" وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ‏" (الشمس:1).


هذه الآية الكريمة جاءت في مطلع سورة الشمس‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ وآياتها ‏15‏ بدون البسملة‏،‏ وقد سميت بهذا الاسم لاستهلالها بقسم من الله ـ وهو الغني عن القسم ـ بالشمس وضحاها‏ (‏ضمن قسم بعدد من آيات الله في الكون‏)‏ على فلاح الإنسان في الدنيا‏,‏ ونجاته في الآخرة إذا عمل على تزكية نفسه بتقوى الله‏ ، (‏ والتي فسروها بالخوف من الجليل‏,‏ والعمل بالتنزيل‏,‏ والاستعداد ليوم الرحيل‏),‏ وعلى فشله في الدنيا‏,‏ وخيبته وهلاكه في الآخرة إذا لم يُلزم نفسَه تقواها‏,‏ ولم يزكها بإلزامها منهج الهداية الربانية‏,‏ وتركها على هواها في ظلمات الشهوات والمعاصي والضلال والفجور‏,‏ تندس في مستنقعاتها‏,‏ ومتاهاتها‏ .
وتبدأ السورة الكريمة بقسم من الله‏ بتسع آيات من آياته الكونية المبهرة التي جاءت متتابعة على النحو التالي ‏:‏
‏(1) " وَالشَّمْسِ ‏" :‏ وهي أقرب نجوم السماء إلينا، ومصدر الطاقة والدفء للأرض ومن عليها‏ .‏
‏(2)" وَضُحَاهَا‏ " :‏ وهي لحظة إشراقها في حركتها الظاهرية إلى وقت الظهيرة‏ .‏

(3)"‏ وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا " :‏ أي إذا تبعها في إنارة الأرض بعد غروب الشمس ‏.‏
‏(4)"‏ وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا " :‏ أي وبالنهار الذي وضَّحها وجعلها ظاهرة للعيان؛ لأن آشعة الشمس لا تُرى إلا بعد تشتتها وانعكاساها لمرات عديدة على الأجسام المتناهية الضآلة في الطبقة الدنيا من الغلاف الغازي للأرض، مثل هباءات الغبار‏,‏ وقطيرات الماء وبخاره‏,‏ وجزيئات الغازات المختلفة المكونة للهواء بتركيز معين ‏.‏
‏(5)" وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا‏ " :‏ أي وبليل الأرض إذ يغطيها عنا بطبقة ظلمته الرقيقة التي تلتقي مع ظلمة الكون‏,‏ فلا تُرى الشمس على الرغم من وجودها‏ .‏ ‏
(6)" وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا ‏ " :‏ أي وبالسماء وبنائها المحكم الدقيق على ضخامته‏,‏ والإله القادر الحكيم العظيم الجليل الذي بناها ‏.‏ ‏
(7) "‏ وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا ‏" :‏ أي وبالأرض ومدها وبسطها‏,‏ وبالذي كوَّرها فمدها وبسط سطحها ‏.‏
‏(8) "‏ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ‏" :‏ أي وبالنفس الإنسانية وبالذي خلقها‏ .‏ ‏
(9)" فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ‏" :‏ أي بيَّن لها طريقي الخير والشر‏,‏ وترك الخيار لها ‏.‏ ثم يأتي جواب هذا القسم المغلظ بقول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :‏ " قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا . وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا " ‏(‏الشمس‏:10,9) .

‏ وتختتم السورة بعرض نموذج من النماذج البشرية‏ التي عصت أمر ربها‏,‏ وحادت عن طريق هدايته‏,‏ واتبعت هوى النفس فكان جزاؤها غضب الله‏,‏ ونكاله‏,‏ وتركها عبرة لمن لا يعتبر‏,‏ وفي ذلك يقول الحق ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ : " كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا ‏.‏ إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا ‏. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا . فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا ‏.‏ وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا " (الشمس‏:11‏ ـ‏15) .‏
وهذه الآيات تتحدث عن ثمود قوم نبي الله صالح‏ ـ على رسولنا وعليه من الله السلام‏ ـ‏ وقد حذر قومه من المساس بالناقة، ومن التعرض لشربها‏,‏ وقد جعلها الله‏ ـ تعالى ـ لهم آية ومعجزة‏,‏ فعقرها أشقاهم‏,‏ وحمَّل الجميع تبعة ذلك الجرم؛ لأنهم لم يستنكروا فعلته‏,‏ ولم يمنعوه من القيام بجريمته‏,‏ فنزل بهم جميعاً ما يستحقون من غضب الله وتنكيله وبطشه‏,‏ وهو‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ أحكم الحاكمين‏,‏ وأعدل العادلين‏,‏ لا يخاف عقبى ما يفعل‏؛‏ لأنه ـ سبحانه وتعالى‏ ـ رب هذا الكون‏,‏ ومليكه‏,‏ ومدبر أمره‏، وهو " لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ " (الأنبياء‏:23) .‏
وكل آية من الآيات الكونية والنفسية التي جاءت الإشارة إليها في سورة الشمس تحتاج إلى معالجة خاصة، ولذلك فسوف أقصر حديثي هنا على الآية الأولى من هذه السورة المباركة‏,‏ والتي تتحدث عن الشمس ـ أقرب نجوم السماء إلينا‏,‏ وأنفعها لنا ـ وقبل البدء في ذلك لابد من استعراض سريع لأقوال عدد من المفسرين في شرح دلالة هذه الآية الكريمة‏ .‏

من أقوال المفسرين :
تفسير قوله‏ ـ تعالى‏ ـ : "‏ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا " (الشمس‏:1)‏
ذكر ابن كثير‏ ـ‏ يرحمه الله‏ ـ‏ ما نصه‏ :‏ قال مجاهد‏ "‏ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ‏" :‏ أي وضوئها‏,‏ وقال قتادة‏, " وَضُحَاهَا‏ "‏ النهار كله ‏.‏ قال ابن جرير‏:‏ والصواب أن يقال‏ :‏ أقسم الله بالشمس ونهارها‏؛ لأن ضوء الشمس الظاهر هو النهار ‏.‏ (انتهى قول المفسر)
وجاء في تفسير الجلالين ـ‏ رحم الله كاتبيه ـ‏ كلام مشابه بإضافة أن ‏(‏إذا‏)‏ هنا لمجرد الظرفية‏ (‏فلا تفيد الشرطية‏) ,‏ والعامل فيها فعل القسم ‏(‏المقدر بـ‏:‏ أقسم‏) .‏ (انتهى قول المفسر
وجاء في الظلال ـ‏ رحم الله كاتبه برحمته الواسعة ـ‏ ما نصه‏ :‏ يقسم الله ـ سبحانه ـ بهذه الخلائق والمشاهد الكونية‏,‏ كما يقسم بالنفس وتسويتها وإلهامها‏,‏ ومن شأن هذا القسم أن يخلع على هذه الخلائق قيمة كبرى‏,‏ وأن يوجه إليها القلوب تتملاها‏,‏ وتتدبر ماذا لها من قيمة، وماذا بها من دلالة‏,‏ حتى استحقت أن يقسم بها الجليل العظيم‏ ...‏ وهنا نجد القسم الموحي بالشمس وضحاها‏ ،‏ بالشمس عامة وحين تضحى وترتفع عن الأفق بصفة خاصة‏,‏ وهي أروق ما تكون في هذه الفترة وأحلى .‏ في الشتاء يكون وقت الدفء المستحب الناعش‏,‏ وفي الصيف يكون وقت الإشراق الرائق قبل وقدة الظهيرة وقيظها‏ . (انتهى قول المفسر)‏
وجاء في صفوة البيان لمعاني القرآن‏ ـ رحم الله كاتبه‏ ـ‏ ما نصه ‏:‏ في هذه السورة ترغيب في تزكية النفوس وتطهيرها بالإيمان والطاعة‏,‏ وترهيب من خسرانها بالكفر والمعاصي‏,‏ وإنذار لكفار مكة وأضرابهم‏,‏ أن يصيبهم من النكال ما أصاب ثمود حين كذبوا رسولهم‏,‏ وعقروا الناقة‏,‏ وهي آية الله على صدقه في رسالته‏,‏ وقد أقسم الله تعالى فيها‏ ـ أي في سورة الشمس‏ ـ‏ بكائنات عظيمة النفع والآثار‏,‏ دالة بوجودها واختلاف أحوالها على كمال قدرته ـ تعالى ـ ووحدانيته‏,‏ وأقسم بنفسه ـ تعالى‏ ـ‏ إذ كان ـ سبحانه ـ الموجد والمبدع والمدبر لها أو بفعله الحكيم المتقن‏ . (انتهى قول المفسر)‏
ثم فصل في شرح الآية الكريمة التي نحن بصددها بالمعاني السابقة نفسها تقريباً ‏.‏ وجاء في كلٍ من المنتخب في تفسير القرآن الكريم‏,‏ وصفوة التفاسير‏ ـ‏ جزى الله كاتبيهما خير الجزاء‏ ـ‏ كلام مشابه لا داعي لتكراره هنا ‏.‏ ونحن نعلم أن الآية القرآنية الكريمة حين ترد بصيغة القسم، فهذا من قبيل تنبيهنا إلى أهمية الأمر المقسم به؛ لأن الله‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ غني عن القسم لعباده‏.‏ فما هي أهمية الشمس التي تستوجب قسماً من الله‏‏ العلي العظيم‏‏ في أربع آيات متتاليات في مطلع سورة سميت باسمها ؟

أولا‏ًً :‏ الشمس في القرآن الكريم ‏:‏
ورد ذكر الشمس في القرآن الكريم ‏35‏ مرة‏,‏ منها ‏33‏ مرة باسمها الشمس‏,‏ ومرتان بصفتها بأنها سراج‏ مرة، وسراج وهاج مرة أخرى ‏.
وتصف هذه الآيات القرآنية الشمس بأنها ضياء‏ ـ‏ أي مصدر للضوء‏ ـ‏ وبأنها سراج‏ ـ‏ أي جسم متقد‏,‏ مشتعل‏,‏ مضيء بذاته‏ ـ‏ وبأنها سراج وهاج‏ ـ‏ أي شديد الوهج‏ ـ وأنها والقمر آيتان من آيات الله‏,‏ وأن الله ـ تعالى ـ قد جعل لنا من انضباط حركاتهما وسيلة دقيقة لحساب الزمن‏‏ والتأريخ للأحداث،‏ وأنهما والنجوم مسخرات بأمر الله‏,‏ مسبحات بحمده‏,‏ ساجدات لجلال عظمته‏,‏ وأن هذا التسخير لأجل مسمى ينته بعده كل هذا الوجود‏،‏ وأن بداية تهدم الكون الحالي تتمثل في بداية تكور الشمس وانكدار النجوم‏ :
" إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ . وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ " 
      ‏(التكوير‏:2,1) .‏
ثم في جمع كلٍ من الشمس والقمر ‏:
"
فَإِذَا بَرِقَ البَصَرُ .‏ وَخَسَفَ القَمَرُ .‏ وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ "     (القيامة‏:7‏ ـ‏9) .‏
وهذه كلها من الحقائق التي لم يصل العلم المكتسب إلى معرفتها إلا في أواخر القرن العشرين‏,‏ وورودها في كتاب الله المنزل من قبل أربعة عشر قرناً بهذه الدقة والإيجاز والشمول من أوضح جوانب الإعجاز العلمي في كتاب الله ‏.‏
وتمايز الآيات القرآنية الكريمة باستمرار بين ضوء الشمس ‏(‏الضياء‏)‏ ونور القمر ‏(‏النور‏)‏، وتستخدم تبادل كلٍ من الليل والنهار‏,‏ ومد الظل وقبضه‏,‏ ومرور الجبال مر السحاب في إشارات ضمنية رقيقة إلى دوران الأرض حول محورها أمام الشمس‏ .‏

ثانيا‏ًً :‏ الشمس في علوم الفلك ‏:‏
ماهية الشمس‏ :‏
الشمس نجم متوسط الحجم من النجوم العادية‏,‏ يبعد عن الأرض بمسافة مائة وخمسين مليون كيلو متر في المتوسط‏,‏ وهي على هيئة كرة من الغاز الملتهب يبلغ قطرها ‏1.400.000‏ كيلو متر ‏(‏أي ما يزيد على‏110‏ مرات قدر قطر الأرض‏),‏ ويبلغ حجمها ‏142.000‏ تريليون كيلو متر مكعب ‏(‏أي قدر حجم الأرض‏1.300.000‏ مرة‏)،‏ ويقدر متوسط كثافها بنحو ‏1.4‏ جرام للسنتيمتر المكعب‏,‏ وتقدر كتلتها بنحو ألفي تريليون تريليون طن ‏(‏أي‏333.000‏ مرة قدر كتلة الأرض‏),‏ وتقدر جاذبيتها بنحو ‏28‏ ضعف قوة الجاذبية على سطح الأرض ‏.‏
وتمثل كتلة الشمس وحدها نحو ‏99%‏ من كتلة المجموعة الشمسية‏،‏ وتتناقص الكثافة في داخل الشمس من ‏200‏ جرام للسنتيمتر المكعب في نواتها إلى جزء من عشرة ملايين جزء من الجرام لكل سنتيمتر مكعب عند سطحها ‏.‏
ونظراً لارتفاع الضغط في قلب الشمس إلى ما يساوي أربعمائة مليار ضغط جوي، فإن عملية الاندماج النووي بين نوى ذرات الأيدروجين تنشط منتجة نوى ذرات الهيليوم ، وتنطلق الطاقة التي ترفع درجة حرارة قلب الشمس إلى أكثر من ‏15‏ مليون درجة مطلقة‏ .‏

وبواسطة عملية الاندماج النووي تفقد الشمس في كل ثانية نحو خمسة ملايين من الأطنان ‏(4.6‏ مليون طن‏)‏ من كتلتها على هيئة طاقة، مما يؤكد أن الشمس تتحرك إلى فناء حتمي‏,‏ لن يتم بهذه العملية‏,‏ ولكن هذه الحقيقة تؤكده وتشير إليه، وسبحان القائل في أربع مواضع من كتابه الكريم ‏: " ...‏ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى ‏....‏ " 
  (‏الرعد‏:2;‏ لقمان‏:29;‏ فاطر‏:13;‏ الزمر‏:5) .‏
والقائل ‏: "‏
مَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى ‏..."     (الأحقاف‏:3) .‏
وتتركز الطاقة المنتجة في قلب الشمس‏,‏ وتتناقص بالتدريج من أكثر من ‏15‏ مليون درجة مطلقة في مركز الشمس إلى نحو ‏6000‏ درجة مطلقة على سطحها عبر مسافة نصف قطر الشمس المقدرة بنحو ‏700.000‏ كيلو متر‏,‏ أي بتدرج حراري يقدر بنحو ‏20‏ درجة مطلقة لكل كيلو متر تقريباً ‏.‏
البنية الداخلية للشمس‏ :‏
تنبني الشمس من نواة تتطابق عليها عدة نطق تتمايز من الداخل إلى الخارج على النحو التالي ‏:‏
‏(1)‏ نواة الشمس ‏(The Solar Core‏):
ويبلغ قطرها نحو ‏346.000‏ كيلو متر‏,‏ وتعتبر فرناً ذرياً هائلاً‏,‏ تتم فيه عملية الاندماج النووي مولدة طاقة تقدر بأكثر من ‏15‏ مليون درجة مطلقة‏‏ تحت ضغط يقدر بنحو الأربعمائة مليار ضغط جوي‏,‏ مما يؤدي إلى تزايد كثافة المادة في نواة الشمس حتى تصل إلى ما بين التسعين والمائتي جرام للسنتيمتر المكعب‏,‏ ولذلك يتركز نحو ‏60%‏ من كتلة الشمس في نواتها التي لا تشغل سوى ‏2%‏ فقط من حجم الشمس‏ .‏
‏(2)‏ نطاق الإشعاع الشمسي ‏(The Solar Radiation Zone)
:‏
ويحيط بنواة الشمس بسُمك يصل إلى ‏325.000‏ كيلو متر‏,‏ والمادة في هذا النطاق أقل كثافة وحرارة من مادة النواة‏,‏ وتمر به طاقة الشمس المنتجة في النواة على هيئة آشعة جاما‏,‏ ثم تستكمل إلى بقية موجات الطيف الكهرومغناطيسي كاملاً في حدود هذا النطاق، ابتداءاً من تلك الآشعة إلى الآشعة الراديوية وما بينهما من الآشعة السينية‏,‏ وفوق البنفسجية‏,‏ وآشعة الضوء الأبيض‏,‏ والآشعة تحت الحمراء‏ .‏
‏(3)‏ نطاق الشمس الفقاعي أو نطاق تيارات الحمل في الشمس‏ (The Solar Convective Zone)
:
ويقدر سمكه بنحو ‏150.000‏ كيلو متر‏,‏ وفيه تتبرد التيارات المندفعة من نواة الشمس عبر نطاق الإشعاع إلى هذا النطاق بطريقة مستمرة، فتهبط من قمته إلى قاعدته، ثم تصعد إلى القمة وتهبط إلى القاعدة في ترددات كثيرة من تيارات الحمل، ومن هنا جاءت تسميتها‏،‏ وتبلغ كثافة المادة في هذا النطاق نحو ‏0.01‏ جرام للسنتيمتر المكعب‏,‏ وتقدر درجة حرارتها بنحو المليون درجة مطلقة‏,‏ وضغطها بنحو المليون ضغط جوي ‏.‏
‏(4)‏ نطاق الضوء الشمسي أو الكرة الشمسية المضيئة (The Solar Photosphere)
:
وهو الجزء المرئي من الشمس‏,‏ ويبدو من بُعد على هيئة الأرض المملوءة بالحصى الذي يزيد قطر الواحدة منه في الحقيقة على مئات الكيلو مترات‏,‏ ويتبدل هذا الحصى كل عشر دقائق لشدة الغليان‏، ويقدر سُمك هذا النطاق بنحو خمسمائة كيلو متر‏,‏ وتقدر درجة حرارته بنحو ستة آلاف درجة مطلقة‏,‏ وكثافة المادة فيه بنحو جزءين من عشرة ملايين جزء من الجرام للسنتيمتر المكعب‏,‏ وضغطها بنحو ‏0.1‏ من الضغط الجوي‏,‏ ويتميز هذا النطاق بوجود ما يسمى بالبقع الشمسية‏ (‏أو كلف الشمس‏)‏، وهي مساحات داكنة باردة نسبياً ‏(4000 درجة مطلقة‏)‏ على هيئة مراكز لدوامات من الاضطرابات الغازية الحلزونية الحركة مع توليد مجال مغناطيسي يفوق مغناطيسية الأرض بملايين الأضعاف، فتؤثر على الاتصالات اللاسلكية تأثيراً كبيراً ‏.‏
‏(5)‏ نطاق الألوان الشمسية أو الكرة الملونة للشمس ‏(The Solar Chromisphere)
:
ويقدر سمكه بأكثر من عشرة آلاف كيلو متر‏,‏ وتصل درجة حرارته إلى أكثر من عشرة آلاف درجة مطلقة‏,‏ ويتناقص ضغطه إلى جزء من المليون من الضغط الجوي‏,‏ وتبلغ كثافة المادة فيه ‏(3×10-12‏ جرام‏)‏ للسنتيمتر المكعب‏,‏ ويعتبر جزءاً من الغلاف الغازي للشمس‏ ،‏ وكلٌ من درجة حرارة هذه الكرة الملونة‏,‏ وكثافة المادة فيها لا تسمحان برؤيتها لا بالعين المجردة‏,‏ ولا بواسطة المناظير المقربة إلا في حالة الكسوف الكلي للشمس‏,‏ أو باستخدام وسائط صناعية لحجب نطاق الضوء ‏.‏
‏(6)‏ نطاق الأشواك الشمسية ‏(The Solar Spicules Zone)
:
وهو نطاق يندفع فيه غاز الأيدروجين من حافة نطاق الألوان الشمسية إلى ارتفاع عشرة آلاف كيلو متر في دفعات متتالية تستمر الواحدة منها لمدة خمس عشرة دقيقة ثم تهبط فتبدو على هيئة الأشواك المتحركة على حافة الشمس‏،‏ ومن هنا كانت التسمية‏,‏ ويعتبره عدد من الدارسين جزءاً من نطاق الألوان الشمسي ‏.‏
‏(7)‏ هالة‏ (‏إكليل‏)‏ الشمس ‏(The Solar Corona)
:
وتمثل بنطاق أكثر شفافية من النطق الموجودة في داخله‏,‏ وتشكل مع النطاقين السابقين الغلاف الغازي للشمس‏,‏ ويحدها من أسفل الحد الأعلى لنطاق الأشواك‏,‏ ولا حد أعلى لها، إذ تنتشر مادتها لتتداخل مع مادة الكون‏,‏ ولأسباب لم تعرف بعد ترتفع درجة الحرارة في هالة الشمس إلى أكثر من مليون درجة مئوية‏,‏ ولذلك تتأين كل الذرات الموجودة، فيمكن رؤية الإكليل في الآشعة السينية الرخوة ‏(Soft X-Ray)
، وتبلغ كثافة المادة في هالة الشمس واحداً من ألف مليون مليون من الجرام للسنتيمتر المكعب ‏، ويصل الضغط إلى ستة من مائة مليون من الضغط الجوي‏، وتمتد ألسنة من نطاق الألوان الشمسية فتصل إلى هالة الشمس، وتعرف باسم ألسنة اللهب ‏(‏أو البروزات‏)‏ الشمسية‏ (Solar Prominances)، وهي من الظواهر الشمسية المهمة التي تأتي في المقام الثاني بعد البقع الشمسية،‏ وترتفع هذه البروزات الشمسية لمسافات تتراوح بين عشرة آلاف وأربعين ألف كيلو متر فوق هالة الشمس‏,‏ وتتعدى ذلك في أوقات الانفجارات الشمسية فتصل إلى نحو السبعمائة ألف كيلو متر ‏.‏
وهذه الألسنة من اللهب الشمسي ‏(‏البروزات الشمسية‏)‏ يمكن أن تُرى بالعين المجردة في أوقات الكسوف الكلي للشمس‏,‏ وبعضها ثابت تقريباً أو قليل التغير‏,‏ والبعض الآخر مؤقت‏‏ وشديد التغير، ويسمى باسم ألسنة اللهب الطائرة‏,‏ وتتراوح فترات ثورانها بين دقائق معدودة وعدة أيام‏,‏ ويؤكد تحليل أطياف مادتها وجود كلٍ من الأيدروجين‏,‏ والهيليوم‏,‏ والكالسيوم المتأين بالإضافة إلى بعض العناصر الأخرى ، وتتراوح درجة حرارة تلك البروزات الشمسية بين ستة آلاف وثمانية آلاف درجة مطلقة‏ .‏
ومن الظواهر الشمسية الأخرى ما يعرف باسم الومض‏ (‏أو الوهج‏)‏ الشمسي‏ (Solar Flares)‏
، وتحدث نتيجة للزيادة المفاجئة في انبعاث نوى ذرات الأيدروجين من مناطق البقع الشمسية لفترات تتراوح بين ثوان قليلة وعشر دقائق يصاحبها انطلاق كميات هائلة من الطاقة .
‏ والشمس محاطة بسحابة من الجسيمات المشحونة بالطاقة‏ التي تندفع منها في كل الاتجاهات مكونة ما يسمى بـالرياح الشمسية، تنطلق منها تلك الجسيمات بسرعات قد تصل إلى أكثر من ‏720‏ كيلو مترا في الثانية ‏.‏



الاتزان داخل الشمس‏ :‏
تتكون الشمس أساساً من غاز الأيدروجين بنسبة ‏81.76%,‏ وغاز الهيليوم بنسبة ‏18.17%‏ من حجم الشمس‏,‏ بالإضافة إلى نسب ضئيلة من عناصر أخرى لا يتعدى حجمها ‏0.07‏ %,‏ على ذلك فالشمس عبارة عن خليط ملتهب من غازي الأيدروجين والهيليوم بنسبة حجمية تبلغ ‏4:1‏ تقريبا‏ًً,‏ وهي نسبة اتحاد نوى ذرات الأيدروجين لتكون نوى ذرات الهيليوم بعملية الاندماج النووي، حيث تتحد نوى أربع ذرات من الأيدروجين لتنتج نواة واحدة من نوى ذرات الهيليوم وتنطلق الطاقة الهائلة‏ .‏ والشمس تحول في كل ثانية ‏655‏ مليون طن من الأيدروجين إلى نحو‏650‏ مليون طن من الهيليوم ، ويتحول الفرق بين الكميتين‏ ـ المقدر بنحو خمسة ملايين من الأطنان‏ ـ إلى طاقة تمثل الطاقة المنبعثة من الشمس باستمرار وجودها‏ .
ونظراً للجاذبية الهائلة التي تحدثها الشمس على مكوناتها، فإنها تتجاذب كلها في اتجاه مركزها تجاذباً تنتج عنه ضغوط هائلة، ترفع درجة حرارة لب الشمس إلى المستوى الذي يسمح ببدء واستمرار نشاط عملية الاندماج النووي‏ .‏

ولو كانت الشمس تتأثر بمجال جاذبيتها فقط، لأدى ذلك إلى انهيارها ، خاصة أنها مجرد كرة من الغاز‏,‏ والسبب في عدم انهيارها هو وجود قوى صادرة من داخلها إلى خارجها ، مثل القوة الناتجة عن تمدد الغازات في درجات الحرارة المرتفعة‏ .‏ وبحساب كلٍ من كتلة الشمس وشدة مجال جاذبيتها أمكن حساب درجات الحرارة اللازمة لإحداث هذا التوازن ، وهي أرقام مذهلة تتراوح بين ‏15‏ مليوناً‏,‏ و‏20‏ مليون درجة مطلقة‏ .‏
والشمس عاشت طيلة فترة وجودها المقدرة بنحو عشرة بلايين من السنين في اتزان دقيق بين جاذبيتها الهائلة على مكوناتها التي تضغطها في اتجاه المركز منها‏,‏ ودرجات الحرارة الفائقة في مركزها التي تدفع بمكوناتها بعيداً عنه‏ .‏
وعلى ذلك فإن الحجم الهائل للشمس‏,‏ وكتلتها الرهيبة لا يمكِّنان مادتها إلا أن تكون في حالة شبه غازية‏,‏ ملتهبة‏,‏ متوهجة‏,‏ ولو تغير حجم وكتلة الشمس ـ ولو قليلاً ـ عن القيم المحددة لها لتغير سلوك مادتها تماماً عن سلوكها الحالي؛‏ لأن السبب في إضاءة النجوم وتوهجها واندلاع عملية الاندماج النووي في قلوبها‏,‏ وانطلاق الطاقة منها هو تكونها من كتلة وحجم معينين‏ .‏ فسبحان الذي قدر تلك الكتل ووضع تلك السنن ‏.‏
والمادة في قلب الشمس توجد على هيئة تختلف عن الحالات الثلاث المعروفة بها على الأرض‏ ـ‏ الصلبة‏,‏ والسائلة‏,‏ والغازية‏ ـ وتعرف هذه الحالة باسم حالة البلازما‏,‏ وفيها تتفكك مكونات الذرات إلى نوى عارية‏,‏ وإليكترونات حرة‏,‏ فتستعيد قابليتها للانضغاط بتضاؤل المسافات بين اللبنات الأولية للمادة إلى واحد من مائة ألف من المسافات الفاصلة بين الذرات في حالات المادة العادية ‏،‏ ولذلك يمكن اعتبار حالة البلازما صورة من صور المادة الغازية المكدسة التي تصل فيها الكثافة إلى نحو مائة مليون طن للسنتيمتر المكعب، وتعرف باسم الكثافة النووية‏(Nuclear Density) .‏
والشمس في تمدد مستمر نتيجة لعنف التفاعلات النووية في داخلها‏,‏ ولولا ذلك لانفجرت كقنبلة هيدروجينية عملاقة‏.‏
الشمس ومجموعتها الشمسية‏ :‏
تتراوح المسافة بين الشمس والكواكب السيارة المرتبطة بها والدائرة في فلكها بين ‏58‏ مليون كيلو متر وأكثر من‏6000‏ مليون كيلو متر‏،‏ وتختلف الظروف الطبيعية على الكواكب في مجموعتنا الشمسية تبعاً لقربها من الشمس أو بعدها عنها‏,‏ وتبعاً لحجم كلٍ منها‏,‏ وبالتالي حجم الغلاف الغازي المحيط بها ‏.‏
والكواكب تدور حول الشمس في أفلاك شبه دائرية في الاتجاه نفسه‏,‏ وهي في مساراتها تلك تختلف المسافة بين كلٍ منها والشمس‏,‏ كما تختلف سرعة جري الكوكب الواحد باختلاف بعده عن الشمس‏,‏ فتصل سرعة الكوكب أقصاها وهو أقرب ما يكون من الشمس‏,‏ وتقل بالتدريج بابتعاده عنها حتى تصل سرعته أدناها وهو أبعد ما يكون عن الشمس ‏.‏
وحركات الكواكب حول الشمس يحكمها توازن دقيق بين قوتين متضادتين، هما قوة جذب الشمس للكوكب‏,‏ والقوة الطاردة المركزية الناشئة عن دوران الكوكب حول الشمس‏,‏ والتعادل الدقيق بين هاتين القوتين هو الذي حدد للكواكب أفلاكها الثابتة‏,‏ وحدد جريها فيها وحفظها من الانطلاق إلى فسحة الكون أو السقوط في سعير الشمس ‏.‏ والكواكب في الوقت نفسه تتجاذب فيما بينها تجاذباً أقل من جذب الشمس لكلٍ منها، مما يعين على احتفاظها بأبعادها الثابتة فيما بينها‏ .‏
والنهار والليل يتعاقبان على كل كوكب في مجموعتنا الشمسية‏,‏ ويتم ذلك في مدد متفاوتة تفاوتاً كبيراً لاعتماده على حجم وكتلة الكوكب وسرعة دورانه حول محوره‏ ، وكذلك تتفاوت سنة كل كوكب بتفاوت بُعده عن الشمس‏,‏ وبتفاوت سرعة جريه في مداره حولها حتى يتم دورة كاملة‏ .‏
وبدوران الأرض حول محورها تتم الحركة الظاهرية لكلٍ من الشمس والقمر والنجوم والكواكب التي تتراءى لنا عبر السماء‏، وتتابع الفصول على أرضنا بسبب ميل محور الأرض في دورانها حول الشمس‏ .‏
طاقة الشمس‏ :‏
تطلق الشمس من الطاقة ما يقدر بنحو خمسمائة ألف مليون مليون مليون حصان في كل ثانية‏,‏ يصل إلى الأرض منها واحد في الألف فقط تقريبا‏ًً,‏ ويمثل ذلك مصدر كلٍ الحرارة والضوء وغيرهما من مختلف صور الطاقة على الأرض‏ ـ باستثناء الطاقة النووية‏ ـ‏ وتعتمد كل الأنشطة الطبيعية‏‏ على سطح الأرض‏‏على الطاقة الشمسية‏,‏ فقد أعطى الله‏ ـ تعالى‏ ـ للشجر الأخضر القدرة على اختزان جزء كبير من طاقة الشمس على هيئة روابط كيميائية فيما تنتجه من سكريات ونشويات وزيوت وغيرها من المنتجات النباتية‏,‏ وذلك بتفاعل آشعة الشمس مع كلٍ من العصارة الغذائية للنبات‏ (‏المكونة من معادن الأرض والماء‏)‏، وثاني أكسيد الكربون مطلِقاً الأوكسجين، كما أعطى ربنا‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ كلاً من الإنسان والحيوان القدرة على الاستفادة بتلك الطاقة الشمسية المخزونة في المنتجات النباتية في جميع أنشطتها الحيوية‏,‏ وذلك بإحراقها أثناء عملية التمثيل الغذائي، فتحول هذه المواد مرة أخرى إلى ماء وثاني أكسيد الكربون .‏ ثم من فضلات كلٍ من النبات والحيوان والإنسان تتكون مصادر أخرى للطاقة مثل الخشب، والقش، وروث الحيوان، وفضلات الإنسان التي تتكون منها أغلب مصادر الطاقة الطبيعية مثل الفحم النباتي‏,‏ الفحم الحجري‏,‏ النفط‏,‏ الغاز الطبيعي‏,‏ وغيرها‏ .‏
القسم بالشمس إشارة إلى أهميتها‏ :‏
مما سبق يتضح لنا جانب من جوانب أهمية الشمس‏,‏ تلك الآية الكونية البديعة التي تشهد لخالقها‏ ـ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ بطلاقة القدرة‏,‏ وبديع الصنعة‏,‏ وعظيم الحكمة‏,‏ وإحاطة العلم‏,‏ ومن هنا كان قسم الله بها ـ وهو سبحانه غني عن القسم ـ وذلك من أجل تنبيهنا إلى تلك الأهمية القصوى للشمس‏ التي بدونها ما قامت الحياة على الأرض‏,‏ حتى لا نمر عليها ونحن غافلون عنها‏؛‏ لأننا لو أدركنا أهميتها للحياة لأدركنا جانباً من جوانب العظمة المطلقة لخالقها‏‏ الذي أبدعها‏,‏ وأبدع الكون كله في نظام بالغ الدقة والإحكام والتكامل مما يشهد له‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ بالألوهية‏ والربوبية والوحدانية المطلقة فوق كل خلقه ‏(‏بغير شريك‏,‏ ولا شبيه‏,‏ ولا منازع‏,‏ ولا زوجة ولا ولد‏,‏ فقد تنزه جلت قدرته عن كل ذلك‏) .‏
القسم بضحى الشمس :
يقال في اللغة العربية إن (‏ضحوة‏)‏ النهار هي الفترة بعد طلوع الشمس‏,‏ وبعدها ‏(‏الضحا‏)‏ : وهي الفترة حين تنتشر الشمس في الجزء الشرقي من السماء حتى قبل الوصول إلى منتصفها ـ أي إلى الظهيرة‏ ـ‏ وقد يكون ‏(‏الضحا‏)‏ جمع ‏(‏ضحوة‏),‏ وقد تكون اسماً لظرف غير متمكن‏، وبعد‏ (‏الضحا‏)‏ يأتي‏ (‏الضحاء‏)‏ وهو عند ارتفاع النهار الأعلى ‏.‏
وقيل‏:‏ إن المقصود بـ‏(‏الضحى‏)‏ هو النهار كله‏,‏ وذلك انطلاقاً من قول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :"
وَالضُّحَى .‏ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى "       ‏(‏الضحى‏:2,1) .‏
وقوله ـ‏ عز من قائل ـ : " أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا ‏.‏ رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا .‏ وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا "
       (النازعات‏:27‏ ـ‏29) .‏
ولكن معاودة القسم بالنهار في سورة الشمس بقول الحق‏ ـ سبحانه وتعالى‏ ـ :"
وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا " (الشمس:3).
يوحي بأن المقصود بـ‏(‏ضحى الشمس‏)‏ هو أول النهار‏‏ وليس النهار كله‏، وأول النهار هو الفترة من لحظة الشروق إلى الظهيرة‏ .‏
وسواء كان المقصود بــ‏(‏ضحى الشمس‏)‏ هو وقت ارتفاعها عن الأفق‏,‏ أو النهار كله‏,‏ فهي فترة يتزايد فيها وصول طاقة الشمس إلى الأرض، مما له انعكاسات هائلة على كلٍ من الأحياء والجمادات‏,‏ وعلى سائر الأرض .
 فقد ثبت علمياً أن نطق الحماية التي خلقها الله ـ تعالى ـ‏ للأرض ومن عليها مثل نطاق الأوزون، والنطاق المتأين ، تتمدد تمدداً ملحوظاً مع شروق الشمس‏,‏ ويصل هذا التمدد مداه عند الظهيرة، ثم تبدأ تلك النطق في الانكماش حتى تصل إلى أدنى سمك لها في ظلمة الليل البهيم‏،‏ ومن هنا كان القسم بالشمس وضحاها‏ .‏
ومن ذلك ما ثبت علمياً بأن في وسط الدماغ غدة صغيرة تعرف باسم الغدة الصنوبرية‏,‏ أعطاها الله‏ ـ تعالى‏ ـ القدرة على إفراز هورمون معين أطلق عليه اسم الميلاتونين، له تأثير فاعل في الجسد الحي مثل جسد الإنسان‏,‏ ويلعب دوراً رئيسياً في المحافظة على سلامة هذا الجسد‏ (‏الإنساني‏),‏ لكنه إذا زاد على قدر معين فإنه يصبح ضاراً بهذا الجسد‏،‏ والميلاتونين تفرزه الغدة الصنوبرية في غيبة الضوء‏ ـ‏ أي بالليل‏ ـ‏ فإذا طلعت الشمس فإن عصباً محدداً في العين يتلقى آشعتها فيقوم على الفور بإرسال رسالة خاصة إلى الساعة الحياتية‏ (The Biological Clock)‏
التي تأمر الغدة الصنوبرية بالتوقف عن إفراز الميلاتونين‏,‏ وعند غياب الشمس تنعكس الأوامر التي تصدر بإنتاج هذا الهورمون المهم إلى جميع خلايا الجسم ‏.‏
فهل يمكن أن يكون هذا القسم من الله الخالق‏ ـ سبحانه وتعالى ـ‏ إلا تأكيداً لأهمية الشمس وأهمية ضحاها لاستقامة الحياة على الأرض وفي الكون‏,‏ وأن يكون في ذلك من الشهادة على عظمة الخالق الذي أبدعها ؛ لأن في بناء الشمس وفي انضباط حركاتها ما يقطع بأن ذلك لا يمكن إلا أن يكون نتاج تقدير محكم دقيق من الخالق العليم الخبير الذي أتقن كل شيء خلقه، ولذلك أورد ذكر الشمس في خمسة وثلاثين موضعاً من محكم كتابه‏,‏ وسمي باسمها سورة من سوره‏,‏ وأقسم بها في مطلع تلك السورة الكريمة‏,‏ كما أشار إلى شيء من صفاتها‏,‏ وتسخيرها‏,‏ وانضباط حركاتها‏,‏ وحتمية فنائها‏,‏ وذلك مثل قوله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ :‏ "‏ فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ "
   ‏(الأنعام‏:96) .‏
‏"...‏ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ "
( الأعراف‏:54) .‏
‏"‏ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ" 
         (يونس‏:'5) .‏
‏"...‏ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ " 
      (الرعد‏:2) .‏
‏"‏ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ " 
      ‏(إبراهيم‏:33) .‏
‏" وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
"        (النحل‏:12) .‏
‏"‏ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ
وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذَابُ‏..."         (الحج‏:18) .‏
‏"وَجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً ‏"       ( نوح‏:16) .‏
‏"‏ فَإِذَا بَرِقَ البَصَرُ . وَخَسَفَ القَمَرُ . وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ
"       ‏(القيامة‏:7‏ ـ‏9) .
‏‏"‏ وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً "
      ‏(النبأ‏:13) .‏
‏"‏ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ "        ‏(التكوير‏:1) .‏
فسبحان الذي خلق الشمس ـ كما خلق غيرها من أجرام الكون وخلق الكون بكل ما فيه ومن فيه ـ وضبط حركات كل صغيرة وكبيرة فيه بعلمه وحكمته وقدرته‏,‏ وأحاط بكل ذلك علماً، فأقسم بالشمس وضحاها من قبل ألف وأربعمائة سنة‏,‏ في بيئة لم يكن لأحد من الخلق إدراك لقيمة الأمر المقسم به‏,‏ ثم يأتي العلم الكسبي في أوج تقدمه مؤكداً عظمة المقسم والمقسم عليه‏,‏ وشاهداً بأن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق‏,‏ وأن الرسول الخاتم الذي تلقاه كان موصولاً بالوحي‏,‏ ومعلَّماً من قبل خالق السماوات والأرض‏,‏ فصل اللهم وسلم وبارك عليه‏,‏ وعلى آله وصحبه‏,‏ ومن تبع هداه ، ودعا بدعوته إلى يوم الدين . والحمد لله رب العالمين .