" وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ " ‏(النور‏:43).


النص القرآني المتمم للآية الثالثة والأربعين من سورة النور نص معجز؛ لاحتوائه على عدد من الحقائق العلمية التي لم يدركها أهل العلوم المكتسبة إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين‏ .‏ وسورة النور سورة مدنية‏ ,‏ آياتها أربع وستون‏ ,‏ ويدور محورها الرئيسي حول عدد من التشريعات الإلهية التي تحكم سلوك المسلم‏ ,‏ وتضبط أخلاقه ومعاملاته ‏,‏ وتحدد له ما يجب أن يتمسك به من آداب في كلٍ من حياته الخاصة والعامة‏,‏ كما تحدد ضوابط العلاقات داخل الأسرة المسلمة؛ صوناً لحرماتها‏,‏ وحفاظا عليها من التفكك والانهيار‏,‏ انطلاقاً من كونها محضن الصغار‏,‏ ولبنة بناء المجتمع المسلم‏ .
ولذلك أوردت سورة النور عدداً من الحدود الشرعية ، مثل حد الزنا‏,‏ وحد القذف‏,‏ وضوابط درء الشبهات، كاللعان وغيرها‏؛ وذلك صوناً للمجتمعات الإنسانية من الفساد والإباحية والفوضى واختلاط الأنساب ‏.‏
وقد سميت السورة باسم سورة النور لورود الإشارة في الآية الخامسة والثلاثين منها إلى حقيقة أن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ هو نور السماوات والأرض ‏.‏
وتبدأ السورة الكريمة بتأكيد أنها من جوامع سور القرآن الكريم‏,‏ التي أنزلها الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ على خاتم أنبيائه ورسله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ وفرض فيها على عباده فرائض ألزمهم بها‏,‏ كما أنزل عدداً من آياته البينات تذكرة للناس‏، ومن أول هذه الفرائض تحريم الزنا‏,‏ ووضع الحدود الرادعة للواقعين فيه‏، وتبشيع هذه الجريمة بالتأكيد على أن"...‏ الزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى المُؤْمِنِينَ‏ "‏
(النور:3) ، وتشير السورة إلى إشاعة فرية الإفك‏,‏ وتجرِّم الخائضين فيها‏,‏ وتبرِّئ المظلومين من دنسها‏,‏ مؤكدة أن الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ لا يحب أن تشيع الفاحشة بين المؤمنين‏ .‏
وتحذر سورة النور من اتباع خطوات الشيطان‏,‏ وتحضُّ على الإنفاق في سبيل الله‏,‏ وتنهى عن الخوض في أعراض الناس‏,‏ وعن قذف المحصنات الغافلات المؤمنات،‏ وتؤكد أن ألسنة الخائضين في أعراض الناس وأيديهم وأرجلهم سوف تشهد عليهم يوم القيامة بما كانوا يعملون ‏.‏
وتنهى سورة النور عن دخول البيوت دون استئذان وسلام على أهلها‏,‏ وتأمر بغض البصر‏,‏ وحفظ الفرج‏,‏ وستر العورات‏,‏ وبالاحتشام وعدم التبرج بزينة‏,‏ وتضع ضوابط الزواج‏,‏ وتحرِّم البِغاء، واستغلال الجواري للكسب الدنيوي الرخيص من وراء هذه الجريمة غير الإنسانية وغير الأخلاقية‏,‏ وتدعو إلى عتق رقاب الأرقاء‏,‏ وإلى بناء المساجد‏,‏ والقيام على تطهيرها‏,‏ وعمارتها‏ بيوتاً لله في الأرض‏,‏ ومنارات للهدى‏,‏ ومراكز للدعوة إلى دين الله‏,‏ يُعبد فيها الله‏ ـ تعالى ـ‏ وحده‏ (‏ بغير شريك ولا شبيه ولا منازع‏),‏ ويسبح فيها المؤمنون بحمده صباح مساء‏,‏ لا يشغلهم عن ذلك شيء من شواغل الدنيا وملهياتها‏,‏ أو زخارفها‏,‏ وزيناتها‏;‏ وذلك طمعاً في مرضاة الله‏,‏ وتجنباً لسخطه وغضبه‏،‏ وتحسباً لأهوال يوم القيامة الذي تتقلب فيه القلوب والأبصار‏,‏ وتبشرهم السورة الكريمة بأن الله ـ‏ تعالى ـ‏ سوف يجزيهم أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله‏,‏ فهو‏ ـ سبحانه ـ يهب ما يشاء لمن يشاء‏,‏ ولا حدود لعطائه‏ .
وفي المقابل تؤكد سورة النور أن الكفار في الآخرة سوف يجدون أعمالهم التي اقترفوها في الدنيا‏ ـ‏ وهم متصورون أنها أعمال نافعةـ‏ وكأنها سراب خادع‏,‏ لا قيمة لها ولا وزن عند الله الذي سوف يوفِّيهم حسابهم‏,‏ والله سريع الحساب ‏.‏
وتشبه السورة تخبط الكفار في ظلمات الشرك والكفر والضلال بالواقف في قاع بحر عميق وسط ظلمات متكاثفة، تُحدِثها ظلمة كلٍ من السحاب‏,‏ والأمواج السطحية‏,‏ والأمواج العميقة‏,‏ فلا يكاد يرى شيئاً من حوله‏,‏ وتقرر أنه ‏:" ...‏ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ "
(النور:40) ‏.‏
وتؤكد الآيات أن جميع من في السماوات والأرض يسبح لله الذي له ملك السماوات والأرض وملك كل شيء وإليه المصير‏,‏ وتصف مراحل تكون السحب الركامية وما يصاحبها من إزجاء‏,‏ وتأليف وركم‏,‏ وإنزال لما فيها من ماء وثلج وبَرَد‏,‏ وحدوث للبرق‏,‏ وتشير إلى تبادل الليل والنهار‏,‏ وإلى خلق كل دابة من ماء‏,‏ وإلى عدد من الوسائط التي تتحرك بها تلك الدواب‏,‏ وكلها من الدلائل البينة على طلاقة القدرة الإلهية .‏
وتحذر سورة النور من النفاق والمنافقين‏,‏ وتفضح دخائل نفوسهم‏,‏ وما جُبلوا عليه من الكذب‏,‏ والمكر‏,‏ والاحتيال‏,‏ والحِنْث في الأيْمان‏,‏ ونقض العهود والمواثيق‏ ـ‏ تماماً كما يفعل الصهاينة المجرمون اليوم‏ ـ‏ وتقارن بين مواقف كلٍ من المنافقين والمؤمنين‏,‏ وتأمرهم بطاعة الله ورسوله، فإن أعرضوا فما على الرسول إلا البلاغ‏ .‏
وتؤكد سورة النور أن وعد الله قائم للذين آمنوا وعملوا الصالحات بأن يستخلفهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم‏,‏ وأن يمكِّن لهم دينهم الذي ارتضى لهم‏,‏ وأن يبدلهم من بعد خوفهم أمناً ما داموا يعبدون الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ لا يشركون به شيئاً‏,‏ وأن" ‏...‏ مَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ‏ "
(النور:55) .‏
وتعاود الآيات الأمر بإقام الصلاة‏,‏ وإيتاء الزكاة‏,‏ وطاعة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ خاصة في الأمر بالجهاد في سبيل الله‏,‏ مؤكدة أن الذين كفروا ليسوا بمعجزين في الأرض‏,‏ وأن مأواهم النار وبئس المصير‏,‏ كما تعاود إلى المزيد من ضوابط السلوك في البيت المسلم‏,‏ وفي حضرة رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏‏ ـ وهو نموذج للتعامل مع أية قيادة إسلامية، وتجعل هذا الأدب في التعامل من صفات المؤمنين الملتزمين بأوامر الله ورسوله‏,‏ وتحذر من مخالفة تلك الأوامر درءاً لفتن الدنيا وعذاب الآخرة‏ .‏
وتختتم سورة النور بالتأكيد مرة أخرى أن لله ما في السماوات والأرض‏,‏ وأنه‏ ـ‏ تعالى ـ عليم بما في قلوب خلقه ‏(‏ لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء‏),‏ وأنهم جميعاً سوف يُرجعون إليه فينبئهم بما فعلوا في الدنيا ويجازيهم بأعمالهم‏ .‏

والآيات الكونية التي استشهدت بها سورة النور على صدق ما جاء بها من حقائق وأحكام آيات عديدة منها ما يلي ‏:‏
(1)‏ حقيقة أن الله ـ تعالى‏ ـ‏ هو نور السماوات والأرض‏,‏ وضرب المثل لهذا النور بتشبيه علمي دقيق" ‏وَلِلَّهِ المَثَلُ الأَعْلَى ‏" (النحل:60) .
(2)‏ التشبيهات الدقيقة بظواهر السراب‏,‏ وبالظلمات المركبة فوق قيعان البحار العميقة‏,‏ وبحقيقة أن من لم يجعل الله له نوراً فما له من نور ‏.‏
(3)‏ تأكيد حقيقة تسبيح كل ما في السماوات والأرض لله ‏.‏
(4)‏ وصف تكون السحب الركامية والظواهر المصاحبة لتكوينها بدقة بالغة‏,‏ ونسبة ظاهرة البرق إلى البَرَد‏,‏ وهي حقيقة لم يدركها العلماء إلا في أواخر القرن العشرين ‏.‏
(5)‏ تبادل‏(‏ تقليب‏)‏ الليل والنهار ‏.‏ ‏
(6)‏ خلق كل دابة من ماء ‏.‏
‏(7)‏ الإشارة إلى إمكانية تصنيف الدواب على أساس من طريقة مشيها ‏.‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة مستقلة‏,‏ ولذلك فسوف أقصر حديثي هنا على إنزال البرد من السحب الركامية‏,‏ وعلاقة ذلك بحدوث ظاهرة البرق‏,‏ وقبل الولوج في ذلك لابد من استعراض لأقوال عدد من المفسرين في شرح هذا النص القرآني المعجز‏ .
في تفسير قوله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ
: "...‏ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ "(النور:43).
ذكر ابن كثير ـ‏ يرحمه الله‏ ـ‏ ما نصه‏:...‏ وقوله‏:"‏ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ ‏"‏
قال بعض النحاة‏:(‏ من‏)‏ الأولى لابتداء الغاية‏,‏ والثانية للتبعيض‏,‏ والثالثة لبيان الجنس‏,‏ ومعناه أن في السماء جبال برد ينزل الله منها البرد‏,‏ وأما من جعل الجبال ههنا كناية عن السحاب فإن‏(‏ من‏)‏ الثانية عنده لابتداء الغاية، لكنها بدل من الأولى والله أعلم‏ .
وقوله ـ تعالى ـ‏:"
‏ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ ‏".
يحتمل أن يكون المراد بقوله‏:"‏ فَيُصِيبُ بِهِ ‏"‏ أي بما ينزل من السماء من نوعي المطر والبَرَد‏,‏ فيكون قوله‏:"‏ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ"رحمة لهم ."وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ" أي يؤخر عنهم الغيث‏,‏ ويحتمل أن يكون المراد بقوله‏: "‏ فَيُصِيبُ بِهِ "‏ أي بالبرد نقمة على من يشاء لما فيه من إتلاف زروعهم وأشجارهم‏," وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ" رحمة بهم .‏ وقوله:"‏ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ "‏ أي يكاد ضوء برقه من شدته يخطف الأبصار إذا اتبعته وتراءته ‏. (انتهى قول المفسر)‏
وجاء في تفسير الجلالين ـ رحم الله كاتبيه رحمة واسعة‏ـما نصه :
‏..."‏ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ " (‏ من‏)‏ زائدة‏جِبَالٍ فِيهَا "في السماء‏,‏ بدل بإعادة الجار" مِن بَرَدٍ "‏ أي بعضه‏:"‏ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ ‏"."‏يَكَادُ ‏"يقرب ."‏ سَنَا بَرْقِهِ "لمعانه " يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ ‏"‏ الناظرة له أي يخطفها‏ .‏ (انتهى قول المفسر)‏
وجاء في الظلال‏ ـ‏ رحم الله كاتبها برحمته الواسعة‏ ـ‏ ما نصه‏ : ...‏ وهو في هيئة الجبال الضخمة الكثيفة فيها قطع البرد الثلجية الصغيرة‏ ، ومشهد السحب كالجبال ليبدو كما يبدو لراكب الطائرة وهي تعلو فوق السحب أو تسير بينها ، فإذا المشهد مشهد الجبال حقاً بضخامتها‏,‏ ومساقطها‏,‏ وارتفاعاتها‏,‏ وانخفاضاتها‏,‏ وإنه لتعبير مصور للحقيقة التي لم يرها الناس‏,‏ إلا بعدما ركبوا الطائرات‏ .‏
وهذه الجبال مسخرة بأمر الله وفق ناموسه الذي يحكم الكون‏,‏ ووفق هذا الناموس يصيب الله بالمطر من يشاء ويصرفه عن من يشاء ‏...‏ وتكملة المشهد الضخم‏
: "‏ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ" ذلك ليتم التناسق مع جو النور الكبير في الكون العريض‏,‏ على طريق التناسق في التصوير ‏.‏ (انتهى قول المفسر)‏
وجاء في صفوة البيان لمعاني القرآن ـ‏ رحم الله كاتبه برحمته الواسعة‏ ـ‏ ما نصه : .."
‏ سَنَا بَرْقِهِ "‏ أي شدة ضوء برق السحاب ولمعانه ‏.‏ يقال‏:‏ سنا يسنو سناً‏,‏ أي أضاء‏ . (انتهى قول المفسر)‏‏
وجاء في المنتخب في تفسير القرآن الكريم ـ‏ جزى الله كاتبيه خيرا‏ًً ـ‏ ما نصه‏ : ...‏ والله ينزل من مجموعات السحب المتكاثفة التي تشبه الجبال في عظمتها بَرَدا‏ًً,‏ كالحصى ينزل على قوم فينفعهم أو يضرهم تبعاً لقوانينه وإرادته‏,‏ ولا ينزل على آخرين كما يريد الله، فهو ـ سبحانه ـ الفاعل المختار‏,‏ ويكاد ضوء البرق الحادث من اصطكاك السحب يذهب بالأبصار لشدته‏,‏ وهذه الظواهر دلائل قدرة الله الموجبة للإيمان ‏. (انتهى قول المفسر)‏‏
وجاء في تعليق الخبراء بالهامش الملاحظتان التاليتان‏ :‏
‏(1)‏ لا يعرف التشابه بين السحب والجبال إلا من يركب طائرة تعلو به فوق السحاب فيراها من فوق كأنها الجبال والآكام‏,‏ وإذا لم تكن تلك الطائرات موجودة في عصر النبي ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ فإنه يكون ذلك دليلاً على أن هذا الكلام من عند الله الذي يعلم ما علا وما انخفض ‏.
(2)‏ تسبق هذه الآية الكريمة ركب العلم، فإنها تتناول مراحل تكون السحب الركامية وخصائصها، وما عرف علمياً في العهد الأخير من أن السحب الممطرة تبدأ على هيئة وحدات يتألف عدد منها في مجموعات هي السحب الركامية ، أي السحب التي تنمو في الاتجاه الرأسي‏ ‏، وترتفع قممها إلى علو‏(15)‏ إلى‏(20)‏ كيلو مترا، فتبدو كالجبال الشامخة‏ .‏
كما أن هذه السحب هي ـ وحدها ـ التي تجود بالبَرَد‏,‏ وتشحن بالكهرباء‏,‏ وقد يتلاحق حدوث البرق في سلسلة تكاد تكون متصلة‏ (40‏ تفريغاً في الدقيقة الواحدة‏)‏ فيذهب ببصر الراصد من شدة الضياء‏ .



فهم النص القرآني في ضوء المعارف المكتسبة :
:‏ النصف الأول من الآية الكريمة‏ :‏
في النصف الأول من الآية الكريمة رقم‏ (43)‏ من سورة النور التي يقول فيها ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ‏ مخاطباً خاتم أنبيائه ورسله‏ ـ صلى الله عليه وسلم ‏، والخطاب من بعده للناس كافة ـ بقوله‏ ‏ـ عز من قائل‏ ـ : "‏ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ "‏(‏النور‏:43) ‏ .
سبق وأن ذكرنا في مقال سابق أن الفعل‏ "يُزْجِي ‏"‏ معناه يسوق سوقاً رفيقاً‏(‏ من زجى الشيء‏,‏ يزجيه‏,‏ تزجية‏,‏ وإزجاءاً أي دفعه برفق ‏.‏
وقد أثبتت الدراسات الحديثة أن الرياح ‏(‏ المصرفة حسب المشيئة الإلهية‏)‏ هي التي تثير السحاب‏,‏ وأن السحاب في بدء استثارته يكون في كثير من الأحوال على هيئة القطع الصغيرة المتناثرة في صفحة السماء الدنيا‏,‏ ثم تأتي الرياح لتسوق هذه القطع الصغيرة المتناثرة من السحاب سوقاً رفيقا‏ًً (‏ وهو الإزجاء‏),‏ ولمَّا كانت سرعة تحرك قطع السحاب الصغيرة أبطأ من سرعة الرياح التي تسوقها‏,‏ فإن عملية إزجائها تستغرق وقتا من الزمن حتى تؤدي في النهاية إلى تجميعها في كتلة سحابية ضخمة‏,‏ ولذلك استخدم القرآن الكريم حرف العطف ثم الذي يدل على الترتيب مع التراخي،‏ ويزداد بطء السحابة في تحركها كلما زادت كتلتها‏,‏ وكلما قربت من منطقة التجمع،‏ حيث يؤلف الله ـ تعالى ـ بينها ـ أي يضم بعضها إلى بعض في التئام ومواءمة‏ ـ‏ وهنا تتلاحم مكونات السحب الصغيرة المجتمعة على بعضها البعض، وتمتزج امتزاجاً كاملاً في جسم واحد كبير‏(‏ وهو المقصود بالتآلف‏),‏ ومع بطء تحرك هذا التجمع السحابي الكبير تزداد سرعة التيارات الهوائية الصاعدة إلى داخله‏,‏ ويزداد ارتفاع مكوناته إلى أعلى‏,‏ ويؤدي ذلك إلى جلب مزيد من بخار الماء إلى داخله‏، وباستمرار ارتفاع مكونات هذا التجمع السحابي إلى مستويات عليا من نطاق المناخ‏(‏ نطاق الرجع‏)‏ ـ حيث الانخفاض المستمر في كل من الضغط ودرجة الحرارة ـ تزداد الفرص لتكثف ما به من بخار الماء‏,‏ مما يزيد في سرعة التيارات الهوائية الصاعدة إلى داخل هذا التجمع من السحب‏,‏ وبالتالي إلى زيادة تدفق بخار الماء إلى قلبه‏,‏ وزيادة نموه‏,‏ وكذلك زيادة فرصه في الارتفاع إلى أعلى على هيئة أعداد من سلاسل السحب التي تأخذ شكل السلاسل الجبلية‏,‏ ذات القمم السامقة‏,‏ والتي تتعدد بتعدد التيارات الهوائية الصاعدة إلى داخلها‏,‏ والمرتفعة بمكوناتها إلى أعلى مستويات تصلها قوة اندفاع تلك التيارات الصاعدة‏,‏ وهذه التيارات الهوائية الصاعدة تكون في أعلى سرعاتها في وسط السحب‏,‏ وتتضاءل سرعاتها على الأطراف، فيظهر تأثيرها على هيئة النافورات المتدفقة بمائها إلى أعلى‏,‏ أو فوهات البراكين الثائرة التي تلقي بملايين الأطنان من الحمم إلى أعلى، فتتساقط متجمعة ومتكدسة على جوانب المخروط البركاني‏,‏ وتؤدي هذه العملية إلى إلقاء السحب بعضها فوق بعض على جوانب تيارات الهواء الصاعدة بما فيها من بخار الماء المتكثف لتتجمع حول القمة المتكونة‏,‏ وهذا هو المقصود‏(‏ بالركم‏)‏؛ لأن‏(‏ الركم‏)‏ في اللغة هو إلقاء الشيء بعضه فوق بعض‏ ،‏ من‏(‏ ركم‏)‏ الشيء‏(‏ يركمه‏)(‏ ركما‏ًً)(‏ فارتكم‏)‏ و‏(‏تراكم‏)‏ أي اجتمعت أجزاؤه شيئاً فوق شيء فأصبح‏(‏ رُكَاما‏ًً)(‏ مركوما‏)‏ أو‏(‏ مُرتكَما‏ًً)‏ أو‏(‏ مُتراكِماً‏)‏ بعضه على بعض‏ .
و‏(‏ركم‏)‏ السحاب يؤدي إلى نموه الرأسي باستمرار على هيئة سلسلة من القمم الجبلية المفصولة بعدد من التلال والهضاب والأودية‏،‏ وكلما زاد نمو تجمعات السحب رأسياً زاد سمكها وزاد ركمها‏,‏ ومن هنا كانت تسمية هذا النوع من تجمعات السحب باسم السحب الركامية‏(‏ أو المركومة‏)

(
Cumuliformor Heap Clouds) ، ‏وترجمة هذا التعبير الإنجليزي هو السحب المكدسة أو المتجمعة على هيئة أكوام متراصة فوق بعضها تمييزاً لها عن غيرها من أنواع السحب‏,‏ وإبرازاً لدور الركم في تكوينها ‏.‏
ومن السحب الركامية أنواع منخفضة إلى متوسطة الارتفاع ‏(‏ يزيد ارتفاع قواعدها على كيلو مترين فوق مستوى سطح البحر‏),‏ ومنها السحب العالية التي تجاوز قممها الخمسة عشر كيلو متراً فوق مستوى سطح البحر‏,‏ وتتجاوز قواعدها الستة كيلو مترات فوق هذا المستوى ‏.‏
ونظرا لكثرة ما بها من بللورات الثلج وحبات البرد وقطرات الماء شديدة البرودة‏،‏ فإن السحب الركامية العالية المعروفة باسم السمحاق الركامي والمتوسطة المعروفة باسم السحب الركامية المتوسطة تظهر أحياناً على شكل أعداد كبيرة من الكريات البيضاء المتراصة في صفوف منتظمة‏,‏ وإن كانت تأخذ أشكالاً متموِّجة في بعض الأحيان ‏.‏ وتتكون السحب الركامية المنخفضة الارتفاع والمعروفة باسم السحب الركامية المزنة والمزن الركامية على هيئة كتل جبلية الشكل ذات نمو رأسي واضح‏,‏ وقواعد أفقية تقريباً ‏.‏
وتشتمل السحب الركامية على بللورات الثلج في قممها‏,‏ وعلى خليط من حبات البرد وقطرات من ماء شديد البرودة في وسطها‏,‏ وعلى قطرات الماء البارد في قاعدتها‏،‏ وتصاحبها عادة ظواهر البرق والرعد وهطول المطر وسقوط حبات البرد وبللورات الثلج ‏.‏
ومن السحب الركامية المنخفضة ما يشبه سلاسل التلال بدلاً من سلاسل الجبال لقلة سُمْكها نسبيا‏ًً,‏ ولتوقف عمليات الركم دون الارتفاعات المناسبة‏,‏ وهي لقلة ارتفاعها لا يتكون بداخلها البرد ولا الثلج‏,‏ ولا يصاحبها برق ولا رعد‏,‏ وإذا أمطرت فلا ينزل منها إلا الماء ‏.‏
وتتحرك السحب الركامية إلى حيث أراد الله‏ ـ‏ تعالى ـ لها أن تصل‏,‏ وتظل عوامل الركم فيها مستمرة مادامت تيارات الهواء الصاعدة إلى قلبها مندفعة بقوة تمكنها من الاحتفاظ بحمولتها من قطيرات الماء‏‏ وحبات البرد وبللورات الثلج‏;‏ وعندما تضعف قوة الرياح الصاعدة التي يصرفها الله ـ تعالى ـ كما يصرف غيرها من أنواع الرياح بعلمه وقدرته وحكمته ، أو عندما تزيد حمولة هذا التجمع من السحب على قدرة حملها، فإن عملية الركم تتوقف وتبدأ مكوناتها في الهبوط إلى الأرض‏,‏ وأول ما ينزل منها الماء‏,‏ وقد يصاحبه أو يتلوه نزول البرد الذي يتلوه نزول الثلج ،‏ ولذلك تقول الآية الكريمة‏ : "...‏ فَتَرَى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ
‏.. " ‏.
والفاء من حروف العطف التي تدل على الترتيب والتعقيب مع الاشتراك وبدونه‏ . و‏(‏الودق‏)‏ هو المطر‏ . و  "مِنْ خِلالِهِ"
أي من فتوق السحاب الركامي ومخارجه؛‏ لأن‏(‏ خلال‏)‏ جمع‏(‏ خلل‏)‏ على وزن جبال وجبل‏ .
وقد ثبت علمياً أنه بتباطؤ سرعة التيارات الهوائية الصاعدة أو توقفها تتكون مناطق خلخلة في قاعدة السحب الركامية، فينزل منها الماء بإرادة الله‏ ـ تعالى‏ ـ وتقديره أولاً من مناطق الخلخلة تلك التي تظل تتسع لتشمل قاعدة السحابة بأكملها حين يسود تيار الهواء الهابط‏,‏ وقد يصاحبه كلٌ من البرد والثلج أو يتلوه تباعاً‏,‏ وذلك حسب ارتفاع ومكونات السحابة الركامية وتوزيع درجات الحرارة والرطوبة فيها ‏.‏

ثانياً : ـ النصف الثاني من الآية الكريمة‏ :‏
في النصف الثاني من الآية الكريمة يقول ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ :‏
‏"..‏ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ
"‏   (‏ النور‏:43)‏.
ومعنى ذلك أنه بعد ‏(‏ إزجاء السحاب‏)‏ أي سوقه سوقاً رفيقا‏ًً,‏ و‏(‏التأليف بينه‏)‏ أي ضم بعضه إلى بعض في التئام ومواءمة‏,‏ وبعد‏(‏ ركمه‏)‏ أي تكديسه بعضه فوق بعض بواسطة حركة التيارات الهوائية الصاعدة داخل هذا التجمع من السحب .‏ و‏(‏خروج الودق‏)‏ أي المطر من خلاله‏,‏ ينزل الله ـ تعالى‏ ـ‏ من السماء‏(‏ أي من هذه السحب الركامية‏) . (‏ من جبال‏)‏ أي من السحب الركامية المرتفعة التي تشبه الجبال في شكلها وارتفاعها وقممها‏ . (‏ فيها من برد‏)‏ أي في هذه الجبال من السحب الركامية التي تعلو قممها عن خمسة عشر كيلو متراً فوق مستوى سطح البحر يوجد البَرَد .
والبرد لغة : هو ما يَبرُد من المطر في الهواء فيتجمد ويصلب، وعلى ذلك فهو يشمل الثلج أيضا‏ًً,‏ وهما لايتكونان في الغلاف الغازي للأرض إلا في السحب الركامية‏,‏ وهي توصف بأنها سحب بردة ـ أي ذات برد وثلج‏ ـ أي أن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ ينزل من السحب الركامية المرتفعة القمم كالجبال شيئاً مما فيها من برد وثلج فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء‏‏ .
ومما ينزل من السحب الركامية البَرَد الذي عادة ما يصاحَب بالعواصف البرقية الرعدية‏,‏ ويصل حجم حبيباته إلى عدة سنتيمترات في طول قطرها‏,‏ وتكون في هذه الحالة ظاهرة مدمِّرة، خاصة للنباتات ولبعض الحيوانات وبالتالي للإنسان‏,‏ كما قد تصيب بعض المنشئات بأضرار بالغة‏,‏ ومن هنا كان البرد من جند الله‏,‏ ينزله حسب تقديره ومشيئته في المكان والزمان المحددين انتقاماً من العاصين‏,‏ وابتلاءاً للصالحين‏,‏ وعبرة للناجين ‏.‏
"‏يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَار‏"والضمير في‏" بَرْقِهِ" يعود على البرد‏,‏ بمعنى أن مرد ظاهرة البرق يعود إلى‏(‏ البرد‏)،‏ وهي حقيقة لم تدركها العلوم المكتسبة إلا في منتصف الثمانينيات من القرن العشرين‏ .‏ و‏(‏السنا‏)‏ هو الضوء الساطع‏,‏ و‏"سَنَا بَرْقِهِ " أي شدة ضوء برقه‏ ." يَذْهَبُ بِالأَبْصَار "أي يخطفها فيفقدها البصر بالتماعها من شدة ضوء البرق‏ .‏ فسبحان الذي نسب ظاهرة البرق للبَرَد من قبل ألف وأربعمائه سنة‏,‏ ولم يدركها الإنسان إلا في أواخر القرن العشرين‏ .‏
كيفية تكون البرد في داخل السحب الركامية :
تصل قمم السحب الركامية عادة إلى ارتفاعات قد تتجاوز الخمسة عشر كيلو متراً فوق مستوى سطح البحر ـ‏ أي تتجاوز نطاق الرجع بأكمله‏ ـ‏ وفي هذه الارتفاعات الشاهقة تنخفض درجة الحرارة انخفاضاً شديداً حتى تصل إلى ستين درجة مئوية تحت الصفر فوق خط الاستواء‏,‏ كذلك يتناقص الضغط الجوي من سطح البحر باستمرار مع الارتفاع حتى يصل إلى واحد من ألف من قيمته بعد ارتفاع مقداره ‏48‏ كيلو متراً فوق مستوى سطح البحر‏,‏ وتعين هذه الظروف على تكثف بخار الماء في السحابة ونمو قطيرات الماء فيها إلى أحجام تعتبر نسبياً كبيرة‏,‏ وتجمد هذه القطيرات على هيئة بلورات الثلج في قمم السحب الركامية العالية إذا توافرت لها نوى التبلور‏,‏ ويتحول في وسطها إلى خليط من البرد والماء الشديد البرودة‏ .‏
ويتكون البرد في درجات أقل من الصفر المئوي وحتى أربعين درجة مئوية تحت الصفر‏,‏ ويتكون البرد في الأجزاء الوسطى من السحب الركامية نتيجة لسقوط بلورات الثلج من قمم تلك السحب إلى أواسطها، حيث تكثر قطيرات الماء المبرد تبريداً شديداً، والتي تتجمد‏‏ بمجرد اصطدامها بالكتل الثلجية الهابطة والتحامها بها أو باصطدامها مع بعضها البعض فتتكون كرات أو أقراص من الثلج غير المتبلور حول نواة من بلورة أو كتلة ثلجية‏,‏ أو بدونها‏؛‏ وذلك لأن قطرات الماء شديدة البرودة تكون في حالة غير مستقرة‏,‏ فإذا اصطدمت ببعضها البعض أو بأي جسم آخر فإنها تتجمد في الحال ‏.‏
ولايهطل الثلج‏ (‏ الجليد‏)‏ إلا في المناطق الباردة التي تصل فيها درجة الحرارة إلى مادون الصفر المئوي‏,‏ وإلا مع توافر نوى التكثف الملائمة في قمم السحب الركامية ‏.‏
وبللورات الثلج وكذلك حبيبات البرد تنمو بتصادمها مع بعضها البعض على هيئة صفائح رقيقة حتى تقارب أقطارها السنتيمتر، فتنزل بقدر الله وحيث يشاء إلى الأرض التي قدر أن يصيبها به ‏.‏
ويتساقط الجليد في شتاء المناطق الباردة على مساحات واسعة‏,‏ ويظل ينمو على سطح الأرض من سنتيمترات قليلة في السُمْك إلى عدة أمتار‏,‏ ويسبب تجمعه فوق سطح الأرض هبوطاً عاماً في درجة الحرارة لبرودته، مما يؤدي إلى برودة الجزء الملاصق له من الغلاف الغازي للأرض‏,‏ ولقيامه بعكس نسبة كبيرة من الإشعاع الشمسي‏,‏ ولذلك تبقى درجة حرارة الجو في المناطق المكسوة بالجليد في حدود الصفر المئوي أو دونه على الرغم من سطوع الشمس‏,‏ وقد يؤدي تراكم الجليد إلى شل حركة المواصلات‏,‏ وإتلاف المحاصيل الزراعية لتكسرها بتجمع كتل الثلج فوقها‏,‏ ولتمزق أوعيتها الخشبية بتجمد العصارة الغذائية فيها‏,‏ وعلى الرغم من ذلك فقد يكون لنزول الثلج وما يصاحبه من ظواهر الصقيع مردوداً إيجابياً على بعض أشجار الفاكهة المتساقطة الأوراق، إذ تحتاج هذه الأشجار لنجاح إثمارها ونموها إلى فترة من السكون خلال الشتاء بتساقط أوراقها وتكسر بعض فروعها، مما يحفزها على النمو والإثمار في الربيع والصيف التاليين‏,‏ ولذلك قال‏ ـ تعالى‏ ـ :‏ "..‏ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ "
  (النور:43). ‏‏
أي يُضِر به من يشاء ويصرف ضرره عمن يشاء‏,‏ أو ينفع به من يشاء ويصرف نفعه عمن يشاء بعلمه وحكمته وقدرته ‏.‏
ويبدأ تساقط الجليد عادة في مناطق خطوط العرض العالية ابتداءاً من شهر ديسمبر‏,‏ ويستمر متقطعاً طيلة فصل الشتاء‏,‏ كما يغطي الجليد قمم الجبال العالية طيلة السنة تقريباً‏,‏ ويسمى الارتفاع الذي تظهر عنده الثلوج الدائمة باسم ‏(‏ حد الثلج الدائم‏),‏ ويتراوح ارتفاع هذا الحد بين‏1.2‏ كيلو متر في بلد شمالي ـ كالنرويج ـ إلى خمسة كيلو مترات ونصف الكيلو متر في بلد إفريقي ـ مثل تنزانيا ـ‏ وإلى ستة كيلو مترات ونصف الكيلو متر في بلد أمريكي جنوبي ـ مثل المكسيك‏ ـ‏ وعندما يذوب بعض هذا الجليد الذي تراكم طوال فصل الشتاء في كلٍ من فصلى الربيع والصيف قد يكون سبباً في فيضان بعض الأنهار فيضاناً مغرقاً في بعض الحالات‏ .‏
دور البرد في حدوث ظاهرة البرق :
إلى منتصف الثمانينيات من القرن العشرين بقي تعريف البرق بأنه تفريغ كهربي بين سحابتين تحمل كلٌ منهما شحنة كهربية مختلفة‏,‏ أو بين جزءين مختلفين من سحابة واحدة كلٌ منهما يحمل شحنة كهربية مختلفة‏, ‏وإذا ما تمت عملية التفريغ الكهربي تلك بين السحب والأرض سميت الظاهرة باسم الصاعقة ‏.‏
ويصاحَب ظاهرة البرق انطلاق حرارة عالية قد تصل إلى عشرات الآلاف من الدرجات المئوية، مما يؤدي إلى تسخين فجائي وشديد لكتل من الهواء التي ينتشر البرق فيها فتتمدد فجأة‏,‏ وينتج عن تمددها سلسلة من أمواج التضاغط والتخلخل في الهواء المحلي ينتج عنها أمواج صوتية على هيئة جلجلة أو فرقعات شديدة تظل تتردد وتنعكس بين السحب الركامية وقواعدها‏,‏ وبينها وبين الغلاف الغازي للأرض أو المرتفعات المحيطة بها‏,‏ أو بينها وبين سطح الأرض مباشرة‏,‏ وتعرف هذه الموجات الصوتية وتردداتها ورجعها باسم الرعد ‏.‏
في أواخر الأربعينيات من القرن العشرين أثبتت التجارب المختبرية أنه عند انصهار الثلج تتولد شحنات كهربائية لاتتوقف حتى تتم عملية الانصهار‏ .‏
وعلى العكس من ذلك أثبتت التجارب المعملية أن الماء عند تجمده من محلول ملحي يتولد تيار كهربائي مصاحب بفرق جهد كهربي ملحوظ بين كتلة الثلج والمحلول المائي المالح المغموسة فيه وعلى السطح الفاصل بينهما‏,‏ وأن هذا الفرق في الجهد الكهربي يتلاشى باكتمال عملية التجمد‏ .‏
كذلك ثبت أن شحنة كهربائية يمكن أن تنتقل بين بلورتين من بلورات الثلج بمجرد اصطدامهما‏,‏ وقد أشارت هذه النتائج المعملية إلى إمكانية أن يكون نمو بلورات الثلج وحبيبات البرد وانصهارها داخل السحب الركامية هو أحد أسباب تولد الشحنات الكهربائية داخل تلك السحب‏,‏ وبالتالي لتكون ظاهرتي البرق والرعد فيها ‏.‏
وبعد ذلك لاحظ إخصائيو الأرصاد الجوية أن تياراً كهربائياً يتولد أثناء سقوط كلٍ من الثلج والبرد والمطر، وأنه ينساب إلى أعلى‏‏ في اتجاه معاكس لاتجاه سقوطها من السحب الركامية‏ .‏
وفي منتصف الستينيات من القرن العشرين ثبت بالملاحظة تولد قوة كهربائية عند تلامس قطعتين من الثلج في درجتي حرارة مختلفتين أو عند انزلاق إحداهما على الأخرى، وذلك بالتأثير الحراري‏,‏ وأن وجود فقاعات هوائية حبيسة داخل تلك البلورات الثلجية يؤثر في نوع الشحنة الكهربائية من ناحية كونها موجبة أو سالبة‏ .‏
كذلك تتولد شحنات كهربائية عند تصادم قطرات الماء الشديدة البرودة مع بلورات الثلج أو حبات البرد أو مع أي خليط منهما، ومعنى ذلك أن شحنات كهربائية تتولد عندما يتحول الماء من حال إلى حال ـ من الماء شديد البرودة إلى البرد أو إلى الثلج‏ ـ‏ كما تتولد عند تصادم أو ملامسة أيٍ من هذه الحالات مع بعضها البعض‏,‏ وكلما طرأ على كل حالة من حالات الماء الصلبة والسائلة والغازية طارئ، يغير من شكلها أو حجمها‏,‏ أو كتلتها‏,‏ أو درجة حرارتها‏ .‏
هذه التجارب والملاحظات المتكررة انتهت في الثمانينيات من القرن العشرين إلى اعتبار البرد بمعناه الشامل للماء شديد البرودة‏,‏ ولحبات البرد ولبلورات الثلج‏‏ هو المولد الحقيقي لشحنات الكهرباء، ومن ثم لظاهرة البرق‏ .‏
وحبات البرد هي تلك الحبات الكرية وشبه الكرية التي تتكون من راقات من الثلج على هيئة إضافات متتالية لثلج جاف غير متبلور على هيئة الزبد فوق إحدى نوى التبلور‏,‏ سواء كانت تلك النواة بلورة من الثلج أو قطعة منه، أو هباءة من الغبار أو الهباب الناجم عن عمليات الاحتراق المختلفة‏,‏ أو مما تقذف به البراكين عبر فوهاتها من غازات وأبخرة‏,‏ أو ماينتج عن احتراق الشهب باحتكاكها بالغلاف الغازي للأرض في أجزائه العليا‏,‏ أو من الأملاح المختلفة التي يمكن أن تحملها الأبخرة المتصاعدة من أسطح البحار والمحيطات‏,‏ أو غير ذلك من ملوثات الهواء‏ .‏
وعندما يتم تكثف بخار الماء تحت الصفر المئوي بحوالي الثلاثين درجة، فإنه يتحول إلى ثلج مباشرة عند توافر نوى التكاثف الصلبة‏,‏ دون مروره بمرحلة قطران الماء السائل‏ , أما إذا حدثت عملية التكثف في هذه الدرجات المنخفضة من الحرارة دون توافر نوى التكثف الصلبة تتكون نقط من الماء شديد البرودة الذي لايتجمد على الرغم من الانخفاض الشديد لدرجة الحرارة إلى ما دون درجة تكون الجليد‏,‏ وتظل نقط الماء الشديد البرودة تلك في حالة من عدم الاستقرار يجعلها قابلة للتجمد بمجرد تصادمها مع بعضها البعض أو مع أي جسم صلب‏,‏ وبذلك يتكون البرد‏,‏ وبتكونه ينشأ البرق‏,‏ ويصاحبه الرعد‏,‏ وتنزل الثلوج والبرد وتهطل الأمطار بإذن الله‏؛ وذلك لأن ضغط التشبع بالنسبة للماء السائل أكبر من ضغط التشبع بالنسبة إلى الثلج في نفس درجة الحرارة‏,‏ ومن هنا فإن سحابة ركامية بها مقادير كافية من قطرات الماء الشديد البرودة تصبح مهيأة لإنزال المطر بإذن الله ـ تعالى‏ ـ بمجرد تجمد تلك القطرات‏ .‏
والسحابات الركامية عادة ما تكون لها قمم ناصعة البياض لتوافر بلورات الثلج فيها‏,‏ وبمجرد تساقط شيء من تلك البلورات الثلجية إلى المنطقة الوسطى من السحابة، وهي غنية بقطرات من الماء الشديد البرودة يبدأ البرد في التشكل‏,‏ وتنشط ظاهرتا البرق والرعد‏,‏ وتكون السحابة مرشحة لإنزال الماء بأمر من الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ وبرحمة منه وفضل على هيئة رخَّات قليلة تبدأ من وسط السحابة‏,‏ ثم لا تلبث أن تنتشر في كل قاعدتها ‏.‏
ومصدر الشحنات الكهربائية المندفعة من السحب الركامية إلى سطح الأرض وبالعكس أثناء هطول كلٍ من الأمطار والثلوج يوجد على ارتفاعات تكاد تنحصر بين سطحين في الغلاف الغازي للأرض تتراوح درجتي حرارتهما بين‏(15)‏ درجة مئوية تحت الصفر‏,‏ و‏(25)‏ درجة مئوية تحت الصفر‏,‏ وعلى الرغم من اختلاف أنواع السحب الركامية مكاناً‏,‏ وزماناً‏,‏ وبناءاً‏,‏ وفي عوامل التكوين، إلا أن هذا الحيز الحراري يبقى ثابتا‏ًً .‏
ويصحب عملية تكون كلٍ من الثلج والبرد تخلق مجال كهربائي إذا وصل تركيز بلورات الثلج في الحيز المحصور بين‏(-15‏ م‏),(-25‏ م‏)‏ إلى عشر بلورات في اللتر الواحد ‏.‏
من هنا توصل العلماء في منتصف الثمانينيات من القرن العشرين إلى أن البرد بمعناه الواسع هو السبب الرئيسي في تكون ظاهرة البرق، والتي يصاحبها الرعد بإذن الله ـ‏ تعالى‏ ـ‏ وهي حقيقة سبق القرآن الكريم بتأكيدها من قبل ألف وأربعمائة سنة، وذلك في الآية التي نحن بصددها ‏(‏ رقم‏(43)‏ من سورة النور‏)‏ التي أكدت إزجاء السحاب‏,‏ ثم التأليف بينه‏,‏ ثم جعله ركاما‏ًً,‏ ثم إنزال الودق من خلاله‏,‏ وفصل بين المراحل الثلاث الأولى بحرف العطف ‏(‏ ثم‏)‏ الذي يفيد الترتيب مع التراخي؛ لأن كل مرحلة منها تستغرق فترة زمنية حتى تتم‏,‏ فلما وصل إلى المرحلة الرابعة فصلها بحرف العطف‏(‏ فـ‏)،‏ والذي من معانيه الترتيب مع التعقيب؛ لأن نزول المطر بإذن الله ـ‏ تعالى‏ ـ‏ يتم بعد إتمام عملية الركم مباشرة‏,‏ وأن هذا الماء ينزل من خلال وسط قاعدة السحابة الركامية أولاً، وهي منطقة ضعف تنتج عن توقف اندفاع تيارات الهواء الصاعد أو ضعفها‏,‏ وغلبة تيار الهواء الهابط عليها‏,‏ ثم بعد ذلك ينزل من جوانب قاعدة السحابة أو منها كلها‏ .‏
كذلك فإن وصف السحب الركامية بلفظ الجبال‏,‏ وقصر نزول البرد عليها‏,‏ وحدوث البرق بلمعانه الخاطف‏,‏ ونسبة البرق إلى البرد‏,‏ كل ذلك من الحقائق العلمية التي لم تصل إليها المعارف المكتسبة إلا بعد مجاهدة طويلة استغرقت آلاف العلماء‏,‏ ومئات السنين حتى تبلور شيء من فهم الانسان لها في العقود المتأخرة من القرن العشرين‏,‏ وسبق القرآن الكريم بالإشارة إليها في آية واحدة نرى فيها من الإيجاز‏,‏ والشمول‏,‏ والكمال‏,‏ والجمال‏,‏ والدقة في التعبير والإحاطة بالمعاني ما لا يقدر عليه إلا الله الخالق‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ فلم
يكن لأحد من البشر إدراك لهذه الحقائق الكونية إلا في العقود الثلاثة الماضية‏ .‏
وصلِ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد الذي تلقى هذا القرآن عن ربه‏,‏ والحمد لله الذي أنزل هذا القرآن بعلمه‏,‏ وحفظه بوعده وعهده ‏.