" حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ‏ " (النمل‏:18)‏


هذه الآية الكريمة جاءت في الخمس الأول من سورة النمل، وهي سورة مكية‏,‏ وعدد آياتها‏(93)‏ بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلى وادي النمل الذي مر به نبي الله سليمان‏ ـ عليه السلام‏ ـ‏ وجنوده‏,‏ فنطقت نملة ـ بلغتها الخاصة بها ـ مُحذذِّرة رفاقها من إمكانية أن يطأهم سليمان وجنوده بأقدامهم، أو بحوافر خيلهم، فيحطموهم وهم لا يشعرون‏,‏ ولذلك أمرتهم بدخول مساكنهم‏.‏ وفي هذه الواقعة من الدلالة على وجود قدر من النطق و الإدراك عند أمة النمل‏,‏ وكذلك عند جميع المخلوقات، وهو ما أكدته الدراسات العلمية في أواخر القرن العشرين‏.‏
و سورة النمل هي إحدى سور ثلاث نزلت متتالية بنفس ترتيبها في المصحف الشريف، وهي‏:‏ الشعراء‏,‏ النمل‏,‏ والقصص‏,‏ ويكاد منهاجها يكون واحدا‏ًً في استعراض قصص عدد من الأمم السابقة من أجل استخلاص العبرة‏,‏ والتعرف على تاريخ البشرية في تعاملها مع رسالة السماء‏,‏ والتدبر في سنن الله الواقعة بعباده دون تغير‏,‏ أو تحول‏,‏ أو توقف‏,‏ والمقارنة بين مواقف مشركي قريش من خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ ومواقف أعداد من الكفار والمشركين أمثالهم من رسل الله السابقين‏,‏ ومواقف أعداد أخرى من الحكام اللاحقين من بعدهم‏,‏ الظلمة المُتجِّبرين على الخلق من الدعاة الصادقين إلى الله عبر التاريخ وإلى يومنا الراهن‏ وحتى قيام الساعة‏.‏
ويدور المحور الرئيسي لسورة النمل حول إخلاص الإيمان بالله ـ تعالى ـ وحده‏,‏ وإخلاص العبادة له‏ ـ سبحانه‏ ـ وحده‏(‏ بغير شريك‏,‏ ولا شبيه‏,‏ ولا منازع‏,‏ ولا صاحبة‏,‏ ولا ولد‏؛‏ لأن هذه كلها من صفات المخلوقين‏,‏ والله ـ تعالى ـ منزه عن صفات خلقه‏),‏ ولذلك كان توحيد الله ـ تعالى ـ‏ وتنزيهه عن كل وصف لا يليق بجلاله هو صلب رسالة السماء إلى المخلوقين من لدن أبينا آدم إلى بعثة خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ‏ صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين ـ ولذلك أيضاً تكرر في سورة النمل هذا السؤال التقريري‏,‏ التقريعي‏,‏ التوبيخي الشديد‏:
" أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ " ؟ خمس مرات في سياق الاستدلال على الوحدانية المطلقة لله ـ تعالى‏ ـ فوق جميع خلقه من خلال دراسة هذا الخلق‏,‏ ويأتي الجواب في كل مرة صادعاً‏,‏ قويا‏ًً,‏ عنيفا‏ًً :‏ " بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ "‏,‏ " بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ‏ ",‏ " قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ‏ "," تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ",‏ و " قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ "‏.‏
وبالإضافة إلى التركيز على وحدانية الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ وتجريم وتكفير الشرك به‏,‏ شددت سورة النمل على قواعد أخرى من ركائز العقيدة الإسلامية، ومنها حقيقة كلٍ من النبوة‏,‏ والرسالة‏,‏ والوحي‏,‏ والآخرة التي استشهدت السورة الكريمة بعدد من علاماتها‏,‏ والمظاهر المصاحبة لها‏,‏ وأشارت إلى البعث وأهواله‏,‏ والحساب ودقته‏,‏ والجزاء وعدله‏,‏ وأكدت حقيقة الغيب المطلق الذي لا يعلمه إلا الله ـ‏ تعالى‏ ـ‏ الخلاق‏,‏ الرزَّاق‏,‏ العليم‏,‏ واهب النعم‏,‏ ومجري الخيرات‏,‏ رب هذا الكون ومليكه‏,‏ صاحب الحول والطول والقوة المطلقة‏,‏ ولا حول ولا طول ولا قوة إلا به.‏
وقد استهلت سورة النمل بالحرفين المقطعين " طس‏ " ,‏ ومثل هذه المقطعات من حروف الهجاء التي افتتحت بها تسع وعشرون سورة من سور القرآن الكريم تعتبر من أسرار هذا الكتاب الخالد‏,‏ وهذا السر فوَّض غالب المفسرين الأمر فيه إلى الله‏,‏ وحاول البعض منهم إيجاد تفسير له‏,‏ ومن هؤلاء من رأى في هذه المقطعات وسائل تنبيه كالتي استخدمها العرب في مطالع أحاديثهم لاستثارة انتباه المستمعين إليهم، ومنهم من رأى فيها رموزا إلى كلمات أو أعداد أو معان محددة‏,‏ أو أسماء للسور التي وردت في أوائلها‏,‏ ومنهم من رأى فيها وجها من أوجه تحدي العرب بالقرآن الكريم‏ وإثبات إعجازه‏‏ من باب أن هذه الحروف الأربعة عشر تشير إلى بقية حروف الهجاء التي هي في متناول أيديهم‏,‏ وعلى الرغم من ذلك فهم عاجزون ـ وسوف يظلون عاجزين ـ عن الإتيان بسورة من مثله‏,‏ وقد تحداهم القرآن الكريم بذلك في أكثر من موقع، ولا يزال هذا التحدي قائماً دون أن يتقدم عاقل بسورة من مثل سور القرآن الكريم،‏ ومن المفسرين من رأى في الفواتح الهجائية‏ (‏ التي جاءت في مطلع تسع وعشرين سورة من سور القرآن الكريم‏)‏ معجزة للرسول الخاتم‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ تتمثل في نطقه بأسماء الحروف ـ وهو الأمي ـ والأمي ينطق بالحروف ولا يعرف أسماءها‏.‏
ومن المفسرين من يميل إلى الجمع بين هذه الآراء جميعها‏,‏ ومنهم من يدعو إلى المزيد من الاجتهاد لعل الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ أن يأذن بمعرفتها فيفتح لأحد الصالحين المجتهدين باب علم فيها، وما ذلك على الله بعزيز‏.‏
وبعد الفاتحة الهجائية تستكمل أول آيتين في سورة النمل بالثناء على القرآن الكريم، وذلك بقول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ:‏
" طس‌ تِلْكَ آيَاتُ القُرآنِ وَكِتَابٍ مُّبِينٍ‏ .‏ هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ‏ "‏(‏النمل‏:2,1).‏
ثم تصف الآيتان التاليتان المؤمنين بأنهم هم‏ :‏
" الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ‏ " (‏ النمل‏:3).‏
كما تصف الذين لا يؤمنون بالآخرة بأنهم "‏ يَعْمَهُونَ " أي يتيهون في ضلالاتهم التي يتحيرون فيها كثيراً ويترددون‏.‏ وتؤكد الآيات بعد ذلك حقيقة أن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق، وذلك بتوجيه الخطاب إلى خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ ‏بقول ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ له‏:‏" وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى القُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ " ‏(‏ النمل‏:6).‏
كذلك استعرضت الآيات في سورة النمل لمحات من سِيَر عدد من أنبياء الله ورسله تأكيداً على وحدة الرسالة السماوية التي كانت كلها إسلاماً لله ـ تعالى‏ ـ‏ وتكاملت كلها في بعثة الرسول الخاتم ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏.‏
وتبدأ السورة الكريمة في هذا السرد الإلهي بحلقة من قصة موسى ‏ـ عليه السلام‏ ـ‏ ناجاه فيها ربه‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ بالبقعة المباركة من أرض سيناء ـ‏ جبل المناجاة‏ ـ‏ وكلَّفه بإبلاغ رسالته إلى فرعون وقومه‏,‏ وأعطاه تسع آيات تشهد له بالنبوة وبالرسالة فكذبوا بها‏,‏ وأنكروها لما جاءتهم‏,‏ واعتبروها ضرباً من السحر على الرغم من تيقنهم من صدقها‏,‏ وفي ذلك يقول ربنا‏ ـتبارك وتعالى‏ ـ:‏
" فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ .‏ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُواًّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُفْسِدِينَ‏ "‏(‏ النمل‏:13، 14).

ثم جاء ذكر كلٍ من داود وولده سليمان‏ ـ‏ عليهما السلام‏ ـ‏ في قول ربنا ـ تبارك وتعالى ـ‏:‏
" وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ .‏ وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الفَضْلُ المُبِينُ .‏ وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الجِنِّ وَالإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ‏ .‏ حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ‏ .‏ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ‏ "(‏ النمل‏:15‏ ـ‏19).‏
وكان الهدهد من ضمن ما حُشِرَ لسليمان من الطير‏,‏ ولكنه عندما تفقده لم يجده‏,‏ فتوعده بعذاب شديد‏,‏ ثم فاجأه الهدهد بنبأ جاء به من مملكة سبأ‏,‏ حيث وجد امرأة تحكمهم‏,‏ وقد أوتيت من كل شيء‏‏ ولها عرش عظيم‏,‏ وأنها وقومها يسجدون للشمس من دون الله‏,‏ وانتقد الهدهد ذلك كما جاء في قول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ‏ على لسانه إذ يقول‏:‏
" وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ‏ .‏ أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ .‏ اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ‏ "(‏ النمل‏:24‏ ـ‏26).
فأرسل سليمان الهدهد برسالة منه إلى أهل مملكة سبأ‏,‏ وتلقته ملكتهم فقالت كما يقول الحق ـ تبارك وتعالى‏ ـ:‏
" قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ .‏ إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنِّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " ‏(‏ النحل‏:29‏ ـ‏31).
وبعد مشاورات مع أهل الرأي عندها قامت ملكة سبأ بإرسال هدية إلى سليمان فرفضها‏,‏ وتوعدها بالحرب‏,‏ وأمر بالإتيان بعرشها فجيء به إليه، وفي ذلك يقول ربنا‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ:‏
" قَالَ يَا أَيُّهَا المَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ‏ .‏ قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ .‏ قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ‏... " ‏(‏ النمل‏:38‏ ـ‏40).‏
ثم جاءت ملكة سبأ لملاقاة سليمان وقد سبقها عرشها إليه‏,‏ فقالت كما تروي الآيات في سورة النمل‏:‏
‏" ..‏ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ‏ " ‏(‏النمل‏:44).‏
وبعد ذلك انتقلت سورة النمل إلى جانب من قصة نبي الله صالح‏ ـ‏ عليه السلام‏ ـ‏ وكان أغلب قبيلته ـ ثمود ـ من المفسدين في الأرض، فدعاهم إلى عبادة الله الواحد القهار‏,‏ وأبرز لهم من المعجزات الحسية ما يشهد له بالنبوة، ولكنهم كفروا برسالته‏,‏ وتآمروا عليه‏,‏ ومكروا به، فدمرهم الله ـ‏ تعالى‏ ـ أجمعين‏,‏ ونجَّى صالحاً ومن آمن معه‏,‏ ويذكرنا ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ‏ بما حدث لهم قائلا‏:‏
" فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ .‏ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ . وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ " ‏(‏النمل‏:51‏ ـ‏53)‏.
ثم عرجت سورة النمل إلى جانب من قصة نبي الله لوط ـ‏ عليه السلام‏ ـ والكافرين المفسدين في الأرض من قومه‏,‏ وهمَّوا بإخراجه هو ومن آمن معه من قريتهم بدعوى أنهم أناس يتطهرون‏,‏ فأنزل الله ـ تعالى ـ عقابه بهم‏,‏ ونجَّى لوطاً والذين آمنوا معه‏.‏ وفي خواتيم سورة النمل وجهت الآيات الخطاب إلى خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ:‏
" قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ‏ .‏ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ‏ .‏ أَمَّن جَعَلَ الأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ .‏ أَمَّن يُجِيبُ المُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ .‏ أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ البَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ‏ . أَمَّن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ‏ " ‏(‏النمل‏:59‏ ـ‏64).‏
وتعاود الآيات في سورة النمل وصف كلٍ من منكري الآخرة والمتشككين في وقوعها بالعمى‏,‏ وتطالب خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ بالرد عليهم بقول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ:‏
" قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُجْرِمِينَ‏ " ‏(‏النمل‏:69).‏
وتؤكد الآيات أن اليهود قد حرَّفوا دينهم واشتروا به ثمناً قليلاً‏,‏ ممتدحة في نفس الوقت القرآن الكريم، وذلك بقول الحق‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ:‏
" إِنَّ هَذَا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ‏ .‏ وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ‏ " (‏النحل‏:77,76)‏.
وتذكر الآيات في سورة النمل بواحدة من العلامات الكبرى للساعة‏,‏ مؤكدة جحود أغلب الناس بآيات الله‏,‏ وذلك بقول ربنا ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ:‏
" وَإِذَا وَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لاَ يُوقِنُونَ ‏ "(‏النمل‏:82)‏.
ثم تذكر الآيات كذلك بيوم البعث وأهواله‏,‏ وبعدد من الأحداث المصاحبة له‏,‏ وتصف تمايز الناس فيه بين محسنين ومسيئين‏,‏ وجزاء كلٍ منهم‏,‏ وتنتهي إلى قول الحق ـ‏ تبارك وتعالى ـ‏ على لسان خاتم أنبيائه ورسله‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ:‏
" إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ .‏ وَأَنْ أَتْلُوَاْ القُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ المُنذِرِينَ " ‏(‏ النمل‏:92,91).‏
وتختتم هذه السورة المباركة بأمر من الله‏ ـ تعالى‏ ـ إلى خاتم أنبيائه ورسله‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ يقول فيه ربنا‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ:‏
" وَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ‏ " ‏(‏النمل‏:93)‏.
وفي هذه الخاتمة الكريمة إشارة إلى التقدم العلمي والتقني الذي حققته مسيرة البشرية في زماننا الراهن‏,‏ وما كان لأحد في زمن الوحي‏,‏ ولا لقرون متطاولة من بعده إدراك لإمكانية تحقيق ذلك أبدا‏ًً.


من الإشارات الكونية في سورة النمل:
‏(1)‏ التأكيد على حقيقة الآخرة‏.‏ والعلوم المكتسبة تؤكد أن الكون مُستَحدَث فان‏ٍٍٍ,‏ كانت له في الأصل بداية‏,‏ ولابد وأن ستكون له في يوم من الأيام نهاية‏ لا تستطيع العلوم المكتسبة تحديدها‏.‏
‏(2)‏ الإشارة إلى عالمي الغيب والشهادة‏.‏ والعلوم المكتسبة تؤكد أن المعلوم لنا من الجزء المدرك من الكون لا يتعدى‏10%‏ من الكتل المحسوبة رياضياً‏,‏ وفيزيائياً‏,‏ وفلكياً فيه‏,‏ وأن الغيوب في السماوات والأرض أكثر من أن تحصى‏.
‏(3)‏ الإشارة إلى حقيقة أن للنمل ـ كما للطيور ولغيرهما من خلق الله ـ وعيا‏ًً,‏ وإدراكاً‏,‏ وذاكرة‏ًً,‏ وقدراتٍ متباينةً على التعبير عن الذات‏,‏ والتفاهم‏,‏ والاتصال‏,‏ وتبادل المعلومات‏,‏ وإصدار الأوامر‏,‏ وتلقيها من الآخرين في تجمعاتها ومع غيرها من الأفراد والجماعات.‏ وعلوم سلوك الحيوان تؤكد ذلك‏.‏
‏(4)‏ التلميح إلى سرعات فائقة تقترب من سرعة الضوء التي لم تُعرَف إلا في القرن العشرين‏,‏ وذلك من قبل أربعة عشر قرنا‏ًً,‏ وفي مجتمعات لم يكن لها أدنى قدر من المعرفة العلمية‏.
‏(5)‏ التأكيد على حقيقة خلق السماوات والأرض، وأن الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ يبدأ الخلق ثم يعيده‏. والعلوم المكتسبة تدعم ذلك‏.

‏(6)‏ الإشارة إلى تصريف الرياح‏,‏ وإلى دورة الماء حول الأرض بالتأكيد على إنزاله من السماء‏,‏ وإلى إنبات الأرض بمجرد إنزال ماء السماء عليها‏.
‏(7)‏ ذكر العديد من حقائق الأرض، ومنها أن الله ـ‏ تعالى‏ ـ قد جعلها قرارا‏ًً,‏ وجعل خلالها أنهاراً‏,‏ وجعل لها رواسي‏,‏ وجعل بين البحرين حاجزا‏ًً.‏
‏(8)‏ إظهار حقيقة أن هداية الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ للعباد في ظلمات البر والبحر بواسطة أضواء نجوم السماء ونور القمر هي من نعم الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ الذي يرزقهم من السماء والأرض‏.‏ ‏
(9)‏ الإشارة إلى ما عند جميع الحيوانات ـ‏ بل جميع المخلوقات ـ من إيمان فطري‏,‏ وعبادة وتسبيح تسخيريين‏,‏ ووعي وإدراك ومنطق وذاكرة‏,‏ وأن الله ـ تعالى ـ يَهَبُ لمن يشاء من عباده القدرة على استيعاب ذلك وفهمه‏.

‏(10)‏الإشارة إلى حقيقة دوران الأرض حول محورها بتبادل كلٍ من الليل والنهار‏,‏ وكذلك بمرور الجبال كما يمر السحاب وهي تبدو للناظر إليها وكأنها جامدة، وإبراز الحكمة من ذلك‏.‏
‏(11)‏ الجزم القاطع بأن المستقبل سوف يكشف صدق كل ما جاء به القرآن الكريم‏,‏ وفي ذلك استشراف للتقدم العلمي والتقني الذي نعيشه اليوم‏.‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة خاصة بها‏,‏ ولذلك فسوف أقصر حديثي هنا على النقطة الثالثة فقط من القائمة السابقة والتي أشارت إليها الآية الثامنة عشرة من سورة النمل‏,‏ وقبل البدء في ذلك لابد من استعراض سريع لأقوال عدد من المفسرين في شرح دلالة هذه الآية الكريمة‏.‏


من أقوال المفسرين:
في تفسير قوله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ:
"‏ حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ "‏(‏النمل‏:18)‏.
ذكر صاحب الظلال‏ ـ‏ رحمه الله برحمته الواسعة‏ ـ‏ ما نصه‏:‏ لقد سار الموكب‏,‏ موكب سليمان من الجن والإنس والطير‏‏ في ترتيب ونظام‏,‏ يجمع آخره على أوله‏,‏ وتضم صفوفه‏,‏ وتتلاءم خطاه‏,‏ حتى إذا أتوا على واد كثير النمل‏..‏ قالت نملة لها صفة الإشراف والتنظيم على النمل السارح في الوادي ـ ومملكة النمل كمملكة النحل دقيقة التنظيم‏,‏ تتنوع فيها الوظائف‏,‏ وتؤدي كلها بنظام عجيب‏,‏ يعجز البشر غالبا عن اتباع مثله‏,‏ على ما أوتوا من عقل راق وإدراك عال ـ قالت هذه النملة للنمل بالوسيلة التي تتفاهم بها أمة النمل‏,‏ وباللغة المتعارفة بينها‏,‏ قالت للنمل‏:‏ ادخلوا مساكنكم كيلا يحطمنكم سليمان وجنوده‏ وهم لا يشعرون بكم‏.‏ (انتهى قول المفسر)
‏ وجاء في تعليق الخبراء على شرح أصحاب المنتخب في تفسير القرآن الكريم‏ ـ‏ جزاهم الله خيراً ـ‏ ما نصه‏:‏ يتضح من هذه الآية الشريفة أن النمل يعيش في جماعات ـ‏ أي أن له مجتمعا‏ًً ـ‏ وأن من خصائصه اليقظة والحذر‏..‏ وقد عرف لمجتمع النمل منذ القدم خصائص عدة تشهد بأن له مجتمعاً مُنَظَّمَاً‏,‏ له نظام دقيق في الحكم‏,‏ وأنه على قدر كبير من الذكاء والدهاء‏,‏ وقوة الذاكرة‏,‏ وحب العمل والمثابرة‏,‏ والجهاد الذي لا يعرف الكلل ولا اليأس‏,‏ كما عرف سعة الحيلة فيما يقوم به من أعمال‏,‏ وآية ذلك أن مجتمع النمل‏ يقوم بدفن موتاه‏,‏ وتحرص جماعاته المختلفة على الالتقاء في صعيد واحد من حين إلى آخر‏,‏ ولهذا خصص أياماً معينة لإقامة سوق تجتمع فيها جماعات لتبادل السلع وللتعارف‏،‏ وهذه الجماعات حين تلتقي تتجاذب أطراف الحديث باهتمام بالغ‏,‏ ويسأل بعضها البعض أسئلة تتصل بشئونها‏.‏ ومن مظاهر مجتمعها المترابط قيامها بمشروعات جماعية، مثل إقامة الطرق الطويلة في أناة ومثابرة تثيران الدهشة‏..‏ ولا تكتفي هذه الجماعات بالعمل نهاراً بل تواصله ليلاً في الليالي القمرية‏,‏ ولكنها تلتزم مستعمراتها في الليالي المظلمة‏. ولأعضاء هذا المجتمع في جمع المواد الغذائية‏,‏ وحملها‏,‏ وتخزينها والمحافظة عليها طرق فريدة في نوعها‏,‏ فإذا لم تستطع النملة حمل ما جمعته في فمها ـ كعادتها ـ لكبر حجمه‏,‏ حرَّكته بأرجلها الخلفية ورفعته بذراعيها، ومن عاداتها أن تقضم الجذور‏,‏ وتفلق بعض الحبوب قبل تخزينها حتى لا تعود إلى الإنبات مرة أخرى‏,‏ وتُجَزِّئ البذور الكبيرة لكي يسهل عليها إدخالها في مستودعاتها‏,‏ وإذا ما ابتلت بفعل المطر أخرجتها إلى الهواء والشمس لتجف‏.‏ (انتهى قول المعلق)


من الدلالات العلمية للآية الكريمة:
أولا‏ًً:‏ أن النمل يحيا في جماعات منظمة‏:

ويشير إلى هذه الحقيقة كلٌ من اسم السورة والآية التي نحن بصددها‏,‏ فاسم السورة جاء بصيغة الجمع‏ (‏ النمل‏)‏ ولم يأت بصيغة الإفراد التي سميت بها سور قرآنية كريمة أخرى مثل سورة العنكبوت‏,‏ والعنكبوت يحيا حياة فردية‏,‏ والنمل لا يحيا إلا في جماعات‏,‏ وإذا ضلت نملة منها عن جماعتها أو انفصلت عنها بسبب من الأسباب فإنها إما أن تنضم إلى جماعة أخرى أو تموت‏.‏
وكذلك استخدمت الآية الكريمة التي نحن بصددها تعبير‏ (‏وادي النمل‏)‏، وقد ثبت أن النمل يحيا في جماعات يتفاوت عدد أفرادها بين بضع عشرات‏‏ وعشرات الملايين‏,‏ يحكمها تنظيم دقيق‏,‏ تتنوع فيه المسئوليات والوظائف والأعمال‏ التي تُؤَدَّى كلها بمستويات مبهرة من الإتقان في الأداء‏,‏ والتفاني في العطاء‏,‏ والثبات والاجتهاد والمثابرة التي يفتقر إليها كثير من الناس‏.‏
وتبدأ جماعة النمل بالملكة المُخصِّبة التي تضع بيضها في مكان آمن ترعاه فيه حتى يفقس وتخرج منه اليرقات التي تتعهدها الملكة حتى يتم نموها إلى الحشرة الكاملة‏. والمُلِكَات هي الإناث الخصبة من النمل التي أعطاها الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ القدرة على التكاثر‏,‏ ووضع البيض‏,‏ ورعاية صغارها حتى تصبح قادرة على العمل‏,‏ وحينئذ تبدأ الشغالات القيام بمسئولية مستعمرة النمل قياماً كاملاً حتى تأتي ملكة جديدة‏,‏ وتستغرق هذه الدورة عدة سنوات تتفاوت من نوع من النمل إلى نوع آخر‏.‏

والشغالات التي تشكل الغالبية الساحقة في مستعمرة النمل هي إناث النمل العاقرة ـ العواقر‏ ـ التي لا دور لها في عملية التكاثر، ولكنها تقوم بمسئوليات الجماعة كاملة‏,‏ أما ذكور النمل فيتحدد دورها في إخصاب الملكات‏,‏ وكلٌ من الملكات وذكور النمل لها أجنحة تطير بها بعد نضجها مباشرة في أسراب تتم خلالها عملية التزاوج وإخصاب الملكات‏,‏ وبعد ذلك تموت الذكور مباشرة‏,‏ وتعود الملكة المخصبة إلى عش النمل لتضع بيضها‏,‏ وتقصف أجنحتها حتى لا تتكرر عملية الإخصاب لها‏.وتستمر الملكة في إدارة أمور جماعة النمل طيلة حياتها التي قد تمتد إلى خمس عشرة سنة‏,‏ بينما تعيش الشغالات لفترات تتراوح بين الأربع والسبع سنوات ثم تموت‏,‏ ولذلك تقوم على مستعمرة النمل ملكة واحدة‏‏ أو عدة ملكات بحسب حجم المستعمرة‏,‏ وتقوم الشغالات ببناء المستعمرة‏ ـ‏ عش أو أعشاش النمل‏ ـ وشقِّ الطرقات المؤدية إليها‏,‏ ونظافتها، وصيانتها‏,‏ وحراستها‏,‏ والدفاع عنها‏,‏ كما تقوم بجمع الطعام‏,‏ وتجهيزه وتخزينه‏,‏ وغير ذلك من الأعمال‏.‏وقد يحتوي عش النمل على كائنات أخرى تتعايش مع النمل في تكافل عجيب‏,‏ وذلك مثل حشرة المَنِّ وبعض الخنافس‏.‏
وأمة النمل هي من أكثر الأمم الحية عدداً‏,‏ وأوسعها انتشاراً، إذ يعرف منها اليوم أكثر من ثمانية عشر ألف نوع‏,‏ يمثل كل نوع منها ببلايين الأفراد التي تنتشر في جميع مناطق الأرض ماعدا المناطق القطبية‏,‏ ويزدهر انتشار النمل في المناطق الحارة بمتوسط‏150‏ نملة في المتر المربع‏,‏ وهذه الأسراب من النمل تبني ملايين البيوت‏ ـ‏ الأعشاش‏ ـ‏ وتقضي على بلايين الحشرات سنوياً والتي لو تركت لدمرت الكساء الخضري للأرض‏,‏ وعلى ذلك فإن أسراب النمل تلعب دوراً رئيسياً في عملية الاتزان البيئي للأرض‏,‏ وتمثل حلقة هامة منها‏,‏ وبالإضافة إلى ذلك فإن النمل بحفره المستمر في الأرض يقوم بدور هام في تهوية التربة‏,‏ وتسميدها‏,‏ وتعقيمها‏,‏ وتطهيرها من العديد من الآفات‏,‏ وبحركته وسط النباتات يقوم بدور في تلقيح بعض الزهور‏,‏ ونشر عدد من البذور عبر مساحات متباعدة من الأرض‏.‏

ثانياً‏:‏ أن لأمة النمل لغات خاصة بها‏:‏
وهذه الحقيقة أثبتتها الآية الكريمة التي نحن بصددها بقول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ:‏
" حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ "‏(‏النمل‏:18)‏ .
وقد سمع نبي الله سليمان‏ ـ‏ عليه السلام‏ ـ‏ نصيحة النملة لرفاقها‏,‏ وفهم لغتها بنعمة من الله وفضل‏,‏ ولغات النمل ظل عدد من علماء الحشرات يحاولون فك رموزها لعشرات من السنين دون جدوى‏,‏ وقد وظفوا في ذلك كل وسائل المنهج العلمي وتقنياته المتطورة‏,‏ وأصبحت لغات التخاطب ووسائل الاتصال عند الحيوان علماً من العلوم المستحدثة في زماننا ينطوي تحت ما يعرف باسم علم سلوك الحيوان‏,‏ إلا أن هذا المنهج البشري في استقراء لغات الحيوان وفهم سلوكه يبقى منهجاً جزئياً‏,‏ استنتاجياً‏,‏ تجريبياً يحتمل الصواب والخطأ‏,‏ بينما العلم الذي تلقاه نبي الله سليمان عن ربه‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ‏ هو علم يقيني‏,‏ كامل‏,‏ صحيح‏,‏ علم به سليمان لغات عدد من الحيوانات كالطير والنملـ وهي معجزة من المعجزات الحسية التي خصه الله ـ تعالى‏ ـ‏ بها‏,‏ وجعلها خارقة من الخوارق تخالف المألوف عند الناس‏,‏ وكانت هذه أول إشارة مؤكدة إلى وجود لغات محددة لكل أمة من المخلوقات العديدة التي أوجدها الخالق العظيم بعلمه وحكمته وقدرته‏.‏

وأحدث ما كتب عن النمل يؤكد أن هذه الحشرة العجيبة ‏(‏ التي يتراوح طول الفرد من أفرادها بين الملليمتر الواحد والسبعة ملليمترات‏,‏ ولا يتعدى حجم مخه حجم حبة الملح المسحوق الناعم‏)‏ لها قدرة هائلة على التخاطب بأكثر من لغة‏,‏ فلكل مستعمرة من مستعمرات النمل لغتها الخاصة بها التي يتحدث ويتفاهم بها أفرادها مع بعضهم البعض‏,‏ ولها لغة أخرى تتفاهم بها مع النمل من غير مجموعتها‏,‏ ومع غيرها من الحشرات والحيوانات الأخرى‏.‏
ولم يستطع العلم بكل تقنياته الراهنة المتطورة أن يستشف من لغات النمل إلا بعض الظواهر والحركات والأصوات المصاحبة للكلام، والتي تم تلخيصها فيما يلي‏:‏
‏(1)‏ اللغة الكيميائية‏:‏
والتي تتمثل في إفراز عدد من المركبات الكيميائية الطيارة من جسم النملة لتعبر بكل مركب منها عن معنى محدد، مثل إصدار الأوامر والتعليمات‏,‏ والتوجيهات والتحذيرات‏,‏ وغير ذلك من عمليات الاتصال‏,‏ وتبادل المعلومات والرسائل للإرشاد إلى بعض الأمور، مثل مواقع الغذاء أو مواد البناء التي تريد أن توجه أنظار الشغالات إليها‏.‏
وقد ثبت أن هذه الإفرازات الكيميائية تختلف في أنواع النمل المختلفة، وتُعرَف عند علماء الحشرات باسم الإفرازات الدالة على الأثر‏.‏
ومن هذه الإفرازات الكيميائية ما يستخدم للإنذار في حالات الأخطار، وتعرف باسم إفرازات الإنذار‏.‏
‏(2)‏ اللغة الحركية‏:‏
وتتم بواسطة تحريك كلٍ من الأرجل والبطن والملامسة بواسطة قرون الاستشعار‏,‏ وقد رُصِدَت هذه الحركات بدقة شديدة في محاولة لإيجاد تفسير لها‏.‏
‏(3)‏ اللغة الصوتية‏:‏
وهذه لم يفهم منها علماء السلوك الحيواني سوى ذبذبات صوتية مترددة كالصرير تلتقطها خلايا سمعية في أرجل كل واحدة من النمل‏.‏ وهذه الذبذبات الصوتية ـ وإن أكدت أن للنمل قدرة على التخاطب ـ إلا أنها تبقى دون اللغة التي سمعها سليمان‏ ـ‏ عليه السلام‏ ـ‏ وفهم دلالاتها‏.‏

ثالثا‏ًً:‏ أن للنمل قدراً من الذكاء والوعي والإدراك والشعور‏:‏
وهي حقيقة أكدتها الآية الكريمة بتعرف النملة على شخص نبي الله سليمان ومن معه من الجنود، وبتخويفهم من إمكانية أن يطأ الجند النمل بأقدامهم أو بحوافر خيلهم‏,‏ وبنصيحتها لأقرانها أن يدخلوا مساكنهم نجاة من تلك المخاطر‏,‏ وبإدراكها أن من صفات النبوة الرحمة بالخلق فأضافت هذه الجملة الراقية
" ‏...‏لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ " بمعنى أنها تدرك أن من صفات المؤمنين الرفق بالخلق، فإن حدث غير ذلك فإنما يكون عفواً بغير قصد منهم ولا شعور‏.‏
وقد أكدت الدراسات المتخصصة في علم سلوك الحيوان كل هذه الحقائق باكتشاف أن النمل ـ كغيره من المخلوقات ـ له من الغرائز الفطرية ما يعطيه قدراً من الذكاء‏,‏ والوعي‏,‏ والإدراك‏,‏ والشعور‏,‏ الذي يمكنه من معرفة الأشياء‏,‏ والأماكن‏,‏ والاتجاهات‏,‏ والأوقات‏,‏ والأشخاص، ويعينه على التمييز بين الحق والباطل، وعلى توقي المخاطر وتجنبها‏,‏ وفي الإقدام على المغانم واقتناص فرصتها‏,‏ وفي ترتيب وتنظيم وضبط حياته الاجتماعية بعدد من القواعد الدقيقة،‏ وفوق ذلك كله فإن الآيات القرآنية الكريمة‏,‏ والأحاديث النبوية الشريفة تؤكد أن أمة النمل ـ كغيرها من الأمم غير المكلفة ـ مفطورة على الإيمان بالله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ وحده رباً وإلهاً‏,‏ وفاطراً ومعبوداً ورازقاً، بغير شريك، ولا شبيه، ولا منازع‏,‏ وعلى عبادته وتقديسه‏ والتسبيح بحمده‏ عبادةً وتقديساً وتسبيحاً تسخيرياً لا إرادة لها في شيء منها‏,‏ ولكنها تدركه وتعلمه وتعيشه‏.‏
وهذا يفسر تعرف النملة على نبي الله سليمان‏,‏ والإشارة بهذا الأدب الجم إلى مقام النبوة الذي أفاء الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ به على هذا العبد الصالح‏.‏
وهذا العلم الوهبي الذي مَنَّ الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ بأقدار منه على جميع مخلوقاته تتفاوت بتفاوت الأدوار المطلوبة من كلٍ منها في هذه الحياة، وفي الحدود التي وضعها الله ـ تعالى ـ لكل أمة من أمم الوجود الحيوي على الأرض‏.‏
ولذلك تبسم نبي الله سليمان عند سماعه مقولة النملة‏,‏ والتي فهمها بما وهبه الله ـ تعالى‏ ـ من علم‏,‏ وأعجب بقدرة الله البالغة التي أعطت النملة الضئيلة في الحجم هذا القدر من الإدراك والأدب والحكمة‏,‏ وأعطت رفاقها قدرة الفهم عليها‏,‏ والانصياع لأوامرها‏,‏ وأعطته هو القدرة على إدراك ذلك، فتوجه إلى الله‏ ـ‏ تعالى ـ بالدعاء أن يلهمه شكر النعم العديدة التي أسبغها عليه وعلى والديه‏,‏ وأن يوفقه إلى عمل الخير الذي يرتضيه ربنا‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ‏ وأن يدخله الجنة مع عباده الصالحين‏.‏
ومن الأدلة المتجمعة على ذكاء النمل، ووعيه‏، وإداراكه دقة تنظيم مجتمعاته‏,‏ وتوزيع العمل بين أفراده‏,‏ وبناء أعشاشه وبيوته‏,‏ وتنظيم المخارج منها والمداخل إليها‏,‏ والمهارة في اصطياد وجمع طعامه‏,‏ وحسن تجهيزه وتخزينه وصيانته ورعايته‏,‏ وقدرته على زراعة بعض النباتات ـ‏ مثل الفطر ـ‏ وحمايتها من الميكروبات بإفراز العديد من المضادات الحيوية‏,‏ وقدرته كذلك على التعايش في توازن وتكافل تامين مع العديد من الحشرات الأخرى مثل المن والخنافس‏.‏
هذه الحقائق لم يدركها علم الإنسان إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين‏,‏ وسبق القرآن الكريم بالوحي بها من قبل أربعة عشر قرناً في زمن لم يتوافر لأيٍ من البشر أدنى إلمام بشيء منها مما يؤكد أن هذا الكتاب الكريم لا يمكن أن يكون صناعة بشرية‏,‏ بل هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ وحفظه بحفظه في نفس لغة وحيه‏ ـ‏ اللغة العربية‏ ـ‏ وحفظه حفظاً كاملاً تحقيقاً لوعده الذي قطعه على ذاته العلية فقال‏ ـ عزمن قائل‏ ـ:‏
" إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ "
(‏ الحجر‏:9).‏
وهكذا بقي القرآن الكريم محتفظاً بنصه الإلهي‏,‏ وإشراقاته النورانية‏,‏ والحق المطلق الذي جاء به على مدى أربعة عشر قرناً أو يزيد‏,‏ وإلى أن يرث الله‏ ـ تعالى‏ ـ الأرض ومن عليها‏,‏ بقي المصدر الوحيد للهداية الربانية في أمر الدين الذي تعرضت كل رسالاته السابقة للضياع التام‏,‏ وبقيت من بعضها ذكريات متناثرة ظلت تتناقل شفاها‏‏ تفسرها الأهواء‏,‏ وتضيف إليها‏,‏ وتحذف منها‏,‏ وتحرفها كيفما تشاء حتى تم إخراجها عن إطارها الرباني‏,‏ وإلقاؤها في أحضان عدد من الوثنيات القديمة والفلسفات الوضعية التي جعلتها عاجزة عن هداية البشرية‏,‏ وهذا هو السبب الحقيقي من وراء المظالم التي تسود الأرض في زماننا‏.
وحين تم التدوين لبعض هذه الذكريات القديمة تم بلغات غير لغات الوحي‏,‏ وبواسطة أقلام متفرقة‏,‏ في أماكن متعددة‏,‏ وفي أزمنة متباعدة وصلت إلى العديد من القرون بعد موت أو رفع الرسول الذي تلقى الرسالة الأصلية، والتي فقدت أصولها السماوية بالكامل‏,‏ ولذلك تعددت الأسفار‏,‏ وتناقضت المعلومات‏,‏ وكثرت المراجعات إلى يومنا الراهن، وستظل إلى ما شاء الله‏.‏
وللخروج من هذه الدوامات العاتية من الشك والشرك والشقاق والنفاق، فإننا ندعو كل مؤمن بالله إلى قراءة القرآن الكريم بحيدة وموضوعية، ثم الحكم بنفسه إن كان هذا هو كلام الله الخالق أم كلام البشر المخلوقين؟.
ونحن معشر المسلمين نؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر‏,‏ ولا نفرِّق بين أحد من رسله‏,‏ ونؤمن بوحدة الدين‏,‏ وبوحدة تجميع رسالات السماء‏,‏ وبالأخوة الإنسانية‏,‏ وبأنه لا إكراه في الدين‏,‏ وانطلاقاً من ذلك كله نقدم القرآن العظيم للبشرية التائهة‏,‏ عسى الله ـ تعالى ـ أن يهديها إلى طريقه القويم وما ذلك على الله بعزيز . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏.‏ وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن تبع هداه، ودعا بدعوته إلى يوم الدين‏.‏