص بزيادة أو نقصان زاوية سقوط حزمة الضوء المرئي على الحاجز المعترض لها‏ ,‏ أما منطقة شبه الظل فإن حدودها غير واضحة لتداخلها فيما حولها من مناطق النور الكامل‏ .‏
وهناك فرق بين‏ (الظل‏)‏ و‏(‏الظلمة‏) ,‏ فالظل انخفاض في شدة الضوء المرئي‏ ,‏ أما الظلمة فهي غياب كامل له‏ .‏
والنص الكريم الذي نحن بصدده‏ ,‏ يشير إلى كل من كروية الأرض‏ ,‏ ودورانها حول محورها أمام الشمس‏ ,‏ وجريها في مدارها حول هذا النجم بمحور مائل على مستوى دورانها‏ ,‏ ولولا ذلك ما تكون الظل‏ ,‏ ولا امتد ولا قصر‏ ,‏ كل ذلك نزل في هذا الكتاب المعجز من قبل ألف وأربعمائة سنة‏ ,‏ وفي زمن لم يكن لأحد من الخلق إمكانية إدراك لهذه الحقائق التي لم تتوصل إليها العلوم المكتسبة إلا بعد ذلك بقرون عديدة‏ ,‏ وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على ربانية القرآن الكريم‏ ,‏ وعلى نبوة الرسول الخاتم الذي تلقاه‏ (صلى الله عليه وسلم‏) .‏

ثانيا‏ :‏ في قوله تعالى‏ :
"‏ ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً "‏‏ (الفرقان‏:46) :
من الثابت علميا أن الطيف الكهربي‏/‏المغناطيسي‏ (الكهرومغناطيسي‏)‏ المندفع إلينا من الشمس‏ ,‏ يضم سلسلة من الموجات التي تتباين فيما بينها على أساس من التباين في سرعات ترددها أو أطوال موجاتها‏ ,‏ ويتراوح طول تلك الموجات بين جزء من تريليون جزء من المتر‏(10)-12‏ م بالنسبة لأشعة جاما‏ ,‏ وعدة كيلومترات بالنسبة لموجات الراديو‏ (الموجات اللاسلكية‏) ,‏ ويقع بين هاتين النهايتين كل من الأشعة السينية‏ ,‏ والأشعة فوق البنفسجية‏ ,‏ وموجات الضوء المرئي‏ ,‏ والأشعة تحت الحمراء‏ .‏
وتتراوح أطوال موجات الإشعاعات البصرية بين‏ (10)-2‏ ميكرون‏ , (10)+2‏ ميكرون‏ (والميكرون‏=‏ جزءا من مليون جزء من المتر‏) ,‏ وتضم موجات الضوء المرئي‏ ,‏ وكلا من الأشعتين فوق البنفسجية وتحت الحمراء‏ ,‏ وتميز عين الإنسان من الضوء المرئي سبعة أطياف فقط هي‏:‏ الأحمر‏ ,‏ والبرتقالي ,‏ والأصفر‏ ,‏ والأخضر‏ ,‏ والأزرق‏ ,‏ والنيلي‏ ,‏ والبنفسجي‏ ,‏ وهي الألوان السبعة التي تستطيع عين الإنسان تمييزها في الظاهرة المعروفة باسم قوس قزح‏ ,‏ وإن كان الضوء المرئي في الحقيقة مكونا من أعداد لا نهائية من الأطياف المتدرجة والمتداخلة مع بعضها البعض‏ ,‏ أطولها الطيف الأحمر‏ ,‏ وهو في نفس الوقت أقلها ترددا‏ ,‏ بينما الطيف البنفسجي هو أقصرها وأعلاها ترددا‏ ,‏ ولو كان لأطياف الضوء المرئي القدرة على اختراق الأجسام المعتمة‏ ,‏ كما هو الحال بالنسبة لكل من أشعة جاما والأشعة السينية‏ ,‏ والموجات القصيرة من الأشعة فوق البنفسجية ما تكونت الظلال‏ ,‏ وكذلك الحال إذا كانت كل الأجسام شفافة‏ ,‏ وعلى ذلك فإن الشمس هي الدليل الحقيقي على الظل لاحتواء أشعتها على حزمة الضوء المرئي‏ ,‏ وهذه الحزمة لا تستطيع اختراق الأجسام المعتمة‏ ,‏ وتتراوح شدة إضاءة الشمس ما بين ألف ليومن
(Lumen)‏ في النهار الملبد بالغيوم ومائة ألف ليومن ‏(Lm)‏ على المتر المربع من سطح الأرض في الشمس الساطعة‏ ,‏ والليومن هي احدي وحدات قياس شدة‏ (قوة‏)‏ الضوء المرئي وتعرف بأنها كمية الفيض الضوئي الذي ينبعث في الثانية الواحدة على المتر المربع من مصدر نقطي للضوء تبلغ شدته شمعة عيارية واحدة‏ .‏

كذلك فإنه عند كل من شروق الشمس وغروبها فإن أشعتها تظهر لنا في مستوى الأفق فتخترق سمكا متعاظما من الغلاف الغازي للأرض‏ ,‏ حتى تصل إلى أبصارنا‏ ,‏ وبذلك تتشتت الأطياف القصيرة قبل وصولها إلينا وتتركز الأطياف المتوسطة والطويلة والتي أطولها الطيف الأحمر‏ ,‏ فيغلب هذا اللون على كل من الشمس المشرقة والغاربة‏ ,‏ وبذلك أيضا يصل ظل كل شيء إلى أقصي مداه‏ ,‏ ومع ارتفاع الشمس فوق الأفق يتقاصر طول الظل بالتدريج حتى الظهيرة عندما تتعامد الشمس‏ ,‏ فيصل ظل كل شيء إلى أقصر طول له‏ ,‏ ومع بدء الشمس في التحرك من تعامدها متدرجة في الاتجاه إلى الغروب‏ ,‏ يبدأ الظل في التطاول إلى الشرق حتى يصل إلى أقصي طول له قبل الغروب مباشرة‏ ,‏ ثم يختفي مع غياب الشمس‏ ,‏ ولذلك قال ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) :‏‏ " ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً "‏ (الفرقان‏:45) ,‏ وذلك لأن الظل يتبع حركة صاحبه إذا كان متحركا‏ ,‏ كما يتبع حركة مصدر الضوء نفسه كلما تحرك‏ ,‏ فمع الحركة الظاهرية للشمس والناتجة عن دوران الأرض حول محورها‏ ,‏ أمام هذا النجم تتحرك ظلال الأشياء باستمرار من أطولها عند الشروق إلى أقصرها في الظهيرة‏ ,‏ إلى أطولها عند الغروب‏ ,‏ ثم تختفي الظلال باختفاء الشمس‏ ,‏ وإن تكونت بعض الظلال في ضوء البدر أو تحت الأضواء الصنعية‏ . ‏والمزولة الشمسية‏ (the Sundial)‏ التي كانت من أوائل الأجهزة التي صممت لقياس الوقت تعتمد على حركة دوران الأرض حول محورها أمام الشمس‏ ,‏ مما يتسبب في تحرك الظل في عكس اتجاه حركة الأرض‏ .‏

ثالثا‏ :‏ في قوله تعالى‏ : "‏ ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً "‏‏ (الفرقان‏:46) :
وتشير هذه الآية الكريمة إلى استطالة الظل‏ ,‏ من وقت تعامد الشمس في الظهيرة‏ ,‏ تلك الاستطالة التدريجية إلى اتجاه الشرق حتى يصل الظل إلى أقصي طول له قبل الغروب مباشرة‏ ,‏ ثم يختفي بغروب الشمس ودخول الليل‏ ,‏ وهذه الحركة التي تستغرق نصف النهار تقريبا وصفتها الآية الكريمة‏ ,‏ التي نحن بصددها‏ ,‏ بالقبض اليسير‏ ,‏ أي‏:‏ المتدرج‏ ,‏ ومن الثابت علميا أن الأرض تدور حول محورها بسرعة تقدر بنحو‏30‏ كم في الدقيقة‏ ,‏ وتجري في مدارها حول الشمس بسرعة تقدر بنحو‏30‏ كم في الثانية‏ ,‏ وهاتان الحركتان تلعبان دورا أساسيا في مد الظل وقبضه‏ .‏
وتَكَوُّن الظل نعمة من نعم الله ـ تعالى ـ لأنه يحمي كلا من الإنسان والحيوان والنبات من أشعة الشمس‏ ,‏ التي لو زادت لساعات فوق احتمال كل من هذه المخلوقات لأحرقتها ودمرتها‏ ,‏ وذلك لخطورة بعض الموجات المكونة لأشعة الشمس‏ ,‏ ومن أخطرها الأشعة فوق البنفسجية‏ ,‏ وهي من الأشعات غير المرئية والتي ثبت أن لها آثارا تدميرية على الخلايا الحية إذا تعرضت لتلك الأشعات لساعات طويلة‏ ,‏ فالتعرض لأشعة الشمس المباشرة لساعات طويلة ومتكررة خاصة في فترات شدة الحر يسبب العديد من الأمراض التي منها سرطانات الجلد‏ ,‏ التي قد تنتشر لبقية الجسم إذا لم تتدارك بسرعة‏ ,‏ ومنها إكزيما الشمس‏ ,‏ وأمراض حساسية الضوء‏ ,‏ وأمراض الميلانوما‏ (الأورام القتامينية الخطيرة‏) ,‏ والتقرن الشمسي للجلد‏ ,‏ وحروق الشمس‏ ,‏ والتأثير على الجهاز المناعي‏ ,‏ وعلى العينين فتسبب مرض الماء الأبيض‏ (الساد أو السد‏) , .‏

وبتكون الظلال يتبادل كل من الليل والنهار والفصول المناخية‏ ,‏ وتتشكل المراحل المتتالية للقمر‏ ,‏ ويحدث الخسوف والكسوف ويمكن حساب الزمن‏ ,‏ ولولا الظل ما بدت الأشياء مجسمة‏ ,‏ واضحة الملامح‏ ,‏ ومميزة بها‏ .‏
هذه الحقائق نزلت في زمن سيادة الاعتقاد بثبات الأرض‏ ,‏ وورودها بهذه الدقة العلمية القاطعة في كتاب أنزل من قبل ألف وأربعمائة سنة على نبي أمي‏ (صلى الله عليه وسلم‏) ,‏ وفي أمة كانت غالبيتها الساحقة من الأميين لما يقطع بأن هذا الكتاب لا يمكن أن يكون صناعة بشرية‏ ,‏ بل هو كلام الله الخالق‏ ,‏ الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله‏ ,‏ وحفظه بعهده الذي قطعه على ذاته العلية‏ ,‏ في نفس لغة وحيه ـ اللغة العربية ـ وحفظه حفظا كاملا‏ :‏ كلمة كلمة‏ ,‏ وحرفا حرفا‏ ,‏ حتى يأتي بهذه الدقة العلمية‏ ,‏ وقد تحقق هذا الحفظ على مدي الأربعة عشر قرنا الماضية‏ ,‏ وسوف يستمر إلى ما لا نهاية تحقيقا لقول ربنا تبارك وتعالى
‏ :‏ " إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ "‏‏ ‏(‏الحجر‏:9) .‏

فالحمد لله على نعمة الإسلام‏ ,‏ والحمد لله على نعمة القرآن‏ ,‏ والحمد لله على بعثة خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ,‏ الذي بعثه الله ـ تعالى ـ رحمة للعالمين بعد أن فقدت البشرية صلتها بوحي السماء‏ ,‏ فبلغ الرسالة‏ ,‏ وأدى الأمانة‏ ,‏ ونصح الأمة وجاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين‏ ,‏ فنسأل الله الكريم رب العرش العظيم‏ ,‏ أن يجزيه خير ما جازى به نبياً عن أمته‏ ,‏ ورسولاً على حسن أداء رسالته‏ ,‏ وأن يعين أمة الإسلام على اقتفاء سنته حتى يعم الأرض نور هذا الدين الخاتم‏ ,‏ الذي لا يرتضي ربنا ـ تبارك وتعالى ـ من عباده دينا سواه‏ ,‏ فيعود لها العدل الإلهي والأمن والرخاء لكوكبنا الأرض بعد أن فقد كل ذلك‏ ,‏ وما ذلك على الله بعزيز‏ ,‏ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏ ,‏ وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين‏ .