" اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ " ‏ (الرعد‏:8).‏


هـذه الآية القرآنية الكريمة جاءت في مطلع الخمس الثاني من سورة الرعد وهي سورة مكية‏ ,‏ وآياتها‏ (43)‏ بعد البسملة‏ ,‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلى حقيقة أن الرعد ـ وهو من الظواهر الجوية المصاحبة للسحب الركامية ـ يمثل صورة من صور تسبيح تلك الظواهر لله‏ (تعالى‏) ,‏ انطلاقا من قوله‏ (سبحانه وتعالى‏) : ‏" تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً
غَفُوراً "
‏(‏الإسراء‏:44)‏ .
ويدور المحور الرئيسي لسورة الرعد حول ركائز العقيدة الإسلامية ومن أولاها الإيمان بالله‏ (تعالى‏)‏ ربا واحدا أحدا‏ ,‏ فردا صمدا‏ ,‏ وتنزيهه‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ عن الشريك والشبيه‏ ,‏ والمنازع‏ ,‏ والصاحبة والولد‏ ,‏ وعن كل وصف لا يليق بجلاله‏ ,‏ والخضوع له وحده بالعبودية الكاملة‏ ,‏ والإيمان بملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبما فيه من بعث‏ ,‏ وحشر‏ ,‏ وحساب وجنة ونار‏ ,‏ كما جاء في كل رسالات السماء‏ ,‏ وتكامل وحفظ في الرسالة الخاتمة التي بعث بها النبي والرسول الخاتم‏ (صلى الله عليه وسلم‏) ,‏ والمتمثلة في القرآن الكريم وفي سنة هذا الرسول الأمين‏ .‏
وقد استهلت سورة الرعد بأربعة من الحروف الهجائية المقطعة هي‏ (أ ل م ر‏)‏ والتي جاءت مرة واحدة في القرآن الكريم كله بهذه الصيغة‏ ,‏ والمقطعات التي استهلت بها تسع وعشرون سورة من سور القرآن الكريم هي من أسرار هذا الكتاب العزيز التي توقف الكثير من علماء المسلمين عن الخوض في تفسيرها‏ ,‏ موكلين الأمر فيها إلى الله‏ (سبحانه وتعالى‏) ,‏ وحاول البعض تفسيرها فقيل فيها إنها قد تكون رموزا إلى كلمات أو معان أو أعداد معينة في السور التي افتتحت بها‏ ,‏ أو إنها أسماء لتلك السور‏ ,‏ أو إنها جاءت في مقام التحدي للعرب بالقرآن الكريم الذي لم يتجاوز حروف لغتهم‏ ,‏ وعلى الرغم من ذلك فإنهم لم ولن يستطيعوا الإتيان بشيء من مثله‏ .‏

وقيل في هذه المقطعات إنها وسيلة من وسائل قرع الأسماع وتحريك القلوب كي تتنبه لتلقي كلام رب العالمين‏ ,‏ أو إنها شهادة على صدق نبوة رسول الله‏ (صلى الله عليه و سلم‏)‏ لنطقه فيها بأسماء الحروف ـ وهو الأمي ـ والأمي لا يعرف أسماء الحروف وإن نطق بأصواتها‏ ,‏ أو هي كل ذلك وغيره مما لا يعلمه إلا الله‏ (سبحانه وتعالى‏) .‏
وبعد هذا الاستهلال انتقلت السورة الكريمة مباشرة إلى مخاطبة خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ مؤكدة أن القرآن الكريم هو الحق الذي أنزل إليه من ربه وإن كان أكثر الناس لا يؤمنون بذلك فتقول ‏:‏ "الـمر . تِلْكَ آيَاتُ الكِتَابِ وَالَّذِي أُنـزِلَ إليكَ مِن رَّبِّكَ الحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ " (الرعد‏:1)‏ .
ثم استشهدت سورة الرعد بعدد من الحقائق الكونية على وجود الله وعلى طلاقة قدرته في إبداع خلقه‏ ,‏ وعلى هيمنة سلطانه فوق هذا الخلق‏ ,‏ وذلك من أجل إقناع الناس بحتمية العودة إلى ربهم ولقائه‏ ,‏ وطالبتهم بالتفكر في آيات الله المبثوثة في الكون‏ ,‏ وباستخدام العقل في تدبرها من أجل اليقين بالخالق العظيم وبقدرته وبحتمية الآخرة وضرورتها‏ .‏
واستنكرت الآيات موقف الكفار من قضية البعث‏ ,‏ واستبعادهم لإمكانية تحققه بعد تحلل الأجساد وتحولها إلى تراب‏ ,‏ و تخاطب خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ في ذلك لتقول‏ :‏ " وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَاباً أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ " (الرعد‏:5) .‏

وتعرض الآيات لشيء من عقاب هؤلاء المكذبين بالبعث في يوم القيامة‏ ,‏ والذين كانوا من فرط ضلالهم يستعجلون وقوع عذاب الله بهم بدلا من طلب الهداية والرحمة منه‏ ,‏ وقد مضت عقوبات أمثالهم من الأمم التي كفرت من قبل بربها فأهلكها الله‏ (تعالى‏)‏ بذنوبها‏ ,‏ ولا يزال الإيمان و الكفر يقسمان البشرية كلها إلى فسطاطين متمايزين إلى يوم الدين‏ ,‏ والله‏ (تعالى‏)‏ غفار للذنوب ولكنه في الوقت نفسه شديد العقاب‏ ,‏ وفي ذلك تقول الآيات‏ : ‏" وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المَثُلاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العِقَابِ " ‏(‏الرعد‏:6)‏ .
كذلك تنعي سورة الرعد على الكافرين طلبهم للمعجزات الحسية من رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ بدلا من القرآن الكريم‏ ,‏ جحودا به‏ ,‏ وإنكارا لفضله‏ ,‏ و ترد عليهم الآيات بأن رسالة الرسول الخاتم‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ كانت هي رسالة كل نبي وكل رسول من قبله‏ ,‏ ألا وهي الدعوة إلى دين الله والإنذار بعذابه فتقول‏ : " وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنزِلَ عليه آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ " (الرعد‏:7)‏ .
وبعد ذلك تستعرض سورة الرعد جانبا من صفات الله‏ (تعالى‏)‏ لتقول‏ :‏ " اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ . عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الكَبِيرُ المُتَعَالِ " ‏(الرعد‏:8‏ ,‏9)‏ .
وتؤكد الآيات أنه لا يغيب شيء عن علم الله مهما حاول صاحبه الاستئثار به لنفسه والاستتار عن المخلوقين به‏ ,‏ فهو‏ (تعالى‏)‏ يعلم جميع أحوال خلقه‏ ,‏ وكل أقوالهم و أفعالهم‏ ,‏ ما يسرون به و ما يعلنون‏ ,‏ وما يحدثونه بالليل أو بالنهار‏ ,‏ فعلمه محيط بكل شيء‏ ,‏ وبالإضافة إلى علمه المحيط أوكل ربنا‏ (تبارك وتعالى‏)‏ بكل فرد من الناس ملائكة تحفظه بأمر الله‏ (تعالى‏) ,‏ وتحفظ عنه‏ ,‏ وتتناوب على حفظه من أمامه ومن خلفه ولذلك تقول الآيات : "‏ سَوَاءٌ مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ القَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ .‏ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ ‏" ‏(‏الرعد‏:10‏,‏11)‏ .
وتضيف الآيات جانبا آخر من صفات الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ منها أنه خالق البرق‏ ,‏ يخيف به عباده ويمنيهم به‏ ,‏ وهو‏ (تعالى‏)‏ منشئ السحاب الثقال‏ ,‏ وهو الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته‏ ,‏ والذي يرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء‏ ,‏ وهو صاحب دعوة الحق‏ ,‏ وكل ما سواه باطل‏ ,‏ وهو الذي يسجد له من في السماوات ومن في الأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال‏ ,‏ ومع ذلك يجادل الكافرون في الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ وهو القوي الذي لا يرد بأسه‏ ,‏ وفي ذلك تقول الآيات ‏:‏ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ ‏. وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ المِحَالِ .‏ لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى المَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ . وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ " ‏(‏الرعد‏:12‏-‏15)‏ .
وفي التأكيد على نفي الشرك طلبت الآيات من رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ أن يسأل الكفار والمشركين عن رب السماوات والأرض‏ ,‏ وأن يؤكد لهم أنه هو الله‏ ,‏ خالق كل شيء‏ ,‏ وهو الواحد القهار‏ ,‏ وساقت الآيات عددا من الأمثال لكل من الحق والباطل فتقول‏ :‏ " قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لاَ يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ نَفْعاً وَلاَ ضَراًّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الخَلْقُ عليهمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الوَاحِدُ القَهَّارُ " (‏الرعد‏:16)‏ .
واستمرت الآيات في سوق الأمثال على كل من الحق والباطل‏ ,‏ ووصف مصائر أهل كل منهما فتقول‏ :‏ " لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المِهَادُ " (الرعد:18) .
وفي وصف أهل الحق وذم أهل الكفر والشرك والضلال تقول الآيات ‏:‏ " أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إليكَ مِن رَّبِّكَ الحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ .‏ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلاَ يَنقُضُونَ المِيثَاقَ ‏. وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ . وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِراًّ وَعَلانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ . جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عليهم مِّن كُلِّ بَابٍ . سَلامٌ عليكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ " ‏. (الرعد‏:19‏-‏24)‏
وفي وصف أهل الباطل تقول الآيات
" وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ . اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ .وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنزِلَ عليه آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إليه مَنْ أَنَابَ " (الرعد‏:25‏-‏27)‏ .
وتعاود الآيات مدح المؤمنين فتقول‏:‏ " الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ . الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَئَابٍ " (الرعد‏:28‏ و‏29) .
وتعاود الآيات توجيه الخطاب إلى رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ فتقول ‏:‏ " كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ لِّتَتْلُوَ عليهمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إليكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عليه تَوَكَّلْتُ وَإليه مَتَابِ " (الرعد‏:30)‏ .
وتمتدح الآيات القرآن الكريم فتقول لو ثبت أن كتابا يقرأ فتتحرك به الجبال من أماكنها‏ ,‏ أو تتصدع به الأرض فتتباعد أجزاؤها عن بعضها البعض‏ ,‏ أو يخاطب به الموتى لكان ذلك هو القرآن الكريم‏ ,‏ و لكن الكافرين والمشركين معاندون في الإيمان به‏ ,‏ ومتشككون في صدق وحيه ولله الأمر ـ الذي لو يشاء لهدي الناس جميعا‏ ,‏ ولكن لحكمة يعلمها‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ سوف يبقي الكافرون في معاصيهم حتى تصيبهم القوارع أو تحل قريبا من دارهم‏ ,‏ وهذا هو وعد الله الذي لا يخلف الميعاد‏ .‏
وتواسي الآيات خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ وتطمئن خاطره فتقول‏: " وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ .أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوَهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ القَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّـذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ .لَهُمْ عَذَابٌ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ " (الرعد‏:32‏-‏34) .‏

وفي إيجاز معجز وصفت الآيات الجنة وجعلتها عقبي الذين اتقوا‏ ,‏ وجعلت عقبي الكافرين النار‏ .‏ وتشير إلى أن من المفروض أن يفرح أهل الكتاب بالقرآن الكريم الذي تكاملت فيه كل الرسالات السماوية السابقة‏ ,‏ ولكن من متعصبيهم من ينكره أو ينكر بعضه‏ ,‏ وتوجه خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ أن يرد عليهم ـ وقد تعجبوا من كونه نبيا وله أزواج وذرية‏ ,‏ وطالبوه بمعجزة غير القرآن الكريم فتقول له‏ " قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلاَ أُشْرِكَ بِهِ إليه أَدْعُو وَإليه مَئَابِ . وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِياًّ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ العِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ وَاقٍ .‏ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ ‏. يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الكِتَابِ " (الرعد‏:36‏-‏40) .‏
أي أن الله‏ (تعالى‏)‏ يمحو ما يشاء من شرائع ويثبت ما يشاء‏ ,‏ وأن أصل ذلك كله عنده‏ (سبحانه وتعالى‏) ,‏ وما على رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ إلا البلاغ وحساب العباد يبقى على رب العباد‏ .




 

وتؤكد الآيات بعد ذلك على حقيقة إنقاص الأرض من أطرافها‏ ,‏ وأن الله‏ (تعالى‏) " يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الحِسَابِ "‏ (الرعد‏:41)‏ .
ثم في صيغة من صيغ التهديد الإلهي تشير الآيات إلى مكر الكفار والمشركين من الأمم السابقة على زمن قريش وكيف كان عقابهم فتقول‏: ‏" وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ المَكْرُ جَمِيعاً يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ"‏ (الرعد‏:42) .‏
وتختتم سورة الرعد بخطاب كريم من رب العالمين إلى خاتم أنبيائه ورسله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ مؤكدا له أنه إذا كان من مراء كل من الكفار والمشركين‏ ,‏ وصلفهم‏ ,‏ وعنادهم‏ ,‏ إنكار نبوته‏ (صلى الله عليه وسلم‏) ,‏ فإن الله‏ (جلت قدرته‏)‏ شاهد على صدق هذه النبوة الخاتمة‏ (وكفي بالله شهيدا‏) ,‏ وأن كل من عنده بقية علم مما أنزل الله في الكتب السماوية السابقة يجد عنده ما يؤكد ذلك‏ ,‏ ولكنه الكبر والصلف والعناد الذي يدحضه قول ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) :‏ " وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكِتَابِ " ‏(الرعد‏:43)‏ .

من ركائز العقيدة في سورة الرعد :
‏(1)‏ الإيمان بالله‏ (تعالى‏)‏ ربا واحدا أحدا‏ ,‏ فردا صمدا‏ ,‏ لا إله غيره‏ ,‏ ولا شريك له في ملكه‏ ,‏ ولا منازع له في سلطانه‏ ,‏ ولا صاحبة له ولا ولد‏ ,‏ وأنه‏ (تعالى‏)‏ هو خالق السماوات والأرض‏ ,‏ وخالق كل شيء‏ ,‏ وأنه‏ (سبحانه‏)‏ هو الذي رفع السماوات بغير عمد مرئية‏ ,‏ ثم استوي على العرش‏ (استواء يليق بجلاله‏)‏ وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمي‏ ,‏ و أنه‏ (تعالى‏)‏ يدبر أمور الكون‏ ,‏ وهو ذو مغفرة للناس على ظلمهم‏ ,‏ وهو في نفس الوقت شديد العقاب‏ ,‏ وأنه على كل شيء قدير‏ ,‏ وأنه يفصل الآيات للناس لعلهم يوقنون بلقائه‏ ,‏ وأنه يعلم ما تكسب كل نفس ويعلم ما تحمل كل أنثي‏ ,‏ وما تغيض الأرحام وما تزداد‏ ,‏ وكل شيء عنده بمقدار‏ ,‏ وأنه هو عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال‏ .‏
‏(2)‏ اليقين بالقرآن الكريم وحيا خاتما منزلا من رب العالمين على خاتم أنبيائه ورسله‏ ,‏ وأنه كتاب معجز في كل أمر من أموره‏ ,‏ لأنه كلام رب العالمين‏ ,‏ وأنه الحق وما سواه الباطل‏ .‏
‏(3)‏ التسليم بحتمية البعث بعد الموت‏ ,‏ وبضرورة التوكل على الله وحده والتوبة إليه قبل الموت‏ .‏
‏(4)‏ الإيمان بأن كل إنسان موكل به عدد من الملائكة الذين يحفظونه بأمر الله‏ (تعالى‏) ,‏ ويحفظون عنه جميع أقواله وأفعاله‏ ,‏ وأن الله‏ (تعالى‏)‏ لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأنه‏ (تعالى‏)‏ إذا أراد بقوم سوءا فلا مرد له‏ ,‏ وما للخلق من دونه من وال‏ .‏
‏(5)‏ اليقين بأن الله‏ (تعالى‏)‏ يرينا البرق خوفا وطمعا‏ ,‏ وينشئ السحاب الثقال‏ ,‏ وأن كل ما في الوجود من ملائكة‏ ,‏ وأحياء‏ ,‏ وجمادات‏ ,‏ وظواهر كونية كالرعد‏ ,‏ كل ذلك يسبح بحمد الله ومن خيفته‏ (إما تسبيحا فطريا اختياريا لا إرادة فيه‏ ,‏ أو تسبيحا اختياريا إراديا يؤجر فاعله عليه‏) ,‏ وأن الله‏ (تعالى‏)‏ هو الذي يرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء‏ ,‏ وأن جميع من في السماوات والأرض يسجد لله طوعا وكرها وظلالهم بالغدو أي بالظهيرة‏ ,‏ والآصال أي وفي وقت الأصيل‏ (عندما تقصر الظلال إلى أقل أطوالها‏ ,‏ وحين تطول إلى أقصي حدودها‏)‏ خشية لله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ وخوفا من حسابه‏ .‏
‏(6)‏ التسليم بأن لله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ دعوة الحق‏ ,‏ وأن دعوة كل من المشركين والكافرين في ضلال‏ ,‏ وأن الله‏ (تعالى‏)‏ يضل من يشاء وأن من يضلل الله فما له من هاد‏ ,‏ ويهدي إليه من أناب‏ ,‏ مع اليقين بأنه لو يشاء الله لهدي الناس جميعا‏ ,‏ وأن الشرك بالله‏ (سبحانه‏)‏ كفر به‏ ,‏ وأن للذين استجابوا لربهم الحسني‏ ,‏ وأن الذين لم يستجيبوا لهم سوء الحساب ومأواهم جهنم وبئس المهاد‏ ,‏ لأنهم ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه‏ ,‏ ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض‏ ,‏ بينما للمؤمنين بالله جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم‏ .‏
‏(7)‏ الإيمان ببعثة خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ وأن لهذه البعثة الشريفة العديد من البشارات في جميع الكتب السماوية السابقة على تنزل القرآن الكريم‏ .‏

من الإشارات الكونية في سورة الرعد :
جاء في سورة الرعد إشارات إلى عدد من حقائق الكون وآفاقه وظواهره نوجز منها ما يلي ‏:‏
‏(1)‏ رفع السماوات بغير عمد مرئية‏ .‏
‏(2)‏ تسخير الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمي‏ ,‏ والعلوم المكتسبة تثبت اليوم أن الشمس تفقد من كتلتها على هيئة طاقة ما يساوي‏4 ,6‏ مليون طن من المادة في كل ثانية مما يشير إلى أنها إلى زوال وتثبت العلوم المكتسبة كذلك أن القمر يبتعد عن الأرض بمعدل‏3‏ سم في كل سنة فهو أيضا حتما إلى زوال‏ .‏ وكل من الشمس والقمر لن ينتهيا بهاتين السنتين الدنيويتين لأن الآخرة لها من السنن والقوانين ما يغاير سنن الدنيا تماما‏ ,‏ ولكن أبقي الله‏ (تعالى‏)‏ هاتين السنتين شاهدتين على أن لكل من الشمس والقمر أجل مسمي‏ .‏
‏(3)‏ الإشارة إلى كل من مد الأرض‏ (بمعني تكويرها لأن المد إلى ما لانهاية هو التكوير‏) ,‏ وخلق الجبال رواسي فيها‏ ,‏ وعلاقة ذلك بتكوين الأنهار وربطه بتدفقها بالماء الذي أنزله الله بقدر‏ ,‏ ودفعه في الأودية بقدر كذلك وبمشيئة الله وإرادته‏ .‏
‏(4)‏ التنبيه إلى أن الله‏ (تعالى‏)‏ خلق الثمرات النباتية‏ (كما خلق كل شيء‏)‏ في زوجية واضحة حتى يبقي ربنا‏ (تبارك وتعالى‏)‏ متفردا بالوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه‏ .‏
‏(5)‏ الإشارة الضمنية الرقيقة إلى كل من كروية الأرض ودورانها حول محورها أمام الشمس بتعبير إغشاء الليل بالنهار‏ .‏
‏(6)‏ الإشارة إلى أن بالأرض قطع متجاورات مما يتضمن تمزيق الغلاف الصخري للأرض‏ ,‏ بشبكة هائلة من الصدوع إلى عدد من الألواح المتجاورة‏ ,‏ والتي تتجاور في كل منها صخور متباينة في صفاتها الطبيعية والكيميائية والمعدنية‏ ,‏ ومن ثم في أنواع التربة الناتجة عن تحلل كل منها‏ (بواسطة عوامل التعرية المختلفة ومنها التجوية والتحات‏)‏ وفي تباين كل من ذلك في ظروفه البيئية‏ (المناخية والتضاريسية‏)‏ وفي قدرته على الإنبات‏ .‏
‏(7)‏ خلق جنات من أعناب في الأرض‏ ,‏ وخلق الزرع والنخيل من أصل واحد ومن أصول متفرقة‏ ,‏ يسقي بماء واحد‏ ,‏ ويفضل الله‏ (تعالى‏)‏ بعضها على بعض في الأكل‏ ,‏ وفي ذلك إشارة إلى تنوع المجتمعات النباتية على التربة الواحدة‏ ,‏ التي تسقي بماء واحد‏ ,‏ في الظروف البيئية الواحدة‏ ,‏ مما يلمح إلى ما أودعه الله‏ (تعالى‏)‏ من أسرار في كل نبتة من نباتات الأرض‏ (من مثل الشيفرة الوراثية‏)‏ وانعكاسات ذلك على الاختلاف في الطعوم والألوان والأشكال والأحجام‏ .‏
‏(8)‏ الإشارة إلى تحول أجساد أحياء الأرض إلى تراب بعد الموت‏ ,‏ وإلى حقيقة بعثها من هذا التراب‏ .‏
‏(9)‏ التأكيد على علم الله‏ (تعالى‏)‏ بما تحمل كل أنثي‏ ,‏ وبما تغيض الأرحام وما تزداد وأن كل شيء عنده بمقدار‏ .‏
‏(10)‏ الإشارة إلى تكون الرعد‏ ,‏ وإرسال الصواعق‏ ,‏ وربطها بإنشاء السحاب الثقال‏ .‏
‏(11)‏ ذكر سجود كل من في السماوات والأرض لله‏ (تعالى‏)‏ طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال‏ .‏(12)‏ المقابلة العلمية الدقيقة بين الظلمات والنور‏ .‏
‏(13)‏ تشبيه الحق بما يمكث في الأرض وينفع الناس من الثروات المعدنية التي تحملها السيول‏ ,‏ وتشبيه الباطل بالزبد الطافي على وجه السيل‏ ,‏ أو بالخبث الذي يطفو فوق أسطح الفلزات النفيسة حال صهرها لتنقيتها مما تحمله من شوائب‏ .‏
‏(14)‏ الإشارة إلى حقيقة إنقاص الأرض من أطرافها‏ .‏
‏(15)‏ التأكيد على قيمة العقل في حياة الإنسان‏ ,‏ وعلى حتمية توظيفه في التفكير الجاد وفي دراسة الأنفس والآفاق‏ ,‏ وفي التحقق من البشارات بمقدم خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ فيما بقي من آثار الكتب السماوية السابقة على بعثته الشريفة‏ .‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة خاصة بها ولذلك فسوف أقصر حديثي هنا على النقطة التاسعة من القائمة السابقة والتي تتعلق بعلم الله‏ (تعالى‏)‏ بما تحمل كل أنثى ,‏ وما تغيض الأرحام وما تزداد‏ ,‏ وبأن كل شيء عنده بمقدار‏ .‏



من الدلالات اللغوية للآية الكريمة :

(ما‏)‏ في قوله تعالى‏ (ما تحمل‏) ,‏ و‏ (ما تغيض‏) ,‏ و ‏(‏ما تزداد‏)‏ اسم وصل بمعني‏: (الذي‏) ,‏ أي علم الذي تحمله كل أنثي علما شموليا قاطعا غير مقصور على الذكورة أو الأنوثة‏ ,‏ والصحة أو المرض‏ ,‏ ولكن يشمل الأجل‏ ,‏ والرزق‏ ,‏ والشقاوة أو السعادة‏ ,‏ ومكان الموت إلى غير ذلك من الأحوال الآنية والمستقبلية فضلا عن حقيقة أنه سيكون أو لا يكون‏ ,‏ وبمعني الذي تنقصه الأرحام بالتحلل أو الإسقاط أو تزيده باكتمال الحمل‏ .‏
وقد تكون‏ (ما‏)‏ هنا مصدرية بمعني يعلم حمل كل أنثي‏ ,‏ وغيض الأرحام وازديادها أي نقصها وزيادتها‏ .‏
ويقال‏ (غاض‏)‏ الماء‏ (غيضا‏)‏ و‏ (مغاضا‏)‏ و‏(‏مغيضا‏)‏ أي قل ونضب‏ ,‏ و‏ (انغاض‏)‏ مثله‏ ,‏ و‏(‏غيض‏)‏ الماء فعل به ذلك‏ ,‏ ويقال‏ (غاضه‏)‏ و‏(‏أغاضه‏)‏ بنفس المعني‏ ,‏ وفي قوله تعالى‏ " وما تغيض الأرحام وما تزداد‏ " ‏‏(الرعد‏:8) أي ما ينقص من الأرحام بسقوط الجنين أو بتحلله وإذابته في سوائل الجسم وامتصاصه فيجعله كالماء الذي تبتلعه الأرض ومن هنا كان الإعجاز في استعمال الفعل‏ (تغيض‏) ,‏ أو ما تزداد من اكتمال نمو الجنين إلى مرحلة الحميل الكامل‏ .‏
فـ‏ (الغيضة‏)‏ و‏ (المغيض‏)‏ هي المكان الذي يجتمع فيه الماء ويقف حتى تبتلعه الأرض والجمع‏ (غياض‏)‏ و‏ (غياض‏) .‏ وليلة‏ (غائضة‏)‏ أي مظلمة‏ ,‏ وذلك لأن‏ (الغين‏)‏ و‏ (الياء‏)‏ و‏ (الضاد‏)‏ أصل يدل على النقصان والغموض والقلة كما جاء في قوله‏ (تعالى‏) :" وغيض الماء‏ " (هود‏:44) ,‏ وجاء في الآية التي نحن بصددها‏ :" وما تغيض الأرحام وما تزداد‏ " (الرعد‏:8) .‏

من الدلالات العلمية للآية الكريمة :
يقدر متوسط طول نطفة الرجل بحوالي ‏(0 ,005)‏ من الملليمتر أو‏(5‏ ميكرون‏)‏ ويقدر ما يخرج مع كل دفقة من المني أكثر من مائتي مليون نطفة‏ (حيمن أو حيوان منوي‏) ,‏ لا يصل منها إلى البييضة إلا بضع مئات قليلة‏ (لا تتعدي الخمسمائة في المتوسط‏) ,‏ ويهلك أغلب هذه النطف الذكرية في طريقها إلى البييضة التي لا تسمح إلا لواحد منها فقط بالولوج إلى داخلها‏ ,‏ وقد يوفق في إخصابها أو لا يوفق‏ .‏ والمعروف طبيا أن أقل كثافة للنطف الذكرية الصالحة للإخصاب هي عشرين مليون نطفة في كل ملليلتر من المني‏ .‏ ولذلك يروى عن المصطفى‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ قوله ‏:‏ " ما من كل الماء يكون الولد‏ ,‏ وإذا أراد الله خلق شيء لم يمنعه شيء "‏ (أخرجه الإمام مسلم‏) .‏

 

أما نطفة المرأة البييضة فيبلغ قطرها ‏(20‏ و‏0)‏ من الملليمتر‏ (أي مائتي ميكرون أو أربعين ضعف طول نطفة الرجل‏) .‏ وعدد البييضات في جنين الأنثى يتراوح بين أربعمائة ألف وستة ملايين‏ ,‏ وهذا العدد الهائل لا يبقى منه إلى سن البلوغ سوى بضعة آلاف قليلة‏ ,‏ تنمو منها واحدة في كل شهر طوال الفترة التناسلية للأنثى‏ (من سن البلوغ إلى سن اليأس‏)‏ بمجموع لا يتعدي الأربعمائة بييضة على طول هذا العمر‏ .‏ ومن الثابت طبيا أنه بالتقاء النطفتين ‏:‏ نطفة الزوج ونطفة الزوجة تتكون النطفة الأمشاج‏ (المختلطة‏)‏ التي تمثل مرحلة الإخصاب بإذن الله‏ (تعالى‏) ,‏ وفي ذلك أخرج الإمام أحمد في مسنده " أن يهوديا مر برسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ وهو يحدث أصحابه‏ ,‏ فقالت قريش‏ :‏ يا يهودي إن هذا يزعم أنه نبي‏ ,‏ فقال لأسألنه عن شيء لا يعلمه إلا نبي‏ ,‏ فقال‏ :‏ يا محمد‏!‏ مم يخلق الإنسان؟ فقال رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏) :‏ يا يهودي‏:‏ من كل يخلق‏ :‏ من نطفة الرجل ومن نطفة المرأة‏ " .‏

 

وتبدأ النطفة الأمشاج في الانقسام السريع حتى تشبه التويته ‏(Morula) ثم تتحول إلى كيسة أرومية
‏(Blastocyst) ثم تبدأ في الانغراس في بطانة جدار الرحم في اليوم السادس من تاريخ الإخصاب إلى اليوم الرابع عشر‏ ,‏ وتستطيل هذه الكيسة الأرومية لتأخذ شكل دودة العلق هيئة ووظيفة‏ (طور العلقة‏) ,‏ الذي يستمر إلى حوالي اليوم الخامس والعشرين من عمر الجنين‏ ,‏ ثم يبدأ في‏ (طور المضغة‏)‏ الذي يستمر إلى نهاية الأسبوع السادس من عمر الجنين‏ (اليوم الثاني والأربعون تقريبا‏) ,‏ ثم يبدأ‏ (طور تخلق العظام‏)‏ الذي يستمر إلى حوالي اليوم التاسع والأربعين‏ ,‏ ثم يبدأ‏ (طور كسوة العظام لحما‏)‏ أي بالعضلات والجلد الذي يستمر إلى نهاية الأسبوع الثامن من عمر الجنين‏ (اليوم السادس والخمسون تقريبا‏)‏ ثم ينشئه الله تعالى خلقا آخر‏ (طور النشأة‏)‏ الذي يستمر إلى نهاية فترة الحمل‏ (نهاية الأسبوع الثامن والثلاثين أو اليوم السادس والستين بعد المائتين‏)‏ إذا قدر الله‏ (تعالى‏)‏ له ذلك‏ .‏

 

وتقسم هذه الفترة إلى مرحلة الجنين التي تنتهي بنهاية الأسبوع السادس من تاريخ الإخصاب وهي فترة التعضي أي تخلق الأعضاء المختلفة‏ ,‏ والتي لا يزيد طول الجنين في نهايتها عن‏ (15‏ مم‏) ,‏ ويصفها المصطفي‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ بقوله الشريف ‏: "إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله ملكا فصورها‏ ,‏ وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها‏ ,‏ ثم قال يارب‏:‏ ذكر أو أنثي؟ فيقضي ربك ما يشاء " ‏(أخرجه الإمام مسلم في صحيحه‏) .
أما الفترة التالية فتعرف باسم فترة الحميل ويزداد كل من حجمه ووزنه خلالها بالتدريج حتى يصل طوله إلى حوالي ‏500‏ مم‏ ,‏ ويصل وزنه إلى ثلاثة كيلوجرامات ونصف في المتوسط‏ .‏و مرحلة الجنين هي أخطر المراحل في حياة الأم‏ ,‏ فعلى الرغم من هذا الاصطفاء الإلهي لكل من الزوجين‏ ,‏ والاصطفاء للنطفتين اللتين تنجحان في إتمام عملية الإخصاب من بين ملايين النطف حتى يتم تكوين النطفة الأمشاج‏ ,‏ فإن الدراسات الطبية تشير إلى أن حوالي ‏78%‏ من كل حمل يجهض ويتم إسقاطه‏ ,‏ أو يتم تحلله وامتصاصه في داخل الرحم‏ ,‏ وأن قرابة‏50%‏ من هذه الحالات تفشل قبل أن تعلم الأم أنها قد حملت بالفعل‏ ,‏ وفي ذلك يقول المصطفى‏ (صلى الله عليه وسلم‏) : ‏" إذا وقعت النطفة في الرحم بعث الله ملكا فقال‏ :‏ يا رب مخلقة أو غير مخلقة‏ .‏ فإن قال‏ :‏ غير مخلقة مجتها الأرحام دما وإن قال مخلقة قال أي رب شقي أم سعيد؟ ما الأجل؟ ما الأثر؟ وبأي أرض تموت؟‏ " (أخرجه الإمام ابن أبي حاتم وغيره عن عبد الله بن مسعود‏) .‏

ومن هنا كان الإعجاز في قول ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) : ‏" اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ " (‏الرعد‏:8)‏ .
وإن استطاع الطب معرفة جنس الجنين‏ ,‏ ومعرفة بعض الأمراض الوراثية التي قد تصيبه منذ الشهر الرابع للحمل في زمن تفجر المعرفة الذي نعيشه فإن علم الله‏ (تعالى‏)‏ أكثر إحاطة وشمولا من ذلك‏ ,‏ فالله يعلم كل صفات الجنين الآنية كما يعلم كل الغيب الذي يتعلق بهذا الجنين إلى لحظة مماته‏ ,‏ والطب يقرأ شيئا من الصفات الآنية للجنين أو لعدد من الأجنة إن استطاع ذلك‏ ,‏ والله‏ (تعالى‏)‏ يعلم ما تحمل‏ (كل‏)‏ أنثى على وجه الأرض من الإنسان والحيوان والنبات ولا يستطيع كل أطباء وعلماء الأرض أن يعلموا ذلك ولو اجتمعوا له‏ .‏

والتعبير بجملة‏ (ما تغيض الأرحام‏)‏ تعبير معجز‏ ,‏ دقيق وشامل عن ظاهرة التحلل أو الإسقاط التلقائي للأجنة خلال أطوارها المبكرة‏ ,‏ ففي عدد من الإحصائيات الطبية ثبت أن‏15%‏ إلى‏50%‏ فقط من الأجنة تثبت في عملية انغراسها بجدار الرحم‏ ,‏ وأن كثيرا من عمليات الإجهاض قد يصاحبها تحلل الجنين في داخل الرحم وامتصاصه‏ ,‏ تماما كما يغيض الماء في التربة عالية المسامية وعالية النفاذية‏ ,‏ وبذلك فلا يعلم إلا الله‏ (تعالى‏)‏ ما تغيضه بلايين الأرحام في اللحظة الواحدة‏ ,‏ ولا يستطيع كل أطباء وعلماء الأرض إحصاء ذلك لاستحالة إدراك سقوط أو تحلل الأجنة في مراحلها الأولي للضآلة المتناهية لأحجامها‏ ,‏ وكثرة كميات الدم التي يمجها الرحم في حالات الإسقاط‏ .‏وفي التعبير القرآني‏ (وما تزداد‏)‏ إعجاز آخر لأن وزن الجنين في نهاية الشهر الثاني من عمره لا يتعدي خمسة جرامات‏ ,‏ ولا يزيد طوله على ‏3‏-‏5‏ سم‏ ,‏ بينما يصل وزنه في نهاية الشهر التاسع إلى حوالي ثلاثة كيلوجرامات ونصف في المتوسط‏ ,‏ ويصل طوله إلى قرابة نصف المتر‏ .‏وفي قوله‏ (تعالى‏) :‏ " وكل شيء عنده بمقدار " (الرعد:8) إشارة إلى تقدير كل شيء بدقة بالغة بما في ذلك عدد وصفات المخلوقين‏ ,‏ ونسب الإناث إلى الذكور‏ ,‏ ونسب المرضي بأمراض خلقية موروثة إلى الأصحاء‏ ,‏ ونسب المعاقين إلى المعافين من هؤلاء‏ ,‏ وأنواع الإعاقات المختلفة‏ ,‏ ونسب الشفاء منها إلى عدم الشفاء‏ ,‏ وغير ذلك من أسرار ما تغيض به الأرحام أو تزداد‏ ,‏ لأنه‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ هو الذي يقر في الأرحام ما يشاء‏ .‏فسبحان الذي أنزل القرآن بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله‏ ,‏ وحفظه بعهده في نفس لغة وحيه‏ (اللغة العربية‏) ,‏ وحفظه حفظا كاملا‏:‏ كلمة كلمة‏ ,‏ وحرفا حرفا على مدي الأربعة عشر قرنا الماضية‏ ,‏ وتعهد بذلك إلى أن يرث الأرض ومن عليها‏ .‏ 
ومن هنا فإن على كل مسلم ومسلمة أن يحمد الله‏ (تعالى‏)‏ حمدا كثيرا على نعمة الإسلام‏ ,‏ وعلى نعمة القرآن الكريم‏ ,‏ وعلى بعثة خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين‏ ,‏ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏ .‏