" وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ .‏ وَطُورِ سِينِينَ .‏ وَهَذَا البَلَدِ الأَمِينِ " (التين1-3).


هــذه الايات المباركات جاءت في مطلع سورة التين‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ ومن قصار السور في القرآن الكريم، إذ يبلغ عدد اياتها ثماني آيات فقط بعد البسملة‏ .‏ويدور المحور الرئيسي للسورة حول قضيتين رئيسيتين‏ :‏أولاهما : هي قضية تكريم الله للإنسان بخلقه في أحسن تقويم‏,‏ وعلى فطرة مستقيمة مع حقيقة الأخوة الإنسانية التي تنتهي كلها إلى آدم ـ‏ عليه السلام‏ ـ‏ وآدم من تراب كما أخبرنا المصطفى ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ ومستقيمة أيضاً مع حقيقة الإيمان بالله ربا‏ًً,‏ وبالإسلام ديناً‏,‏ وبالنبوة والرسالة السماوية منهجاً في التبليغ عن الله الخالق الباريء المصور ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ ومن ثم الإيمان بأنبياء الله ورسله أجمعين، وبما أرسلوا به من دين يحوي الإجابات الشافية عن التساؤلات الكلية التي تشغل بال الإنسان طيلة حياته ـ قلت ثقافته أو زادت‏,‏ وعلا قدره في المجتمع أو انحط ـ مثل قضايا العقيدة‏,‏ والعبادة‏,‏ والأخلاق‏,‏ والمعاملات، التي تشكل صلب الدين‏,‏ والتي لا يقوى الإنسان على وضع أية ضوابط صحيحة لنفسه فيها‏,‏ إما لكونها من صميم الغيب المطلق كقضايا العقيدة‏,‏ أو الأوامر الإلهية المطلقة كقضايا العبادة‏,‏ أو لكونها ضوابط للسلوك كقضايا الأخلاق والمعاملات‏ .

والإنسان كان دوماً عاجزاً عن وضع ضوابط لسلوكه من تصوراته وتقديراته الشخصية‏,‏ ومن هنا كانت ضرورة الدين لاستقامة حياة الإنسان على الأرض ‏,‏ ومن هنا أيضاً كان لازماً للدين كي يكون ديناً صحيحاً قادراً على تربية الإنسان تربية صالحة‏,‏ وعلى ضبط حركة الحياة ضبطاً عادلاً، أن يكون بياناً ربانياً خالصاً، لا يداخله أدنى قدر من التصورات البشرية‏,‏ وبذلك يتضح الفرق بين دين صحيح ودين غير صحيح‏ . ‏ وتتجلي قيمة الإيمان الكامل في حياة الإنسان‏,‏ ذلك المخلوق المكرم الذي قال ربنا‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ‏ في حقه ‏:‏" وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ‏" (‏الإسراء‏:70)‏ .
وهذا الإنسان المكرم جعله الخالق‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ مخلوقاً ذا إرادة حرة‏,‏ حتى يؤجر على كل خير يفعله‏,‏ ويجازى على كل خطأ يقترفه‏,‏ وهيأه الله ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ لذلك تهيئة كاملة بالروح والنفس‏,‏ والعاطفة والعقل‏,‏ وبمختلف الحواس‏,‏ وجعل حرية الاختيار عنده من مناطات التكريم ووسائل التقييم لعمله‏,‏ فكلما التزم الإنسان بالمنهج الذي وضعه الله‏ له‏,‏ واستقام عليه وصل إلى درجات من الكمال الإنساني الذي لا يقوى كثير من الخلق على الوصول إليه ‏.‏ وليس أدل على ذلك من قول الحق‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ‏ في الحديث القدسي‏ :‏ " ما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فأكون سمعه الذي يسمع به‏,‏ وبصره الذي يبصر به‏,‏ ولسانه الذي ينطق به‏,‏ وقلبه الذي يعقل به‏,‏ فإذا دعاني أجبته‏,‏ وإذا سألني أعطيته‏,‏ وإذا استنصرني نصرته‏,‏ وأحب ما تعبدني عبدي به النصح لي‏ " (‏رواه الطبراني في الكبير عند أبي أمامة‏)‏ .
ويدل على ذلك أيضاً وقوف جبريل‏ ـ‏ عليه السلام‏ ـ عند مقام لم يتجاوزه في رحلة المعراج‏,‏ وتجاوزه المصطفى‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ لقول جبريل له ‏:‏ تقدم أنت فإني لو تقدمت لاحترقت‏,‏ ولو تقدمت أنت لاخترقت ، وهو مقام لم ينله أحد من الخلق من قبل ولا من بعد‏ .‏ وهذا التكريم الذي أعطاه الله ـ‏ تعالى‏ ـ‏ للإنسان كلما ارتقى بملكاته البشرية في معراج الله‏,‏ يمكن أن ينقلب إلى ضده تماماً إذا انتكس الإنسان بفطرته‏,‏ وانحط باختياره وإرادته عن مقامات ذلك التكريم فهوى بنفسه إلى أسفل سافلين‏ في الدنيا بشقائه فيها‏,‏ وفي الآخرة بإلقائه إلى الدرك الأسفل من النار‏,‏ ولذلك قال ربنا‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ :‏ " لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ .‏ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ .‏ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ‏" (‏التين‏:4‏ ـ‏6)‏ ومن الدلالات المستوحاة من هذه الآيات الكريمة أن الله ـ‏ تعالى ـ‏ قد خلق الإنسان في أحسن هيئة‏,‏ وأنسب قامة‏,‏ وأعدل صورة‏,‏ وزوده بالعقل والجوارح‏,‏ والأحاسيس‏ والمشاعر‏,‏ وبالقدرة على اكتساب المعارف والمهارات‏,‏ كما زوده بالإرادة الحرة‏,‏ وبغير ذلك من الصفات والمواهب والقدرات التي تعينه على القيام بواجبات الاستخلاف في الأرض‏,‏ وتنمو معه حتى تصل إلى أوجها في مرحلة الشباب‏,‏ ثم تبدأ في التناقص التدريجي والذبول مع الكبر في السن حتى إذا وصل الإنسان إلى أرذل العمر أدركه الضعف بعد القوة‏,‏ والعجز بعد القدرة‏,‏ فإذا كان من الكفار أو المشركين أو العصاة الضالين، أوكله الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ إلى ضعفه وعجزه البشريين‏,‏ وإذا كان من المؤمنين الصالحين فإن الله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ يكرم شيبته‏,‏ ويجبر تقصيره‏,‏ ويوفيه حقه كاملاً غير منقوص، حتى لو لم تمكنه قدراته من أداء عباداته على الوجه الأمثل‏,‏ وفي ذلك يروى عن ابن عباس ـ‏ رضي الله عنهما‏ ـ‏ قوله أن رسول الله ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ قال ‏:‏ " إذا بلغ المؤمن من الكبر ما يعجزه عن العمل كتب له ما كان يعمل "‏ .‏ كذلك روي البخاري عن أبي موسى الأشعري‏ ـ رضي الله تعالى عنه‏ ـ‏ قوله‏ :‏ أن رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ قال‏:‏ " إذا مرض العبد أو سافر كتب له من الأجر مثل ما كان يعمل صحيحاً مقيما‏ًً " .‏
فسواء كان المقصود بالارتداد إلى أسفل السافلين في الآية الكريمة هو الارتداد في الدنيا إلى أرذل العمر، وما فيه من ضعف وعجز بعد قوة وقدرة‏,‏ يتدارك فيه الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ برحمته كل مؤمن صالح، ويدع كل كافر ومشرك لقدره‏,‏ أو كان المقصود الارتداد إلى الآخرة وأهوالها وعذابها حيث ينجي الله برحمته المؤمنين الصالحين، ويوفيهم أجورهم بغير نقص ولا منة‏,‏ ويلقي بالكافرين والمشركين والمنافقين الضالين وعتاة المجرمين إلى أسفل دركات النار‏,‏ فالآيات الكريمة تتسع للمعنيين معاً، ولما هو فوقهما من معانٍ في نفس السياق‏,‏ والله ـ تعالى‏ ـ أعلى وأعلم‏ .
‏ والقضية الثانية التي يدور حولها محور سورة التين هي قضية الدين الذي أنزله ربنا‏ ـ تبارك وتعالى ـ على فترة من الرسل تجاوز عددهم الثلاثمائة وخمسة عشر رسولا‏ًً,‏ اختارهم الله ـ‏ تعالى‏ ـ من بين مائة وعشرين ألف نبي‏,‏ بعثوا كلهم بالإسلام‏,‏ ودعوا إلى توحيد الله الخالق بغير شريك‏,‏ ولا شبيه‏,‏ ولا منازع‏,‏ ولا صاحبة ولا ولد‏,‏ وإن اختلفت تفاصيل التشريعات من عصر إلى آخر‏,‏ إلا أن دعوتهم جميعا لأممهم كانت بلا أدنى خلاف هي ‏:
‏ ‏"..‏ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ‏.. ‏"‏   (‏الأعراف‏:85,73,65,59,‏ هود‏:84,61,50)‏ .
وقد أكمل ربنا ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ رسالته إلى خلقه، وأتمها، وختمها ببعثة النبي الخاتم والرسول الخاتم‏,‏ سيد الأولين والآخرين‏,‏ سيدنا محمد بن عبدالله‏،‏ صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين‏ .‏ ولكونها الرسالة الخاتمة فقد أنزل ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ‏ البشرى بها في الرسالات السابقة على نزولها‏,‏ وتعهد‏ ـ جلت قدرته ـ بحفظها بنفس لغة وحيها‏ ـ‏ اللغة العربية‏ ـ فحفظت حرفاً حرفا‏ًً,‏ وكلمة كلمة‏,‏ على مدى يزيد على الأربعة عشر قرناً، وإلى أن يرث الله‏ الأرض ومن عليها ‏.‏
وهذا الحفظ بذاته هو ضرب من الاعجاز الذي لم تتمتع به الكتب السماوية الأخرى‏,‏ وقد تُرك حفظها لأقوامها فضيعوها بالكامل‏,‏ أو عرضوها لقدر من التحريف الذي أخرجها عن إطارها الرباني، وجعلها عاجزة عن هداية البشرية‏,‏ وليس أدل على ذلك من بحار الدم والخراب والدمار الذي تغرق فيه أرض فلسطين اليوم باسم موسى ويعقوب واسحاق وابراهيم‏ ـ عليهم من الله السلام‏ ـ‏ وهم من ذلك براء‏,‏ والذي يغرق أرض كلٍ من العراق وأفغانستان باسم عيسى بن مريم‏ ـ عليه السلام‏ ـ‏ وهو برئ مما يرتكبون من جرائم وآثام وتعديات على أبسط حقوق الانسان‏,‏ والذي يغرق كثيراً من أهل الأرض المستضعفين باسم الدين‏,‏ والدين من هؤلاء المعتدين براء‏ .
ولذلك جاء الخطاب في ختام سورة التين موجهاً إلى كل كافر ومشرك بصيغة من صيغ الاستفهام الاستنكاري التوبيخي التقريعي، يقول فيها ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ :"فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ .‏ أَلَيْسَ
اللَّهُ بِأَحْكَمِ الحَاكِمِينَ "    (‏التين‏:8,7)‏.
فأي شئ يضطرك أيها الكافر أو المشرك إلى الكفر بالله‏ ـ تعالى‏ ـ أو الشرك به‏ بعد ما تبينت لك شواهد قدرته المبدعة في الخلق‏,‏ والدالة دلالة قاطعة على قدرته‏ ‏ على البعث بعد الموت‏,‏ وعلى الحساب والجزاء في الآخرة‏,‏ وهي من الحقائق التي نزلت بها كل رسالات السماء‏,‏ وأكدتها الرسالة الخاتمة المحفوظة بحفظ الله‏,‏ مما يضع كل كافر ومشرك وظالم في هذه الحياة في مصاف المكذبين بالدين‏,‏ المنكرين لحقيقة أن الله ـ ‏ تعالى ـ‏ هو أحكم الحاكمين‏,‏ الذي أتقن كل شئ خلقه‏,‏ وأحكم قضاء كل أمر بالحق‏,‏ وبالعدل بين الخلق‏,‏ والاستفهام في ختام هذه السورة المباركة هو من نوع الاستفهام التقريري لما جاء بعد النفي‏,‏ ولذلك يروى عن رسول الله‏ ـ صلى الله عليه وسلم ـ قوله الشريف‏:" ..‏ فإذا قرأ أحدكم‏ ‏والتين والزيتون‏‏ فقرأ آخرها"‏: "
أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الحَاكِمِينَ‏ "‏فليقل ‏:بلي وأنا على ذلك من الشاهدين "‏ . (أخرجه الترمذي وأبو داوود في سننهما ، وأحمد في مسنده).
وروي مالك عن البراء بن عازب قال‏ :"‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في سفره في إحدى الركعتين بالتين والزيتون‏,‏ فما سمعت أحدا أحسن صوتاً أو قراءة منه " ‏.
وسورة التين هي السورة القرآنية الوحيدة التي سميت باسم ثمرة من ثمار الفاكهة‏,‏ ومن الثمار النباتية على الإطلاق‏,‏ وقد ذكر فيها التين مرة واحدة‏,‏ وهي المرة الوحيدة التي ذكر فيها التين في القرآن الكريم‏,‏ بينما جاء ذكر كل من الزيتون وزيته في ست آيات قرآنية أخرى‏,‏ وبذلك يكون التين قد ذكر في القرآن الكريم مرة واحدة‏,‏ بينما ذكر الزيتون وزيته سبع مرات ‏.‏ وتبدأ السورة بقسم من الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ بكلٍ من التين والزيتون ـ‏ وربنا‏ ‏غني عن القسم لعباده‏ ـ‏ ولكن المقصود من القسم هو التنبيه إلى الأهمية الغذائية الكبرى لهاتين الثمرتين المباركتين، وإلى بركة منابتهما الأصلية‏ .‏ فقد روي عن ابن عباس ـ‏ رضي الله عنهما‏ ـ‏ قوله‏:‏ هو تينكم الذي تأكلون‏,‏ وزيتونكم الذي تعصرون منه الزيت، ولكن نظرا للعطف على هذا القسم بقسم آخر بمكانين مباركين هما طور سينين‏,‏ والبلد الأمين في قول ربنا ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :"
وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ . وَطُورِ سِينِينَ.‏ وَهَذَا البَلَدِ الأَمِينِ "     (‏التين‏:1‏ ــ‏3)‏ .

لجأ بعض المفسرين إلى استنتاج الدلالة بالتين والزيتون على منابتهما الأصلية من الأرض‏،‏ فطور سينين هو الجبل الذي نودي موسى‏ ـ‏ عليه السلام ـ‏ من جانبه في شبه جزيرة سيناء‏ (‏أو سينا)،‏ ومعناها في اللغة المباركة الحسنة‏,‏ والجبل معروف اليوم باسم جبل موسى ‏(‏أو جبل المناجاة‏),‏ والبلد الأمين هو مكة المكرمة‏,‏ وحرمها الآمن‏,‏ وبها الكعبة المشرفة‏‏ أول بيت وضع للناس‏,‏ وعلاقة هذين المكانين المباركين بوحي السماء لاينكرها إلا جاحد للحق‏ .‏وعطف القسم بهذين المكانين المباركين على القسم بكلٍ من التين والزيتون أوحى إلى عدد من المفسرين إلى الاستنتاج بأن القسم بهاتين الثمرتين قد يتضمن من أحد جوانبه الإشارة إلى كرامة منابتهما الأصلية من الأرض‏,‏ وذلك مثل كلٍ من بيت المقدس، وبجواره طور زيتا‏,‏ وبه المسجد الأقصى المبارك الذي ندعو الله ـ تعالى ـ أن يطهره من دنس اليهود‏,‏ وأن يحرره ويحرر أرض فلسطين كلها من احتلالهم الجائر البغيض‏,‏ ويحرر جميع أراضي المسلمين المحتلة والمغصوبة من ربقة المحتلين والغاصبين من الكفار والمشركين‏,‏ أعداء الله وأعداء الدين ‏(‏اللهم آمين آمين آمين يارب العالمين‏) .‏
ومن أشهر منابت كل من التين والزيتون‏(‏ بأنواعهما المتميزة‏)‏ بلاد الشام وجنوب شرقي تركيا‏,‏ والأولي بها طور تينا بجوار دمشق‏,‏ وهي أرض المحشر‏,‏ والثانية بها مرسي سفينة نوح‏(‏ عليه السلام‏)‏ وبقايا مسجده على جبل الجودي‏.‏
وعلى الجانب الآخر فإن كلاً من طور سيناء‏,‏ وبيت
المقدس‏,‏ ومكة المكرمة قد بعث الله‏ ـ سبحانه وتعالى‏ ـ فيه نبياً من أنبيائه، ورسولاً من أولي العزم من رسله‏,‏ فبيت المقدس بعث الله‏ فيه عبده ونبيه ورسوله عيسى بن مريم‏ ـ عليهما السلام‏ ـ‏ وطور سينين كلم الله‏ عنده عبده ونبيه ورسوله موسى بن عمران ـ عليه السلام‏ ـ‏ ومكة المكرمة زارها معظم أنبياء الله ورسله‏,‏ ومدفون بها عدد كبير منهم‏,‏ ثم بعث الله‏ ـ تعالى ـ فيها خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم .
وإن كانت الصياغة القرآنية في مطلع سورة التين واضحة الدلالة على الثمرتين اللتين تؤكلان باسم التين والزيتون‏,‏ إلا أن ذلك لاينفي الإشارة إلى منابتهما من الأرض حتى يرتبط السياق بالقسم التالي بمكانين من أشرف أماكن الأرض‏,‏ وفيها مكة المكرمة أشرفها على الإطلاق‏ .‏
وبعد القسم بكلٍ من التين‏ والزيتون‏,‏ وطور سينين‏,‏ والبلد الأمين، يأتي جواب القسم بالأمر المقسم عليه، وذلك بقول الحق‏(‏ تبارك وتعالى‏) :" لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ‏.‏ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ‏. إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ
" (‏التين‏:4‏ ـ‏6)‏.
ثم ختمت السورة الكريمة باستفهام استنكاري‏,‏ توبيخي‏,‏ تقريعي لكل كافر ومشرك وظالم وضال عن الحق يقول فيه ربنا‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ :‏ "
فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ .أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الحَاكِمِينَ   (التين‏:8,7)‏.
ولا نملك هنا إلا أن نقول‏:‏ بلى‏,‏ وأنا على ذلك من الشاهدين ،كما علمنا خاتم الأنبياء والمرسلين ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ .‏



من أسس العقيدة في سورة التين :
(1)‏ أن الله ـ تعالى‏ ـ‏ خلق الإنسان في أحسن تقويم‏,‏ ثم يرد الكفار والمشركين والظلمة الطاغين المتجبرين على الخلق‏,‏ والعصاة الضالين المضلين المفسدين في الأرض إلى أسفل سافلين في الدنيا بضعفهم وهزالهم وأمراضهم عند الكبر خاصة عندما يردُّون إلى أرذل العمر‏,‏ وفي الآخرة عندما يدعون إلى الدرك الأسفل من النار دعَّا‏ًً,‏ أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيكرمهم الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ في الدنيا برعايته، وعنايته، وفضله ، وكرمه، وجوده، ومنِّه ، وعطائه، وإحسانه‏,‏ ورحمته‏,‏ وفي الآخرة بإدخالهم في نعيم جناته ورضوانه‏,‏ وبإعطائهم أجورهم كاملة غير منقوصة‏,‏ ولا ممنونة ‏.‏
‏(2)‏ أن الدين الوحيد الذي يرتضيه ربنا ـ تبارك وتعالى ـ‏ من عباده هو الإسلام الذي أنزله ربنا‏ ـ تقدست أسماؤه‏ ـ‏ على فترة من الرسل‏,‏ ثم أكمله وأتمه وحفظه بنفس لغة وحيه‏ ـ اللغة العربية‏ ـ‏ في رسالته الخاتمة التي بعث بها النبي الخاتم والرسول الخاتم ـ‏ عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم‏ .‏
‏(3)‏ أن الإيمان الصادق يستتبع العمل الصالح ‏.‏
‏(4)‏ أن الذي يكذِّب بالدين الخاتم مطرود من رحمة رب العالمين‏,‏ محكوم عليه بالشقاء في الدنيا والآخرة‏,‏ وإن كثر ماله وجاهه وسلطانه ‏.‏
‏(5)‏ أن الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ هو أحكم الحاكمين‏ .‏

من الإشارات الكونية في سورة التين :
‏(1)‏ القسم بكلٍ من التين والزيتون إشارة إلى ما فيهما من قيمة غذائية كبيرة وتكامل في المحتوى كغذاء للإنسان‏ ،‏ وإشارة كذلك إلى بركة منابتهما الأصلية، وهي من الأماكن المقدسة في الإسلام‏,‏ منذ خلق الله السموات والأرض ‏.‏
‏(2)‏ القسم بطور سينين : وهو الجبل المكسو بالخضرة الذي كلم الله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ عبده ونبيه ورسوله موسى بن عمران من جانبه‏,‏وهو بالقطع مكان مبارك‏ .‏
‏(3)‏ القسم بالبلد الأمين : وهو مكة المكرمة‏,‏ وحرمها الآمن‏,‏ وبها الكعبة المشرفة‏,‏ أول بيت وضع للناس ، والعلوم المكتسبة تثبت شرف المكان وتميزه على جميع بقاع الأرض ‏.‏ ‏
(4)‏ الإشارة إلى خلق الإنسان في أحسن تقويم‏ .‏
‏(5)‏ الإشارة إلى إمكانية ارتداد الإنسان إلى أسفل سافلين في الدنيا والآخرة‏,‏ وهو أشرف مخلوقات الله إذا كان مؤمناًًًً صالحا‏ًً ,‏ وأحقر هذه المخلوقات، وأبغضها إلى الله إذا كان كافراً، أو مشركاً، أو ظالماً متجبرا‏ًً,‏ أوفاسقاًً فاجرا‏ًً,‏ والعلوم السلوكية تثبت هذا الارتداد الدنيوي إلى أسفل سافلين عند كثير من البشر في أيامنا هذه‏ .‏ وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة مستقلة‏,‏ ولذلك فسوف أقصر حديثي هنا على القسم الذي جاء بالآيات الثلاث الأولي من هذه السورة المباركة‏,‏ ولكن قبل البدء في ذلك لابد من استعراض سريع لأقوال عدد من المفسرين في شرح دلالة هذه الآيات الثلاث ‏.‏

من أقوال المفسرين :
في تفسير قوله‏ ـ‏ تعالى ـ :" وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ . وَطُورِ سِينِينَ .‏ وَهَذَا البَلَدِ الأَمِينِ‏ " (‏التين‏:1‏ ـ‏3)‏ ‏ ذكر الطبري‏ـ‏ رحمه الله‏ ـ‏ ما مختصره‏:" وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ "‏ قيل هو التين الذي يؤكل‏,‏ والزيتون الذي يعصر‏,‏ أقسم الله بهما‏,‏ وجاء فيه اختلاف . " وَطُورِ سِينِينَ " جبل معروف‏,‏ قيل هو جبل موسى ـ عليه السلام ـ ومسجده‏ ." وَهَذَا البَلَدِ الأَمِينِ‏ " الآمن من أعدائه أن يحاربوا أهله أو يغزوهم‏,‏ عني به مكة المكرمة‏ .... (انتهى قول المفسر)‏ ‏.وجاء في مختصر تفسير ابن كثير ـ رحمه الله‏ ـ‏ ما نصه‏:‏ اختلف المفسرون ههنا على أقوال كثيرة فقيل‏ :‏ المراد بالتين دمشق‏,‏ وقيل‏:‏ الجبل الذي عندها‏,‏ وقال القرطبي ‏:‏ هو مسجد أصحاب الكهف‏,‏ وروي عن ابن عباس‏:‏ أنه مسجد نوح‏ ـ عليه السلام ـ‏ الذي على الجودي‏,‏ وقال مجاهد‏:‏ هو تينكم هذا‏ ." وَالزَّيْتُونِ " قال قتادة‏ :‏ هو مسجد بيت المقدس‏,‏ وقال مجاهد وعكرمة‏:‏ هو هذا الزيتون الذي تعصرون‏ , و" وَطُورِ سِينِينَ "‏ هو الجبل الذي كلم الله عليه موسى ـ عليه السلام . " وَهَذَا البَلَدِ الأَمِينِ‏ " يعني مكة‏,‏ قال ابن عباس ومجاهد‏,‏ وقال بعض الأئمة‏:‏ هذه محال ثلاثة‏,‏ بعث الله في كل واحد منها نبياً مرسلاً من أولي العزم‏,‏ أصحاب الشرائع الكبار . (‏فالأول‏)‏ محلة التين والزيتون ، وهي : ‏(بيت المقدس‏)‏ التي بعث الله فيها عيسى بن مريم ـ عليه السلام ـ و‏(‏الثاني‏)‏ طور سينين وهو :‏ (‏طور سيناء‏)‏ الذي كلم الله عليه موسى بن عمران‏,(‏والثالث‏)‏ مكة المكرمة : وهي‏ (‏البلد الأمين‏)‏ الذي من دخلة كان آمنا‏ًً,‏ وهو الذي أرسل فيه محمدا‏ًً ـ صلى الله عليه وسلم ..‏ (انتهى قول المفسر)‏
‏ وجاء في كلٍ من تفسير الجلالين‏,‏ والظلال‏,‏ وصفوة البيان‏,‏ والمنتخب‏,‏ وصفوة التفاسير كلام مشابه مع التركيز على رأي دون الآخر ، ولا أرى حاجة إلى تكرار ذلك هنا‏ .


من الدلالات العلمية للآيات القرآنية الكريمة في مطلع سورة التين:
أولا‏ًً :‏ في القسم بالتين ‏:‏

يبدو ــ والله‏ أعلم ــ أن القسم بالتين جاء لتنبيهنا إلى ما في هذه الثمرة المباركة من إعجاز في خلقها‏,‏ ومن منافع جمة في تناولها كغذاء‏ .‏
من إعجاز الخلق في ثمرة التين‏:‏
ثمرة التين هي ثمرة غير حقيقية مركبة‏,‏ تتكون نتيجة لنمو نورة مخروطية الشكل تحوي بداخلها الأزهار المؤنثة التي تبطن جدار النورة من الداخل‏,‏ والأزهار المذكرة التي تنتشر حول الفتحة الخارجية للنورة‏,‏ وهي فتحة ضيقة في أعلى النورة‏,‏ وتنضج الأزهار المؤنثة عادة قبل نضج الأزهار المذكرة‏,‏ ولذلك يسخر الخالق ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ حشرة خاصة تعرف باسم ذات البلعوم المتفجر(Blastophaga)، تقوم بتلقيح نورات التين من خلال منفعة متبادلة بينهما‏,‏ تقوم فيها نورات شجرة التين بتهيئة المكان الدافيء الأمين للحشرة تضع فيه بيضها حتى يفقس‏,‏ ثم تغذي صغارها حتى يكتمل نموها‏,‏ وعند خروجها من النورة يحتك جسمها بالأزهار المذكرة، فيتعفر بحبوب اللقاح التي تحملها إلى الأزهار المؤنثة‏,‏ فتتم بذلك عملية الإخصاب اللازمة لإثمار شجرة التين ‏.‏
ويتكون على شجرة التين سنوياً ثلاثة أجيال من النورات .‏ الجيل الأول منها يحمل أزهاراً مذكرة وأخرى حاضنة للحشرات‏,‏ وتحمل نورات الجيل الثاني أزهاراً مؤنثة فقط تلقحها الحشرات الخارجة من نورات الجيل الأول فتخصبها، وبذلك تمثل المحصول الرئيسي لشجرة التين‏,‏ أما نورات الجيل الثالث فتحوي أزهاراً حاضنة للحشرة المتعايشة معها فقط‏,‏ وفيها تقضي الحشرة فصل الشتاء‏ .‏
فمن الذي وضع هذا النظام الرتيب لإثمار شجرة التين غير الله الخالق ؟ ، ومن الذي دل تلك الحشرة على مسكنها في نورة شجرة التين كي تخصبها بحركتها من نورة إلى أخرى غير الله الخالق؟  .
والعلاقة بين نورة التين وهذه الحشرة تعتبر من أعجب العلاقات المعروفة لنا بين النبات والحيوان ‏.

من منافع ثمرة التين ‏:
تحتوي ثمرة التين على نسبة عالية من الكربوهيدرات تصل إلى ‏53%‏ من وزنها‏,‏ أغلبها من السكريات الأحادية والمركبات النشوية‏,‏ بالإضافة إلى نسبة صغيرة من البروتينات في حدود ‏3.6%,‏ ونسب أقل من أملاح كلٍ من البوتاسيوم‏,‏ الكالسيوم‏,‏ المغنيسيوم‏,‏ الفوسفور‏,‏ الحديد‏,‏ النحاس‏,‏ الزنك‏,‏ الكبريت‏,‏ الصوديوم والكلور‏,‏ كما تحتوي ثمرة التين على العديد من الفيتامينات‏,‏ والإنزيمات‏,‏ والأحماض‏,‏ والمواد المطهرة‏,‏ بالإضافة إلى نسبة كبيرة من الألياف ‏(‏تصل إلى‏18.5%)‏، ونسبة أكبر من الماء‏. ‏ وعلى ذلك فهي ثمرة غنية بمواد عديدة، وبنسب منضبطة يحتاجها الإنسان في غذائه‏ .‏ومن الانزيمات الخاصة بالتين ما يعرف باسم إنزيم التين أو إنزيم فيسين(Ficin)‏ ثبت أن له دوراً مهماً في عملية هضم الطعام ‏.‏
وقد تمكن اليابانيون من إثبات وجود مركب كيميائي من نوع الألدهيدات الأروماتية في ثمرة التين يعرف باسم البنزالدهايد
Benzaldehyde‏) ، وتركيبه الكيميائي‏(C6H5CHO),‏ وقد تم عزله من ثمار التين‏,‏ وثبت أن له قدرة على مقاومة مسببات الأمراض السرطانية‏ .‏
كذلك اكتشفت في ثمرة التين مجموعة من المركبات النشوية التي تعرف باسم مجموعة السورالينز، ثبت أنها تلعب دوراً فعالاًًً في حماية الدم من أعداد من الفيروسات والبكتيريا‏,‏ والطفيليات التي تتسبب في كثير من الأمراض من مثل فيروس الالتهاب الكبدي ‏.‏
وتوجد هذه المجموعة بوفرة في ثمار التين‏,‏ وفي الدبس الناتج عنه‏,‏ وفي كل من عصائره‏,‏ وأنواع المربات المصنوعة منه ‏.‏
كذلك ثبت أن للتين فوائد عديدة في إدرار اللبن، وفي علاج حالات البواسير‏,‏ والإمساك المزمن‏,‏ والنقرس‏,‏ وأمراض الصدر‏,‏ واضطراب الحيض‏,‏ وحالات الصرع‏,‏ وتقرحات الفم‏,‏ والتهابات كلٍ من اللثة واللوزتين والحلق‏,‏ وفي علاج مرض البهاق‏,‏ وفي إزالة الثآليل‏,‏ وفي اندمال الجروح والتقرحات المختلفة‏,‏ ولذلك روى أبو الدرداء ت‏ رضي الله عنه‏ ـ‏ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏ قال ‏: " لو قلت‏:‏ إن فاكهة نزلت من الجنة قلت التين‏,‏ لأن فاكهة الجنة بلا عجم‏,‏ كلوا منه فإنه يقطع البواسير وينفع النقرس "‏.‏
من هنا كان القسم بالتين في القرآن الكريم وتسمية سورة من سوره باسم سورة التين ‏.‏

ثانيا‏ًً :‏ في القسم بالزيتون‏ :‏
جاء ذكر الزيتون وزيته في سبعة مواضع مختلفة من كتاب الله‏,‏ منها القسم به مع التين في مطلع سورة التين‏,‏ وشجرة الزيتون شجرة مباركة وكذلك ثمرتها‏,‏ فهي شجرة معمرة قد تعيش لأكثر من ألف سنة‏,‏ وتعتبر من أهم نباتات الزيوت‏,‏ ويعتبر زيتها من أصح الزيوت لاحتوائه على نسبة ضئيلة من الأحماض الدهنية‏,‏ وأن ما به من دهون هي دهون غير مشبعة، ولذلك لا تتسبب فيما تتسبب فيه بقية الزيوت من ارتفاع نسبة الدهون الضارة بالدم مما يؤدي إلى تصلب الشرايين وضيقها وانسدادها‏,‏ وارتفاع ضغط الدم‏,‏ وغيرها من الأمراض ‏.‏
وزيت الزيتون سائل أصفر اللون شفاف‏,‏ غني بالأحماض الزيتية ‏(Oleicacids)
، يستخدم في الطبخ وفي الإضافة إلى السلطات، ويلعب دوراً مهماً في منع أكسدة الكوليسترول الذي يفرزه جسم الإنسان؛ وذلك لاحتوائه على فيتامين هـ‏ ,‏ وعلى قدر من المركبات الكيميائية الأخري تعرف باسم مركبات الفينولات العديدة‏ (Polyphenolic Compounds) التي تمنع التأكسد الذاتي للزيت وتحافظ على ثباته‏,‏ وبذلك يقي الجسم من أخطار فوق أكاسيد الشحوم ‏(Lipid Peroxides)،‏ وهي من المواد الضارة بجسم الإنسان ‏.‏
وعلى ذلك فإن تناول زيت الزيتون بانتظام يؤدي إلى خفض المستوى الكلي للكوليسترول في الدم بصفة عامة‏,‏ وإلى خفض الأنواع الضارة منه بصفة خاصة‏,‏ وإلى خفض معدل الإصابة بأمراض القلب والسرطان بصفة أخص ‏.‏
وبالإضافة إلى استخداماته العديدة في الطعام فإن زيت الزيتون يستخدم في إنتاج العديد من الأدوية والدهانات الطبية‏,‏ وزيوت الشعر‏,‏ والصابون‏,‏ وبه كانت توقد المصابيح لصفاء اللهب الناتج عن اشتعاله ‏.‏
وثمرة الزيتون القابلة للتخزين بالتمليح تعتبر إداماً للطاعمين‏,‏ وصبغاً للآكلين‏,‏ بالإضافة إلى كونها فاتحة للشهية‏ .‏ وثمرة الزيتون تحوي بين‏67%,84%‏ من وزنها زيتاً‏,‏ ويتكون زيت الزيتون من عدد من المركبات الكيميائية الهامة، منها مركبات الجلسرين والأحماض الدهنية، والتي تعرف باسم الجليسريدات ‏(Glycerides),
ويكون الحمض الدهني نسبة كبيرة من وزن الزيت‏,‏ ومن أوفر الأحماض الدهنية في الزيتون، وزيته ما يعرف باسم حمض زيت الزيتون ‏(Oleic Acid)،‏ بالإضافة إلى كميات قليلة من حمض زيت النخيل‏ (Palmatic Acid),‏ وحمـض زيت الكتان    LinolicAcid)‏وحمض الشمع‏(Stearic Acid)، والحمض الغامض‏(Mystric Acid) .‏وبالإضافة إلى ذلك يحتوي الزيتون وزيته على نسبة متوسطة من البروتينات‏,‏ ونسب أقل من عناصر البوتاسيوم‏,‏ والكالسيوم‏,‏ والمغنيسيوم‏,‏ والفوسفور‏,‏ والحديد‏,‏ والنحاس، والكبريت، وغيرها مع نسبة من الألياف‏,‏ وتدخل هذه المكونات في بناء حوالي الألف من المركبات الكيميائية النافعة لجسم الإنسان والضرورية لسلامته ‏.‏
لذلك كله‏,‏ ولغيره الكثير مما لا نعلم من أسرار الزيتون، يروي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ـ‏ رضي الله عنه‏ ـ‏ عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏ أنه قال ‏:‏كُلُوا الزَّيْتَ وَادَّهِنُوا بِهِ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ ‏.‏(رواه الترمذي وأحمد) .
وكذلك يروى عن معاذ بن جبل‏ ـ‏ رضي الله عنه ـ‏ أنه قال‏ :‏ سمعت النبي‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ يقول‏ : " نعم السواك الزيتون‏,‏ من الشجرة المباركة‏,‏ وهي سواكي وسواك الأنبياء من قبلي "‏.‏ومن هنا كان القسم القرآني بالزيتون‏,‏ وكان ذكره وذكر زيته في سبع مواضع مختلفة من كتاب الله‏,‏ والزيتون وزيته غنيان بالدهون والبروتينات، فقيران في الكربوهيدرات ـ‏ السكريات والنشويات ـ‏ بينما التين غني بالسكريات والمركبات النشوية، وفقير في المواد الدهنية والبروتينية . ومن هنا كان التين والزيتون معاً يكملان حاجة الإنسان من المواد الغذائية‏,‏ ومن هنا أيضاً كان القسم بهما معا في مطلع سورة التين‏,‏ وهي لفتة علمية معجزة في كتاب أنزل من قبل ألف وأربعمائة من السنين‏ .‏

ثالثا‏ًً :‏ القسم بطور سينين‏ :‏
وهو طور سيناء، أو جبل موسى، أو جبل المناجاة الذي أنزلت فيه التوراة على موسى‏ ـ‏ عليه السلام‏ ـ‏ وقد ذكره ربنا ـ تبارك وتعالى ـ في اثنتي عشرة آية من آيات القرآن الكريم‏ (‏البقرة‏:93,63,‏ النساء‏:154,‏ الأعراف‏:171,143,‏ مريم‏:52,‏ طه‏:80,‏ المؤمنون‏:20,‏ القصص‏:46,29,‏ الطور‏:1,‏ التين‏:2),‏ وسميت باسمه إحدى سوره ‏(‏سورة الطور‏),‏ وهو بالقطع مكان مبارك‏,‏ جدير بالقسم به‏,‏ ويبقى لعلماء الأرض دراسته لإثبات ما به من معجزات حسية باقية عن عملية دكه‏,‏ ورفعه، ونتقه فوق الحثالات العاصية من بني إسرائيل كما جاء في أكثر من آية من آيات القرآن الحكيم ‏.

رابعا‏ًً :‏ القسم بالبلد الأمين‏ :‏
وهو مكة المكرمة‏,‏ وبها الكعبة المشرفة‏,‏ أول بيت وضع للناس‏,‏ وقد روي عن رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ قوله الشريف‏ :‏ " كانت الكعبة خشعة على الماء‏,‏ فدحيت منها الأرض " . مما يفيد بأن الأرض تحت الكعبة المشرفة هي أول يابسة ظهرت على وجه ماء المحيط الغامر الذي بدأت به الأرض‏,‏ ثم نمت اليابسة من حول هذه البقعة المباركة لتكون قارة واحدة هي القارة الأم المعروفة باسم بانجيا ‏(Pangaea),‏ والتي تفتتت إلى القارات السبع الحالية ‏.
‏ وكانت تلك القارات السبع أقرب إلى بعضها البعض، ثم أخذت في الانزياح متباعدة عن بعضها البعض أو التصادم مع بعضها البعض حتى وصلت إلى أوضاعها الحالية‏,‏ وقد ثبت علميا توسط مكة لليابسة في كل مراحل نمو تلك اليابسة، بمعنى أننا إذا رسمنا دائرة مركزها مكة المكرمة فإنها تحيط باليابسة تماما‏ًً,‏ ولذلك قال ربنا‏ ـ تبارك وتعالى ـ :‏ " إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وَضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ‏
"  (‏آل عمران‏:96).‏
والآيات القرآنية الكريمة التي تقابل الأرض‏ ـ‏ على ضآلة حجمها‏ ـ‏ بالسماء‏ ـ‏ على ضخامة أبعادها‏ ـ‏ تشير إلى مركزية الأرض من الكون‏,‏ وكذلك الآيات التي تتحدث عن البينية الفاصلة للسماوات عن الأرض‏,‏ وتلك التي توحد أقطار السماوات والأرض‏ .‏
وإذا كانت الأرض في مركز الكون‏,‏ والكعبة المشرفة في مركز الأرض الأولي‏ ـ‏ اليابسة ـ‏ ومن دونها ست أرضين‏,‏ ومن حولها سبع سماوات، فإن الكعبة المشرفة تصبح في مركز‏/‏ مركز الكون‏,‏ ولذلك قال المصطفى‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ :‏ " إن الحرم حرم مناء بين السماوات السبع والأرضين السبع‏ " .‏
وأكد ذلك بقوله ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ :‏ " يا معشر قريش‏,‏ يا أهل مكة إنكم بحذاء وسط السماء " وبسؤاله الشريف لصحابته الكرام‏:‏ " أتدرون ما البيت المعمور؟ قالوا‏:‏ الله ورسوله أعلم‏,‏ فقال‏ ـ‏ عليه الصلاة والسلام‏ ـ :هو بيت في السماء السابعة بحيال الكعبة تماماً حتى لو خر لخر فوقها‏,‏ يدخله كل يوم سبعون ألف ملك فإذا خرج آخرهم لا يعودون‏ " .‏
هذه الكرامات كلها جعلت من مكة المكرمة قبلة للمسلمين‏,‏ ومحجاً ومعتمراً لهم‏,‏ وجعلت الصلاة فيها بمائة ألف صلاة‏,‏ وجعلتها مهوى للأنبياء والمرسلين كما ذكر المصطفى ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ فقال‏ : "‏ كان النبي من الأنبياء إذا هلكت أمته لحق بمكة فتعبد فيها النبي ومن معه حتى يموت‏,‏ فمات بها نوح‏,‏ وهود‏,‏ وصالح‏,‏ وشعيب وقبورهم بين زمزم والحجر "‏(‏الأزرقي ـ أخبار مكة‏) .‏
ودفن بها كلٌ من إسماعيل ـ‏ عليه السلام ـ‏ وأمه السيدة هاجر ـ‏ رضي الله عنها‏ ـ‏ وهما مدفونان في حجر إسماعيل‏ .‏
واختار الله ـ‏ تعالى‏ ـ‏ مكة المكرمة مولداً ومبعثاً لخاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ وأقسم بها في كلٍ من سورة التين‏,‏ وسورة البلد التي سماها باسمها‏,‏ وأطلق عليها وصف (أم القرى) أي أصل اليابسة‏,‏ وأم الأرض كلها‏,‏ ومن هنا كانت جدارتها للقسم بها وبوصف البلد الأمين في سورة التين‏.‏ وبالاسم المطلق البلد في سورة البلد‏ .‏
هذه الحقائق العلمية عن كلٍ من التين والزيتون‏,‏ وعن مكة المكرمة‏ ـ‏ البلد الأمين‏ ـ‏ والحقائق التاريخية والدينية عن نداء الله ـ‏ تعالى‏ ـ لعبده ونبيه موسى بن عمران‏ ـ‏ عليه السلام‏ ـ‏ من جانب الطور الأيمن لم تكن معروفة لأهل الجزيرة العربية‏,‏ ولا لأحد من الخلق في زمن الوحي من قبل ألف وأربعمائة من السنين‏,‏ ولا لقرون متطاولة من بعده‏,‏ والقسم بها في سورة التين مما يقطع بأن القرآن الكريم لايمكن أن يكون صناعة بشرية‏,‏ بل هو كلام الله الخالق‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ ويجزم بنبوة النبي الخاتم والرسول الخاتم ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ وبأنه كان حتماً موصولاً بالوحي‏,‏ ومعلَّماً من قبل خالق السماوات والأرض‏ .
فصلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه، ومن تبع هداه، ودعا بدعوته إلى يوم الدين‏,‏ فالحمد لله على نعمة القرآن‏,‏ والحمد لله على نعمة الإسلام‏,‏ والحمد لله على الدوام إلى أن نلقاه وهو راضٍ عنا إن شاء بفضله‏,‏ وجوده‏,‏ ومنِّه‏,‏ وعطائه‏,‏ ورحمته‏,‏ وهو‏ ـ‏ سبحانه‏ ـ‏ أرحم الراحمين‏,‏ وأكرم الأكرمين‏,‏ وهو يقول الحق ويهدي إلى سواء السبيل‏ .